الاثنين، 30 نوفمبر 2015
قال الواقدي : لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ إلى قلعة الزبير ، حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ، فجاء رجل من اليهود يقال له : غزال . فقال : يا أبا القاسم ، تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة ، وتخرج إلى أهل الشق ، فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك ؟ قال : فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله ، فقال له اليهودي : إنك لو أقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا بك ، إن لهم تحت الأرض دبولا يخرجون بالليل فيشربون منها ، ثم يرجعون إلى قلعتهم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع دبولهم ، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال ، وقتل من المسلمين يومئذ نفر ، وأصيب من اليهود عشرة ، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان آخر حصون النطاة ، وتحول إلى الشق ، وكان به حصون ذوات عدد ، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها : سموان . [ ص: 297 ] فقاتل عليها أهل الحصن أشد القتال ، فخرج منهم رجل يقال له : عزول ، فدعا إلى البراز ، فبرز إليه الحباب بن المنذر ، فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ، ووقع السيف من يده ، وفر اليهودي راجعا ، فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه ، وبرز منهم آخر ، فقام إليه رجل من المسلمين ، فقتله اليهودي فنهض إليه أبو دجانة فقتله وأخذ سلبه ، وأحجموا عن البراز ، فكبر المسلمون ، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه ، وأمامهم أبو دجانة ، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما ، وهرب من كان فيه من المقاتلة ، وتقحموا الجدر كأنهم الظباء ، حتى صاروا إلى حصن النزار بالشق ، وتمنعوا أشد الامتناع ، فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فتراموا ، ورمى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة ، حتى أصاب نبلهم ثيابه ، عليه الصلاة والسلام . فأخذ عليه السلام كفا من الحصا فرمى حصنهم بها ، فرجف بهم حتى ساخ في الأرض ، وأخذهم المسلمون أخذا باليد .
سنة سبع من الهجرة النبوية غزوة خيبر في أولها==ذكر قصة صفية بنت حيي بن أخطب النضرية ، رضي الله عنها == فصل في فتح حصونها وقسم أرضها===ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومن كان بقي بالحبشة ممن هاجر ===فصل قصة مدعم ونوم بلال عن صلاة الصبح=
قال شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، في قوله : وأثابهم فتحا قريبا ( الفتح : 18 ) قال : خيبر
وقال موسى بن عقبة : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية مكث بالمدينة عشرين يوما ، أو قريبا من ذلك ، ثم خرج إلى خيبر ، وهي التي وعده الله إياها . وحكى موسى ، عن الزهري ، أن افتتاح خيبر في سنة ست .
والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع كما قدمنا .
قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، حين رجع من الحديبية ، ذا الحجة وبعض المحرم ، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر [ ص: 250 ]
وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن مروان والمسور قالا : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة ، فقدم المدينة في ذي الحجة ، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم ، فنزل بالرجيع ؛ - واد بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان ، فبات حتى أصبح فغدا إليهم .
قال البيهقي : وبمعناه رواه الواقدي عن شيوخه ، في خروجه في أول سنة سبع من الهجرة .
وقال عبد الله بن إدريس ، عن ابن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر قال : لما كان افتتاح خيبر في عقب المحرم ، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر صفر . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا خثيم ، [ ص: 251 ] يعني ابن عراك ، عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وقد استخلف سباع بن عرفطة - يعني الغطفاني - على المدينة . قال : فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى ب كهيعص ( مريم : 1 ) . وفي الثانية : ويل للمطففين ( المطففين : 1 ) فقلت في نفسي : ويل لفلان ، إذا اكتال اكتال بالوافي ، وإذا كال كال بالناقص . قال : فلما صلى زودنا شيئا حتى أتينا خيبر ، وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر . قال : فكلم المسلمين ، فأشركونا في سهامهم .
وقد رواه البيهقي ، من حديث سليمان بن حرب ، عن وهيب ، عن خثيم بن عراك ، عن أبيه ، عن نفر من بني غفار قالوا : إن أبا هريرة قدم المدينة . فذكره .
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر ، سلك على عصر ، فبني له فيها مسجد ، ثم على الصهباء ، ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له : الرجيع . فنزل بينهم وبين غطفان ؛ ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر - وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم - [ ص: 252 ] فبلغني أن غطفان لما سمعوا بذلك جمعوا ، ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه ، حتى إذا ساروا منقلة ، سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ، ظنوا ، أن القوم قد خالفوا إليهم ، فرجعوا على أعقابهم ، فأقاموا في أموالهم وأهليهم ، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ، حتى إذا كانوا بالصهباء ، وهي من أدنى خيبر ، صلى العصر ، ثم دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسويق ، فأمر به فثري ، فأكل وأكلنا ، ثم قام إلى المغرب فمضمض ، ثم صلى ولم يتوضأ .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، فسرنا ليلا ، فقال رجل من القوم لعامر : يا عامر ، ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ وكان عامر رجلا شاعرا ، فنزل يحدو بالقوم ، يقول :
لاهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا [ ص: 253 ] فاغفر فداء لك ما اتقينا
وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا السائق ؟ " قالوا : عامر بن الأكوع . قال : " يرحمه الله " . فقال رجل من القوم : وجبت يا نبي الله ، لولا أمتعتنا به . فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ، ثم إن الله فتحها عليهم ، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم ، أوقدوا نيرانا كثيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذه النيران ؟ على أي شيء توقدون ؟ " قالوا : على لحم . قال : " على أي لحم ؟ " قالوا : لحم الحمر الإنسية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أهريقوها واكسروها " . فقال رجل : يا رسول الله ، أونهريقها ونغسلها ؟ فقال : " أو ذاك " . فلما تصاف الناس ، كان سيف عامر قصيرا ، فتناول به ساق يهودي ليضربه ، فيرجع ذباب سيفه ، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه ، فلما قفلوا قال سلمة : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ [ ص: 254 ] بيدي ، قال : " ما لك ؟ " قلت : فداك أبي وأمي ، زعموا أن عامرا حبط عمله . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كذب من قاله ، إن له لأجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد ، قل عربي مشى بها مثله .
ورواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل ، وغيره ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، به نحوه . ويروى : " نشأ بها مثله " .
قال السهيلي : ويروى : " قل عربي مشابها مثله " . ويكون منصوبا على الحالية من نكرة ، وهو سائغ ؛ إذا دلت على تصحيح معنى ، كما جاء في الحديث : " فصلى وراءه رجل قياما " .
وقد روى ابن إسحاق قصة عامر بن الأكوع من وجه آخر فقال : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن [ ص: 255 ] الأكوع ، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع : " انزل يا ابن الأكوع ، فخذ لنا من هناتك " قال : فنزل يرتجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحمك ربك " . فقال عمر بن الخطاب : وجبت يا رسول الله ، لو أمتعتنا به . فقتل يوم خيبر شهيدا ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاري .
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي ، عن أبيه ، عن أبي معتب بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم : " قفوا " . ثم قال : " اللهم رب السماوات وما أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرها ، وشر أهلها ، وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله " وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه . [ ص: 256 ]
وقد رواه الحافظ البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن العطاردي ، عن يونس بن بكير ، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ، عن صالح بن كيسان ، عن أبي مروان الأسلمي ، عن أبيه ، عن جده قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، حتى إذا كنا قريبا وأشرفنا عليها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : " قفوا " . فوقف الناس ، فقال : " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شر هذه القرية ، وشر أهلها ، وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله الرحمن الرحيم "
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار ، فنزلنا خيبر ليلا ، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا ، فركب وركبنا معه ، وركبت خلف أبي طلحة ، وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستقبلنا عمال خيبر غادين ، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش ، قالوا : محمد [ ص: 257 ] والخميس معه . فأدبروا هرابا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . قال ابن إسحاق : حدثنا هارون ، عن حميد ، عن أنس ، بمثله .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلا ، وكان إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح ، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوه قالوا : محمد والله ، محمد والخميس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين تفرد به دون مسلم .
وقال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، حدثنا ابن عيينة ، حدثنا أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك قال : صبحنا خيبر بكرة ، فخرج أهلها بالمساحي ، فلما بصروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قالوا : محمد [ ص: 258 ] والله ، محمد والخميس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . قال : فأصبنا من لحوم الحمر ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ؛ فإنها رجس تفرد به البخاري دون مسلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم ، فلما رأوه ومعه الجيش ، نكصوا فرجعوا إلى حصنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين تفرد به أحمد ، وهو على شرط " الصحيحين " .
وقال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قريبا من خيبر بغلس ، ثم قال : " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . فخرجوا يسعون في السكك ، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة ، وسبى الذرية ، وكان في السبي صفية ، فصارت إلى دحية الكلبي ، ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل عتقها صداقها . قال عبد العزيز بن صهيب لثابت : يا أبا محمد ، أأنت قلت لأنس : ما أصدقها ؟ فحرك ثابت رأسه تصديقا له . تفرد به دون مسلم . وقد أورد البخاري ومسلم النهي عن لحوم الحمر الأهلية من [ ص: 259 ] طرق تذكر في كتاب " الأحكام " .
وقد قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو طاهر الفقيه ، أنبأنا حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا محمد بن حماد الأبيوردي ، حدثنا محمد بن الفضيل ، عن مسلم الأعور الملائي ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ، ويتبع الجنائز ، ويجيب دعوة المملوك ، ويركب الحمار ، وكان يوم بني قريظة ، والنضير على حمار ، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف ، وتحته إكاف من ليف . وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذي ، عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر وابن ماجه ، عن محمد بن الصباح ، عن سفيان ، وعن عمرو بن رافع ، عن جرير ، كلهم عن مسلم ، وهو ابن كيسان الملائي الأعور الكوفي ، عن أنس ، به . وقال الترمذي : لا [ ص: 260 ] نعرفه إلا من حديثه ، وهو يضعف .
قلت : والذي ثبت في " الصحيح " عند البخاري عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى في زقاق خيبر ، حتى انحسر الإزار ، عن فخذه . فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس ، لا على حمار . ولعل هذا الحديث - إن كان صحيحا - محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها . والله أعلم .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي ، حدثنا زياد بن الربيع ، عن أبي عمران الجوني قال : نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة ، فرأى طيالسة ، فقال : كأنهم الساعة يهود خيبر [ ص: 261 ]
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : كان علي بن أبي طالب تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر ، وكان رمدا فقال : أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟! فلحق به ، فلما بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال : " لأعطين الراية غدا - أو : ليأخذن الراية غدا - رجل يحبه الله ورسوله ، يفتح عليه " . فنحن نرجوها . فقيل : هذا علي . فأعطاه ، ففتح عليه . ورواه البخاري أيضا ومسلم ، عن قتيبة ، عن حاتم ، به .
ثم قال البخاري : حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم قال : أخبرني سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " . قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم ؛ أيهم يعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : " أين علي بن أبي طالب ؟ " . فقالوا : هو يا رسول الله ، يشتكي عينيه . قال : فأرسلوا إليه ، فأتي به ، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له ، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال علي : يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ [ ص: 262 ] فقال صلى الله عليه وسلم : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم وقد رواه مسلم والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، به .
وفي " صحيح مسلم " والبيهقي من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله عليه " . قال عمر : فما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ . فدعا عليا فبعثه ، ثم قال : " اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ، ولا تلتفت " . قال علي : على ما أقاتل الناس ؟ قال : " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله لفظ البيهقي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا مصعب بن المقدام ، وحجين بن المثنى [ ص: 263 ] قالا : حدثنا إسرائيل ، حدثنا عبد الله بن عصمة العجلي ، سمعت أبا سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراية فهزها ، ثم قال : " من يأخذها بحقها ؟ " فجاء فلان فقال : أنا . قال : " أمط " . ثم جاء رجل ، فقال : " أمط " . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي كرم وجه محمد ، لأعطينها رجلا لا يفر ، هاك يا علي " . فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك ، وجاء بعجوتهما ، وقديدهما . تفرد به أحمد ، وإسناده لا بأس به ، وفيه غرابة . وعبد الله بن عصمة - ويقال : ابن عصم - هذا يكنى بأبي علوان العجلي ، وأصله من اليمامة ، سكن الكوفة ، وقد وثقه ابن معين ، وقال أبو زرعة لا بأس به . وقال أبو حاتم : شيخ . وذكره ابن حبان في " الثقات " ، وقال : يخطئ كثيرا . وذكره في " الضعفاء " ، وقال : يحدث عن الأثبات مما لا يشبه حديث الثقات ، حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة .
وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق : حدثني بريدة بن سفيان [ ص: 264 ] بن فروة الأسلمي ، عن أبيه ، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ، رضي الله عنه ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ، رضي الله عنه ، إلى بعض حصون خيبر ، فقاتل ثم رجع ، ولم يكن فتح ، وقد جهد ، ثم بعث عمر رضي الله عنه ، فقاتل ثم رجع ، ولم يكن فتح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ، ويحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرار " . قال سلمة : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وهو يومئذ أرمد ، فتفل في عينيه ، ثم قال : " خذ الراية وامض بها ، حتى يفتح الله عليك " . فخرج بها والله يأنح ، يهرول هرولة ، وإنا لخلفه نتبع أثره ، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن ، فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب فقال اليهودي : عليتم وما أنزل على موسى . فما رجع حتى فتح الله على يديه .
وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا العطاردي ، عن يونس بن بكير ، عن الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، أخبرني أبي قال : لما [ ص: 265 ] كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر ، فرجع ولم يفتح له ، وقتل محمود بن مسلمة ، فرجع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأدفعن لوائي غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، لن يرجع حتى يفتح الله له " . فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ، ثم دعا باللواء وقام قائما ، فما منا من رجل له منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل ، حتى تطاولت أنا لها ، ورفعت رأسي ؛ لمنزلة كانت لي منه ، فدعا علي بن أبي طالب ، وهو يشتكي عينيه . قال : فمسحها ، ثم دفع إليه اللواء ففتح له . فسمعت عبد الله بن بريدة يقول : حدثني أبي أنه كان صاحب مرحب . قال يونس : قال ابن إسحاق : كان أول حصون خيبر فتحا حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، ألقيت عليه رحى منه فقتلته .
ثم روى البيهقي ، عن يونس بن بكير ، عن المسيب بن مسلمة الأزدي ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة ، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج ، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة ، فلم يخرج إلى الناس ، وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم [ ص: 266 ] نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع ، فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ، ثم رجع ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يأخذها عنوة " . وليس ثم علي ، فتطاولت لها قريش ، ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك ، فأصبح ، وجاء علي بن أبي طالب على بعير له حتى أناخ قريبا ، وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لك ؟ " قال : رمدت بعدك . قال : " ادن مني " فتفل في عينه ، فما وجعها حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية فنهض بها ، وعليه جبة أرجوان حمراء ، قد أخرج خملها ، فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز ويقول :
قد علمت خيبر أني مرحب شاك سلاحي بطل مجرب
إذا الليوث أقبلت تلهب وأحجمت عن صولة المغلب [ ص: 267 ]
فقال علي رضي الله عنه :
أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات شديد القسوره
أكيلكم بالصاع كيل السندره
قال : فاختلفنا ضربتين ، فبدره علي بضربة ، فقد الحجر والمغفر ورأسه ، ووقع في الأضراس ، وأخذ المدينة .
وقد روى الحافظ البزار ، عن عباد بن يعقوب ، عن عبد الله بن بكير ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قصة بعث أبي بكر ، ثم عمر يوم خيبر ، ثم بعث علي ، فكان الفتح على يديه . وفي سياقه غرابة ونكارة ، وفي إسناده من هو متهم بالتشيع . والله أعلم .
وقد روى مسلم والبيهقي واللفظ له ، من طريق عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، فذكر حديثا طويلا ، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة . قال : فلم نمكث إلا ثلاثا ، حتى خرجنا إلى خيبر . قال : [ ص: 268 ] وخرج عامر ، فجعل يقول :
والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن من فضلك ما استغنينا فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا القائل ؟ " فقالوا : عامر . فقال : " غفر لك ربك " . قال : وما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم قط أحدا به إلا استشهد . فقال عمر وهو على جمل : لولا متعتنا بعامر . قال : فقدمنا خيبر ، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول :
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال : فبرز له عامر ، رضي الله عنه ، وهو يقول :
قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر
قال : فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ، فذهب يسفل له ، فرجع على نفسه ، فقطع أكحله وكانت فيها نفسه . قال سلمة : فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : بطل عمل [ ص: 269 ] عامر ؛ قتل نفسه . قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقال : " ما لك ؟ " فقلت : قالوا : إن عامرا بطل عمله . فقال : " من قال ذلك ؟ " فقلت : نفر من أصحابك . فقال : " كذب أولئك ، بل له الأجر مرتين " قال : وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ، رضي الله عنه ، يدعوه وهو أرمد ، وقال : " لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله " قال : فجئت به أقوده . قال : فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينه فبرأ ، فأعطاه الراية ، فبرز مرحب وهو يقول :
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال : فبرز له علي وهو يقول :
أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
قال : فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله ، وكان الفتح . هكذا وقع في هذا السياق أن عليا هو الذي قتل مرحبا اليهودي ، لعنه الله .
وقال أحمد : حدثنا حسين بن حسن الأشقر ، حدثني ابن [ ص: 270 ] قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : لما قتلت مرحبا جئت برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روى موسى بن عقبة ، عن الزهري أن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة .
وكذلك قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن سهل ، أحد بني حارثة ، عن جابر بن عبد الله قال : خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول :
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماي للحمى لا يقرب
قال : فأجابه كعب بن مالك :
قد علمت خيبر أني كعب مفرج الغما جريء صلب [ ص: 271 ]
إذ شبت الحرب تلتها الحرب معي حسام كالعقيق عضب
يطأكمو حتى يذل الصعب نعطي الجزاء أو يفيء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب
قال : وجعل مرحب - وهو ابن حمير - يرتجز ، ويقول : هل من مبارز ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لهذا ؟ " فقال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول الله ، أنا والله الموتور الثائر ، قتلوا أخي بالأمس . فقال : " قم إليه ، اللهم أعنه عليه " . قال : فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية ، من شجر العشر ، فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها ، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها ، حتى [ ص: 272 ] برز كل واحد منهما لصاحبه ، وصارت بينهما كالرجل القائم ، ما فيها فنن ، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة ، فوقع سيفه فيها ، فعضت به فأمسكته ، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله . وقد رواه الإمام أحمد ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، بنحوه .
قال ابن إسحاق : وزعم بعض الناس أن محمدا ارتجز حين ضربه وقال :
قد علمت خيبر أني ماض حلو إذا شئت وسم قاض
وهكذا رواه الواقدي ، عن جابر وغيره من السلف ، أن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا ، وذكر الواقدي أن محمدا قطع رجلي مرحب ، فقال له : أجهز علي . فقال : لا ، ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة . فمر به علي وقطع رأسه ، فاختصما في سلبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته . قال : وكان مكتوبا على سيفه :
هذا سيف مرحب من يذقه يعطب
ثم ذكر ابن إسحاق أن أخا مرحب ، وهو ياسر ، خرج بعده وهو يقول : [ ص: 273 ] هل من مبارز ؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له ، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : يقتل ابني يا رسول الله . فقال : " بل ابنك يقتله إن شاء الله " . فالتقيا فقتله الزبير . قال : فكان الزبير إذا قيل له : والله إن كان سيفك يومئذ لصارما . يقول : والله ما كان صارما ، ولكني أكرهته .
وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهله ، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته ، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله ، فقاتلهم ، فضربه رجل منهم من يهود ، فطرح ترسه من يده ، فتناول علي باب الحصن ، فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده ، فلقد رأيتني في نفر معي - سبعة أنا ثامنهم - نجهد على أن نقلب ذلك الباب ، فما استطعنا أن نقلبه . وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر .
ولكن روى الحافظ البيهقي ، والحاكم من طريق مطلب بن زياد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن أبي جعفر الباقر ، عن جابر ، أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وأنه جرب بعد ذلك ، فلم يحمله أربعون رجلا . وفيه ضعف أيضا . وفي رواية ضعيفة ، عن جابر : ثم [ ص: 274 ] اجتمع عليه سبعون رجلا ، وكان جهدهم أن أعادوا الباب .
وقال البخاري : حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال : رأيت أثر ضربة في ساق سلمة ، فقلت : يا أبا مسلم ، ما هذه الضربة ؟ قال : هذه ضربة أصابتها يوم خيبر ، فقال الناس : أصيب سلمة . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات ، فما اشتكيت حتى الساعة .
ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل قال : التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا ، فمال كل قوم إلى عسكرهم ، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه ، فقيل : يا رسول الله ، ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان . قال : " إنه من أهل النار " فقالوا : أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار ؟ فقال رجل من القوم : لأتبعنه ، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه . حتى جرح فاستعجل الموت ، فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ، ثم تحامل عليه فقتل نفسه . فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أشهد أنك رسول الله . قال : " وما ذاك ؟ " فأخبره فقال : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل [ ص: 275 ] الجنة - فيما يبدو للناس - وإنه من أهل النار ، ويعمل بعمل أهل النار - فيما يبدو للناس - وإنه من أهل الجنة رواه أيضا عن قتيبة ، عن يعقوب ، عن أبي حازم ، عن سهل فذكر مثله أو نحوه .
وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام : " هذا من أهل النار " . فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال ، حتى كثرت به الجراحة ، حتى كاد بعض الناس يرتاب ، فوجد الرجل ألم الجراحة ، فأهوى بيده إلى كنانته ، فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه ، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا : يا رسول الله ، صدق الله حديثك ، انتحر فلان فقتل نفسه . فقال : " قم يا فلان ، فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر .
وقد روى موسى بن عقبة قصة العبد الأسود ؛ الذي رزقه الله الإيمان والشهادة في ساعة واحدة ، وكذلك رواها ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة قالا : وجاء عبد حبشي أسود ، من أهل خيبر ، كان في غنم لسيده ، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال : ما تريدون ؟ قالوا : نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي . فوقع في نفسه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل [ ص: 276 ] بغنمه حتى عمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إلى ما تدعو ؟ قال : " أدعوك إلى الإسلام ؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وأن لا تعبد إلا الله " . قال : فقال العبد : فماذا يكون لي إن شهدت بذلك وآمنت بالله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجنة إن مت على ذلك " . فأسلم العبد فقال : يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصباء ، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك " . ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها ، فعرف اليهودي أن غلامه قد أسلم . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظ الناس ، فذكر الحديث في إعطائه الراية عليا ، ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا ، وقتل مع علي ذلك العبد الأسود ، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم ، فأدخل في الفسطاط ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط ، ثم اطلع على أصحابه فقال : " لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير ، قد كان الإسلام من نفسه حقا ، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين " .
وقد روى الحافظ البيهقي من طريق ابن وهب ، عن حيوة بن شريح ، عن ابن الهاد ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر ، فخرجت سرية ، فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها ، فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود ، وقال فيه : قتل شهيدا وما سجد لله سجدة . [ ص: 277 ]
ثم قال البيهقي : حدثنا محمد بن محمد بن محمش الفقيه ، حدثنا أبو بكر القطان ، حدثنا أبو الأزهر ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ، عن أنس أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني رجل أسود اللون ، قبيح الوجه ، منتن الريح ، لا مال لي ، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل ، أدخل الجنة ؟ قال : " نعم " . فتقدم فقاتل حتى قتل ، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقتول ، فقال : " لقد حسن الله وجهك الطيب ، وطيب ريحك ، وكثر مالك " وقال : " لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عنه ؛ يدخلان فيما بين جلده وجبته .
ثم روى البيهقي ، من طريق ابن جريج ، أخبرني عكرمة بن خالد ، عن ابن أبي عمار ، عن شداد بن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ، فقال : أهاجر معك . فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمه وقسم له ، فأعطى أصحابه ما قسم له ، وكان يرعى ظهرهم ، فلما جاء دفعوه إليه ، فقال : ما [ ص: 278 ] هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة . فقال : " إن تصدق الله يصدقك " ثم نهضوا إلى قتال العدو ، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل ، وقد أصابه سهم حيث أشار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو هو ؟ " قالوا : نعم . قال : " صدق الله فصدقه " وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قدمه فصلى عليه ، فكان مما ظهر من صلاته : " اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك ، قتل شهيدا ، أنا عليه شهيد وقد رواه النسائي ، عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن ابن جريج به نحوه . ============================= ذكر قصة صفية بنت حيي بن أخطب النضرية ، رضي الله عنها
وكان من شأنها أنه لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير من المدينة - كما تقدم - فذهب عامتهم إلى خيبر ، وفيهم حيي بن أخطب وبنو أبي الحقيق ، وكانوا ذوي أموال وشرف في قومهم ، وكانت صفية إذ ذاك طفلة دون البلوغ ، ثم لما تأهلت للتزويج ، تزوجها بعض بني عمها ، فلما زفت إليه وأدخلت عليه بنى بها ، ومضى على ذلك ليال ، رأت في منامها كأن قمر السماء قد سقط في حجرها ، فقصت رؤياها على ابن عمها ، فلطم وجهها ، وقال : أتتمنين ملك يثرب أن يصير بعلك . فما كان إلا مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصاره إياهم ، فكانت صفية في جملة السبي ، وكان زوجها في جملة القتلى . ولما اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصارت في حوزه وملكه ، كما سيأتي وبنى بها بعد استبرائها وحلها ، وجد أثر تلك اللطمة في خدها ، فسألها : " ما شأنها ؟ " فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصالحة ، رضي الله عنها وأرضاها .
قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن [ ص: 291 ] ثابت ، عن أنس بن مالك قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال : " الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . فخرجوا يسعون في السكك ، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة وسبى الذرية ، وكان في السبي صفية ، فصارت إلى دحية الكلبي ، ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل عتقها صداقها . ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن زيد - وله طرق - عن أنس .
وقال البخاري : حدثنا آدم ، عن شعبة ، عن عبد العزيز بن صهيب قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سبى النبي صلى الله عليه وسلم صفية ، فأعتقها وتزوجها ، قال ثابت لأنس : ما أصدقها ؟ قال : أصدقها نفسها فأعتقها ، تفرد به البخاري من هذا الوجه .
وقال البخاري : حدثنا عبد الغفار بن داود ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن . وحدثنا أحمد بن عيسى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن عمرو مولى المطلب ، عن أنس بن مالك قال : قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب ، وقد قتل زوجها ، وكانت عروسا ، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ، [ ص: 292 ] فخرج بها حتى بلغ بها سد الصهباء حلت ، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صنع حيسا في نطع صغير ، ثم قال لي : " آذن من حولك " . فكانت تلك وليمته على صفية ، ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب تفرد به دون مسلم .
وقال البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ، أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليال ، يبنى عليه بصفية ، فدعوت المسلمين إلى وليمته ، وما كان فيها من خبز ولا لحم ، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالأنطاع فبسطت ، فألقى عليها التمر والأقط والسمن ، فقال المسلمون : إحدى أمهات المؤمنين ، أو ما ملكت يمينه ؟ فقالوا : إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين ، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه . فلما ارتحل وطأ لها خلفه ، ومد الحجاب انفرد به البخاري .
وقال أبو داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عبد العزيز بن [ ص: 293 ] صهيب ، عن أنس بن مالك قال : صارت صفية لدحية الكلبي ، ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو داود : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس قال : جمع السبي - يعني بخيبر - فجاء دحية فقال : يا رسول الله ، أعطني جارية من السبي . قال : " اذهب فخذ جارية " . فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، أعطيت دحية - قال يعقوب : - صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ؟ ما تصلح إلا لك . قال : " ادع بها " . فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خذ جارية من السبي غيرها " . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وتزوجها ، وأخرجاه من حديث ابن علية
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن خلاد الباهلي ، حدثنا بهز بن أسد ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت ، عن أنس قال : وقع في سهم دحية جارية جميلة ، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس ، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها . قال حماد : وأحسبه قال : وتعتد في بيتها - صفية بنت حيي . تفرد به أبو داود . [ ص: 294 ]
قال ابن إسحاق : فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص - حصن بني أبي الحقيق - أتي بصفية بنت حيي بن أخطب وأخرى معها ، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود ، فلما رأتهم التي مع صفية ، صاحت ، وصكت وجهها ، وحثت التراب على رأسها ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعزبوا عني هذه الشيطانة " . وأمر بصفية فحيزت خلفه ، وألقى عليها رداءه ، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال - فيما بلغني - حين رأى بتلك اليهودية ما رأى : " أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما " . وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، أن قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها ، فقال : ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا . فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها . فأتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه ، فسألها : " ما هذا ؟ " فأخبرته الخبر .
قال ابن إسحاق : وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع ، وكان عنده كنز بني النضير ، فسأله عنه ، فجحد أن يكون يعلم مكانه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة : " أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك ؟ " قال : نعم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت ، فأخرج منها بعض [ ص: 295 ] كنزهم ، ثم سأله عما بقي ، فأبى أن يؤديه ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال : " عذبه حتى تستأصل ما عنده " وكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة ، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة ============================= فصل في فتح حصونها وقسم أرضها
قال الواقدي : لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ إلى قلعة الزبير ، حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ، فجاء رجل من اليهود يقال له : غزال . فقال : يا أبا القاسم ، تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة ، وتخرج إلى أهل الشق ، فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك ؟ قال : فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله ، فقال له اليهودي : إنك لو أقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا بك ، إن لهم تحت الأرض دبولا يخرجون بالليل فيشربون منها ، ثم يرجعون إلى قلعتهم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع دبولهم ، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال ، وقتل من المسلمين يومئذ نفر ، وأصيب من اليهود عشرة ، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان آخر حصون النطاة ، وتحول إلى الشق ، وكان به حصون ذوات عدد ، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها : سموان . [ ص: 297 ] فقاتل عليها أهل الحصن أشد القتال ، فخرج منهم رجل يقال له : عزول ، فدعا إلى البراز ، فبرز إليه الحباب بن المنذر ، فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ، ووقع السيف من يده ، وفر اليهودي راجعا ، فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه ، وبرز منهم آخر ، فقام إليه رجل من المسلمين ، فقتله اليهودي فنهض إليه أبو دجانة فقتله وأخذ سلبه ، وأحجموا عن البراز ، فكبر المسلمون ، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه ، وأمامهم أبو دجانة ، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما ، وهرب من كان فيه من المقاتلة ، وتقحموا الجدر كأنهم الظباء ، حتى صاروا إلى حصن النزار بالشق ، وتمنعوا أشد الامتناع ، فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فتراموا ، ورمى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة ، حتى أصاب نبلهم ثيابه ، عليه الصلاة والسلام . فأخذ عليه السلام كفا من الحصا فرمى حصنهم بها ، فرجف بهم حتى ساخ في الأرض ، وأخذهم المسلمون أخذا باليد .
قال الواقدي : ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبة والوطيح [ ص: 298 ] والسلالم ؛ حصني بني أبي الحقيق ، وتحصنوا أشد التحصن ، وجاء إليهم كل فل كان قد انهزم من النطاة والشق ، فتحصنوا معهم في القموص - وهو في الكتيبة ، وكان حصنا منيعا - وفي الوطيح والسلالم ، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم ، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم ، فلما أيقنوا بالهلكة - وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما - نزل إليه ابن أبي الحقيق ، فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من الأرض ، والأموال ، والصفراء والبيضاء ، والكراع والحلقة ، وعلى البز ، إلا ما كان على ظهر الإنسان ، يعني لباسهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتم شيئا " . فصالحوه على ذلك .
قلت : ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفوا ذلك المسك الذي كان فيه أموال جزيلة ، تبين أنه لا عهد لهم ، فقتل ابن أبي الحقيق وطائفة من أهله ، بسبب نقض العهود منهم والمواثيق . [ ص: 299 ]
وقال الحافظ البيهقي : حدثني أبو الحسن علي بن محمد المقرئ الإسفراييني ، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، حدثنا يوسف بن يعقوب ، حدثنا عبد الواحد بن غياث ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا عبيد الله بن عمر - فيما يحسب أبو سلمة - عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم ، فغلب على الأرض والزرع والنخل ، فصالحوه على أن يجلوا منها ، ولهم ما حملت ركابهم ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء ، ويخرجون منها ، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا ، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد ، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب ، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي : " ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير ؟ " فقال : أذهبته النفقات والحروب . فقال : " العهد قريب والمال أكثر من ذلك " . فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير ، فمسه بعذاب ، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة ، فقال : قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا . فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة ، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق - وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب - وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم ، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا ، وأراد إجلاءهم منها ، فقالوا : يا محمد ، دعنا [ ص: 300 ] ===========================نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها ، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها ، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشيء ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ، ثم يضمنهم الشطر ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة خرصه ، وأرادوا أن يرشوه ، فقال : يا أعداء الله ، تطعموني السحت ، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير ، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم . فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض . قال : فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة ، فقال : " يا صفية ، ما هذه الخضرة ؟ " فقالت : كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة ، فرأيت كأن قمرا وقع في حجري ، فأخبرته بذلك فلطمني ، وقال : تتمنين ملك يثرب ؟! قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إلي ؛ قتل زوجي وأبي ، فما زال يعتذر إلي ويقول : " إن أباك ألب علي العرب " وفعل وفعل ، حتى ذهب ذلك من نفسي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام ، وعشرين وسقا من شعير ، فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين ، وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه ، [ ص: 301 ] فقال عمر : من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها . فقسمها بينهم . فقال رئيسهم : لا تخرجنا ، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر . فقال عمر لرئيسهم : أتراني سقط عني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما؟ " وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية . وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة .
قال البيهقي : علقه البخاري في " كتابه " فقال : ورواه حماد بن سلمة قلت : ولم أره في " الأطراف " . فالله أعلم .
وقال أبو داود : وحدثني سليمان بن داود المهري ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني أسامة بن زيد الليثي ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال : لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم ، على أن يعملوا على النصف مما [ ص: 302 ] خرج منها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أقركم فيها على ذلك ما شئنا " . فكانوا على ذلك ، وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ، ويأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ، وكان أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق من تمر ، وعشرين وسقا من شعير ، فلما أراد عمر إخراج اليهود ، أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن : من أحب منكن أن أقسم لها نخلا بخرصها مائة وسق ، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها ، ومن الزرع مزرعة عشرين وسقا من شعير فعلنا ، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا .
وقد روى أبو داود من حديث محمد بن إسحاق ، حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن عمر قال : أيها الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء ، فمن كان له مال فليلحق به ، فإني مخرج يهود . فأخرجهم .
وقال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك . فقال : " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد " . قال جبير بن مطعم : ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني [ ص: 303 ] عبد شمس وبني نوفل شيئا . تفرد به دون مسلم . وفي لفظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن بني هاشم وبني عبد المطلب شيء واحد ، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام .
قال الشافعي : دخلوا معهم في الشعب ، وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم .
قلت : وقد ذم أبو طالب بني عبد شمس وبني نوفل حيث يقول :
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجلا غير آجل
وقال البخاري : حدثنا الحسن بن إسحاق ، ثنا محمد بن سابق ، ثنا زائدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما . قال : فسره نافع فقال : إذا كان مع الرجل فرس ، فله ثلاثة أسهم ، وإن لم يكن معه فرس ، فله سهم .
وقال البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا محمد بن جعفر ، أخبرني زيد ، عن أبيه ، أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : أما والذي نفسي بيده ، لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء ، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها [ ص: 304 ] كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها . وقد رواه البخاري أيضا من حديث مالك ، وأبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن ابن مهدي ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر به . وهذا السياق يقتضي أن خيبر بكمالها قسمت بين الغانمين .
وقد قال أبو داود : ثنا ابن السرح ، أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال ، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال . وبهذا قال الزهري : خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها .
وفيما قاله الزهري نظر ، فإن الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم ، وإنما قسم نصفها بين الغانمين كما سيأتي بيانه ، وقد احتج بهذا مالك ومن تابعه على أن الإمام مخير في الأراضي المغنومة ، إن شاء قسمها ، وإن شاء أرصدها [ ص: 305 ] لمصالح المسلمين ، وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح .
قال أبو داود : حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ، ثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن زكريا ، حدثني سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة ، قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين ، نصفا لنوائبه وحاجته ، ونصفا بين المسلمين ، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما . تفرد به أبو داود . ثم رواه أبو داود من حديث بشير بن يسار مرسلا ، فعين نصف النوائب ، الوطيح والكتيبة والسلالم وما حيز معها ، ونصف المسلمين ، الشق والنطاة وما حيز معهما ، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حيز معهما .
وقال أيضا : حدثنا حسين بن علي ، ثنا محمد بن فضيل ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، مولى الأنصار ، عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهما ، جمع كل سهم مائة سهم ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس . تفرد به أبو داود . [ ص: 306 ]
قال أبو داود : حدثنا محمد بن عيسى ، ثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري ، سمعت أبي يعقوب بن مجمع يقول ، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري ، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن - قال : قسمت خيبر على أهل الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما ، وكان الجيش ألفا وخمسمائة ، فيهم ثلاثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهما . تفرد به أبو داود .
وقال مالك : عن الزهري ، أن سعيد بن المسيب أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بعض خيبر عنوة . رواه أبو داود . ثم قال أبو داود : قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد ، أخبركم ابن وهب ، حدثني مالك بن أنس ، عن ابن شهاب أن خيبر بعضها كان عنوة ، وبعضها صلحا ، والكتيبة أكثرها عنوة ، وفيها صلح . قلت لمالك : وما الكتيبة؟ قال : أرض خيبر ، وهي أربعون ألف عذق . قال أبو داود : والعذق : النخلة . والعذق : العرجون .
ولهذا قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا حرمي ، ثنا شعبة ، ثنا [ ص: 307 ] عمارة ، عن عكرمة ، عن عائشة قالت : لما فتحت خيبر قلنا : الآن نشبع من التمر .
حدثنا الحسن ، ثنا قرة بن حبيب ، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : ما شبعنا - يعني من التمر - حتى فتحنا خيبر .
وقال محمد بن إسحاق : كانت الشق والنطاة في سهمان المسلمين ، الشق ثلاثة عشر سهما ، ونطاة خمسة أسهم ، قسم الجميع على ألف وثمانمائة سهم ، ودفع ذلك إلى من شهد الحديبية ، من حضر خيبر ومن غاب عنها ، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد الله ، فضرب له بسهمه . قال : وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة ، وكان معهم مائتا فرس ، لكل فرس سهمان ، فصرف إلى كل مائة رجل سهم من ثمانية عشر سهما ، وزيد المائتا فارس أربعمائة سهم لخيولهم .
وهكذا رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن صالح بن كيسان أنهم كانوا ألفا وأربعمائة ، ومائتا فرس .
قلت : وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بسهم ، وكان أول سهم من سهمان الشق مع عاصم بن عدي .
قال ابن إسحاق : وكانت الكتيبة خمسا لله تعالى ، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وطعمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك ، منهم محيصة بن مسعود ، أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا من تمر ، وثلاثين وسقا من شعير . قال : وكان وادياها اللذان قسمت عليه يقال لهما : وادي السرير ووادي خاص . ثم ذكر ابن إسحاق تفاصيل الإقطاعات منها فأجاد وأفاد ، رحمه الله .
قال : وكان الذي ولي قسمتها وحسابها جبار بن صخر بن أمية بن خنساء ، أخو بني سلمة ، وزيد بن ثابت ، رضي الله عنهما .
قلت : وكان الأمير على خرص نخيل خيبر عبد الله بن رواحة ، فخرصها سنتين ، ثم لما قتل ، رضي الله عنه - كما سيأتي في يوم مؤتة - ولي بعده جبار بن صخر ، رضي الله عنه .
وقد قال البخاري : حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر ، فجاء بتمر جنيب ، فقال رسول الله [ ص: 309 ] صلى الله عليه وسلم : " كل تمر خيبر هكذا؟ " قال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة . فقال : " لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا .
قال البخاري : وقال الدراوردي ، عن عبد المجيد ، عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر وأمره عليها . وعن عبد المجيد ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي سعيد وأبي هريرة مثله .
قلت : كان سهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها - وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه ، صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه - وأموال بني النضير ، المتقدم ذكرها ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت هذه الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة ، ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله ، يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين ، فلما مات ، صلوات الله وسلامه عليه ، اعتقدت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم - أو أكثرهن - أن هذه الأراضي تكون موروثة عنه ، ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم : " نحن معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة " . ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم والعباس نصيبهم من ذلك ، وسألوا الصديق أن يسلمه [ ص: 310 ] إليهم ، ذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " . وقال : أنا أعول من كان يعول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي . وصدق ، رضي الله عنه وأرضاه=============================== ، فإنه البار الراشد في ذلك ، التابع للحق ، وطلب العباس وعلي - على لسان فاطمة ، إذ قد فاتهم الميراث - أن ينظرا في هذه الصدقة ، وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها ، فأبى عليهم الصديق ذلك ، ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سننه . فتغضبت فاطمة ، رضي الله عنها ، عليه في ذلك ، ووجدت في نفسها بعض الموجدة ، ولم يكن لها ذلك ، والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيامه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته ، فجزاه الله عن نبيه وعن الإسلام وأهله خيرا ، وتوفيت فاطمة ، رضي الله عنها ، بعد ستة أشهر ، ثم جدد علي البيعة بعد ذلك ، فلما كان أيام عمر بن الخطاب ، سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى علي ، والعباس ، وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ، ففعل عمر ، رضي الله عنه ذلك ، وذلك لكثرة أشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته ، فتغلب على علي عمه العباس فيها ، ثم تساوقا يختصمان إلى عمر ، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة ، وسألا منه أن يقسمها بينهما ، فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر . فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع ، وخشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث ، وقال : انظرا فيها وأنتما جميع ، فإن عجزتما [ ص: 311 ] عنها فادفعاها إلي ، والذي تقوم السماء والأرض بأمره لا أقضي فيها قضاء غير هذا . فاستمرا فيها ، ومن بعدهما من ولدهما إلى أيام بني العباس ، تصرف في المصارف التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها ، أموال بني النضير وفدك ، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر . ====================
ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومن كان بقي بالحبشة ممن هاجر إليها من المسلمين ، ومن انضم إليهم من أهل اليمن ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخيم بخيبر
قال البخاري : حدثنا محمد بن العلاء ، ثنا أبو أسامة ، ثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي ، أنا أصغرهم ، أحدهما أبو بردة ، والآخر أبو رهم - إما قال : في بضع . وإما قال : في ثلاثة وخمسين ، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - فركبنا سفينة ، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا ، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - : سبقناكم بالهجرة . ودخلت أسماء بنت عميس ، وهي ممن قدم معنا ، على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة ، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر ، فدخل عمر على حفصة ، وأسماء عندها ، فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه ؟ قالت : أسماء بنت عميس قال عمر : [ ص: 316 ] الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ قالت أسماء : نعم . قال : سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم . فغضبت وقالت : كلا والله ، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ، ويعظ جاهلكم ، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة ، وذلك في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله ، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه . فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا نبي الله ، إن عمر قال كذا وكذا ، قال : " فما قلت له ؟ " قالت : قلت كذا وكذا قال : " ليس بأحق بي منكم ، وله ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان " . قالت : فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث ، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو بردة : قالت أسماء : فلقد رأيت أبا موسى ، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني .
وقال أبو بردة ، عن أبي موسى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن ، حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ، ومنهم حكيم ، إذا لقي العدو - أو قال : الخيل - قال لهم : إن أصحابي يأمرونكم أن [ ص: 317 ] تنظروهم . وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وعبد الله بن براد ، عن أبي أسامة به .
ثم قال البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا حفص بن غياث ، ثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر ، فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا تفرد به البخاري دون مسلم ورواه أبو داود ، والترمذي وصححه من حديث بريد ، به .
وقد ذكر محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ، يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة ، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قال ابن هشام : وذكر سفيان بن عيينة ، عن الأجلح ، عن الشعبي ، أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه ، وقال : " ما أدري بأيهما أنا أسر ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟ " وهكذا رواه سفيان الثوري ، عن [ ص: 318 ] الأجلح ، عن الشعبي مرسلا .
وأسند البيهقي ، من طريق حسن بن حسين العرني ، عن الأجلح عن الشعبي ، عن جابر ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قدم جعفر من الحبشة ، فتلقاه وقبل جبهته وقال : والله ما أدري بأيهما أفرح ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر .
ثم قال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو الحسين بن أبي إسماعيل العلوي ، ثنا أحمد بن محمد البيروتي ، ثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة ، حدثني مكي بن إبراهيم الرعيني ، ثنا سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة ، تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر جعفر إليه حجل - قال مكي : يعني مشى على رجل واحدة ، إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم - فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه . ثم قال البيهقي : في إسناده من لا يعرف إلى الثوري .
قال ابن إسحاق : وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة إلى أن [ ص: 319 ] قدموا معه خيبر ستة عشر رجلا وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم ، جعفر بن أبي طالب الهاشمي ، وامرأته أسماء بنت عميس ، وابنه عبد الله ، ولد بالحبشة ، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد ، وولداه سعيد وأمة بنت خالد ، ولدا بأرض الحبشة ، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص ، ومعيقيب بن أبي فاطمة ، وكان إلى آل سعيد بن العاص . قال : وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس ، حليف آل عتبة بن ربيعة ، وأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد الأسدي ، وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل العبدري ، وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بأرض الحبشة ، وابنه عمرو وابنته خزيمة ماتا بها ، رحمهم الله ، وعامر بن أبي وقاص الزهري ، وعتبة بن مسعود ، حليف لهم من هذيل ، والحارث بن خالد بن صخر التيمي ، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث ، رحمها الله ، وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي ، ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بني سهم ، ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدوي ، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس ، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان ، ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي ، والحارث بن عبد قيس بن لقيط الفهري .
قلت : ولم يذكر ابن إسحاق أسماء الأشعريين الذين كانوا مع أبي موسى الأشعري ، وأخويه أبا بردة وأبا رهم ، وعمه أبا عامر ، بل لم يذكر من [ ص: 320 ] الأشعريين غير أبي موسى ، ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه ، كما تقدم في " صحيح البخاري " وكأن ابن إسحاق ، رحمه الله ، لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك . والله أعلم .
قال : وقد كان معهم في السفينتين نساء ، من نساء من هلك من المسلمين هنالك . وقد حرر هاهنا شيئا كثيرا حسنا .
قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، سمعت الزهري وسأله إسماعيل بن أمية ، قال : أخبرني عنبسة بن سعيد ، أن أبا هريرة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله - يعني أن يقسم له - فقال بعض بني سعيد بن العاص : لا تعطه . فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل . فقال : واعجبا لوبر تدلى من قدوم الضأن! تفرد به دون مسلم .
قال البخاري : ويذكر عن الزبيدي ، عن الزهري ، أخبرني عنبسة بن سعيد ، أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 321 ] أبان على سرية من المدينة قبل نجد . قال أبو هريرة : فقدم أبان وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما افتتحها ، وإن حزم خيلهم لليف . قال أبو هريرة فقلت : يا رسول الله ، لا تقسم لهم . فقال أبان : وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضال ؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبان ، اجلس " . ولم يقسم لهم وقد أسند أبو داود هذا الحديث ، عن سعيد بن منصور ، عن إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن الوليد الزبيدي ، به نحوه .
ثم قال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد ، أخبرني جدي - وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص - أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه ، فقال أبو هريرة : يا رسول الله ، هذا قاتل ابن قوقل . فقال أبان لأبي هريرة : واعجبا لك ، وبر تردى من قدوم ضال! تنعى علي امرأ أكرمه الله بيدي ، ومنعه أن يهينني بيده ؟! هكذا رواه منفردا به هاهنا .
وقال في الجهاد : حدثنا الحميدي ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن [ ص: 322 ] عنبسة بن سعيد ، عن أبي هريرة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعدما افتتحها ، فقلت : يا رسول الله ، أسهم لي . فقال بعض آل سعيد بن العاص : لا تقسم له . فقلت : يا رسول الله ، هذا قاتل ابن قوقل . الحديث . قال سفيان : حدثنيه السعيدي - يعني عمرو بن يحيى بن سعيد - عن جده ، عن أبي هريرة بهذا . ففي هذا الحديث التصريح من أبي هريرة بأنه لم يشهد خيبر وتقدم في أول هذه الغزوة ، رواه الإمام أحمد من طريق عراك بن مالك ، عن أبي هريرة ، وأنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما افتتح خيبر فكلم المسلمين ، فأشركونا في أسهامهم .
قال الإمام أحمد : حدثنا روح ، ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عمار بن أبي عمار قال : قال أبو هريرة : ما شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغنما قط إلا قسم لي ، إلا خيبر ، فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة .
قلت : وكان أبو هريرة وأبو موسى ، جاءا بين الحديبية وخيبر .
وقد قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا معاوية بن عمرو ، ثنا أبو إسحاق ، عن مالك بن أنس ، حدثني ثور ، حدثني سالم مولى عبد الله بن مطيع ، أنه سمع أبا هريرة يقول : افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة ، إنما [ ص: 323 ] غنمنا الإبل ، والبقر ، والمتاع ، والحوائط ، ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ، ومعه عبد له يقال له : مدعم . أهداه له بعض بني الضبيب ، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر ، حتى أصاب ذلك العبد ، فقال الناس : هنيئا له الشهادة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا ، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر ، لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارا " . فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين فقال : هذا شيء كنت أصبته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شراك أو شراكان من نار . ================================== فصل قصة مدعم ونوم بلال عن صلاة الصبح
قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ، انصرف إلى وادي القرى ، فحاصر أهلها ليالي ، ثم انصرف راجعا إلى المدينة ثم ذكر من قصة مدعم ، وكيف جاءه سهم غارب فقتله ، وقال الناس : هنيئا له الشهادة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر ، لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارا " وقد تقدم في " صحيح البخاري " نحو ما ذكره ابن إسحاق والله أعلم . وسيأتي ذكر قتاله ، عليه السلام ، بوادي القرى .
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن أبي عمرة ، عن زيد بن خالد الجهني ، أن رجلا من أشجع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " صلوا على صاحبكم " . فتغير وجوه الناس من ذلك ، فقال : " إن صاحبكم غل في سبيل الله " . ففتشنا متاعه ، فوجدنا خرزا من [ ص: 335 ] خرز يهود ما يساوي درهمين . وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان - زاد أبو داود : وبشر بن المفضل - وابن ماجه من حديث الليث بن سعد ، ، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، به .
وقد ذكر البيهقي أن بني فزارة أرادوا أن يقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من خيبر ، وتجمعوا لذلك ، فبعث إليهم يواعدهم موضعا معينا ، فلما تحققوا ذلك ، هربوا كل مهرب ، وذهبوا من طريقه كل مذهب . وتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلت صفية من استبرائها ، دخل بها بمكان يقال له : سد الصهباء . في أثناء طريقه إلى المدينة ، وأولم عليها بحيس ، وأقام ثلاثة أيام يبنى عليه بها ، وأسلمت ، فأعتقها وتزوجها ، وجعل عتاقها صداقها ، وكانت إحدى أمهات المؤمنين ، كما فهمه الصحابة لما مد عليها الحجاب وهو مردفها وراءه ، رضي الله عنها .
وذكر محمد بن إسحاق في " السيرة " قال : لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر ، أو ببعض الطريق ، وكانت التي جملتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومشطتها ، وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان ، أم أنس بن مالك ، وبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له ، وبات أبو أيوب متوشحا سيفه ، يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويطيف بالقبة حتى أصبح ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه قال : [ ص: 336 ] " ما لك يا أبا أيوب ؟ " قال : خفت عليك من هذه المرأة ، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها ، وكانت حديثة عهد بكفر ، فخفتها عليك . فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني " . ثم قال : حدثني الزهري ، عن سعيد بن المسيب فذكر نومهم عن صلاة الصبح مرجعهم من خيبر ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظا ، فقال : " ماذا صنعت بنا يا بلال ؟ " قال : يا رسول الله ، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك . قال : " صدقت " . ثم اقتاد ناقته غير كثير ، ثم نزل فتوضأ ، وصلى كما كان يصليها قبل ذلك . وهكذا رواه مالك ، عن الزهري ، عن سعيد مرسلا . وهذا مرسل من هذا الوجه .
وقد قال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر ، فسار ليلة ، حتى إذا أدركنا الكرى عرس ، وقال لبلال : " اكلأ لنا الليل " . قال : فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته ، فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ، ولا أحد من أصحابه ، حتى ضربتهم الشمس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا ، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " يا بلال ! " قال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله . قال : فاقتادوا رواحلهم شيئا ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 337 ] وأمر بلالا فأقام لهم الصلاة ، وصلى بهم الصبح ، فلما أن قضى الصلاة قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله تعالى قال : ( وأقم الصلاة للذكرى ) ( طه : 14 ) قال يونس : وكان ابن شهاب يقرأها كذلك .
وهكذا رواه مسلم ، عن حرملة بن يحيى ، عن عبد الله بن وهب ، به . وفيه : أن ذلك كان مرجعهم من خيبر .
وفي حديث شعبة ، عن جامع بن شداد ، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة ، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية ، ففي رواية عنه أن بلالا هو الذي كان يكلؤهم . وفي رواية أنه هو الذي كان يكلؤهم .
قال الحافظ البيهقي : فيحتمل أن ذلك كان مرتين . قال : وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة ، وفيه حديث الميضأة ، فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين ، أو مرة ثالثة . قال : وذكرالواقدي في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك . قال : وروى زافر بن سليمان ، عن شعبة ، عن جامع بن شداد ، عن عبد الرحمن ، عن ابن مسعود [ ص: 338 ] أن ذلك كان مرجعهم من تبوك . فالله أعلم .
ثم أورد البيهقي ما رواه صاحب " الصحيح " من قصة عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء ، عن عمران بن حصين في قصة نومهم عن الصلاة ، وقصة المرأة صاحبة السطيحتين ، وكيف أخذوا منهما ماء روى الجيش بكماله ، ولم ينقص ذلك منهما شيئا . ثم ذكر ما رواه مسلم من حديث ثابت البناني ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، وهو حديث طويل وفيه نومهم عن الصلاة ، وتكثير الماء من تلك الميضأة . وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة .
وقال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا عبد الواحد ، عن عاصم ، عن أبي عثمان ، عن أبي موسى الأشعري قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر - أو قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أشرف الناس على واد ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم [ ص: 339 ] تدعون سميعا قريبا وهو معكم " . وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعني وأنا أقول : لا حول ولا قوة إلا بالله . فقال : " يا عبد الله بن قيس " . قلت : لبيك يا رسول الله . قال : " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة ؟ " . قلت : بلى يا رسول الله ، فداك أبي وأمي . قال : " لا حول ولا قوة إلا بالله وقد رواه بقية الجماعة من طرق ، عن عبد الرحمن بن مل أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى الأشعري . والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر ، فإن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر ، كما تقدم .
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني ، قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن ، وكان فتح خيبر في صفر ، فقال ابن لقيم في فتح خيبر :
رميت نطاة من الرسول بفيلق شهباء ذات مناكب وفقار واستيقنت بالذل لما شيعت
ورجال أسلم وسطها وغفار [ ص: 340 ] صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة
والشق أظلم أهله بنهار جرت بأبطحها الذيول فلم تدع
إلا الدجاج تصيح بالأسحار ولكل حصن شاغل من خيلهم
من عبد الاشهل أو بني النجار ومهاجرين قد اعلموا سيماهم
فوق المغافر لم ينوا لفرار ولقد علمت ليغلبن محمد
وليثوين بها إلى أصفار فرت يهود عند ذلك في الوغى
تحت العجاج غمائم الأبصار
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)