إخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن الواقعة فى خلافة عثمان == إخباره صلى الله عليه وسلم بمقتل علي بن أبي طالب == إخباره صلى الله عليه وسلم عن غزاة البحر إلى قبرص
==إخباره صلى الله عليه وسلم عن قتال الترك
== إخباره صلى الله عليه وسلم عن موت ميمونة بنت الحارث
== خبر رافع بن خديج
== إخباره عليه الصلاة والسلام بمقتل الحسين بن علي ==» من معجزة رسول الله ==الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز == إخباره صلى الله عليه وسلم عن محمد بن كعب وعلمه
===إخباره صلى الله عليه وسلم عن الوليد بن يزيد === إخباره صلى الله عليه وسلم عن دولة بني العباس
===== إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمور وقعت في دولة بني العباس إلى زماننا هذا
======== إخباره صلى الله عليه وسلم عن الشافعي
=========] ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عفان ، وفي خلافة علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما
ثبت في " الصحيحين " من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة ، فقال : " هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر "
وروى الإمام أحمد ومسلم ، من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني : سمعت حذيفة بن اليمان يقول : والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة ، وما ذاك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني من ذلك شيئا أسره إلي لم يكن حدث به غيري ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وهو يحدث مجلسا أنا فيه ، سئل عن الفتن ، وهو يعد الفتن : " فيهن ثلاث لا يذرن شيئا; منهن كرياح الصيف ، منها صغار ومنها كبار " . قال حذيفة : فذهب أولئك الرهط كلهم غيري . وهذا لفظ أحمد . قال البيهقي : مات حذيفة بعد [ ص: 178 ] الفتنة الأولى بقتل عثمان ، وقبل الفتنتين الآخرتين في أيام علي . قلت : قال العجلي وغير واحد من علماء التاريخ : كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما . وهو الذي قال : لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا ، ولكنه كان ضلالة ، فاحتلبت به الأمة دما . وقال : لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة ، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان ، عن أمها أم حبيبة ، عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال سفيان : أربع نسوة - قالت : استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه ، وهو يقول : " لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " . وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها . قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال : نعم ، إذا كثر الخبث " هكذا رواه الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة به . وكذلك رواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وسعيد بن عمرو الأشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر ، كلهم عن [ ص: 179 ] سفيان بن عيينة به سواء . ورواه الترمذي ، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد ، كلهم عن سفيان بن عيينة . وقال الترمذي : حسن صحيح . وقال الترمذي : قال الحميدي ، عن سفيان : حفظت من الزهري في هذا الإسناد أربع نسوة .
قلت : وقد أخرجه البخاري ، عن مالك بن إسماعيل ، ومسلم عن عمرو الناقد ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن زينب ، عن أم حبيبة ، عن زينب بنت جحش ، فلم يذكرا حبيبة في الإسناد ، وكذلك رواه عن الزهري شعيب ، وصالح بن كيسان ، وعقيل ، ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبي عتيق ، ويونس بن يزيد ، فلم يذكروا عنه في الإسناد حبيبة . والله أعلم . فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه ، عن سفيان بن عيينة ، يكون قد اجتمع في هذا الإسناد تابعيان ، وهما الزهري وعروة بن الزبير ، وأربع صحابيات; ربيبتان وزوجتان ، وهذا عزيز جدا .
ثم قال البخاري بعد روايته الحديث المتقدم ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، فذكره إلى آخره ، ثم قال : وعن الزهري ، حدثتني هند بنت [ ص: 180 ] الحارث أن أم سلمة قالت : استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق ، عن الزهري به . ورواه الترمذي من حديث معمر ، عن الزهري ، وقال : حسن صحيح .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا الصلت بن دينار ، ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي ، قالا : سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ الأنفال : 25 ] . قال : لقد تلوت هذه الآية زمانا وما أراني من أهلها ، فأصبحنا من أهلها . وهذا الإسناد ضعيف ، ولكن روي من وجه آخر ، فقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا جرير قال : سمعت الحسن قال : قال الزبير بن العوام : نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فجعلنا نقول : ما هذه الفتنة وما نشعر أنها تقع حيث وقعت . ورواه النسائي ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن مهدي ، عن جرير بن حازم به ، وقد قتل [ ص: 181 ] الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل ، على ما سنورده في موضعه ، إن شاء الله تعالى .
وقال أبو داود السجستاني في " سننه " : ثنا مسدد ، ثنا أبو الأحوص سلام ابن سليم ، عن منصور عن هلال بن يساف ، عن سعيد بن زيد قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة فعظم أمرها فقلنا : يا رسول الله ، لئن أدركتنا هذه لتهلكنا . فقال : " كلا إن بحسبكم القتل " قال سعيد : فرأيت إخواني قتلوا . تفرد به أبو داود .
وقال أبو داود السجستاني : حدثنا الحسن بن علي ، ثنا يزيد ، أنا هشام ، عن محمد قال : قال حذيفة : ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تضرك الفتنة " وهذا منقطع .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن ضبيعة ، سمعت حذيفة يقول : إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة . فأتينا المدينة ، فإذا فسطاط مضروب ، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري ، فسألته فقال : لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه [ ص: 182 ] الفتنة عن جماعة المسلمين قال البيهقي : ورواه أبو داود ، يعني السجستاني ، عن عمرو بن مرزوق ، عن شعبة به .
وقال أبو داود : ثنا مسدد ، ثنا أبو عوانة ، عن أشعث بن سليم ، عن أبي بردة ، عن ضبيعة بن حصين التغلبي ، عن حذيفة بمعناه . قال البخاري في " التاريخ " : هذا عندي أولى .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي بردة قال : مررت بالربذة فإذا فسطاط ، فقلت : لمن هذا؟ فقيل : لمحمد بن مسلمة . فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت : رحمك الله ، إنك من هذا الأمر بمكان ، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون فتنة وفرقة واختلاف ، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه ، وكسر نبلك ، واقطع وترك ، واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله " . فقد كان ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفعلت ما أمرني به . ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه ، فإذا سيف من خشب ، فقال : قد فعلت ما أمرني به ، واتخذت هذا أرهب به الناس تفرد به أحمد .
[ ص: 183 ] وقال البيهقي : أنا الحاكم ، ثنا علي بن عيسى الحيري ، أنا أحمد بن نجدة القرشي ، ثنا يحيى بن عبد الحميد ، أنا إبراهيم بن سعد ، ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن محمود بن لبيد ، عن محمد بن مسلمة أنه قال : يا رسول الله ، كيف أصنع إذا اختلف المصلون؟ قال : " اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ، ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، ثنا زياد بن مسلم أبو عمر ، ثنا أبو الأشعث الصنعاني ، قال : بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - نسي زياد اسمه - فقال : إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ قال أوصاني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : " إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فاكسر به حد سيفك ، ثم اقعد في بيتك ، فإن دخل عليك أحد البيت ، فقم إلى المخدع ، فإن دخل عليك المخدع ، فاجث على ركبتيك [ ص: 184 ] وقل : بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ، وذلك جزاء الظالمين " . فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد ، ولكن وقع إبهام اسمه ، وليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابي آخر ، فإن محمد بن مسلمة ، رضي الله عنه ، لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفي فيما بين الأربعين إلى الخمسين ، فقيل : سنة ثنتين . وقيل : ثلاث . وقيل سبع وأربعين . ولم يدرك أيام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف ، فتعين أنه صحابي آخر ، خبره كخبر محمد بن مسلمة .
وقال نعيم بن حماد في " الفتن والملاحم " : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن حماد بن سلمة ، ، ثنا أبو عمرو القسلمي ، عن بنت أهبان الغفاري ، أن عليا أتى أهبان فقال : ما يمنعك أن تتبعنا؟ فقال : أوصاني خليلي وابن عمك صلى الله عليه وسلم أن : " ستكون فرقة وفتنة واختلاف ، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك ، واقعد في بيتك ، واتخذ سيفا من خشب " وقد رواه أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل ، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به . وزاد مؤمل في روايته بعد قوله : " واتخذ سيفا من خشب " . " واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية " . ورواه الإمام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجه من حديث [ ص: 185 ] عبد الله بن عبيد الديلي ، عن عديسة بنت أهبان بن صيفي ، عن أبيها به ، وقال الترمذي : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد . كذا قال ، وقد تقدم من غير طريقه .
وقال البخاري : ثنا عبد العزيز الأويسي ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرف لها تستشرفه ، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به " وعن ابن شهاب : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود ، عن نوفل بن معاوية ، مثل حديث أبي هريرة هذا ، وقد روى مسلم حديث أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد ، كما رواه البخاري ، وكذلك حديث نوفل بن معاوية بإسناد البخاري ولفظه ، ثم قال البخاري : ثنا محمد بن كثير ، أخبرني سفيان عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون أثرة وأمور تنكرونها " . فقالوا : يا رسول الله ، فما تأمرنا؟ قال : " تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون [ ص: 186 ] الله الذي لكم " ورواه مسلم من حديث الأعمش به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، ثنا عثمان الشحام ، ثنا مسلم بن أبي بكرة ، عن أبي بكرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إنها ستكون فتن ثم تكون فتن ، ألا فالماشي فيها خير من الساعي إليها ، والقاعد فيها خير من القائم فيها ، ألا والمضطجع فيها خير من القاعد ، ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه ، ألا ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ، ألا ومن كانت له إبل فليلحق بإبله " . فقال رجل من القوم : يا نبي الله ، جعلني الله فداك ، أرأيت من ليست له غنم ولا أرض ولا إبل كيف يصنع؟ قال : " ليأخذ سيفه ، ثم ليعمد به إلى صخرة ، ثم ليدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاء ، اللهم هل بلغت " . فقال رجل : يا رسول الله ، جعلني الله فداك ، أرأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين - شك عثمان - فيحذفني رجل بسيفه فيقتلني ، ماذا يكون من شأني؟ قال : " يبوء بإثمك وإثمه ويكون من أصحاب النار " وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه ، وهذا إخبار عن إقبال الفتن ، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن إسماعيل ، ثنا قيس قال : لما أقبلت [ ص: 187 ] عائشة - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - وبلغت مياه بني عامر ليلا نبحت الكلاب فقالت : أي ماء هذا؟ قالوا : ماء الحوأب . فقالت : ما أظنني إلا راجعة . فقال بعض من كان معها : بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم . قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم : كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟ ورواه نعيم بن حماد في " الملاحم " ، عن يزيد بن هارون ، عن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم به .
ثم رواه أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب ، فقالت : ما أظنني إلا راجعة; إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب؟ فقال لها الزبير : ترجعين؟! عسى الله أن يصلح بك بين الناس . وهذا إسناد على شرط " الصحيحين " ولم يخرجوه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا محمد بن عثمان بن كرامة ، ثنا عبيد الله بن موسى ، عن عصام بن قدامة البجلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ، تسير حتى [ ص: 188 ] تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير " ثم قال : لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد .
وقال الطبراني : ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، ثنا نوح بن دراج ، عن الأجلح بن عبد الله ، عن زيد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن ابن عباس قال : لما بلغ أصحاب علي ، حين ساروا إلى البصرة ، أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزبير ، شق عليهم ، ووقع في قلوبهم ، فقال علي : والذي لا إله غيره ليظهرن على أهل البصرة ، وليقتلن طلحة والزبير ، وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا ، أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا - شك الأجلح - قال ابن عباس : فوقع ذلك في نفسي ، فلما أتى الكوفة خرجت فقلت : لأنظرن ، فإن كان كما يقول فهو أمر سمعه ، وإلا فهو خديعة الحرب ، فلقيت رجلا من الجيش فسألته ، فوالله ما عتم أن قال ما قال علي . قال ابن عباس : وهو مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره .
وقال البيهقي : أنا عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله [ ص: 189 ] الحفيد ، ثنا أحمد بن نصر ، ثنا أبو نعيم الفضل ، ثنا عبد الجبار بن الورد ، عن عمار الدهني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أم سلمة قالت : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين ، فضحكت عائشة ، فقال لها : " انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت " . ثم التفت إلى علي ، وقال : " يا علي ، إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها " . وهذا حديث غريب جدا .
وأغرب منه ما رواه البيهقي أيضا ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، عن أبي نعيم ، عن عبد الجبار بن العباس الشبامي ، عن عطاء بن السائب ، عن عمر بن الهجنع ، عن أبي بكرة قال : قيل له : ما يمنعك أن لا تكون قاتلت على بصيرتك يوم الجمل؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يخرج قوم هلكى لا يفلحون ، قائدهم امرأة ، قائدهم في الجنة " . وهذا منكر جدا .
والمحفوظ ما رواه البخاري من حديث الحسن البصري ، عن أبي بكرة قال : نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه أن فارس ملكوا عليهم امرأة كسرى ، فقال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن الحكم ، [ ص: 190 ] سمعت أبا وائل قال : لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم ، خطب عمار فقال : إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ، لكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها . ورواه البخاري ، عن بندار ، عن غندر ، وهذا كله وقع في أيام الجمل ، وقد ندمت عائشة ، رضي الله عنها ، على ما كان من خروجها ، على ما سنورده في موضعه ، وكذلك الزبير بن العوام أيضا تذكر وهو واقف في المعركة أن قتاله في هذا الموطن ليس بصواب ، فرجع عن ذلك .
قال عبد الرزاق : أنا معمر ، عن قتادة قال : لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا ، فقال : لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيهما في سقيفة بني ساعدة ، فقال : أتحبه يا زبير؟ " فقال : وما يمنعني؟ قال : " فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟ " قال : فيرون أنه إنما ولى لذلك وهذا مرسل من هذا الوجه . وقد أسنده الحافظ البيهقي من وجه آخر فقال : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، ثنا أبو عمرو بن مطر ، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي ، ثنا منجاب بن الحارث ، ثنا عبد الله بن الأجلح ، ثنا أبي ، عن يزيد الفقير ، عن أبيه ، قال : وسمعت فضل بن فضالة يحدث أبي ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي ، عن أبيه ، دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه ، قال : لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير ، ودنت الصفوف بعضها من بعض ، خرج علي وهو على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 191 ] فنادى : ادعوا لي الزبير بن العوام ، فإني علي . فدعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما ، فقال علي : يا زبير ، ناشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان كذا وكذا فقال : " يا زبير ، تحب عليا؟ " فقلت : ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني؟ فقال : " يا علي ، أتحبه؟ " فقلت : يا رسول الله ، ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال : " يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له " فقال الزبير : بلى . والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن ، والله لا أقاتلك . فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف ، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير فقال : مالك؟ فقال : ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعته وهو يقول : " لتقاتلنه وأنت ظالم له " . فلا أقاتله . فقال : وللقتال جئت؟! إنما جئت تصلح بين الناس ، ويصلح الله هذا الأمر . قال : قد حلفت أن لا أقاتله . قال : فأعتق غلامك جرجس ، وقف حتى تصلح بين الناس . فأعتق غلامه ووقف ، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه .
قال البيهقي : وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا الإمام أبو الوليد ، ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا قطن بن نسير ، ثنا جعفر بن سليمان ، ثنا عبد الله بن محمد الرقاشي ، ثنا جدي وهو عبد الملك بن مسلم ، عن أبي جروة المازني قال : سمعت عليا والزبير وعلي يقول له : ناشدتك الله يا زبير ، أما سمعت [ ص: 192 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنك تقاتلني وأنت لي ظالم؟ قال : بلى ولكني نسيت . وهذا غريب كالسياق الذي قبله .
وقد روى البيهقي من طريق الهذيل بن بلال ، وفيه ضعف ، عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان " . قلت : قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية علي
وثبت في " الصحيحين " من حديث همام بن منبه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان ، دعواهما واحدة ورواه البخاري أيضا ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة مثله ورواه البخاري أيضا ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل ، وأصحاب صفين . فإنهما جميعا يدعون إلى الإسلام ، وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك ، ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا ، وكان ترك القتال أولى من فعله ، كما هو مذهب جمهور الصحابة ، كما سنذكره .
[ ص: 193 ] وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو اليمان ، ثنا صفوان بن عمرو قال : كان أهل الشام ستين ألفا ، فقتل منهم عشرون ألفا ، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا ، فقتل منهم أربعون ألفا .
ولكن كان علي وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية ، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم ، كما ثبت في " صحيح مسلم " من حديث شعبة ، عن أبي مسلمة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " ورواه أيضا من حديث ابن علية ، عن ابن عون ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تقتل عمارا الفئة الباغية وفي رواية : وقاتله في النار . وقد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبوية ، وما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد ذلك : لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة . فليس له أصل يعتمد عليه ، بل هو من اختلاق الروافض ، قبحهم الله .
وقد روى البيهقي من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن مولاة لعمار قالت : اشتكى عمار شكوى أرق منها ، فغشي عليه فأفاق ونحن نبكي حوله ، فقال ما تبكون؟ أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرني [ ص: 194 ] حبيبي صلى الله عليه وسلم أنه تقتلني الفئة الباغية ، وأن آخر زادي من الدنيا مذقة من لبن
وقال الإمام أحمد : حدثني وكيع ، ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي البختري قال : قال عمار يوم صفين : ائتوني بشربة لبن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن " . فشربها ثم تقدم فقتل .
وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن حبيب ، عن أبي البختري ، أن عمار بن ياسر أتي بشربة لبن فضحك وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي آخر شراب أشربه لبن حين أموت .
وروى البيهقي من حديث عمار الدهني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن مسعود ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق " . ومعلوم أن عمارا كان في جيش علي يوم صفين ، وقتله أصحاب معاوية من أهل الشام ، وكان الذي تولى قتله رجل يقال له : أبو الغادية . رجل من أفناد الناس ، وقيل : إنه صحابي . وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره في أسماء الصحابة ، وهو أبو الغادية مسلم ، وقيل : يسار بن [ ص: 195 ] أزيهر الجهني من قضاعة . وقيل : مزني . وقيل : هما اثنان . سكن الشام ، ثم صار إلى واسط ، روى له أحمد حديثا ، وله عند غيره آخر ، قالوا : وهو قاتل عمار بن ياسر . وكان يذكر صفة قتله لعمار لا يتحاشى من ذلك ، وسنذكر ترجمته عند قتله لعمار أيام معاوية في وقعة صفين ، وأخطأ من قال : كان بدريا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، ثنا العوام ، حدثني ابن مسعود ، عن حنظلة بن خويلد العنزي قال : بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ، يقول كل واحد منهما : أنا قتلته . فقال عبد الله بن عمرو : ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه ، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " تقتله الفئة الباغية " . فقال معاوية : ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو ! فما بالك معنا؟ قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه " فأنا معكم ولست أقاتل
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص ، فقال عبد الله بن عمرو : يا أبت ، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار : " ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " . قال : [ ص: 196 ] فقال عمرو لمعاوية : ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية : لا يزال يأتينا بهنة ، أو نحن قتلناه؟! إنما قتله الذين جاءوا به . ثم رواه أحمد عن أبي نعيم ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، فذكر مثله . فقول معاوية : إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا . تأويل بعيد جدا ، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله ، حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء .
وقال عبد الرزاق : أنا ابن عيينة ، أخبرني عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة قال : عمر لعبد الرحمن بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده [ الحج : 78 ] . في آخر الزمان ، كما جاهدتم في أوله . فقال عبد الرحمن بن عوف : ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال : إذا كان بنو أمية الأمراء ، وبنو المغيرة الوزراء ذكره البيهقي ها هنا ، وكأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين وما كان من أمرهما ، فقال : باب ما جاء في إخباره صلى الله عليه وسلم عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي رضي الله عنه .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا إسماعيل بن [ ص: 197 ] الفضل ، ثنا قتيبة بن سعيد ، عن جرير ، عن زكريا بن يحيى ، عن عبد الله بن يزيد ، وحبيب بن يسار ، عن سويد بن غفلة قال : إني لأمشي مع علي بشط الفرات فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا ، وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وأضلا من اتبعهما هكذا أورده ولم يبين شيئا من أمره ، وهو حديث منكر جدا وآفته من زكريا بن يحيى هذا ، وهو الكندي الحميري الأعمى قال يحيى بن معين : ليس بشيء . والحكمان كانا من خيار الصحابة ، وهما عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام ، والثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، من جهة أهل العراق ، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين ، وحقن لدمائهم ، وكذلك وقع ، ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التحكيم ، وخرجوا عليهما وكفروهما ، حتى قاتلهم علي بن أبي طالب ، وناظرهم ابن عباس ، فرجع منهم شرذمة إلى الحق ، واستمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم ، كما سنذكره=================================إخباره صلى الله عليه وسلم بمقتل علي بن أبي طالب ، فكان كما أخبر سواء بسواء
قال الإمام أحمد : ثنا علي بن بحر ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم المحاربي ، عن محمد بن كعب ، عن محمد بن خثيم ، عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 205 ] لعلي حين ولي غزوة العشيرة : " يا أبا تراب - لما يرى عليه من التراب - ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين؟ " قلنا : بلى يا رسول الله . قال : " أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى يبل هذه " يعني لحيته .
وروى البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن الحسن بن مكرم ، عن أبي النضر ، عن محمد بن راشد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري - وكان أبوه من أهل بدر - قال : خرجت مع أبي عائدا لعلي بن أبي طالب في مرض أصابه ، ثقل منه . قال : فقال له أبي : ما يقيمك بمنزلك هذا؟ فلو أصابك أجلك لم يلك إلا أعراب جهينة ، تحمل إلى المدينة ، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك . فقال علي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أن لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه يعني هامته . فقتل وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شريك ، عن عثمان بن المغيرة ، عن زيد بن وهب قال : جاء رأس الخوارج إلى علي فقال له : اتق الله فإنك ميت . فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - [ ص: 206 ] وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود ، وقضاء مقضي ، وقد خاب من افترى وقد روى البيهقي بإسناد صحيح ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي سنان الدؤلي ، عن علي في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتله .
وروى من حديث هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي إدريس الأزدي ، عن علي قال : إن مما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الأمة ستغدر بك بعدي " .
ثم ساقه من طريق فطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال : سمعت عليا يقول : إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي : " إن الأمة ستغدر بك بعدي " قال البخاري : ثعلبة هذا فيه نظر ، ولا يتابع على حديثه هذا .
وروى البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، عن أبي الجواب الأحوص بن جواب ، عن عمار بن [ ص: 207 ] زريق ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ثعلبة بن يزيد قال : قال علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه - للحيته من رأسه - فما يحبس أشقاها؟ فقال عبد الله بن سبع : والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأبرنا عشيرته . فقال : أنشدك بالله أن لا تقتل بي غير قاتلي . قالوا : يا أمير المؤمنين ، ألا تستخلف؟ قال : لا ، ولكني أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملا؟ قال : أقول : اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني وتركتك فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم وهكذا روى البيهقي هذا . وهو موقوف ، وفيه غرابة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ، ثم المشهور عن علي أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو خارج لصلاة الصبح عند السدة ، فبقي علي يومين من طعنته ، وحبس ابن ملجم ، وأوصى علي إلى ابنه الحسن بن علي ، كما سيأتي بيانه ، وأمره أن يركب في الجنود ، وقال له : لا تحر علي كما تحر [ ص: 208 ] الجارية . فلما مات قتل عبد الرحمن بن ملجم قودا . وقيل : حدا . والله أعلم ، ثم ركب الحسن بن علي في الجنود ، وسار إلى معاوية كما سيأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى .=====================================إخباره صلى الله عليه وسلم عن غزاة البحر إلى قبرص التي كانت في أيام أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنه
قال مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه ، وكانت تحت عبادة بن الصامت ، فدخل عليها يوما فأطعمته ، ثم جلست تفلي رأسه ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استيقظ وهو يضحك . قالت : فقلت : ما يضحكك يا رسول الله؟ قال : " ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ، ملوكا على الأسرة " - أو " مثل الملوك على الأسرة " . شك إسحاق - فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم . فدعا لها ، ثم وضع رأسه فنام ، ثم استيقظ وهو يضحك . قالت : قلت : ما يضحكك يا رسول الله؟ قال : " ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله " . كما قال في الأولى قالت : قلت يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم . فقال : " أنت من الأولين " . قال : فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية ، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك به . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث الليث وحماد بن زيد ، كلاهما عن يحيى بن [ ص: 116 ] سعيد ، وعن محمد بن يحيى بن حبان ، عن أنس بن مالك ، عن خالته أم حرام بنت ملحان ، فذكر الحديث ، إلى أن قال : فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركبوا مع معاوية ، أو أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان ، فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام ، فقربت إليها دابة; لتركبها ، فصرعتها فماتت ورواه البخاري من حديث أبي إسحاق الفزاري ، عن زائدة ، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أنس به . وأخرجه أبو داود من حديث معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أخت أم سليم الرميصاء ، وهي أم حرام ، فذكر نحو ما تقدم .
وقال البخاري : باب ما قيل في قتال الروم . حدثنا إسحاق بن يزيد الدمشقي ، ثنا يحيى بن حمزة ، حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان ، أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص ، وهو في بناء له ومعه أم حرام . قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها [ ص: 217 ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا " . قالت أم حرام : فقلت : يا رسول الله ، أنا فيهم؟ قال : " أنت فيهم " . قالت : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم " . قلت : أنا فيهم يا رسول الله؟ قال : " لا " تفرد به البخاري دون أصحاب الكتب الستة . وقد رواه البيهقي في " الدلائل " عن الحاكم ، عن أبي عمرو بن أبي جعفر ، عن الحسن بن سفيان ، عن هشام بن عمار الخطيب ، عن يحيى بن حمزة القاضي به . وهو يشبه معنى الحديث الأول ، وفيه من دلائل النبوة ثلاث; إحداها الإخبار عن الغزوة الأولى في البحر ، وقد كانت في سنة سبع وعشرين مع معاوية بن أبي سفيان ، حين غزا قبرص وهو نائب الشام عن عثمان بن عفان ، وكانت معهم أم حرام بنت ملحان هذه ، صحبة زوجها عبادة بن الصامت ، أحد النقباء ليلة العقبة ، فتوفيت مرجعهم من الغزو; قيل : بالشام . كما تقدم في الرواية عند البخاري . وقال ابن زبر : توفيت بقبرص سنة سبع وعشرين . والغزوة الثانية غزوة قسطنطينية مع أول جيش غزاها ، وكان أميرها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وذلك سنة ثنتين وخمسين ، وكان معهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري ، فمات هنالك ، رضي الله عنه وأرضاه ، ولم تكن هذه المرأة معهم; لأنها كانت قد توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى . فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النبوة; الإخبار عن الغزوتين ، والإخبار عن المرأة بأنها من الأولين وليست من الآخرين ، وكذلك وقع كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه===================================فصل في الإخبار عن قتال الترك كما وقع ، سنبينه إن شاء الله تعالى ، وبه ثقة
قال البخاري : ثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، ثنا أبو الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر ، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين ، حمر الوجوه ، ذلف الأنوف ، كأن [ ص: 220 ] وجوههم المجان المطرقة ، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه ، والناس معادن ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام ، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله " . تفرد به من هذا الوجه .
ثم قال البخاري : ثنا يحيى ، ثنا عبد الرزاق عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم ، حمر الوجوه ، فطس الأنوف ، صغار الأعين ، كأن وجوههم المجان المطرقة ، نعالهم الشعر " . تابعه غيره عن عبد الرزاق . وقد ذكر عن الإمام أحمد أنه قال : أخطأ عبد الرزاق في قوله : خوزا . بالخاء ، وإنما هو بالجيم . قلت : خوز وكرمان بلدان معروفان بالشرق . فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة ، نعالهم الشعر " وقد رواه الجماعة إلا النسائي ، من حديث سفيان بن عيينة به .
[ ص: 221 ] وقال البخاري : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان قال : قال إسماعيل : أخبرني قيس قال : أتينا أبا هريرة ، رضي الله عنه ، فقال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن سمعته يقول; وقال هكذا بيده : بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر وهو هذا البارز ، وقال سفيان مرة : وهم أهل البازر .
وقد رواه مسلم عن أبي كريب ، عن أبي أسامة ووكيع ، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر ، كأن وجوههم المجان المطرقة ، حمر الوجوه ، صغار الأعين قلت : وأما قول سفيان بن عيينة : هم أهل البازر . فالمشهور في الرواية تقديم الراء على الزاي ، ولعله تصحيف اشتبه على القائل ، من البازر; وهو السوق بلغتهم . فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا جرير بن حازم ، سمعت الحسن [ ص: 222 ] قال : ثنا عمرو بن تغلب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر - أو : ينتعلون الشعر - وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه ، كأن وجوههم المجان المطرقة ورواه البخاري عن سليمان بن حرب وأبي النعمان ، عن جرير بن حازم به . والمقصود أن قتال الترك وقع في آخر أيام الصحابة ، قاتلوا القان الأعظم ، فكسروه كسرة عظيمة ، على ما سنورده في موضعه إذا انتهينا إليه ، بحول الله وقوته وحسن توفيق==================قال البخاري في " التاريخ " : قال موسى بن إسماعيل : ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا عبد الله بن عبد الله بن الأصم ، ثنا يزيد بن الأصم قال : ثقلت ميمونة بمكة وليس عندها من بني أخيها أحد ، فقالت : أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أني لا أموت بمكة . فحملوها حتى أتوا بها سرف ، إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها في موضع القبة ، فماتت رضي الله عنها قلت : وكان موتها سنة إحدى وخمسين على الصحيح ======================================خبر رافع بن خديج
روى البيهقي من حديث مسلم بن إبراهيم ، عن عمرو بن مرزوق الواشحي ، ثنا يحيى بن عبد الحميد بن رافع ، عن جدته أن رافع بن خديج رمي - قال عمرو : لا أدري أيهما قال; يوم أحد أو يوم حنين - بسهم في ثندوته ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، انزع لي السهم . فقال له : " يا رافع ، إن شئت نزعت السهم والقطبة جميعا ، وإن شئت نزعت السهم وتركت القطبة ، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد " . فقال : يا رسول الله ، انزع السهم واترك القطبة ، واشهد لي يوم القيامة أني شهيد . قال : فعاش حتى إذا كان خلافة معاوية انتقض الجرح فمات بعد العصر هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة معاوية ، والذي ذكره الواقدي وغير واحد أنه مات في سنة ثلاث - وقيل أربع - وسبعين . ومعاوية ، رضي الله عنه ، كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف . فالله أعلم===================================الإخبار بمقتل الحسين بن علي ، رضي الله عنهما
وقد ورد في الحديث بمقتل الحسين ، فقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد بن حسان ، ثنا عمارة ، يعني ابن زاذان عن ثابت ، عن أنس قال : استأذن ملك المطر [ ص: 235 ] أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأذن له فقال لأم سلمة : " احفظي علينا الباب لا يدخل أحد " . فجاء الحسين بن علي ، فوثب حتى دخل فجعل يصعد على منكب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له الملك : أتحبه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم " . قال : فإن أمتك تقتله ، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه . قال : فضرب بيده فأراه ترابا أحمر ، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها . قال : فكنا نسمع : يقتل بكربلاء . ورواه البيهقي من حديث بشر بن موسى ، عن عبد الصمد ، عن عمارة ، فذكره . ثم قال : وكذلك رواه شيبان بن فروخ عن عمارة . وعمارة بن زاذان هذا هو الصيدلاني أبو سلمة البصري ، اختلفوا فيه ، وقد قال فيه أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به ، ليس بالمتين . وضعفه أحمد مرة ووثقه أخرى . وحديثه هذا قد روي عن غيره من وجه آخر; فرواه الحافظ البيهقي من طريق عمارة بن غزية ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، نحو هذا .
وقد قال البيهقي : أنا الحاكم في آخرين ، قالوا : أنا عباس الأصم ، أنا عباس الدوري ، ثنا خالد بن مخلد ، ثنا موسى بن يعقوب ، عن هاشم بن هاشم بن [ ص: 236 ] عتبة بن أبي وقاص ، عن عبد الله بن وهب بن زمعة ، أخبرتني أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطجع ذات يوم ، فاستيقظ وهو خاثر ، ثم اضطجع فرقد ، ثم استيقظ وهو خاثر دون ما رأيت منه في المرة الأولى ، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلبها ، فقلت : ما هذه التربة ، يا رسول الله؟ قال : " أخبرني جبريل أن هذا يقتل بأرض العراق - للحسين - قلت له : يا جبريل ، أرني تربة الأرض التي يقتل بها . فهذه تربتها . ثم قال البيهقي : تابعه موسى الجهني عن صالح بن أربد النخعي ، عن أم سلمة ، وأبان عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة .
وقال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي ، ثنا الحسين بن عيسى ، ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان الحسين جالسا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال جبريل : أتحبه؟ فقال : " وكيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي " . فقال : أما إن أمتك ستقتله ، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة ، فإذا تربة حمراء . ثم قال البزار : لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد ، والحسين بن عيسى قد حدث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره . قلت : هو الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي [ ص: 237 ] أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القارئ . قال فيه البخاري : مجهول . يعني مجهول الحال ، وإلا فقد روى عنه تسعة نفر . وقال أبو زرعة : منكر الحديث . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي ، روى عن الحاكم بن أبان أحاديث منكرة . وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال ابن عدي قليل الحديث ، وعامة حديثه غرائب ، وفي بعض أحاديثه المنكرات .
وروى البيهقي عن الحاكم وغيره ، عن أبي الأحوص ، عن محمد بن الهيثم القاضي ، ثنا محمد بن مصعب ، ثنا الأوزاعي ، عن أبي عمار شداد بن عبد الله ، عن أم الفضل بنت الحارث ، أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني رأيت حلما منكرا الليلة . قال : " وما هو؟ " قالت : إنه شديد . قال : " وما هو؟ " قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري . فقال : " رأيت خيرا ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاما ، فيكون في حجرك " . فولدت فاطمة الحسين ، فكان في حجري كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجري ، ثم حانت مني التفاتة ، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تهريقان الدموع . قالت : قلت : يا نبي الله ، [ ص: 238 ] بأبي أنت وأمي ما لك؟ قال : " أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا " . فقلت : هذا؟ قال : " نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء
وقد روى الإمام أحمد عن عفان ، عن وهيب ، عن أيوب عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم الفضل قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك . قال : " تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فتكفلينه ، فولدت له فاطمة حسينا ، فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم ، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أزوره ، فأخذه فوضعه على صدره ، فبال فأصاب البول إزاره ، فزخخت بيدي على كتفيه ، فقال : " أوجعت ابني أصلحك الله " . أو قال : " رحمك الله " . فقلت : أعطني إزارك أغسله . فقال : " إنما يغسل بول الجارية ، ويصب على بول الغلام . ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن أبي بكير ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن قابوس بن مخارق ، عن أم الفضل ، فذكر مثله سواء ، وليس فيه الإخبار بقتله . فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد ، أنا عمار بن أبي عمار ، [ ص: 239 ] عن ابن عباس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائل ، أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما هذا؟ : قال : " هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم " . قال فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم ، رضي الله عنه . قال قتادة : قتل الحسين يوم الجمعة ، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف شهر . وهكذا قال الليث وأبو بكر بن عياش الواقدي وخليفة بن خياط وأبو معشر وغير واحد ، أنه قتل يوم عاشوراء عام واحد وستين ، وزعم بعضهم أنه قتل يوم السبت ، والأول أصح ، وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت; من كسوف الشمس يومئذ - وهو ضعيف - وتغيير آفاق السماء ، ولم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم ، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس وأن الورس استحال رمادا ، وأن اللحم صار مثل العلقم وكان فيه النار ، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة ، وفي بعضها احتمال . والله أعلم . وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، ولم يقع شيء من هذه الأشياء ، وكذلك الصديق بعده مات ولم يكن شيء من هذا ، وكذا عمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ، وحصر عثمان في داره ، وقتل بعد ذلك شهيدا ، وقتل علي بن أبي طالب شهيدا يوم الجمعة [ ص: 240 ] قبل صلاة الفجر ، ولم يكن شيء من هذه الأشياء . والله أعلم .
وقد روى حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي . وهذا صحيح .
وقال شهر بن حوشب : كنا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين ، فخرت مغشيا عليها . وكان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم عليهم ليبايعوه بالخلافة ، وكثر تواتر الكتب عليه من العامة ومن ابن عمه مسلم بن عقيل ، فلما ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية ، بعث إلى مسلم بن عقيل فضرب عنقه ، ورماه من القصر إلى العامة ، فتفرق ملؤهم وتبددت كلمتهم ، هذا وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق ، ولم يشعر بما وقع ، فتحمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا من ثلاثمائة ، وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة ، منهم; أبو سعيد ، وجابر وابن عباس ، وابن عمر فلم يطعهم .
وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك ، واستدل له على أنه لا يقع ما يريده فلم يقبل; فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي ، ورواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " عنه قال : سمعت الشعبي يقول : كان ابن عمر [ ص: 241 ] قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق ، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة . فقال : أين تريد؟ قال : العراق . ومعه طوامير وكتب ، فقال : لا تأتهم . فقال : هذه كتبهم وبيعتهم . فقال : إن الله خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا ، وإنكم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لا يليها أحد منكم أبدا ، وما صرفها عنكم إلا للذي هو خير لكم ، فارجعوا . فأبى وقال : هذه كتبهم وبيعتهم . قال : فاعتنقه ابن عمر وقال : أستودعك الله من قتيل . وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء ، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال ويتم له الأمر ، وقد قال ذلك عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب أنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا . رواه عنهما أبو صالح السليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه " الفتن والملاحم " . قلت : وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية ، فإن أكثر العلماء على أنهم أدعياء ، وعلي بن أبي طالب من أهل البيت ، ومع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله ، ولا اتسعت يده في البلاد كلها ، ثم تنكدت عليه الأمور وأما ابنه الحسن ، رضي الله عنه ، فإنه لما جاء في جيوشه وتصافى هو وأهل الشام ، ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة ، تركها لله ، عز وجل ، وصيانة لدماء المسلمين ، أثابه الله ورضى عنه ، وأما الحسين ، رضي الله عنه ، فإن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق [ ص: 242 ] وخالفه ، اعتنقه مودعا وقال : أستودعك الله من قتيل . وقد وقع ما تفرسه ابن عمر ، فإنه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف ، يقدمهم عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه ، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء . بالطف ، فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبة هنالك ، وجعلوها منهم بظهر ، وواجهوا أولئك ، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث ، إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء ، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه ، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده ، فيحكم فيه بما شاء ، فأبوا عليه واحدة منهن ، وقالوا : لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه ، فأبي أن يقدم عليه أبدا ، وقاتلهم دون ذلك ، فقتلوه ، رحمه الله ، وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد ، فوضعوه بين يديه ، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده أنس بن مالك جالس ، فقال له : يا هذا ، ارفع قضيبك ، قد طال ما رأيت رسول الله يقبل هذه الثنايا . ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام إلى يزيد بن معاوية ، ويقال : إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد ، فأنشد حينئذ قول بعضهم
نفلق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبوية ، فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة شعرها ، واضعة كفها على رأسها تبكي وهي تقول
[ ص: 243 ]
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي
وسنورد هذا مفصلا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان ، وقد رثاه الناس بمراث كثيرة ، ومن أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، وكان فيه تشيع :
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد متزملا بدمائه تزميلا
فكأنما بك يا ابن بنت محمد قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليل===============================معجزة أخرى
روى البيهقي من طريق الدراوردي ، عن ثور بن يزيد عن موسى بن ميسرة ، أن بعض بني عبد الله سايره في بعض طريق مكة . قال : حدثني العباس بن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فوجد عنده رجلا ، فرجع ولم يكلمه; من أجل مكان الرجل ، فلقي العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فقال : " ورآه؟ " قال : نعم . قال : " أتدري من ذلك الرجل؟ ذاك جبريل ، ولن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما . وقد [ ص: 250 ] مات ابن عباس سنة ثمان وستين بعد ما عمي ، رضي الله عنه .
وروى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان ، حدثتنا نباتة بنت برير ، عن حمادة ، عن أنيسة بنت زيد بن أرقم ، عن أبيها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على زيد يعوده في مرض كان به ، قال : ليس عليك من مرضك بأس ، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت؟ " قال : إذا أحتسب وأصبر . قال : " إذا تدخل الجنة بغير حساب قال فعمي بعد ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رد الله عليه بصره ، ثم مات===================================ذكر الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز تاج بني أمية
قد تقدم حديث أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بعد هذا الخير من شر؟ قال : " نعم " . قلت وهل بعد ذلك الشر من [ ص: 257 ] خير؟ قال : " نعم وفيه دخن " . قلت : وما دخنه؟ قال : " قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر الحديث ، فحمل البيهقي ، وغيره هذا الخبر الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز .
وروى عن الحاكم ، عن الأصم ، عن العباس بن الوليد بن مزيد ، عن أبيه قال : سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر الذي يكون بعد ذلك الخير ، فقال الأوزاعي : هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الأوزاعي : وفي مسألة حذيفة : فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : " نعم ، وفيه دخن " . قال الأوزاعي : فالخير الجماعة ، وفي ولاتهم من تعرف سيرته ، وفيهم من تنكر سيرته . قال : فلم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتالهم ما صلوا الصلاة .
وروى أبو داود الطيالسي ، عن داود الواسطي ، وكان ثقة ، عن حبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير بن سعد ، عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 258 ] " إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء ، ثم تكون جبرية ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة قال : فقدم عمر بن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان ، فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبت إليه أقول : إني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الجبرية . قال : فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به وأعجبه .
وقال نعيم بن حماد : حدثنا روح بن عبادة ، عن سعيد بن أبي عروبة : عن قتادة قال : قال عمر بن عبد العزيز : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، فقال لي " ادنه " . فدنوت حتى قمت بين يديه ، فرفع بصره إلي وقال : " أما إنك ستلي أمر هذه الأمة ، وستعدل عليهم " . وسيأتي في الحديث الآخر ، إن شاء الله; أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وقد قال كثير من الأئمة : إنه عمر بن عبد العزيز ; فإنه توفي سنة إحدى ومائة .
[ ص: 259 ] وقال البيهقي : أنا الحاكم ، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقرئ ، ثنا أبو عيسى ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا عفان بن مسلم ، ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق ، عن جويرية بن أسماء ، عن نافع قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب قال : إن من ولدي رجلا بوجهه شين ، يلي فيملأ الأرض عدلا . قال نافع من قبله : ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز وقد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد . ولهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول : ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة ، يملأ الأرض عدلا؟ وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا ، وقد كان هذا الأمر مشهورا قبل ولايته وميلاده بالكلية; أنه يلي رجل من بني أمية يقال له : أشج بني مروان .
وكانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر ، وكان يكرم عبد الله بن عمر ، ويبعث إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلها ، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذها . وقد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه وهو صغير ، [ ص: 260 ] فرمحه فرس فشجه في جبينه ، فجعل أبوه يسلت عنه الدم ويقول : أما لئن كنت أشج بني مروان ، إنك إذا لسعيد . وكان الناس يقولون : الأشج والناقص أعدل بني مروان; فالأشج هو عمر بن عبد العزيز ، والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، الذي يقول فيه الشاعر :
رأيت اليزيد بن الوليد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله
قلت : وقد ولي عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين ونصفا ، فملأ الأرض عدلا ، وفاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطي صدقته . وقد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم ، على أيام عمر بن عبد العزيز ، ، وعندي في ذلك نظر . والله أعلم .
وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني أبو معن [ ص: 261 ] الأنصاري ما أسنده ، قال : بينما عمر بن عبد العزيز يمشي إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال : علي بمحفار . فقالوا : نكفيك ، أصلحك الله . قال : لا . ثم أخذه فحفر له ، ثم لفه في خرقة ودفنه ، فإذا هاتف يهتف لا يرونه : رحمة الله عليك يا سرق . فقال له عمر بن عبد العزيز : من أنت؟ يرحمك الله . قال : أنا رجل من الجن ، وهذا سرق ولم يبق ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيره ، وأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " تموت يا سرق بفلاة من الأرض ، ويدفنك خير أمتي وقد روى هذا من وجه آخر ، وفيه أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه ، فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز . وقد رجحه البيهقي وحسنه . فالله أعلم ==================================مسألة: الجزء التاسع التحليل الموضوعي
الإشارة إلى محمد بن كعب القرظي وعلمه بتفسير القرآن وحفظه
قال حرملة عن ابن وهب ، أخبرني أبو صخر ، عن عبد الله بن مغيث بن أبي بردة الظفري ، عن أبيه ، عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يخرج في أحد الكاهنين رجل قد يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون من بعده " .
[ ص: 263 ] وروى البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن إسماعيل القاضي ، ثنا أبو ثابت ، ثنا ابن وهب ، حدثني عبد الجبار بن عمر ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها غيره قال : فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي . قال أبو ثابت : الكاهنان قريظة والنضير .
وقد روى من وجه آخر مرسل : " يخرج من الكاهنين رجل أعلم الناس بكتاب الله " . وقد قال عون بن عبد الله : ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب=================================== الإخبار عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد ، وإن صح فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع السعيد
قال يعقوب بن سفيان : حدثني محمد بن خالد بن العباس السكسكي ، حدثني الوليد بن مسلم ، حدثني أبو عمرو الأوزاعي ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب قال : ولد لأخي أم سلمة غلام ، فسموه الوليد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم ، إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له : الوليد . هو أضر على أمتي من فرعون على قومه " . قال أبو عمرو الأوزاعي : فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك ، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد; لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه ، وانفتحت الفتنة على الأمة والهرج وقد رواه البيهقي عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن سعيد بن عثمان التنوخي عن بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سعيد ، فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي ، ثم قال : وهذا مرسل حسن . وقد رواه نعيم [ ص: 267 ] بن حماد عن الوليد بن مسلم به ، وعنده : قال الزهري : إن استخلف الوليد بن يزيد فهو هو ، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك .
وقال نعيم بن حماد : ثنا هشيم ، عن أبي حرة ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيكون رجل اسمه الوليد ، يسد به ركن من أركان جهنم أو زاوية من زواياها وهذا مرسل أيضا
حديث آخر : قال سليمان بن بلال ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا ، اتخذوا دين الله دغلا ، وعباد الله خولا ، ومال الله دولا رواه البيهقي من حديثه .
وقال نعيم بن حماد : ثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن راشد بن سعد ، عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا بلغت بنو أمية أربعين اتخذوا عباد الله خولا ، ومال الله نحلا ، وكتاب [ ص: 268 ] الله دغلا وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبين أبي ذر .
وقال إسحاق بن راهويه : أنا جرير ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا ، ومال الله دولا ، وعباد الله خولا ورواه أحمد عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير به .
وقال البيهقي : أنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا تمتام وهو محمد بن غالب ، ثنا كامل بن طلحة ، ثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل ، أن ابن موهب أخبره أنه كان عند معاوية بن أبي سفيان ، فدخل عليه مروان فكلمه في حاجته ، فقال : اقض حاجتي يا أمير المؤمنين ، فوالله إن مؤنتي لعظيمة ، وإني لأبو عشرة ، وعم عشرة ، وأخو عشرة . فلما أدبر مروان ، وابن عباس جالس مع معاوية على السرير ، قال معاوية : أنشدك بالله يا بن عباس ، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا ، اتخذوا مال الله بينهم دولا ، وعباد الله خولا ، وكتاب الله دغلا ، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة ، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة " ؟ فقال ابن عباس : اللهم نعم . [ ص: 269 ] قال : وذكر مروان حاجة له ، فرد مروان عبد الملك إلى معاوية ، فكلمه فيها ، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية : أنشدك بالله يا ابن عباس ، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال : " أبو الجبابرة الأربعة " ؟ فقال ابن عباس : اللهم نعم وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة شديدة ، وابن لهيعة ضعيف .
وقد قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي : ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا سعيد بن زيد ، أخو حماد بن زيد ، عن علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن ، عن عمرو بن مرة ، وكانت له صحبة ، قال : جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال : " ائذنوا له ، حية ، أو ولد حية ، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين ، وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة ، ذوو مكر وخديعة ، يعطون في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق قال الدارمي : أبو الحسن هذا حمصي .
وقال نعيم بن حماد في " الفتن والملاحم " : ثنا عبد الله بن مروان المرواني ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن راشد بن سعد ، أن مروان بن الحكم لما ولد دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له ، فأبى أن يفعل ثم قال : " ابن الزرقاء ، هلاك [ ص: 270 ] أمتي على يديه ويدي ذريته وهذا حديث مرسل==================================ذكر الإخبار عن دولة بني العباس ، وكان ظهورهم من خراسان بالرايات السود في سنة ثنتين وثلاثين ومائة
قال يعقوب بن سفيان : حدثني محمد بن خالد بن العباس ، ثنا الوليد بن مسلم ، حدثني أبو عبد الله ، عن الوليد بن هشام المعيطي ، عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال : قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر ، فأجازه فأحسن جائزته ، ثم قال : يا أبا العباس ، هل لكم دولة؟ فقال : أعفني يا أمير المؤمنين . فقال : لتخبرني . قال : نعم . فأخبره ، قال : فمن أنصاركم؟ قال : أهل خراسان ، ولبني أمية من بني هاشم بطحات . رواه البيهقي . وقال ابن عدي : أنا محمد بن عبدة بن حرب ، ثنا سويد بن سعيد ، أنا حجاج بن تميم ، عن [ ص: 276 ] ميمون بن مهران ، عن ابن عباس قال : مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وإذا معه جبريل ، وأنا أظنه دحية الكلبي ، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنه لوسخ الثياب ، وسيلبس ولده من بعده السواد . وذكر تمام الحديث في ذهاب بصره ، ثم عوده إليه قبل موته . قال البيهقي : تفرد به حجاج بن تميم ، وليس بالقوي .
وقال البيهقي : أنا الحاكم ، ثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه في آخرين قالوا : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا يحيى بن معين ، ثنا عبيد بن أبي قرة ، ثنا الليث بن سعد ، عن أبي قبيل ، عن أبي ميسرة مولى العباس قال : سمعت العباس قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال : " انظر هل ترى في السماء من شيء؟ " قلت : نعم . قال : " ما ترى؟ " قلت : الثريا . قال : " أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك . قال البخاري : عبيد بن أبي قرة بغدادي سمع الليث ، لا يتابع على حديثه في قصة العباس .
وروى البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن العامري - وهو ضعيف - عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس : فيكم النبوة وفيكم الملك . [ ص: 277 ] وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا يحيى بن معين ، ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي معبد قال : قال ابن عباس : كما فتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا . هذا إسناد جيد ، وهو موقوف على ابن عباس من كلامه .
وقال يعقوب بن سفيان : حدثني إبراهيم بن أيوب ثنا الوليد ، ثنا عبد الملك بن حميد بن أبي غنية ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : سمعت ابن عباس ونحن نقول : اثني عشر أميرا ثم لا أمير ، واثني عشر أميرا ، ثم هي الساعة . فقال ابن عباس : ما أحمقكم! إن منا أهل البيت بعد ذلك المنصور ، والسفاح ، والمهدي; يدفعها إلى عيسى بن مريم . وهذا أيضا موقوف ، وقد رواه البيهقي من طريق الأعمش ، عن الضحاك ، عن ابن عباس مرفوعا : " منا السفاح ، والمنصور ، والمهدي " . وهذا إسناد ضعيف ، والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئا على الصحيح ، فهو منقطع . والله أعلم .
وقد قال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، [ ص: 278 ] عن أبي أسماء ، عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقتل عند كنزكم هذه ثلاثة ، كلهم ولد خليفة ، لا يصير إلى واحد منهم ، ثم تقبل الرايات السود من خراسان ، فيقتلونكم مقتلة لم يروا مثلها ، ثم يجيء خليفة الله المهدي ، فإذا سمعتم فأتوه فبايعوه ولو حبوا على الثلج ، فإنه خليفة الله المهدي . أخرجه ابن ماجه عن أحمد بن يوسف السلمي ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، كلاهما عن عبد الرزاق به . ورواه البيهقي من طرق ، عن عبد الرزاق ، ثم قال : تفرد به عبد الرزاق ، قال البيهقي : ورواه عبد الوهاب بن عطاء ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أسماء ، عن ثوبان موقوفا .
ثم قال البيهقي : أنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا محمد بن غالب ، ثنا كثير بن يحيى ، ثنا شريك ، عن علي بن زيد ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبلت الرايات السود من عقب خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج ، فإن فيها خليفة الله المهدي
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا الفضل بن سهل ، ثنا عبد الله بن داهر [ ص: 279 ] الرازي ، ثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتية من بني هاشم ، فاغرورقت عيناه ، وذكر الرايات ، قال : " فمن أدركها فليأتها ولو حبوا على الثلج ثم قال : وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحكم إلا ابن أبي ليلى ، ولا نعلم يروى إلا من حديث داهر بن يحيى ، وهو من أهل الرأي ، صالح الحديث ، وإنما يعرف من حديث يزيد بن أبي زياد ، عن إبراهيم .
وقال الحافظ أبو يعلى : ثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة ، ثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، هو ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجيء رايات سود من قبل المشرق ، تخوض الخيل الدم إلى ثنتها ، يظهرون العدل ، ويطلبون العدل فلا يعطونه ، فيظهرون فيطلب منهم العدل فلا يعطونه . وهذا إسناد حسن .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان وقتيبة بن سعيد ، قالا : ثنا رشدين بن سعد . قال يحيى بن غيلان في حديثه ، قال : حدثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة ، هو ابن ذؤيب الخزاعي ، عن أبي هريرة ، عن [ ص: 280 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : يخرج من خراسان رايات سود ، لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء . وقد رواه الترمذي عن قتيبة به ، وقال : غريب . ورواه البيهقي والحاكم من حديث عبد الله بن يوسف ، عن رشدين بن سعد . وقال البيهقي : تفرد به رشدين بن سعد ، وقد روي قريب من هذا ، عن كعب الأحبار ، ولعله أشبه والله أعلم .
ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان ، حدثنا محدث عن أبي المغيرة عبد القدوس ، عن إسماعيل بن عياش ، عمن حدثه عن كعب الأحبار قال : تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام ، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وكل عدو لهم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن ، رجل يقال له : السفاح . فيكون إعطاؤه المال حثيا ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، [ ص: 281 ] عن أبي معاوية ، عن الأعمش به . وقال فيه : " يخرج رجل من أهل بيتي يقال له : السفاح " . فذكره ، وهذا الإسناد على شرط أهل السنن ، ولم يخرجوه .
فهذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان وفي ولاية السفاح ، وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وقد وقعت ولايته في حدود سنة ثلاثين ومائة ، ثم ظهر بأعوانه ومعهم الرايات السود ، وشعارهم السواد ، كما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وفوقه عمامة سوداء ، ثم بعث عمه عبد الله لقتال بني أمية ، فكسرهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وهرب من المعركة آخر خلفائهم ، وهو مروان بن محمد بن مروان ، ويلقب بمروان الحمار ، ويقال له : مروان الجعدي . لاشتغاله على الجعد بن درهم ، فيما قيل ، ودخل عمه دمشق واستحوذ على ما كان لبني أمية من الملك والأملاك والأموال ، وجرت خطوب كثيرة سنوردها مفصلة في موضعها ، إن شاء الله تعالى .
وقد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره ، وقد استقصى ذلك نعيم بن حماد في كتابه ، وفي بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعد ، وأن ذلك يكون في آخر الزمان ، كما سنورده في موضعه ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان .
[ ص: 282 ] وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع قال أبو معمر : هو أبو مسلم الخراساني . يعني الذي أقام دولة بني العباس .
والمقصود أنه تحولت الدولة من بني أمية إلى بني العباس في هذه السنة ، وكان أول قائم منهم أبو العباس السفاح ، ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور باني مدينة السلام بغداد ، ثم ابنه المهدي محمد بن عبد الله ، ثم من بعده ابنه الهادي ، ثم ابنه الآخر هارون الرشيد ثم انتشرت الخلافة في ذريته ، على ما سنفصله إذا وصلنا إلى تلك الأيام ، وقد نطقت هذه الأحاديث التي أوردناها آنفا بالسفاح والمنصور والمهدي ، ولا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس ، ليس هو المهدي الذي وردت الأحاديث المستفيضة بذكره وأنه يكون في آخر الزمان ، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة ، كما أفرد له أبو داود كتابا في " سننه " ، وقد تقدم في بعض هذه الأحاديث آنفا أنه يسلم الخلافة إلى عيسى ابن مريم إذا نزل إلى الأرض . والله أعلم . وأما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان ، فيبعد أن يكون هو الذي بويع أول خلفاء بني العباس ، فقد يكون خليفة آخر ، وهذا هو الظاهر ، فإنه قد روى نعيم بن حماد ، عن ابن وهب ، [ ص: 283 ] عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو المعافري ، عن تدوم الحميري سمع تبيع بن عامر يقول : يعيش السفاح أربعين سنة ، اسمه في التوراة طائر السماء .
قلت : وقد تكون صفة للمهدي الذي يظهر في آخر الزمان; لكثرة ما يسفح - أي يريق - من الدماء لإقامة العدل ، ونشر القسط ، وتكون الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث ، إن صحت ، هي التي تكون مع المهدي ، ويكون أول ظهور بيعته بمكة ، ثم تكون أنصاره من خراسان كما وقع قديما للسفاح ، والله تعالى أعلم . هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث ، وإلا فلا يخلو سند منها عن كلام . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب================================= ذكر الإخبار عن أمور وقعت في دولة بني العباس إلى زماننا هذا
فمن ذلك بناء أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - الخليفة بعد أخيه الخليفة السفاح ، وهو المنصور - لمدينة بغداد في سنة خمس وأربعين ومائة .
قال نعيم بن حماد في كتابه ، عن أبي المغيرة ، عن أرطأة بن المنذر ، عمن حدثه عن ابن عباس أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال : يابن عباس ، قوله تعالى حم عسق [ الشورى : 1 ، 2 ] . فأطرق ساعة وأعرض عنه ، ثم كررها فلم يجبه بشيء ، فقال له حذيفة : أنا أنبئك ، قد عرفت لم كرهها ، إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له : عبد الإله . أو عبد الله . ينزل على نهر من أنهار المشرق ، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا ، يجتمع فيهما كل جبار عنيد .
[ ص: 291 ] وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا عبد الله بن السمط ، حدثنا صالح بن علي الهاشمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لأن يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب ، خير له من أن يربي ولدا لصلبه قال شيخنا الذهبي : هذا الحديث موضوع . واتهم به عبد الله بن السمط هذا .
وقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري في كتابه " الفتن والملاحم " : حدثنا أبو عمر البصري ، عن أبي بيان المعافري ، عن تبيع ، عن كعب قال : إذا كانت سنة ستين ومائة انتقص فيها حلم ذوي الأحلام ، ورأي ذوي الرأي========================================================حديث آخر فيه إشارة إلى محمد بن إدريس الشافعي
قال أبو داود الطيالسي : حدثنا جعفر بن سليمان ، عن النضر بن حميد الكندي أو العبدي ، عن أبي الجارود ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا قريشا; فإن عالمها يملأ الأرض علما ، اللهم إنك أذقت أولها وبالا ، فأذق آخرها نوالا وقد رواه الحاكم من طريق أبي هريرة . وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : هو الشافعي . قلت : وقد توفي الشافعي ، رحمه الله ، في سنة أربع ومائتين ، وقد أفردنا ترجمته في مجلد ، وذكرنا معه تراجم أصحابه من بعده .
حديث آخر : روى رواد بن الجراح ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، [ ص: 293 ] عن ربعي ، عن حذيفة مرفوعا : خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ " . قالوا : وما خفيف الحاذ يا رسول الله؟ قال : " من لا أهل له ولا مال ولا ولد
حديث آخر : قال ابن ماجه : حدثنا الحسن بن علي الخلال ، حدثنا عون بن عمارة ، حدثني عبد الله بن المثنى بن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، عن جده أنس بن مالك ، عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الآيات بعد المائتين " .
وحدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا نوح بن قيس ، حدثنا عبد الله بن معقل ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمتي على خمس طبقات ; فأربعون سنة أهل بر وتقوى ، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل ، ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع ، ثم الهرج الهرج ، النجا النجا وحدثنا نصر بن علي ، حدثنا حازم أبو محمد العنزي ، حدثنا المسور بن الحسن ، عن أبي معن ، عن [ ص: 294 ] أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمتي على خمس طبقات ، كل طبقة أربعون عاما ، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان ، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين ، فأهل بر وتقوى ثم ذكر نحوه . هذا لفظه ، وهو حديث غريب من هذين الوجهين ، ولا يخلو عن نكارة . والله أعلم .
وقد قال الإمام أحمد : ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، حدثنا هلال بن يساف ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم يتسمنون ، يحبون السمن ، يعطون الشهادة قبل أن يسألوها ورواه الترمذي من طريق الأعمش
وقد رواه البخاري ومسلم من حديث شعبة ، عن أبي جمرة ، عن زهدم بن مضرب ، سمعت عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران : فلا أدري أذكر بعد قرنه [ ص: 295 ] قرنين أو ثلاثة؟ - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن لفظ البخاري .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته قال إبراهيم : وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار . وقد رواه بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق متعددة ، عن منصور به .
حديث آخر : قال نعيم بن حماد : حدثنا أبو عمر البصري ، عن ابن لهيعة ، عن عبد الوهاب بن حسين ، عن محمد بن ثابت البناني ، عن أبيه ، عن الحارث الهمداني ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : السابع من ولد العباس يدعو الناس إلى الكفر فلا يجيبونه ، فيقول له أهل بيته : تريد أن تخرجنا من معايشنا؟! فيقول : إني أسير فيكم بسيرة أبي بكر وعمر فيأبون عليه فيقتله عدو له من أهل بيته من بني هاشم ، فإذا وثب عليه اختلفوا فيما بينهم فذكر [ ص: 296 ] اختلافا طويلا إلى خروج السفياني . وهذا الحديث ينطبق على عبد الله المأمون الذي دعا الناس إلى القول بخلق القرآن ، ووقى الله شرها ، كما سنورد ذلك في موضعه ، والسفياني رجل يكون في آخر الزمان منسوب إلى أبي سفيان يكون من سلالته ، وسيأتي في آخر كتاب الملاحم .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، ثنا ليث ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، سمعت أبا ثعلبة الخشني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه سمعه يقول وهو بالفسطاط في خلافة معاوية ، وكان معاوية أغزى الناس القسطنطينية فقال : والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم ، إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته ، فعند ذلك فتح القسطنطينية . هكذا رواه أحمد موقوفا على أبي ثعلبة .
وقد أخرجه أبو داود في " سننه " من حديث ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن أبي ثعلبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم تفرد به أبو داود .
ثم قال أبو داود : ثنا عمرو بن عثمان ، ثنا أبو المغيرة ، حدثني صفوان عن شريح بن عبيد ، عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم قيل لسعد : وكم [ ص: 297 ] نصف يوم؟ قال : خمسمائة سنة . تفرد به أبو داود ، وإسناده جيد . وهذا من دلائل النبوة ، فإن هذا يقتضي وقوع تأخير الأمة نصف يوم ، وهو خمسمائة سنة كما فسره الصحابي ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون [ الحج : 47 ] . ثم هذا الإخبار بوقوع هذه المدة لا ينفي وقوع ما زاد عليها ، فأما ما يذكره كثير من الناس من أنه ، عليه الصلام والسلام ، لا يؤلف في قبره ، بمعنى لا يمضي عليه ألف سنة من يوم مات إلى حين قيام الساعة ، فإنه حديث لا أصل له في شيء من كتب الإسلام . والله أعلم .
حديث آخر فيه الإخبار عن ظهور النار التي كانت بأرض الحجاز ، حتى أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى ، وقد وقع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة . قال البخاري في " صحيحه " : ثنا أبو اليمان ، ثنا شعيب ، عن الزهري قال : قال سعيد بن المسيب أخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى تفرد به البخاري .
وقد ذكر أهل التاريخ وغيرهم من الناس ، وتواتر وقوع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة; قال الشيخ الإمام الحافظ شيخ الحديث وإمام المؤرخين في زمانه شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة ، في " تاريخه " : إنها ظهرت يوم الجمعة في خامس جمادى الآخرة سنة أربع [ ص: 298 ] وخمسين وستمائة ، وأنها استمرت شهرا وأزيد منه . وذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة في كيفية ظهورها شرقي المدينة من ناحية وادي شظا ، تلقاء أحد ، وأنها ملأت تلك الأودية ، وأنه يخرج منها شرر يأكل الحجارة ، وذكر أن المدينة زلزلت بسببها ، وأنهم سمعوا أصواتا مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام ، أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين ، فلم تزل ليلا ونهارا حتى ظهرت يوم الجمعة خامسه ، فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا ، صارت مثل الوادي ، طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال ، وعمقه قامة ونصف ، يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك ، ثم يصير كالفحم الأسود ، وذكر أن ضوءها يمتد إلى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل ، وكأن في بيت كل منهم مصباحا ، ورأى الناس سناها من مكة ، شرفها الله .
قلت : وأما بصرى فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي قاسم التميمي الحنفي قال : أخبرني والدي ، وهو الشيخ صفي الدين مدرس بصرى ، أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة من كان [ ص: 299 ] بحاضرة بلد بصرى ، أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز .
وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجئوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي ، وتابوا إلى الله من ذنوب كانوا عليها ، واستغفروا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما سلف منهم ، وأعتقوا الغلمان ، وتصدقوا على فقرائهم ومحاويجهم ، وقد قال قائلهم في ذلك :
يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا لقد أحاطت بنا يا رب بأساء نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها
حملا ونحن بها حقا أحقاء زلازلا تخشع الصم الصلاد لها
وكيف يقوى على الزلزال شماء أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت
عن منظر منه عين الشمس عشواء بحر من النار تجري فوقه سفن
من الهضاب لها في الأرض إرساء يرى لها شرر كالقصر طائشة
كأنها ديمة تنصب هطلاء تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت
رعبا وترعد مثل الشهب أضواء [ ص: 300 ] منها تكاثف في الجو الدخان إلى
أن عادت الشمس منه وهي دهماء قد أثرت سفعة في البدر لفحتها
فليلة التم بعد النور ليلاء فيالها آية من معجزات رسو
ل الله يعقلها القوم الألباء
إلى آخرها .
ومما قيل في هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة :
سبحان من أصبحت مشيئته جارية في الورى بمقدار
أغرق بغداد بالمياه كما أحرق أرض الحجاز بالنار
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، ثنا أفلح بن سعيد الأنصاري ، شيخ من أهل قباء من الأنصار ، حدثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن طالت بك مدة ، أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته ، في أيديهم مثل أذناب البقر ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن زيد بن الحباب ، عن أفلح بن سعيد به . وروى مسلم أيضا ، عن زهير بن [ ص: 301 ] حرب ، عن جرير ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان من أهل النار لم أرهما بعد ; قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا . وهذان الصنفان ، وهما الجلادون الذين يسمون بالرجالة والجاندارية كثيرون في زماننا هذا ، ومن قبله وقبل قبله بدهر ، والنساء الكاسيات العاريات ; أي عليهن لبس لا تواري سوآتهن ، بل هو زيادة في العورة ، وإبداء للزينة ، مائلات في مشيهن ، مميلات غيرهن إليهن وقد عم البلاء بهن في زماننا هذا ، ومن قبله أيضا ، وهذا من أكبر دلالات النبوة ; إذ وقع الأمر في الخارج طبق ما أخبر به ، عليه السلام ، وقد تقدم حديث جابر : " أما إنها ستكون لكم أنماط " . وذكر تمام الحديث في وقوع ذلك واحتجاج امرأته عليه بهذا .
حديث آخر : روى الإمام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن داود بن أبي هند ، وأخرجه البيهقي من حديثه ، عن أبي [ ص: 302 ] حرب بن أبي الأسود الدئلي ، عن طلحة بن عمرو البصري ، أنه قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يصلي إذ أتاه رجل فقال : يا رسول الله ، أحرق بطوننا التمر ، وتخرقت عنا الخنف . قال : فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " لقد رأيتني وصاحبي مكثنا بضع عشرة ليلة وما لنا طعام غير البرير ، حتى أتينا إخواننا من الأنصار ، فآسونا من طعامهم ، وكان جل طعامهم التمر ، والذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبز واللحم لأطعمتكموه ، وسيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة ، ويغدى ويراح عليكم بالجفان " . قالوا : يا رسول الله ، أنحن يومئذ خير أم اليوم ؟ قال : " بل أنتم اليوم خير ، أنتم اليوم إخوان ، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض " .
وقد روى سفيان الثوري ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي موسى يحنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم ، سلط الله بعضهم على بعض . وقد أسنده البيهقي من طريق موسى بن [ ص: 303 ] عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود المهري ، ثنا ابن وهب ، ثنا سعيد بن أبي أيوب ، عن شراحيل بن يزيد المعافري ، عن أبي علقمة ، عن أبي هريرة ، فيما أعلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها . قال أبو داود : رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يجز به شراحيل تفرد به أبو داود وقد ذكر كل طائفة من العلماء في رأس كل مائة سنة ، عالما من علمائهم ينزلون هذا الحديث عليه ، وقال طائفة من العلماء : بل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف ، كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة : " يحمل هذا العلم من كل خلف [ ص: 304 ] عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين " . وهذا موجود ، ولله الحمد والمنة ، إلى زماننا هذا ، ونحن في القرن الثامن ، والله المسئول أن يختم لنا بخير ، وأن يجعلنا من عباده الصالحين ، ومن ورثة جنة النعيم ، آمين آمين يا رب العالمين .
وسيأتي الحديث المخرج من " الصحيح " : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك . وفي " صحيح البخاري " : " وهم بالشام " . وقد قال كثير من علماء السلف : إنهم أهل الحديث . وهذا أيضا من دلائل النبوة ، فإن أهل الحديث بالشام اليوم أكثر من سائر أقاليم الإسلام ، ولله الحمد ، ولا سيما بمدينة دمشق ، حماها الله وصانها ، كما ورد في الحديث الذي سنذكره أنها تكون معقل المسلمين عند وقوع الفتن .
وفي " صحيح مسلم " عن النواس بن سمعان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن عيسى ابن مريم أنه ينزل من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق . ولعل أصل لفظ الحديث : على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق . وقد بلغني أنه كذلك في بعض الأجزاء ، ولم أقف عليه إلى الآن ، والله الميسر ، وقد جددت هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق - بعد ما أحرقها النصارى - في أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة ، من أموال النصارى ; مقاصة على ما [ ص: 305 ] فعلوا من العدوان ، وفي هذا حكمة عظيمة ، وهو أن ينزل على هذه المبنية من أموالهم عيسى ابن مريم نبي الله ، فيكذبهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه وعلى الله ، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية - أي يتركها - ولا يقبل من أحد منهم ولا من غيرهم إلا الإسلام ، يعني أو يقتله ، وقد أخبر بهذا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقرره عليه وسوغه له ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان===================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق