الاثنين، 7 ديسمبر 2015

ذكر غزوة تبوك في رجب منها .
=فصل ( خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك واستخلافه علي بن أبي طالب على أهله )=قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك=بعثه ، عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة .
==قصة مسجد الضرار == ذكر موت عبد الله بن أبي ========إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى ، رضي الله عنه ، وأبوه هو صاحب إحدى المعلقات السبع ، الشاعر ابن الشاعر ، وذكر قصيدته التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي : بانت سعاد .

قال ابن إسحاق : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه لأبويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وأن من بقي من شعراء قريش; ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب هربوا في كل وجه ، فإن كانت لك في نفسك حاجة ، فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا ، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض . وكان كعب قد قال :


ألا أبلغا عني بجيرا رسالة فويحك مما قلت ويحك هل لكا     فبين لنا إن كنت لست بفاعل
على أي شيء غير ذلك دلكا [ ص: 124 ]     على خلق لم ألف يوما أبا له
عليه وما تلفي عليه أبا لكا     فإن أنت لم تفعل فلست بآسف
ولا قائل إما عثرت لعا لكا     سقاك بها المأمون كأسا روية
فأنهلك المأمون منها وعلكا
قال ابن هشام وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر :


من مبلغ عني بجيرا رسالة     فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
شربت مع المأمون كأسا روية     فأنهلك المأمون منها وعلكا
وخالفت أسباب الهدى واتبعته     على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا     عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف     ولا قائل إما عثرت لعا لكا
قال ابن إسحاق : وبعث بها إلى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع : سقاك بها المأمون " صدق وإنه لكذوب ، أنا المأمون " . ولما سمع : على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه . قال : " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه " . قال : ثم كتب [ ص: 125 ] بجير إلى كعب يقول له :


من مبلغ كعبا فهل لك في التي     تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده     فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت     من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه     ودين أبي سلمى علي محرم
قال : فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض ، وأشفق على نفسه ، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه ، وقالوا : هو مقتول . فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه ، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل - كانت بينه وبينه معرفة - من جهينة ، كما ذكر لي ، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح ، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا رسول الله ، فقم إليه فاستأمنه . فذكر لي أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه ، ووضع يده في يده ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه ، فقال : يا رسول الله ، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما ، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " . فقال : إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، دعني وعدو الله أضرب عنقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعه عنك ، فإنه قد جاء تائبا نازعا " قال : فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم; وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير ، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم :


بانت سعاد فقلبي اليوم متبول     متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ برزت     إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت     كأنه منهل بالراح معلول
[ ص: 127 ] شجت بذي شبم من ماء محنية     صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه     من صوب غادية بيض يعاليل
فيا لها خلة لو أنها صدقت     بوعدها أو لو ان النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها     فجع وولع وإخلاف وتبديل
فما تدوم على حال تكون بها     كما تلون في أثوابها الغول
وما تمسك بالعهد الذي زعمت     إلا كما يمسك الماء الغرابيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت     إن الأماني والأحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا     وما مواعيدها إلا الأباطيل
أرجو وآمل أن يعجلن في أبد     وما لهن إخال الدهر تعجيل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها     إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولن يبلغها إلا عذافرة     فيها على الأين إرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت     عرضتها طامس الأعلام مجهول
ترمي النجاد بعيني مفرد لهق     إذا توقدت الحزان والميل
ضخم مقلدها فعم مقيدها     في خلقها عن بنات الفحل تفضيل
حرف أخوها أبوها من مهجنة     وعمها خالها قوداء شمليل
يمشي القراد عليها ثم يزلقه     منها لبان وأقراب زهاليل
عيرانة قذفت بالنحض عن عرض     مرفقها عن بنات الزور مفتول
قنواء في حرتيها للبصير بها     عتق مبين وفي الخدين تسهيل
كأن ما فات عينيها ومذبحها     من خطمها ومن اللحيين برطيل
تمر مثل عسيب النخل ذا خصل     في غارز لم تخونه الأحاليل
تهوي على يسرات وهي لاهية     ذوابل وقعهن الأرض تحليل
سمر العجايات يتركن الحصى زيما     لم يقهن رءوس الأكم تنعيل
يوما يظل به الحرباء مرتبئا     كأن ضاحيه بالشمس مملول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت     ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا
كأن أوب ذراعيها وقد عرقت     وقد تلفع بالقور العساقيل
أوب يدي فاقد شمطاء معولة     قامت فجاوبها نكد مثاكيل
[ ص: 131 ] نواحة رخوة الضبعين ليس لها     لما نعى بكرها الناعون معقول
تفري اللبان بكفيها ومدرعها     مشقق عن تراقيها رعابيل
تسعى الغواة جنابيها وقولهم     إنك يابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله     لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم     فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته     يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني .     والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة     القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم     أذنب ولو كثرت في الأقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم به     أرى وأسمع ما قد يسمع الفيل
[ ص: 132 ] لظل ترعد من وجد بوادره     إن لم يكن من رسول الله تنويل
حتى وضعت يميني ما أنازعه     في كف ذي نقمات قوله القيل
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه     وقيل إنك منسوب ومسئول
من ضيغم بضراء الأرض مخدره     في بطن عثر غيل دونه غيل
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما     لحم من الناس معفور خراديل
إذا يساور قرنا لا يحل له     أن يترك القرن إلا وهو مفلول
منه تظل حمير الوحش نافرة     ولا تمشي بواديه الأراجيل
[ ص: 133 ] ولا يزال بواديه أخو ثقة     مضرج البز والدرسان مأكول
إن الرسول لنور يستضاء به     مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم     ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف     عند اللقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم     ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين أبطال لبوسهم     من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق     كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم     قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
[ ص: 134 ] لا يقع الطعن إلا في نحورهم     وما لهم عن حياض الموت تهليل
هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ، ولم يذكر لها إسنادا .

وقد رواها الحافظ البيهقي في " دلائل النبوة " بإسناد متصل ، فقال : أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسدي بهمدان ، ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى عن أبيه ، عن جده قال : خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف ، فقال بجير لكعب : اثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرجل - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأسمع ما يقول . فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرض عليه الإسلام فأسلم ، فبلغ ذلك كعبا فقال :


ألا أبلغا عني بجيرا رسالة     على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا     عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
[ ص: 135 ] سقاك أبو بكر بكأس روية     وأنهلك المأمون منها وعلكا
فلما بلغت الأبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه ، وقال : " من لقي كعبا فليقتله " . فكتب بذلك بجيرا إلى أخيه ، وذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ، ويقول له : النجاء وما أراك تنفلت . ثم كتب إليه بعد ذلك : اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، إلا قبل ذلك منه وأسقط ما كان قبل ذلك ، فإذا جاءك كتابي هذا ، فأسلم وأقبل . قال : فأسلم كعب وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كالمائدة بين القوم ، متحلقون معه حلقة خلف حلقة ، يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم ، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم . قال كعب : فأنخت راحلتي بباب المسجد ، ثم دخلت المسجد ، فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة ، فتخطيت حتى جلست إليه ، فأسلمت وقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك محمد رسول الله ، الأمان يا رسول الله . قال : " ومن أنت؟ " قلت : كعب بن زهير قال : " الذي يقول " . ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال : " كيف قال يا أبا بكر؟ " فأنشده أبو بكر : .


سقاك أبو بكر بكأس روية     وأنهلك المأمور منها وعلكا
[ ص: 136 ] قال : يا رسول الله ، ما قلت هكذا . قال : " فكيف قلت؟ " قال : قلت :


سقاك أبو بكر بكأس روية     وأنهلك المأمون منها وعلكا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مأمون والله " . ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها ، وهي هذه القصيدة :


بانت سعاد فقلبي اليوم متبول     متيم عندها لم يفد مكبول
وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقي رحمهما الله عز وجل . وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " أن كعبا لما انتهى إلى قوله :


إن الرسول لنور يستضاء به     مهند من سيوف الله مسلول
نبئت أن رسول الله أوعدني     والعفو عند رسول الله مأمول
قال : فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من معه أن اسمعوا . وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في " مغازيه " ، ولله الحمد والمنة .

قلت : ورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده [ ص: 137 ] القصيدة . وقد نظم ذلك الصرصري في بعض مدائحه . وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الأثير في " الغابة " قال : وهي البردة التي عند الخلفاء .

قلت : وهذا من الأمور المشهورة جدا ، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه . فالله أعلم .

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما قال : بانت سعاد : " ومن سعاد؟ " قال : زوجتي يا رسول الله . قال : " لم تبن " . ولكن لم يصح ذلك ، وكأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته ، والظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية . والله تعالى أعلم .

قال ابن إسحاق : وقال عاصم بن عمر بن قتادة : فلما قال كعب - يعني في قصيدته - : إذا عرد السود التنابيل . وإنما يريدنا معشر الأنصار; لما كان صاحبنا صنع به ، وخص المهاجرين من قريش بمدحته; غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار ، ويذكر بلاءهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن :

[ ص: 138 ]

من سره كرم الحياة فلا يزل     في مقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر     إن الخيار هم بنو الأخيار
المكرهين السمهري بأذرع     كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرة     كالجمر غير كليلة الإبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم     للموت يوم تعانق وكرار
والقائدين الناس عن أديانهم     بالمشرفي وبالقنا الخطار
يتطهرون يرونه نسكا لهم     بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت ببطن خفية     غلب الرقاب من الأسود ضواري
وإذا حللت ليمنعوك إليهم     أصبحت عند معاقل الأغفار
[ ص: 139 ] ضربوا عليا يوم بدر ضربة     دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمي كله     فيهم لصدقني الذين أماري
قوم إذا خوت النجوم فإنهم     للطارقين النازلين مقاري
قال ابن هشام ويقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده بانت سعاد : لولا ذكرت الأنصار بخير ، فإنهم لذلك أهل فقال كعب هذه الأبيات وهي في قصيدة له .

قال : وبلغني عن علي بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول . وقد رواه الحافظ البيهقي بإسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني معن بن عيسى حدثني محمد بن عبد الرحمن الأوقص عن ابن جدعان فذكره ، وهو مرسل .

وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله ، في كتاب " الاستيعاب في [ ص: 140 ] معرفة الأصحاب " بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال : وقد كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير وكعب أشعرهما ، وأبوهما زهير فوقهما ، ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله :


لو كنت أعجب من شيء لأعجبني     سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها     فالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل     لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها ولم يؤرخ وفاته ، وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الأثير في كتاب " الغابة في معرفة الصحابة " ولكن حكى أن أباه توفي قبل المبعث بسنة . فالله أعلم .

وقال السهيلي : ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :


تجري به الناقة الأدماء معتجرا     بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
ففي عطافيه أو أثناء بردته     ما يعلم الله من دين ومن كرم ================================== سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك في رجب منها .

قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ( التوبة : 28 ، 29 ) روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم ، أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره قالت قريش : لينقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج ، وليذهبن ما كنا نصيب منها . فعوضهم الله عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

قلت : فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم; لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق; لقربهم إلى الإسلام وأهله . وقد قال الله تعالى : [ ص: 145 ] يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ( التوبة : 123 ) فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال ، جلى للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه ، فأوعب معه بشر كثير ، كما سيأتي ، قريبا من ثلاثين ألفا ، وتخلف آخرون ، فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين ، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع ، وفضحهم أشد الفضيحة ، وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة " براءة " كما قد بينا ذلك مبسوطا في " التفسير " وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال . فقال تعالى : انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ثم الآيات بعدها . ثم قال تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فقيل : إن هذه ناسخة لتلك . وقيل : لا . فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى [ ص: 146 ] رجب - يعني من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم . فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا ، كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها ، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم ، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس ، لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد إليه ليتأهب الناس لذلك أهبته ، فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة : " يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر ؟ " فقال : يا رسول الله ، أوتأذن لي ولا تفتني ، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر . فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " قد أذنت لك " . ففي الجد أنزل الله هذه الآية : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ( التوبة : 49 ) وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر . زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى فيهم " وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون " ( التوبة : 81 ، 82 ) .

قال ابن هشام حدثني الثقة ، عمن حدثه ، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة عن أبيه ، عن جده قال : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه ، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت ، فانكسرت رجله ، واقتحم أصحابه فأفلتوا ، فقال الضحاك في ذلك :


كادت وبيت الله نار محمد يشيط بها الضحاك وابن أبيرق     وظلت وقد طبقت كبس سويلم
أنوء على رجلي كسيرا ومرفقي     سلام عليكم لا أعود لمثلها
أخاف ومن تشمل به النار يحرق
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش ، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ، فحمل رجال [ ص: 148 ] من أهل الغنى واحتسبوا ، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها .

قال ابن هشام فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض " . .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة قال : جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة . قال : فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ، ويقول : " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة به . وقال : حسن غريب . وقاله عبد الله بن أحمد في " مسند " أبيه : حدثني أبو موسى العنزي . حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبي هشام عن فرقد أبي طلحة عن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة ، فقال عثمان [ ص: 149 ] بن عفان : علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها . قال : ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث ، فقال عثمان : علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها . قال : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها ، وأخرج عبد الصمد يده ، كالمتعجب : " ما على عثمان ما عمل بعد هذا " وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن بشار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به . وقال : غريب من هذا الوجه .

ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به . وقال : ثلاث مرات ، وإنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها . قال عبد الرحمن : فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : " ما ضر عثمان بعدها " أو قال : " بعد اليوم " .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال : سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة : أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون [ ص: 150 ] خطاما ولا عقالا قالوا : اللهم نعم ورواه النسائي من حديث حصين به  ======================   ====فصل ( خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك واستخلافه علي بن أبي طالب على أهله ) .

قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق : ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير ، فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ، [ ص: 155 ] ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس ، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه ، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين ، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي في طائفة من المنافقين وأهل الريب .

قال ابن هشام واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري قال : وذكر الدراوردي أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة .

قال ابن إسحاق : وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون ، وقالوا : ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه . فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ، ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف ، فأخبره بما قالوا فقال : كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ؟ فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره .

ثم قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به .

[ ص: 156 ] وقد قال أبو داود الطيالسي في " مسنده " : حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ؟ وأخرجاه من طرق ، عن شعبة نحوه . وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - وخلفه في بعض مغازيه ، فقال علي : يا رسول الله ، تخلفني مع النساء والصبيان ؟ - فقال : يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ رواه مسلم والترمذي عن قتيبة زاد مسلم : ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به . وقال الترمذي : حسن صحيح غريب من هذا الوجه .

قال ابن إسحاق : ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما [ ص: 157 ] إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه ، قد رشت كل واحدة منهما عريشها ، وبردت فيه ماء ، وهيأت له فيه طعاما ، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ، في ماله مقيم ! ما هذا بالنصف . ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا . ففعلتا ، ثم قدم ناضحه فارتحله ، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا ، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب : إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كن أبا خيثمة " . فقالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو خيثمة . فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : " أولى لك يا أبا خيثمة ! " . ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، فقال خيرا ، ودعا له بخير .

وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط ، وذكر أن خروجه ، عليه السلام ، إلى تبوك [ ص: 158 ] كان في زمن الخريف . فالله أعلم .

قال ابن هشام وقال أبو خيثمة ، واسمه مالك بن قيس ، في ذلك :


لما رأيت الناس في الدين نافقوا أتيت التي كانت أعف وأكرما     وبايعت باليمنى يدي لمحمد
فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما     تركت خضيبا في العريش وصرمة
صفايا كراما بسرها قد تحمما     وكنت إذا شك المنافق أسمحت
إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف ، فيقولون : يا رسول الله ، تخلف فلان . فيقول : " دعوه ، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " . حتى قيل : يا رسول الله ، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره . فقال : " دعوه ، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد [ ص: 159 ] أراحكم الله منه " . فتلوم أبو ذر بعيره ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله ، ونظر ناظر من المسلمين ، فقال : يا رسول الله ، إن هذا الرجل ماش على الطريق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كن أبا ذر " . فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو ذر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده " . قال : فضرب الدهر من ضربه ، وسير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال : إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ، ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمرون بكم فقولوا : هذا أبو ذر . فلما مات فعلوا به كذلك ، فاطلع ركب ، فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره ، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال : ما هذا ؟ فقيل : جنازة أبي ذر . فاستهل ابن مسعود يبكي ، وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده " . فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه . إسناده حسن ، ولم يخرجوه .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن [ ص: 160 ] محمد بن عقيل في قوله تعالى : الذين اتبعوه في ساعة العسرة ( التوبة : 117 ) . قال : خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد ، وخرجوا في حر شديد ، فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها ، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر .

قال عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب : حدثنا عن شأن ساعة العسرة . فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ، ثم يجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا ، فادع الله لنا . فقال : " أتحب ذلك ؟ " قال : نعم . قال : فرفع يديه نحو السماء ، فلم يرجعهما حتى قالت السماء ، فأظلت ثم سكبت ، فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر إسناده جيد ، ولم يخرجوه [ ص: 161 ] من هذا الوجه .

وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن رجال من قومه أن هذه القضية كانت وهم بالحجر ، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق : ويحك ! هل بعد هذا من شيء ؟ ! فقال سحابة مارة . وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت ، فذهبوا في طلبها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الأنصاري - وكان عنده - : إن رجلا قال : هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته . وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلني الله عليها ، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها " . فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة إلى رحله ، فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل ، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة : إنما قال ذلك زيد بن اللصيت وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي ، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول : إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري ، اخرج عني يا عدو الله ، فلا تصحبني . فقال بعض الناس : إن زيدا تاب . وقال بعضهم : لم يزل مصرا حتى هلك .

قال الحافظ البيهقي : وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة . ثم روى من حديث الأعمش وقد رواه الإمام أحمد عن أبي [ ص: 162 ] معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري - شك الأعمش - قال : لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ، فقالوا : يا رسول الله ، لو أذنت لنا فننحر نواضحنا ، فأكلنا وادهنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " افعلوا " . فجاء عمر فقال : يا رسول الله ، إن فعلت قل الظهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ، وادع الله لهم فيها بالبركة ، لعل الله أن يجعل فيها البركة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " . فدعا بنطع فبسطه ، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ، ويجيء الآخر بكف من التمر ، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ، ثم قال لهم : " خذوا في أوعيتكم " . فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " . ورواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الأعمش به . ورواه الإمام أحمد من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه ، عن أبي هريرة . ولم يذكر غزوة تبوك بل قال : كان في غزوة غزاها =========================ذكر خطبته ، عليه الصلاة والسلام ، إلى تبوك إلى نخلة هناك .

روى الأمام أحمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي الخطاب عن أبي سعيد الخدري أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال : " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه ، أو على ظهر بعيره ، أو على قدميه ، حتى يأتيه الموت ، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه " . ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به . وقال : أبو الخطاب لا أعرفه . وروى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا عبد الله بن مصعب بن منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي ، سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح [ ص: 170 ] قال : " ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر ؟ " فقال : يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك . قال : فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد ، ثم صلى وسار بقية يومه وليلته ، فأصبح بتبوك ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : " أيها الناس ، أما بعد ; فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأوثق العرى كلمة التقوى ، وخير الملل ملة إبراهيم ، وخير السنن سنة محمد ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن ، وخير الأمور عوازمها ، وشر الأمور محدثاتها ، وأحسن الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الموت قتل الشهداء ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير الأعمال ما نفع ، وخير الهدي ما اتبع ، وشر العمى عمى القلب ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، وشر المعذرة حين يحضر الموت ، وشر الندامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا ، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله ، عز وجل ، وخير ما وقر في القلوب اليقين ، والارتياب من الكفر ، والنياحة من عمل الجاهلية ، والغلول من جثى جهنم ، والشعر من إبليس ، والخمر جماع الإثم ، والنساء حبائل الشيطان ، والشباب شعبة من الجنون ، وشر المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل أكل مال اليتيم ، والسعيد من وعظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وإنما يصير [ ص: 171 ] أحدكم إلى موضع أربعة أذرع ، والأمر إلى الآخرة ، وملاك العمل خواتمه ، وشر الروايا روايا الكذب ، وكل ما هو آت قريب ، وسباب المؤمن فسوق ، وقتال المؤمن كفر ، وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه . ومن يتأل على الله يكذبه ، ومن يستغفره يغفر له ، ومن يعف يعف الله عنه ، ومن يكظم يأجره الله ، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به ، ومن يصبر يضعف الله له ، ومن يعص الله يعذبه الله ، اللهم اغفر لي ولأمتي ، اللهم اغفر لي ولأمتي ، اللهم اغفر لي ولأمتي " . قالها ثلاثا ثم قال : " أستغفر الله لي ولكم " وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي إسناده ضعف . والله تعالى أعلم بالصواب .

وقال أبو داود : ثنا أحمد بن سعيد الهمداني وسليمان بن داود قالا : أخبرنا ابن وهب أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج ، فإذا رجل مقعد ، فسأله عن أمره فقال : سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي ; إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال : " هذه قبلتنا " . ثم صلى إليها . قال : فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها ، فقال : " قطع صلاتنا قطع الله أثره " . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا ثم رواه أبو داود من حديث سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن مولى [ ص: 172 ] ليزيد بن نمران عن يزيد بن نمران قال : رأيت بتبوك مقعدا فقال : مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار ، وهو يصلي ، فقال : " اللهم اقطع أثره " . فما مشيت عليها بعد وفي رواية : " قطع صلاتنا قطع الله أثره " .============================قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك .

قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال : لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص ، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ الفند أو قرب . فقلت : ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ؟ فقال : بلى ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك ، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها ، ثم أغلق عليه وعليهم الدار ، فقال : قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم ، وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال ، يدعوني إلى أن أتبعه على دينه ، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ، أو نلقي إليه الحرب ، والله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن ما تحت قدمي فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطه مالنا على أرضنا . فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من [ ص: 175 ] برانسهم ، وقالوا : تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز ؟ فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفأهم ولم يكد ، وقال : إنما قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم . ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان علىنصارى العرب ، قال : ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه . فجاء بي فدفع إلي هرقل كتابا ، فقال : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال ; انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ، وانظر في ظهره هل به شيء يريبك . قال : فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك ، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء ، فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل : ها هو ذا . فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي ، فوضعه في حجره ثم قال : " ممن أنت ؟ " فقلت : أنا أخو تنوخ . قال : " هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ " قلت : إني رسول قوم وعلى دين قوم ، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم . فضحك وقال : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ( القصص : 56 ) يا أخا تنوخ ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه ، والله ممزقه وممزق ملكه ، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه ، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها ، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير " . قلت : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي . فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي ، ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قلت : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية . فإذا في كتاب صاحبي : تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله ! أين الليل إذا جاء النهار ؟ ! " قال : فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي . فلما أن فرغ من قراءة كتابي ، قال : " إن لك حقا وإنك رسول ، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها ، إنا سفر مرملون " . قال : فناداه رجل من طائفة الناس ، قال : أنا أجوزه ففتح رحله ، فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري ، قلت : من صاحب الجائزة ؟ قيل لي : عثمان . ثم قال رسول الله : " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الأنصار : أنا . فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال : " تعال يا أخا تنوخ " . فأقبلت أهوي إليه حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت [ ص: 177 ] بين يديه ، فحل حبوته عن ظهره ، وقال : " هاهنا امض لما أمرت به " . فجلت في ظهره ، فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحجمة الضخمة . هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به تفرد به الإمام أحمد .
" .======= ===================بعثه ، عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة .

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك ; رجل من كندة ، كان ملكا عليها ، وكان نصرانيا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد : " إنك ستجده يصيد البقر " . فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين ، وفي ليلة مقمرة صائفة ، وهو على سطح له ، ومعه امرأته ، وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ ! قال لا والله ! قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد . فنزل فأمر بفرسه فأسرج له ، وركب ومعه نفر من أهل بيته ، فيهم أخ له يقال له : حسان . فركب وخرجوا معه بمطاردهم ، فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذته وقتلوا أخاه ، وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب ، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه . قال : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال : رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتعجبون من هذا ؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا " . .

قال ابن إسحاق : ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله [ ص: 180 ] صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله ، فرجع إلى قريته ، فقال رجل من بني طيئ - يقال له : بجير بن بجرة - في ذلك :


تبارك سائق البقرات إني رأيت الله يهدي كل هاد     فمن يك حائدا عن ذي تبوك
فإنا قد أمرنا بالجهاد
وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر : لا يفضض الله فاك " . فأتت عليه تسعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن .

وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة . فذكر نحو ما تقدم ، إلا أنه ذكر أنه ماكره حتى أنزله من الحصن ، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة من السبي ، وألف بعير ، وأربعمائة درع ، وأربعمائة رمح ، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر دومة أقبل قادما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصالحه ، فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلمبتبوك . فالله أعلم .

وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل ، وخالد بن الوليد على الأعراب في غزوة دومة الجندل . . فالله أعلم==========================قصة مسجد الضرار .

قال الله تعالى : والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ( التوبة : 107 - 110 ) وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية ، ولله الحمد . وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله ، وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة . ومضمون ذلك ; أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ; حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد ، فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه ، وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك ، فلما رجع منها فنزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد ، وهو قوله تعالى : والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل الآية . أما قوله : ( ضرارا ) فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء ، ( وكفرا ) بالله لا للإيمان به ، ( وتفريقا ) للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق ، قبحه الله ، وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأبى عليه ، [ ص: 189 ] ذهب إلى أهل مكة فاستنفرهم فجاءوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه ، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ; ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب ، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين ، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة ، وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين ، ولهذا قال تعالى : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل . ثم قال : ( وليحلفن ) . أي الذين بنوه إن أردنا إلا الحسنى أي إنما أردنا ببنائه الخير . قال الله تعالى : والله يشهد إنهم لكاذبون . ثم قال الله تعالى لرسوله : لا تقم فيه أبدا فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ، ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق ، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه ، وما ثبت في " صحيح مسلم " من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم ; لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى ، وأثبت في الفضل منه وأقوى ، وقد أشبعنا القول في ذلك في " التفسير " ولله الحمد .

والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي - رضي الله عنهما ، فأمرهما أن يذهبا إلى هذا [ ص: 190 ] المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار ، فذهبا فحرقاه بالنار ، وتفرق عنه أهله .

قال ابن إسحاق : وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا وهم خذام بن خالد - وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد ونبتل بن الحارث وبحزج وهو إلى بني ضبيعة ، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية .

قلت : وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر ، أدرك معه الركعة الثانية منها ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس ، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف فلما سلم الناس أعظموا ما وقع ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحسنتم وأصبتم " . وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا : حدثنا .

وقال البخاري : حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك ، فدنا من المدينة فقال : " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " . فقالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ ! قال : " وهم بالمدينة ، حبسهم العذر " . تفرد به من هذا الوجه .

[ ص: 191 ] وقال البخاري : حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد عن أبي حميد قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال : " هذه طابة ، وهذا أحد ; جبل يحبنا ونحبه " . ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه .

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك . ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول : سمعت ابن عائشة يقول : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، جعل النساء والصبيان والولائد يقلن :


طلع البدر علينا من ثنيات الوداع     وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
قال البيهقي : وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة ، لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك ، والله أعلم ، فذكرناه هاهنا أيضا .

قال البخاري رحمه الله : حديث كعب بن مالك رضي الله عنه ، [ ص: 192 ] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ، ولم يعاتب أحد تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حتى تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها ، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة ، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول الله في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ، ومفازا ، وعدوا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ، ليتأهبوا أهبة غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، فطفقت أغدو ; لكي أتجهز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئا ، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه . فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد ، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ، فقلت : أتجهز بعده بيوم أو يومين ، ثم ألحقهم . فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا ، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم ، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق ، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب ؟ " فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه . فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال كعب بن مالك قال : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا ؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما ، زاح عني الباطل ، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فيركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل [ ص: 194 ] منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ، عز وجل ، فجئته ، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال : " تعال " . فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت : بلى ، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ، ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك " . فقمت ، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي . فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن [ ص: 195 ] كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى تنكرت في نفسي الأرض ، فما هي التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس ، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام ، فقلت : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته فقال : الله ورسوله أعلم . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه : أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ، فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا [ ص: 196 ] مضت أربعون ليلة من الخمسين ، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت : يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : " لا ولكن لا يقربك " . قالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه . فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ! قال : فلبثت بعد ذلك عشر ليال ، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا ، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، عز وجل ، قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج ، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم ، فأوفى على الجبل ، وكان الصوت أسرع من [ ص: 197 ] الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ، والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة الله عليك . قال كعب : حتى دخلت المسجد ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة . قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " . قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : " لا بل من عند الله " . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه ، قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " . قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت : يا رسول الله ، إن الله إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت . فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني ، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت ، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله : وكونوا مع الصادقين فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته ، [ ص: 198 ] فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ، قال الله تعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم إلى قوله : فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ( التوبة : 95 ، 96 ) قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا ( التوبة : 118 ) . ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه . وهكذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه . وهكذا رواه محمد بن إسحاق . عن الزهري مثل سياق البخاري وقد سقناه في " التفسير " من " مسند الإمام أحمد " ، وفيه زيادات يسيرة ، ولله الحمد والمنة .
================================ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصرفه من تبوك .

قال الحافظ البيهقي : حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم أبي زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال : سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول : هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك ، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول : يا رسول الله ، إني أريد أن أمتدحك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل لا يفضض الله فاك . فقال :


من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق [ ص: 202 ]     ثم هبطت البلاد لا بشر
أنت ولا مضغة ولا علق     بل نطفة تركب السفين وقد
ألجم نسرا وأهله الغرق     تنقل من صالب إلى رحم
إذا مضى عالم بدا طبق     حتى احتوى بيتك المهيمن من
خندف علياء تحتها النطق     وأنت لما ولدت أشرقت الأر
ض وضاءت بنورك الأفق     فنحن في ذلك الضياء وفي
النور وسبل الرشاد نخترق
ورواه البيهقي من طريق أخرى ، عن أبي السكين زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروي عنه . قال البيهقي : وزاد : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه الحيرة البيضاء رفعت لي ، وهذه الشيماء بنت بقيلة الأزدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود " . فقلت يا رسول الله ، إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي ؟ قال : " هي لك " . قال : ثم كانت الردة ، فما ارتد أحد من طيئ ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام ، فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طليحة بن خويلد وكان خالد بن الوليد يمدحنا ، وكان فيما قال فينا :


جزى الله عنا طيئا في ديارها     بمعترك الأبطال خير جزاء
هم أهل رايات السماحة والندى     إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
[ ص: 203 ] هم ضربوا قيسا على الدين بعدما     أجابوا منادي ظلمة وعماء
قال : ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه ، فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة ، فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا ، ولم يكن أحد من الناس أعدى للعرب والإسلام من هرمز فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز ، فبرز له فقتله خالد وكتب بخبره إلى الصديق فنفله سلبه ، فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم ، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم . قال : ثم أقبلنا على طريق الطف إلى الحيرة ، فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت بقيلة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود " . فتعلقت بها وقلت : هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدعاني خالد عليها بالبينة ، فأتيته بها ، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الأنصاري فسلمها إلي ، فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح ، فقال : بعنيها . فقلت : لا أنقصها والله عن عشر مائة درهم . فأعطاني ألف درهم ، وسلمتها إليه فقيل : لو قلت مائة ألف لدفعها إليك . فقلت : ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة .========================ذكر موت عبد الله بن أبي قبحه الله .

قال محمد بن إسحاق : حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات ، فيه فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود " . فقال : قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه ؟ .

وقال الواقدي : مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال ، ومات في ذي القعدة وكان مرضه عشرين ليلة ، فكان رسول الله يعوده فيها ، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه ، فقال : " قد نهيتك عن حب يهود " . فقال : قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ؟ ثم قال يا رسول الله ، ليس هذا بحين عتاب ! هو الموت ، فإن مت ، فاحضر غسلي ، وأعطني قميصك الذي يلي جلدك ، فكفني فيه ، وصل علي واستغفر لي . ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى البيهقي من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي . فالله أعلم .

[ ص: 219 ] وقد قال إسحاق بن راهويه قلت لأبي أسامة : أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه ، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال : يا رسول الله ، تصلي عليه وقد نهاك الله عنه ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربي خيرني فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ( التوبة : 80 ) وسأزيد على السبعين : فقال : إنه منافق ، أتصلي عليه ؟ ! فأنزل الله عز وجل : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ( التوبة : 84 ) فأقر به أبو أسامة وقال : نعم . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي أسامة .

وفي رواية للبخاري وغيره : قال عمر رضي الله عنه : فقلت : يا رسول الله ، تصلي عليه وقد قال في يوم كذا : كذا وكذا ، وقال في يوم كذا : كذا وكذا ؟ ! فقال : دعني يا عمر فإني بين خيرتين ، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت " . ثم صلى عليه ، فأنزل الله عز وجل : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الآية . قال عمر : فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ورسوله أعلم .

[ ص: 220 ] وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، سمع جابر بن عبد الله يقول : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته ، فأمر به فأخرج ، فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه ، وألبسه قميصه . فالله أعلم .

وفي " صحيح البخاري " بهذا الإسناد مثله ، وعنده أنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسا العباس رضي الله عنه قميصا حين قدم المدينة ، فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبي . وقد ذكر البيهقي هاهنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة ، وقد حررنا ذلك في " التفسير " عند قوله تعالى : ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية . ( التوبة : 75 ) .===========================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق