قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم== وفادة وائل بن حجر بن ربيعة أحد ملوك اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم
==وفادة زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه
== وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه
= قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم
=وفد بني أسد
=وفد بني فزارة
=وفد بني ثعلبة=وفد بني كلاب ==وفد بني عقيل بن كعب
==وفد بني البكاء
====
قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع .
قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم [ ص: 318 ] بإسلامهم مقدمه من تبوك وهم ; الحارث بن عبد كلال ، ونعيم بن عبد كلال ، والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان ، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله ، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد ذلكم ; فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم ، فلقينا بالمدينة ، فبلغ ما أرسلتم به ، وخبر ما قبلكم ، وأنبأنا بإسلامكم ، وقتلكم المشركين ، وأن الله قد هداكم بهداه ، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله ، وأقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفيه ، وما كتب على المؤمنين في الصدقة ; من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء ، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر ، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون ، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر ، وفي كل خمس من الإبل شاة ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي [ ص: 319 ] كل أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة ، فمن زاد خيرا فهو خير له ، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، وله ذمة الله ، وذمة رسوله ، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها وعليه الجزية ; على كل حالم ذكر أو أنثى ، حر أو عبد ، دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا ، فمن أدى ذلك إلى رسول الله ، فإن له ذمة الله ، وذمة رسوله ، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله .
أما بعد ; فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيرا ; معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد ، ومالك بن عبادة ، وعقبة بن نمر ، ومالك بن مرة وأصحابهم ، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم ، وأبلغوها رسلي ، وإن أميرهم معاذ بن جبل ، فلا ينقلبن إلا راضيا .
أما بعد ; فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير ، وقتلت المشركين ، [ ص: 320 ] فأبشر بخير ، وآمرك بحمير خيرا ، ولا تخونوا ولا تخاذلوا ، فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته ، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب ، فآمركم به خيرا ، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم ، فآمركم بهم خيرا ، فإنهم منظور إليهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا عمارة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة . ورواه أبو داود ، عن عمرو بن عون الواسطي ، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني ، عن ثابت البناني ، عن أنس به .
وقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا حديث كتاب عمرو بن حزم ، فقال : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا ، الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ، ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم ، فكتب له كتابا وعهدا ، وأمره فيه أمره فكتب : " بسم الله [ ص: 321 ] الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ( المائدة : 1 ) عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن ; آمره بتقوى الله في أمره كله ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " . وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله ، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين ، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر ، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ، ويلين لهم في الحق ، ويشتد عليهم في الظلم ، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه ، فقال عز وجل ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ( هود : 18 ، 19 ) وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها ، وينذر الناس النار وعملها ، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه ، وما أمر الله به ، والحج الأكبر الحج ، والحج الأصغر العمرة ، وأن ينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير ، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ، ويفضي بفرجه إلى السماء ، ولا ينقض شعر رأسه إذا عفا في قفاه [ ص: 322 ] وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبائل والعشائر ، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، فمن لم يدع إلى الله ، عز وجل ، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق ، وأرجلهم إلى الكعبين ، وأن يمسحوا رءوسهم كما أمرهم الله عز وجل ، وأمروا بالصلاة لوقتها ، وإتمام الركوع والسجود ، وأن يغلس بالصبح ، وأن يهجر بالهاجرة ، حتى تميل الشمس ، وصلاة العصر والشمس في الأرض مبددة ، والمغرب حين يقبل الليل ولا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أول الليل ، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها ، والغسل عند الرواح إليها ، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله ، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقت العين وفيما سقت السماء العشر ، وما سقى القرب فنصف العشر ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي عشرين أربع شياه ، [ ص: 323 ] وفي أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين من الصدقة فمن زاد فهو خير له ، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها ، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب ، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ، عز وجل ، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا ، صلوات الله على محمد ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته " .
قال الحافظ البيهقي : وقد روى سليمان بن داود ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك .
قلت ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في " سننه " مطولا ، وأبو داود في كتاب " المراسيل " ، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في " السنن " ولله الحمد والمنة ، وسنذكر بعد الوفود بعث النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم ; معاذ بن جبل وأبا موسى ، وخالد بن الوليد ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين .
===================================وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي أبي هنيد ، أحد ملوك اليمن ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر بن عبد البر : كان أحد أقيال حضرموت ، وكان أبوه من ملوكهم . ويقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه قبل قدومه به وقال : " يأتيكم بقية أبناء الملوك " . فلما دخل رحب ، به وأدناه من نفسه ، وقرب مجلسه ، وبسط له رداءه ، وقال : " اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده " . [ ص: 331 ] واستعمله على الأقيال من حضرموت ، وكتب معه ثلاث كتب ; منها كتاب إلى المهاجر بن أبي أمية وكتاب إلى الأقيال والعباهلة ، وأقطعه أرضا ، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ، فخرج معه راجلا ، فشكى إليه معاوية حر الرمضاء ، فقال : انتعل ظل الناقة . فقال : وما يغني عني ذلك ؟ لو جعلتني ردفا . فقال له وائل : اسكت فلست من أرداف الملوك . ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية ، فرحب به وقربه وأدناه ، وأذكره الحديث ، وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها ، وقال : أعطها من هو أحوج إليها مني . وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا ، وأشار إلى أن البخاري في " التاريخ " روى في ذلك شيئا .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، أنبأنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا . قال : فأرسل معي معاوية أن أعطها إياه - أو قال : أعلمها إياه - قال : فقال معاوية : أردفني خلفك . فقلت : لا تكون من أرداف الملوك . قال : فقال : أعطني نعلك . فقلت : انتعل ظل الناقة . قال : فلما استخلف معاوية أتيته ، فأقعدني معه على السرير ، فذكرني الحديث . قال سماك : فقال : وددت أني كنت حملته بين يدي . وقد رواه أبو داود ، والترمذي من حديث شعبة ، وقال الترمذي : صحيح . ====================================وفادة زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه
قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو أحمد الأسداباذي بها أنبأنا أبو بكر [ ص: 240 ] أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ، ثنا أبو علي بشر بن موسى ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدث قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام ، فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي ، فقلت : يا رسول الله ، اردد الجيش ، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم . فقال لي : " اذهب فردهم " . فقلت : يا رسول الله ، إن راحلتي قد كلت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فردهم . قال الصدائي : وكتبت إليهم كتابا ، فقدم وفدهم بإسلامهم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك " . فقلت : بل الله هداهم للإسلام . فقال : " أفلا أؤمرك عليهم ؟ " قلت : بلى يا رسول الله . قال : فكتب لي كتابا أمرني فقلت : يا رسول الله ، مر لي بشيء من صدقاتهم . قال : " نعم " . فكتب لي كتابا آخر . قال الصدائي : وكان ذلك في بعض أسفاره ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا ، فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ، ويقولون : أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو فعل ذلك ؟ " قالوا : نعم . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم ، فقال : " لا خير في الإمارة لرجل مؤمن " . قال الصدائي : فدخل قوله في نفسي ، ثم أتاه آخر فقال : يا رسول الله أعطني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الناس عن ظهر غنى ، فصداع في الرأس وداء في البطن " . فقال السائل : فأعطني من الصدقة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله [ ص: 341 ] لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره ، حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " . قال الصدائي : فدخل ذلك في نفسي أني غني وأني سألته من الصدقة . قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتشى من أول الليل ، فلزمته وكنت قريبا ، فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون منه ، ولم يبق معه أحد غيري ، فلما كان أوان صلاة الصبح أمرني فأذنت ، فجعلت أقول : أقيم يا رسول الله ؟ فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول : " لا " . حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ، ثم انصرف إلي وهو متلاحق أصحابه فقال : " هل من ماء يا أخا صداء ؟ " قلت لا ، إلا شيء قليل لا يكفيك . فقال : " اجعله في إناء ثم ائتني به " . ففعلت فوضع كفه في الماء قال : فرأيت بين أصبعين من أصابعه عينا تفور ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أني أستحي من ربي ، عز وجل ، لسقينا واستقينا ، ناد في أصحابي : من له حاجة في الماء ؟ " فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم شيئا ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ، فأراد بلال أن يقيم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم " . قال الصدائي : فأقمت ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة أتيته بالكتابين ، فقلت : يا رسول الله ، أعفني من هذين . فقال : " ما بدا لك ؟ " فقلت : سمعتك يا رسول الله تقول : " لا خير في الإمارة لرجل مؤمن " . وأنا أومن بالله وبرسوله ، وسمعتك تقول للسائل : " من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع ، في الرأس ، وداء في البطن " . وسألتك وأنا غني . فقال : [ ص: 342 ] " هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع " . فقلت : أدع . فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فدلني على رجل أؤمره عليكم " . فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه ، فأمره عليهم ، ثم قلنا : يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها ، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا ، وقد أسلمنا ، وكل من حولنا عدو ، فادع الله لنا في بئرنا ، فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق . فدعا بسبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن ، ثم قال : " اذهبوا بهذه الحصيات ، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة ، واذكروا الله " . قال الصدائي : ففعلنا ما قال لنا ، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها . يعني البئر . وهذا الحديث له شواهد في " سنن أبي داود " والترمذي وابن ماجه .
وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة ، في أربعمائة إلى بلاد صداء فيوطئها ، فبعثوا رجلا منهم فقال : جئتك لترد عن قومي الجيش ، وأنا لك بهم ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا ، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل . ثم روى الواقدي ، عن الثوري ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن زياد بن نعيم ، عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الأذان .===================================وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه
قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي ، أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي ، أنبأنا علي بن الجعد ، ثنا عبد العزيز ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا أبو خالد يزيد الأسدي ، ثنا عون بن أبي جحيفة ، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي ، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال : انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه فأنخنا بالباب ، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه ، فلما [ ص: 346 ] دخلنا وخرجنا ، فما في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه . قال : فقال قائل منا : يا رسول الله ، ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان ؟ قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلعل لصاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان ، إن الله ، عز وجل ، لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها ، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة================================قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأظن ذلك إما بتبوك أو بعدها
قال ابن إسحاق : وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ، ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه ، وأهدى له بغلة بيضاء ، وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب ، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام ، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه ، فحبسوه عندهم فقال في [ ص: 349 ] محبسه ذلك :
طرقت سليمى موهنا أصحابي والروم بين الباب والقروان صد الخيال وساءه ما قد رأى
وهممت أن أغفي وقد أبكاني لا تكحلن العين بعدي إثمدا
سلمى ولا تدنن للإتيان ولقد علمت أبا كبيشة أنني
وسط الأعزة لا يحص لساني فلئن هلكت لتفقدن أخاكم
ولئن بقيت ليعرفن مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى
من جودة وشجاعة وبيان
قال : فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له : عفرى بفلسطين قال :
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها مشذبة أطرافها بالمناجل
قال : وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال :
بلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي ومقامي
قال : ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء ، رحمه الله ، ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه . ===================================وفد بني أسد
وهكذا ذكر الواقدي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع وفد [ ص: 352 ] بني أسد ، وكانوا عشرة منهم ضرار بن الأزور ، ووابصة بن معبد ، وطليحة بن خويلد ، الذي ادعى النبوة بعد ذلك ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، ونقادة بن عبد الله بن خلف ، فقال له رئيسهم حضرمي بن عامر : يا رسول الله ، أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ، ولم تبعث إلينا بعثا . فنزل فيهم : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ( الحجرات : 17 ) ، وكان فيهم قبيلة يقال لهم : بنو الزنية . فغير اسمهم فقال : " أنتم بنو الرشدة " . وقد استهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها ، فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له ، فجاء بها ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلبها ، فشرب منها وسقاه سؤره ، ثم قال : " اللهم بارك فيها وفيمن منحها " . فقال : يا رسول الله ، وفيمن جاء بها . فقال : " وفيمن جاء بها "====وفد بني فزارة
قال الواقدي : حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي ، عن أبي وجزة السعدي قال : لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسع ، قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا ، فيهم ، خارجة بن حصن ، والحارث بن قيس بن حصن ، وهو أصغرهم ، على ركاب عجاف ، فجاءوا مقرين بالإسلام ، وسألهم رسول الله عن بلادهم ، فقال أحدهم : يا رسول الله ، أسنتت بلادنا ، وهلكت مواشينا ، وأجدب جنابنا ، وغرث عيالنا ، فادع الله لنا ، فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال : " اللهم اسق بلادك وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك [ ص: 354 ] الميت ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل ، نافعا غير ضار ، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ، ولا هدم ، ولا غرق ، ولا محق ، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء " . قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا ، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، فدعا فقال : " اللهم حوالينا ولا علينا ، على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر " . فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب .====وفد بني ثعلبة
قال الواقدي : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن رجل من بني ثعلبة ، عن أبيه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان ، قدمنا عليه أربعة نفر ، فقلنا : نحن رسل من خلفنا من قومنا ، وهم يقرون بالإسلام . فأمر لنا بضيافة وأقمنا أياما ، ثم جئناه لنودعه ، فقال لبلال : " أجزهم كما تجيز الوفد " . فجاء بنقر من فضة ، فأعطى كل رجل منا خمس أواق ، وقال : " ليس عندنا دراهم " . وانصرفنا إلى بلادنا ========وفد بني كلاب
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا ، منهم ، لبيد بن ربيعة الشاعر ، وجبار بن سلمى ، وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة ، فرحب به وأكرمه وأهدى إليه ، وجاءوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه بسلام الإسلام ، وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ، ودعاهم إلى الله ، فاستجابوا له ، وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم ===========وفد بني عقيل بن كعب
ذكر الواقدي أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقطعهم العقيق - عقيق [ ص: 358 ] بني عقيل - وهي أرض فيها نخيل وعيون ، وكتب لهم بذلك كتابا : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا ، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وسمعوا وأطاعوا ، ولم يعطهم حقا لمسلم " . فكان الكتاب في يد مطرف . قال : وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل ، وهو أبو رزين ، فأعطاه ماء يقال له : النظيم . وبايعه على قومه . وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ، ولله الحمد والمنة ======وفد بني البكاء
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع ، وأنهم كانوا ثلاثين رجلا ، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء ، وهو يومئذ ابن مائة سنة ، ومعه ابن له يقال له : بشر . فقال : يا رسول الله ، إني أتبرك بمسك ، وقد كبرت ، وابني هذا بر بي ، فامسح وجهه . فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ، وأعطاه أعنزا عفرا ، وبرك عليهن ، فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة . وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك :
وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا
عفرا ثواجل لسن باللجبات يملأن رفد الحي كل عشية
ويعود ذاك الملء بالغدوات بوركن من منح وبورك مانحا
وعليه مني ما حييت صلاتي =============وفد أشجع
ذكر الواقدي أنهم قدموا عام الخندق ، وهم مائة رجل ، ورئيسهم مسعود بن رخيلة ، فنزلوا شعب سلع ، فخرج إليهم رسول الله ، وأمر لهم بأحمال التمر . ويقال : بل قدموا بعدما فرغ من بني قريظة ، وكانوا سبعمائة رجل ، فوادعهم ورجعوا ، ثم أسلموا بعد ذلك . ====وفد بني سليم
قال : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني سليم يقال له : قيس بن نشبة ، فسمع كلامه وسأله عن أشياء ، فأجابه ووعى ذلك كله ، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فأسلم ورجع إلى قومه بني سليم ، فقال : قد سمعت ترجمة الروم ، وهينمة فارس ، وأشعار العرب ، وكهانة الكهان ، وكلام مقاول حمير ، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم ، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه . فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم ، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 362 ] بقديد وهم سبعمائة . ويقال : كانوا ألفا . وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم ، فأسلموا وقالوا : اجعلنا في مقدمتك ، واجعل لواءنا أحمر ، وشعارنا مقدما . ففعل ذلك بهم ، فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا ، وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي ، يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه ، فقال :
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم شد عليه فكسره ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما اسمك ؟ " قال : غاوي بن عبد العزى . فقال : " بل أنت راشد بن عبد ربه " . وأقطعه موضعا يقال له : رهاط . فيه عين تجري يقال لها : عين الرسول . وقال : " هو خير بني سليم " . وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها =========وفد بني بكر بن وائل
ذكر الواقدي أنهم لما قدموا ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قس بن ساعدة فقال : " ليس ذاك منكم ، ذاك رجل من إياد ، تحنف في الجاهلية فوافى عكاظا والناس مجتمعون ، فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه " . قال : وكان في الوفد بشير بن الخصاصية ، وعبد الله بن مرثد ، وحسان بن خوط ، فقال رجل من ولد حسان :
[ ص: 364 ]
أنا ابن حسان بن خوط وأبي رسول بكر كلها إلى النبي ======وفادات أهل اليمن ، وفد تجيب
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع ، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا ، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما أجاز غيرهم ، وأن غلاما منهم قال له [ ص: 365 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حاجتك ؟ " فقال : يا رسول الله ، ادع الله يغفر لي ويرحمني ، ويجعل غناي في قلبي . فقال : " اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل غناه في قلبه " . فكان بعد ذلك من أزهد الناس=======وفد جعفي
ذكر الواقدي أنهم كانوا يحرمون أكل القلب ، فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل القلب ، وأمر به فشوي ، وناوله رئيسهم ، [ ص: 366 ] وقال : " لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه " . فأخذه ويده ترعد فأكله ، وقال :
على أني أكلت القلب كرها وترعد حين مسته بناني
ثم ذكر وفد كندة ، وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا ، عليهم الأشعث بن قيس ، وأنه أجازهم بعشر أواق ، وأجاز الأشعث ثنتي عشرة أوقية ، وقد تقدم ====وفد خشين
قال : وقدم أبو ثعلبة الخشني ورسول الله يجهز إلى خيبر ، فشهد معه [ ص: 367 ] خيبر ، ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا .=====وافد السباع
حدثني شعيب بن عبادة عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره ، وإن أحببتم تركتموه وتحرزتم منه ، فما أخذ فهو رزقه . قالوا : يا رسول الله ، ما تطيب أنفسنا له بشيء . فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث ; أي : خالسهم . فولى وله عسلان .
وهذا مرسل من هذا الوجه ، ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا القاسم بن الفضل الحداني ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : عدا الذئب [ ص: 369 ] على شاة فأخذها ، فطلبها الراعي ، فانتزعها منه ، فأقعى الذئب على ذنبه فقال : ألا تتقي الله ، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي ؟! فقال : يا عجبا ! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس ؟! فقال الذئب : ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق . قال : فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة ، فزواها إلى زاوية من زواياها ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي : الصلاة جامعة . ثم خرج فقال للأعرابي : " أخبرهم " ، فأخبرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق ، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ، ويكلم الرجل عذبة سوطه ، وشراك نعله ، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده " . وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع بن الجراح ، عن أبيه ، عن القاسم بن الفضل به ، وقال : حسن غريب صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به ، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث ، وثقه يحيى وابن مهدي .
قلت : وقد رواه الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة ، حدثني عبد الله بن أبي الحسين ، حدثني شهر أن أبا سعيد الخدري حدثه . فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق . ثم رواه أحمد : حدثنا أبو النضر ، ثنا عبد الحميد بن بهرام ، ثنا شهر ، قال : وحدث أبو سعيد . [ ص: 370 ] فذكره . وهذا السياق أشبه ، والله أعلم . وهو إسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه .
=======وفادات أهل اليمن ، وفد تجيب
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع ، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا ، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما أجاز غيرهم ، وأن غلاما منهم قال له [ ص: 365 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حاجتك ؟ " فقال : يا رسول الله ، ادع الله يغفر لي ويرحمني ، ويجعل غناي في قلبي . فقال : " اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل غناه في قلبه " . فكان بعد ذلك من أزهد الناس ====وفد خولان
ذكر الواقدي أنهم كانوا عشرة ، وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر ، وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنمهم الذي كان يقال له : عم أنس . فقالوا : أبدلنا به خيرا منه ، ولو قد رجعنا لهدمناه . وتعلموا القرآن والسنن ، فلما رجعوا هدموا الصنم ، وأحلوا ما أحل الله ، وحرموا ما حرم الله ========وفد الصدف
قدموا في بضعة عشر راكبا ، فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر ، فجلسوا ولم يسلموا ، فقال : " أمسلمون أنتم ؟ " . قالوا : نعم . قال : " فهلا سلمتم " . فقاموا قياما فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . فقال : " وعليكم السلام ، اجلسوا " . فجلسوا ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات . ===وفد بني سعد
ثم ذكر وفد بني سعد هذيم ، وبلي ، وبهراء ، وبني عذرة ، وسلامان ، وجهينة ، وبني كلب ، والجرميين . وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في " صحيح البخاري " .
وذكر وفد الأزد ، ووفد غسان ، والحارث بن كعب ، وهمدان ، وسعد العشيرة ، وعنس ، ووفد الداريين ، والرهاويين ، وبني غامد ، والنخع ، وبجيلة ، وخثعم ، وحضرموت ، وذكر فيهم وائل بن حجر ، وذكر فيهم الملوك الأربعة ; جمدا ، ومخوسا ، ومشرحا ، وأبضعة . وقد ورد في " مسند أحمد " لعنهم مع أختهم العمردة ، وتكلم الواقدي كلاما فيه طول .
وذكر وفد أزد عمان ، وغافق وبارق ، ودوس ، وثمالة ، والحدان ، [ ص: 368 ] وأسلم ، وجذام ، ومهرة ، وحمير ، ونجران ، وجيشان . وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا ، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك ، وفيما أوردناه كفاية . والله تعالى أعلم . ثم قال الواقدي ===================================== وفود الجن بمكة قبل الهجرة )
وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة ، وقد تقصينا الكلام في ذلك أيضا عند قوله تعالى في سورة الأحقاف : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ( الأحقاف : 29 ) فذكرنا ما ورد من الأحاديث في ذلك والآثار ، وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهنا [ ص: 372 ] فأسلم ، وما رواه عن رئيه ، الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم الرئي ، حين قال له :
عجبت للجن وأنجاسها وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى
ما مؤمنو الجن كأرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم
واسم بعينيك إلى رأسها
ثم قوله
عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس قداماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى نابها
ثم قوله
عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجن ككفارها
وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة ، وقد قررنا ذلك هنالك [ ص: 373 ] بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة .
وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي هاهنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ، ولكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده ، والعجب منه ; فإنه قال في كتابه " دلائل النبوة " : باب قدوم هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي ، رحمه الله ، أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل الغازي المروزي ، ثنا عبد الله بن حماد الآملي ، ثنا محمد بن أبي معشر ، أخبرني أبي ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمر ، رضي الله عنه : بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل من جبال تهامة ، إذ أقبل شيخ بيده عصا ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " نغمة جن وغمغمتهم ، من أنت ؟ " . قال : أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فما بينك وبين إبليس إلا أبوان فكم أتى عليك من الدهر ؟ " قال : قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ; ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام ، أفهم الكلام ، وأمر بالآكام ، وآمر بإفساد الطعام ، وقطيعة الأرحام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 374 ] " بئس عمل الشيخ المتوسم ، والشاب المتلوم " . قال : ذرني من الترداد ، إني تائب إلى الله ، عز وجل ، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه ، حتى بكى وأبكاني ، وقال : لا جرم أني على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قال : قلت : يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم ، فهل تجد لي عند ربك توبة ؟ قال : يا هام ، هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة ، إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه ، قم فتوضأ واسجد لله سجدتين . قال : ففعلت من ساعتي ما أمرني به فناداني : ارفع رأسك ، فقد نزلت توبتك من السماء . فخررت لله ساجدا . قال : وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني ، فقال : لا جرم أني على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قال : وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني ، وقال : أنا على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . وكنت أزور يعقوب ، وكنت مع يوسف في المكان الأمين ، وكنت ألقى إلياس في الأودية وأنا ألقاه الآن ، وإني لقيت موسى بن عمران ، فعلمني من التوراة ، وقال : إن لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام . وإني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته من موسى السلام . وإن عيسى قال : إن لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام . قال : فأرسل [ ص: 375 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فبكى ، ثم قال : " وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا ، وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة " . قال : يا رسول الله ، افعل بي ما فعل موسى ; إنه علمني من التوراة . قال فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا وقعت الواقعة " ، و " المرسلات " ، و " عم يتساءلون " ، و " إذا الشمس كورت " ، و " المعوذتين " ، و " قل هو الله أحد " . وقال : " ارفع إلينا حاجتك يا هامة ، ولا تدع زيارتنا " . قال عمر : فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينعه إلينا ، فلا ندري الآن أحي هو أم ميت ؟ ثم قال البيهقي : أبو معشر قد روى عنه الكبار ، إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه ، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه ، والله أعلم .================================= حديث في فضل بني تميم .
قال البخاري : حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم : " هم أشد أمتي على الدجال " . وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال : " أعتقيها ; فإنها من ولد إسماعيل " . وجاءت صدقاتهم فقال : " هذه صدقات قوم - أو : قومي - " . وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به .
وهذا الحديث يرد على ما ذكره صاحب " الحماسة " وغيره من شعر من ذمهم ، حيث يقول :
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت طرق الرشاد لضلت ولو أن برغوثا على ظهر قملة
رأته تميم من بعيد لولت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق