سنة عشر من الهجرة النبوية باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد==باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع==بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى أهل اليمن قبل حجة الوداع ، يدعونهم إلى الله عز وجل
=================================
قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا ، فإن استجابوا فاقبل منهم ، وإن لم يفعلوا فقاتلهم . فخرج خالد حتى قدم عليهم ، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ، ويدعون إلى الإسلام ويقولون : أيها الناس أسلموا تسلموا . فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه ، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا ، ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد ، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، يا رسول الله ، صلى الله عليك ، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب ، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام ، وأن أدعوهم إلى الإسلام ، فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله ، وسنة نبيه ، وإن لم يسلموا قاتلتهم ، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعثت فيهم ركبانا قالوا : يا بني الحارث أسلموا تسلموا . فأسلموا ولم يقاتلوا ، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به ، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه ، وأعلمهم معالم [ ص: 377 ] الإسلام ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى يكتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته . فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن كتابك جاءني مع رسولك ، تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم ، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام ، وشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبد الله ورسوله ، وأن قد هداهم الله بهداه ، فبشرهم وأنذرهم ، وأقبل وليقبل معك وفدهم ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته " . فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب ، منهم ; قيس بن الحصين ذي الغصة ، ويزيد بن عبد المدان ، ويزيد بن المحجل ، وعبد الله بن قراد الزيادي ، وشداد بن عبيد الله القناني ، وعمرو بن عبد الله الضبابي ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم قال : " من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند ؟ ! " قيل : يا رسول الله ، هؤلاء بنو الحارث بن كعب . فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا : نشهد أنك رسول الله ، وأنه لا إله إلا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله " . ثم قال : " أنتم الذين إذا زجروا استقدموا ؟ " فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية ، ثم الثالثة ، فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة ، فقال يزيد بن عبد المدان : نعم ، يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا . قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت [ ص: 378 ] أقدامكم " . فقال يزيد بن عبد المدان : أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال : " فمن حمدتم ؟ " قالوا : حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدقتم " . ثم قال : " بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ؟ " . قالوا : لم نك نغلب أحدا : قال : " بلى ، قد كنتم تغلبون من قاتلكم " . قالوا : كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله ، أنا كنا نجتمع ولا نتفرق ، ولا نبدأ أحدا بظلم ، قال : " صدقتم " ثم أمر عليهم قيس بن الحصين .
قال ابن إسحاق : ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال ، أو في صدر ذي القعدة . قال : ثم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ; ليفقههم في الدين ، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ، ويأخذ منهم صدقاتهم ، وكتب له كتابا عهد إليه فيه عهده ، وأمره أمره . ثم أورده ابن إسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي ، وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد===============================باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع
ثم قال البخاري : حدثنا أحمد بن عثمان ، ثنا شريح بن مسلمة ، ثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، حدثني أبي ، عن أبي إسحاق ، سمعت البراء بن عازب قال : بعثنا [ ص: 391 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن . قال : ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال : " مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ، ومن شاء فليقبل " . فكنت فيمن عقب معه . قال : فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه .
ثم قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا روح بن عبادة ، ثنا علي بن سويد بن منجوف ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس ، وكنت أبغض عليا ، فأصبح وقد اغتسل ، فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا ؟ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له . فقال : يا بريدة تبغض عليا ؟ " . فقلت : نعم . فقال : " لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك " انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا عبد الجليل قال : انتهيت إلى [ ص: 392 ] حلقة فيها أبو مجلز ، وابن بريدة ، فقال عبد الله بن بريدة : حدثني أبي بريدة قال : أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط . قال : وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا . قال : فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا . قال : فأصبنا سبيا . قال : فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابعث إلينا من يخمسه . قال : فبعث إلينا عليا ، وفي السبي وصيفة من أفضل السبي . قال : فخمس وقسم ، فخرج ورأسه يقطر ، فقلنا : يا أبا الحسن ، ما هذا ؟ فقال : ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي ، فإني قسمت وخمست فصارت في الخمس ، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم صارت في آل علي ، ووقعت بها . قال : فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ابعثني . فبعثني مصدقا ، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول : صدق . قال : فأمسك يدي والكتاب فقال : " أتبغض عليا ؟ " قال : قلت : نعم . قال : " فلا تبغضه ، وإن كنت تحبه فازدد له حبا ، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة " . قال : فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي . قال عبد الله بن بريدة : فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث غير أبي بريدة . تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري ; وثقه ابن معين وابن حبان ، وقال البخاري : [ ص: 393 ] إنما يهم في الشيء بعد الشيء .
وقال محمد بن إسحاق : ثنا أبان بن صالح ، عن عبد الله بن نيار الأسلمي ، عن خاله عمرو بن شاس الأسلمي ، وكان من أصحاب الحديبية قال : كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فجفاني علي بعض الجفاء ، فوجدت في نفسي عليه ، فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته ، فأقبلت يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ، فلما رآني أنظر إلى عينيه نظر إلي حتى جلست إليه ، فلما جلست إليه قال : " إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني " . فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أعوذ بالله والإسلام أن أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : " من آذى عليا فقد آذاني " . وقد رواه البيهقي من وجه آخر ، عن ابن إسحاق عن أبان ، عن الفضل بن معقل بن سنان ، عن عبد الله بن نيار ، عن خاله عمرو بن شاس ، فذكره بمعناه .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو إسحاق [ ص: 394 ] المزكي ، أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن علي الجوزجاني ، ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ، سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام . قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد ، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام ، فلم يجيبوه ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب ، وأمره أن يقفل خالدا ، إلا رجلا كان ممن مع خالد فأحب أن يعقب مع علي فليعقب معه . قال البراء : فكنت فيمن عقب مع علي ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي ، ثم صفنا صفا واحدا ، ثم تقدم بين أيدينا ، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا ، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ، ثم رفع رأسه فقال : " السلام على همدان ، السلام على همدان " . قال البيهقي : رواه البخاري مختصرا من وجه آخر ، عن إبراهيم بن يوسف .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن [ ص: 395 ] الفضل القطان ، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان ، حدثنا أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن سعد بن إسحاق بن كعب ، عن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن . قال أبو سعيد : فكنت فيمن خرج معه ، فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا وقال : إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين . قال : فلما فرغ علي وانطلق من اليمن راجعا ، أمر علينا إنسانا وأسرع هو فأدرك الحج ، فلما قضى حجته قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم " . قال أبو سعيد : وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه ، ففعل ، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت ، ورأى أثر الراكب ذم الذي أمره ولامه ، فقلت : أما إن لله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق . قال : فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه ، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآني وقف معي ورحب بي ، وساءلني وساءلته وقال : متى قدمت ؟ فقلت : قدمت البارحة . فرجع معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل وقال : هذا سعد بن [ ص: 396 ] مالك بن الشهيد . فقال : " ائذن له " . فدخلت فحييت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياني ، وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي ، وأحفى المسألة ، فقلت : يا رسول الله ، ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق ؟ فانتبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، وكنت منه قريبا ، وقال : " يا سعد بن مالك بن الشهيد مه بعض قولك لأخيك علي ، فوالله لقد علمت أنه أخشن في سبيل الله " . قال : فقلت في نفسي : ثكلتك أمك سعد بن مالك ! ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم وما أدري ، لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية . وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة .
وقد قال يونس ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي عمرة ، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : إنما وجد جيش علي بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن ; لأنهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا ، وتعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فعمد الرجل فكسا كل رجل حلة ، فلما دنوا خرج علي يستقبلهم ، فإذا عليهم الحلل ، قال علي : ما هذا ؟ قالوا : [ ص: 397 ] كسانا فلان . قال : فما دعاك إلى هذا قبل تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصنع ما شاء ؟ فنزع الحلل منهم ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكوه لذلك ، وكانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما بعث عليا إلى جزية موضوعة .
قلت : هذا السياق أقرب من سياق البيهقي ، وذلك أن عليا سبقهم لأجل الحج ، وساق معه هديا ، وأهل بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يمكث حراما . وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له : إني سقت الهدي وقرنت
والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش ; بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة ، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه ، وعلي معذور فيما فعل ، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج ، فلذلك - والله أعلم - لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغدير خم ، قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة علي ، ورفع من قدره ونبه على فضله ; ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس ، وسيأتي هذا مفصلا في موضعه ، إن شاء الله ، وبه الثقة .
وقال البخاري : ثنا قتيبة ، ثنا عبد الواحد ، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة ، حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم ، سمعت أبا سعيد الخدري يقول : بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم [ ص: 398 ] مقروظ ، لم تحصل من ترابها . قال : فقسمها بين أربعة ; بين عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، وزيد الخيل ، والرابع إما علقمة - يعني بن علاثة - وإما عامر بن الطفيل . فقال رجل من أصحابه : كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء ؟! " . قال : فقام رجل غائر العينين ، مشرف الوجنتين ، ناشز الجبهة ، كث اللحية ، محلوق الرأس ، مشمر الإزار ، فقال : يا رسول الله ، اتق الله . فقال : " ويلك ، أولست أحق الناس أن يتقي الله ؟! " . قال : ثم ولى الرجل . قال خالد بن الوليد : يا رسول الله ، ألا أضرب عنقه ؟ قال : " لا ، لعله أن يكون يصلي " . قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم " . قال : ثم نظر إليه وهو مقف ، فقال : " إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " . أظنه قال : " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود " . وقد رواه [ ص: 399 ] البخاري في مواضع أخر من كتابه ، ومسلم في كتاب الزكاة من " صحيحه " من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى ، عن الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن . قال : فقلت : تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء . قال : " إن الله سيهدي لسانك ، ويثبت قلبك " . قال : فما شككت في قضاء بين اثنين بعد ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا شريك ، عن سماك ، عن حنش ، عن علي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن . قال : فقلت : يا رسول الله ، تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء ؟! قال : فوضع يده على صدري وقال " : اللهم ثبت لسانه ، واهد قلبه . يا علي ، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء " . قال : فما اختلف علي قضاء بعد . أو : ما أشكل علي قضاء بعد . ورواه أحمد أيضا وأبو داود من طرق ، عن [ ص: 400 ] شريك ، والترمذي من حديث زائدة ، كلاهما عن سماك بن حرب ، عن حنش بن المعتمر - وقيل : ابن ربيعة الكناني الكوفي - عن علي به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الأجلح ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن أبي الخليل ، عن زيد بن أرقم أن نفرا وطئوا امرأة في طهر ، فقال علي لاثنين : أتطيبان نفسا لذا ؟ فقالا : لا . فأقبل على الآخرين فقال : أتطيبان نفسا لذا ؟ فقالا : لا . فقال : أنتم شركاء متشاكسون . فقال : إني مقرع بينكم . فأيكم قرع أغرمته ثلثي الدية ، وألزمته الولد . قال : فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا أعلم إلا ما قال علي " .
وقال أحمد : ثنا سريج بن النعمان ، ثنا هشيم ، أنبأنا الأجلح ، عن الشعبي ، عن أبي الخليل ، عن زيد بن أرقم أن عليا أتي في ثلاثة نفر ، إذ كان في اليمن ، اشتركوا في ولد ، فأقرع بينهم فضمن الذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له . قال زيد بن أرقم : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقضاء علي ، فضحك حتى بدت نواجذه .
ورواه أبو داود ، عن مسدد ، عن يحيى القطان ، والنسائي ، عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، كلاهما عن الأجلح بن عبد الله ، عن عامر الشعبي ، [ ص: 401 ] عن عبد الله بن الخليل - وقال النسائي في روايته : عبد الله بن أبي الخليل - عن زيد بن أرقم قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال : إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد ، وقعوا على امرأة في طهر واحد . فذكر نحو ما تقدم . وقال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روياه - أعني أبا داود والنسائي - من حديث شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن الشعبي ، عن أبي الخليل أو ابن الخليل ، عن علي قوله فأرسله ولم يرفعه .
وقد رواه الإمام أحمد أيضا ، عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الأجلح ، عن الشعبي ، عن عبد خير ، عن زيد بن أرقم ، فذكر نحو ما تقدم . وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن خشيش بن أصرم ، وابن ماجه ، عن إسحاق بن منصور ، كلاهما عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري عن صالح الهمداني ، عن الشعبي ، عن عبد خير ، عن زيد بن أرقم به .
قال شيخنا في " الأطراف " : لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل ، ولكن لم يضبط الراوي اسمه . قلت : فعلى هذا يقوى الحديث ، وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له ، لكن الأجلح بن عبد الله الكندي فيه كلام ما ، وقد [ ص: 402 ] ذهب إلى القول بالقرعة في الأنساب الإمام أحمد وهو من أفراده .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو سعيد ، ثنا إسرائيل ، ثنا سماك ، عن حنش ، عن علي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد ، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ، ثم تعلق رجل بآخر ، حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد ، فانتدب له رجل بحربة فقتله ، وماتوا من جراحتهم كلهم ، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا ، فأتاهم علي على تفئة ذلك فقال : تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ؟! إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء ، وإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون هو الذي يقضي بينكم ، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له ، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية ، وثلث الدية ، ونصف الدية ، والدية كاملة ، فللأول الربع ; لأنه هلك من فوقه وللثاني ثلث الدية ، وللثالث نصف الدية ، وللرابع الدية . فأبوا أن [ ص: 403 ] يرضوا ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم ، فقصوا عليه القصة ، فقال : " أنا أحكم بينكم " . فقال رجل من القوم : يا رسول الله ، إن عليا قضى فينا . فقصوا عليه القصة ، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم رواه الإمام أحمد أيضا ، عن وكيع ، عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب ، عن حنش ، عن علي فذكره==================================بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى أهل اليمن قبل حجة الوداع ، يدعونهم إلى الله عز وجل
قال البخاري : باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ، [ ص: 379 ] حدثنا موسى ، ثنا أبو عوانة ، ثنا عبد الملك ، عن أبي بردة قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن . قال : وبعث كل واحد منهما على مخلاف . قال : واليمن مخلافان . ثم قال : " يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا " . - وفي رواية : " وتطاوعا ولا تختلفا " - فانطلق كل واحد منهما إلى عمله قال : وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه ، وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا ، فسلم عليه ، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه ، فإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس ، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه ، فقال له معاذ : يا عبد الله بن قيس ، أيم هذا ؟ قال : هذا رجل كفر بعد إسلامه . قال : لا أنزل حتى يقتل . قال : إنما جيء به لذلك ، فانزل . قال : ما أنزل حتى يقتل . فأمر به فقتل ، ثم نزل فقال : يا عبد الله كيف تقرأ القرآن ؟ قال : أتفوقه تفوقا . قال : فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال : أنام أول الليل ، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم ، فأقرأ ما كتب الله لي ، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي . انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه .
ثم قال البخاري : ثنا إسحاق ، ثنا خالد ، عن الشيباني ، عن سعيد بن أبي [ ص: 380 ] بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال : " ما هي ؟ " قال البتع والمزر - فقلت لأبي بردة : ما البتع ؟ قال : نبيذ العسل ، والمزر نبيذ الشعير - فقال : " كل مسكر حرام " . رواه جرير وعبد الواحد ، عن الشيباني ، عن أبي بردة . ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي بردة .
وقال البخاري : حدثنا حبان ، أنبأنا عبد الله ، عن زكريا بن إسحاق ، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ، عن أبي معبد مولى ابن عباس ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : " إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " . وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة .
[ ص: 381 ] وقال الإمام أحمد : ثنا أبو المغيرة ، ثنا صفوان ، حدثني راشد بن سعد ، عن عاصم بن حميد السكوني ، عن معاذ بن جبل قال : لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه ، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته ، فلما فرغ قال : " يا معاذ ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " . فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال : " إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا " .
3 ثم رواه عن أبي اليمان ، عن صفوان بن عمرو ، عن راشد بن سعد ، عن عاصم بن حميد السكوني ، أن معاذا لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه ، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته ، فلما فرغ قال : " يا معاذ ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " . فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لا تبك يا معاذ ، للبكاء أوان ، البكاء من الشيطان " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، ثنا صفوان ، حدثني أبو زياد [ ص: 382 ] يحيى بن عبيد الغساني ، عن يزيد بن قطيب ، عن معاذ أنه كان يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال : " لعلك أن تمر بقبري ومسجدي ، فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم ، يقاتلون على الحق مرتين ، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك ، ثم يفيئون إلى الإسلام ، حتى تبادر المرأة زوجها ، والولد والده ، والأخ أخاه ، فانزل بين الحيين ; السكون والسكاسك " .
وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذا ، رضي الله عنه ، لا يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، وكذلك وقع ; فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع ، ثم كانت وفاته عليه الصلاة والسلام بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الأكبر .
فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن معاذ ، أنه لما رجع من اليمن قال : يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض ، أفلا نسجد لك ؟ قال : " لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " . وقد رواه أحمد ، عن ابن نمير ، عن الأعمش سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل ، من الأنصار عن معاذ بن جبل ، قال : أقبل معاذ من اليمن فقال : يا رسول الله ، إني رأيت رجالا . فذكر معناه . فقد دار على رجل مبهم ، ومثله لا يحتج به ، لا سيما [ ص: 383 ] وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا : لما قدم معاذ من الشام . كذلك رواه أحمد .
وقال أحمد : ثنا إبراهيم بن مهدي ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله " . وقال أحمد : ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا معاذ ، أتبع السيئة الحسنة ، تمحها وخالق الناس بخلق حسن " . قال وكيع : وجدته في كتابي ، عن أبي ذر ، وهو السماع الأول وقال سفيان مرة : عن معاذ .
ثم قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن ليث ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن معاذ أنه قال : " يا رسول الله أوصني فقال : " اتق الله حيثما كنت " . قال : زدني . قال : " أتبع السيئة الحسنة تمحها " . قال : زدني . قال : " خالق الناس بخلق حسن " وقد رواه الترمذي في " جامعه " عن محمود بن غيلان ، عن وكيع ، عن سفيان الثوري به ، وقال : [ ص: 384 ] حسن . قال شيخنا في " الأطراف " : وتابعه فضيل بن عياض ، عن ليث بن أبي سليم والأعمش ، عن حبيب به .
وقال أحمد : ثنا أبو اليمان ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي ، عن معاذ بن جبل قال : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال : " لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت ، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا ; فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ، ولا تشربن خمرا ; فإنه رأس كل فاحشة ، وإياك والمعصية ; فإن بالمعصية يحل سخط الله ، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس ، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت ، وأنفق على عيالك من طولك ، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا ، وأخفهم في الله عز وجل " .
. وقال الإمام أحمد : ثنا يونس ، ثنا بقية ، عن السري بن ينعم ، عن مريح بن مسروق ، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال : [ ص: 385 ] " إياك والتنعم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " .
وقال أحمد : ثنا سليمان بن داود الهاشمي ، ثنا أبو بكر - يعني ابن عياش - ثنا عاصم ، عن أبي وائل ، عن معاذ قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا ، أو عدله من المعافر ، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة ، مسنة ، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا ، وأمرني فيما سقت السماء العشر ، وما سقي بالدوالي نصف العشر . وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية ، والنسائي من حديث محمد بن إسحاق ، عن الأعمش كذلك . وقد رواه أهل السنن الأربعة ، من طرق عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن معاذ به .
وقال أحمد : ثنا معاوية ، عن عمرو وهارون بن معروف قالا : ثنا عبد الله بن وهب ، عن حيوة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سلمة بن أسامة ، عن يحيى بن الحكم ، أن معاذا قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن ، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا - قال هارون : والتبيع الجذع أو [ ص: 386 ] الجذعة - ومن كل أربعين مسنة ، فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين ، وما بين الستين والسبعين ، وما بين الثمانين والتسعين ، فأبيت ذلك ، وقلت لهم : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا ، ومن كل أربعين مسنة ، ومن الستين تبيعين ، ومن السبعين مسنة وتبيعا ، ومن الثمانين مسنتين ، ومن التسعين ثلاثة أتباع ، ومن المائة مسنة وتبيعين ، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع . قال : وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا آخذ فيما بين ذلك شيئا ، إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا . وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها . وهذا من أفراد أحمد ، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصحيح أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما تقدم في الحديث .
وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي بن كعب بن مالك قال : كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا ، من خير شباب قومه ، لا يسأل شيئا إلا أعطاه ، حتى كان عليه دين أغلق ماله ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكلم غرماءه ، ففعل ، فلم يضعوا له شيئا ، فلو ترك لأحد بكلام أحد ، لترك [ ص: 387 ] لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يبرح أن باع ماله ، وقسمه بين غرمائه . قال : فقام معاذ ولا مال له . قال : فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن ليجبره . قال : فكان أول من تجر في هذا المال معاذ . قال : فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء عمر إلى معاذ فقال : هل لك أن تطيعني فتدفع هذا المال إلى أبي بكر ، فإن أعطاكه فاقبله ؟ قال : فقال معاذ : لم أدفعه إليه ، وإنما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبرني ؟! فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال : أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له . فقال أبو بكر : ما كنت لأفعل ، إنما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبره ، فلست آخذا منه شيئا . قال : فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال : ما أراني إلا فاعل الذي قلت ، إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي . قال : فانطلق إلى أبي بكر بكل شيء جاء به ، حتى جاءه بسوطه ، وحلف له أنه لم يكتمه شيئا . قال : فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : هو لك لا آخذ منه شيئا .
وقد رواه ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره ، إلا أنه قال : حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا ، فمكث حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم في [ ص: 388 ] خلافة أبي بكر ، وخرج إلى الشام .
قال البيهقي : وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها ، وأنه شهد غزوة تبوك فالأشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك . والله أعلم . ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر ، فلما رد الجميع عليه رجع بهم ، ثم قام يصلي ، فقاموا كلهم يصلون معه ، فلما انصرف . قال : لمن صليتم ؟ قالوا : لله . قال : فأنتم له عتقاء ، فأعتقهم .
وقال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبي عون ، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة ، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص ، عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال : " كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ " قال : أقضي بما في كتاب الله . قال : " فإن لم يكن في كتاب الله ؟ " قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : " فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " . قال : أجتهد برأيي ، لا آلو . قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " . وقد رواه أحمد ، عن وكيع ، وعن عفان ، عن شعبة ، بإسناده ولفظه . وأخرجه [ ص: 389 ] أبو داود والترمذي ، من حديث شعبة به ، وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل . وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه ، إلا أنه من طريق محمد بن سعيد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به نحوه .
وقد روى الإمام أحمد ، عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن عمرو بن أبي حكيم ، عن عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي الأسود الدئلي قال : كان معاذ باليمن ، فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخا مسلما ، فقال معاذ : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الإسلام يزيد ولا ينقص " . فورثه . ورواه أبو داود ، من حديث ابن بريدة به . وقد حكي هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان ورواه يحيى بن يعمر القاضي ، وطائفة من السلف ، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه ، وخالفهم الجمهور ، ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم ، محتجين بما ثبت في " الصحيحين " عن أسامة بن زيد [ ص: 390 ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " .
والمقصود أن معاذا ، رضي الله عنه ، كان قاضيا للنبي صلى الله عليه وسلم باليمن ، وحاكما في الحروب ، ومصدقا ; إليه تدفع الصدقات ، كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم . وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس ، كما قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب ، ثنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون ، أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ : واتخذ الله إبراهيم خليلا ( النساء : 125 ) . فقال رجل من القوم : لقد قرت عين أم إبراهيم . انفرد به البخاري .
===================================================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق