الخميس، 10 ديسمبر 2015

 باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، شرفها ، الله عز وجل ===ذكر رمله عليه الصلاة والسلام في طوافه واضطباعه ==في دلالة من ذهب إلى أن السعي أربعة عشر والرد عليهم= فصل ( نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح شرقي مكة==فصل ( ركوب النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا إلى منى قبل الزوال )=ذكر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي المنيف في هذا الموقف الشريف==تقديمه صلى الله عليه وسلم الضعفة من أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر )==صل في وقوفه ، عليه الصلاة والسلام ، بالمشعر الحرام ، ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، وإيضاعه في وادي محسر==فصل ( انصراف النبي إلى المنحر ونحره ثلاثا وستين بيده ) ==في لبسه صلى الله عليه وسلم ثيابه وتطيبه بعد رميه جمرة العقبة )===
ص: 629 ] فصل ( اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف الأول=فصل ( خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى ) ===فصل فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها .))فصل ( تسمية أيام الحج )== =================يراد الحديث الدال على أنه عليه الصلاة والسلام خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع


قال البخاري : حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، حدثني نافع ، عن ابن عمر قال : بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى ، حتى أصبح ، ثم دخل مكة ، وكان ابن عمر يفعله . ورواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به . وزاد حتى صلى الصبح . أو قال : حتى أصبح .

وقال مسلم : ثنا أبو الربيع الزهراني ، ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ، ثم يدخل مكة نهارا ، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله . ورواه البخاري من حديث حماد بن زيد ، عن أيوب به .

ولهما من طريق أخرى ، عن أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ، ثم يبيت بذي طوى . وذكره . وتقدم آنفا ما [ ص: 516 ] أخرجاه من طريق موسى بن عقبة عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت بذي طوى حتى يصبح فيصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أكمة غليظة ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة ، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة . أخرجاه في " الصحيحين " .

وحاصل هذا كله أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما انتهى في مسيره إلى ذي طوى وهو قريب من مكة متاخم للحرم ، أمسك عن التلبية ; لأنه قد وصل إلى المقصود ، وبات بذلك المكان حتى أصبح ، فصلى هنالك الصبح ، في المكان الذي وصفوه بين فرضتي الجبل الطويل هنالك ، ومن تأمل هذه الأماكن المشار إليها بعين البصيرة ، عرفها معرفة جيدة ، وتعين له المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه ، لأجل دخول مكة ، ثم ركب ودخلها نهارا جهرة علانية ، من الثنية العليا التي بالبطحاء - ويقال : كداء - ليراه الناس ويشرف عليهم ، وكذلك دخل منها يوم الفتح ، كما ذكرناه .

قال مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا ، وخرج من الثنية السفلى أخرجاه في " الصحيحين " من حديثه .

[ ص: 517 ] ولهما من طريق عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي في البطحاء ، وخرج من الثنية السفلى . ولهما أيضا من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مثل ذلك .

ولما وقع بصره ، عليه الصلاة والسلام ، على البيت قال ما رواه الشافعي في " مسنده " : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال : " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة ، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا " . قال الحافظ البيهقي : هذا منقطع ، وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري ، عن أبي سعيد الشامي ، عن مكحول قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة فرأى البيت ، رفع يديه وكبر وقال : " اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، فحينا ربنا بالسلام ، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا " .

وقال الشافعي : أنبأنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج قال : حدثت عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ترفع الأيدي في الصلاة ، وإذا رأى البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وعشية عرفة ، وبجمع ، وعند الجمرتين ، وعلى الميت " .

[ ص: 518 ] قال الحافظ البيهقي : وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، وعن نافع ، عن ابن عمر ; مرة موقوفا عليهما ، ومرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت . قال : وابن أبي ليلى هذا غير قوي .

ثم إنه ، عليه الصلاة والسلام ، دخل المسجد من باب بني شيبة ، قال الحافظ البيهقي : روينا عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال : يدخل المحرم من حيث شاء . قال : ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة ، وخرج من باب بني مخزوم ، إلى الصفا ثم قال البيهقي : وهذا مرسل جيد .

وقد استدل البيهقي على استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة ، بما رواه من طريق أبي داود الطيالسي ، ثنا حماد بن سلمة ، وقيس وسلام ، كلهم عن سماك بن حرب ، عن خالد بن عرعرة ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش ، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه ، فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فوضع الحجر في وسطه ، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب ، فرفعوه ، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه . وقد ذكرنا هذا مبسوطا في باب بناء الكعبة قبل البعثة . وفي الاستدلال على استحباب الدخول من باب بني شيبة بهذا نظر . والله أعلم ====================================ذكر رمله عليه الصلاة والسلام في طوافه واضطباعه

قال البخاري : حدثنا أصبغ بن الفرج أخبرني ابن وهب عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط من السبع . . ورواه مسلم ، عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة ، كلاهما عن ابن وهب به .

[ ص: 529 ] وقال البخاري : ثنا محمد بن سلام ، ثنا سريج بن النعمان ، ثنا فليح ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : سعى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة . تابعه الليث حدثني كثير بن فرقد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . انفرد به البخاري . وقد روى النسائي ، عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم ، كلاهما عن شعيب بن الليث ، عن أبيه الليث بن سعد عن كثير بن فرقد ، عن نافع ، عن ابن عمر به .

وقال البخاري : ثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ، ثم سجد سجدتين ، ثم يطوف بين الصفا والمروة . ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة

وقال البخاري : ثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا أنس ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة ، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة . ورواه مسلم من حديث عبيد الله بن عمر .

[ ص: 530 ] وقال مسلم : أنبأنا عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي ، أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا . ثم رواه من حديث سليم بن أخضر ، عن عبيد الله بنحوه .

وقال مسلم أيضا : حدثني أبو الطاهر ، حدثني عبد الله بن وهب ، أخبرني مالك وابن جريج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر .

وقال عمر بن الخطاب فيم الرملان والكشف عن المناكب وقد أطأ الله الإسلام ، ونفى الكفر وأهله ؟! ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث هشام بن سعيد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه عنه . وهذا كله رد على ابن عباس ومن تابعه من أن الرمل ليس بسنة ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فعله لما قدم هو [ ص: 531 ] وأصحابه صبيحة رابعة - يعني في عمرة القضاء - وقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب . فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم ، وهذا ثابت عنه في " الصحيحين " ، فكان ابن عباس ينكر وقوع الرمل في حجة الوداع ، وقد صح بالنقل الثابت كما تقدم - بل فيه زيادة تكميل - الرمل من الحجر إلى الحجر ، ولم يمش ما بين الركنين اليمانيين ; لزوال تلك العلة المشار إليها ، وهي الضعف .

وقد ورد في الحديث الصحيح ، عن ابن عباس أنهم رملوا في عمرة الجعرانة واضطبعوا . وهو رد عليه ، فإن عمرة الجعرانة لم يبق في أيامها خوف ; لأنها بعد الفتح كما تقدم . رواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ، فرملوا بالبيت واضطبعوا ، ووضعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم . ورواه أبو داود من حديث حماد بنحوه ، ومن حديث عبد الله بن خثيم ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس به .

فأما الاضطباع في حجة الوداع ، فقد قال قبيصة والفريابي عن سفيان [ ص: 532 ] الثوري ، عن ابن جريج ، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة ، عن ابن يعلى بن أمية ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت مضطبعا . رواه الترمذي من حديث الثوري وقال : حسن صحيح .

وقال أبو داود : ثنا محمد بن كثير ، ثنا سفيان ، عن ابن جريج عن ابن يعلى ، عن أبيه قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطبعا بردا أخضر .

وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن الثوري ، عن ابن جريج عن ابن يعلى ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي .

وقال جابر في حديثه المتقدم : حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ، فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . فجعل المقام بينه وبين البيت . فذكر أنه صلى ركعتين قرأ فيهما : " قل هو الله أحد " ( الإخلاص : 1 ) . و " قل يا أيها الكافرون " ( الكافرون : 1 ) . فإن قيل : فهل كان ، عليه الصلاة والسلام في هذا الطواف [ ص: 533 ] راكبا أو ماشيا ؟ فالجواب أنه قد ورد نقلان قد يظن أنهما متعارضان ، ونحن نذكرهما ، ونشير إلى التوفيق بينهما ، ورفع اللبس عند من يتوهم فيهما تعارضا ، وبالله التوفيق وعليه الاستعانة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

قال البخاري ، رحمه الله : حدثنا أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان ، قالا : ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن . وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من طرق ، عن ابن وهب قال البخاري : تابعه الدراوردي ، عن ابن أخي الزهري ، عن عمه . وهذه المتابعة غريبة جدا .

وقال البخاري : ثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الوهاب ، ثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير ، كلما أتى الركن أشار إليه .

وقد رواه الترمذي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وعبد الوارث ، كلاهما عن خالد بن مهران الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه . وقال : حسن صحيح .

[ ص: 534 ] ثم قال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا خالد بن عبد الله ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير ، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر . تابعه إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء . وقد أسند هذا التعليق هاهنا في كتاب الطلاق ، عن عبد الله بن محمد ، عن أبي عامر ، عن إبراهيم بن طهمان به .

وروى مسلم عن الحكم بن موسى ، عن شعيب بن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن ; كراهية أن يضرب عنه الناس . فهذا إثبات أنه ، عليه الصلاة والسلام طاف في حجة الوداع على بعير ، ولكن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف ; الأول طواف القدوم ، والثاني طواف الإفاضة ، وهو طواف الفرض وكان يوم النحر ، والثالث طواف الوداع . فلعل ركوبه صلى الله عليه وسلم كان في أحد الأخيرين ، أو في كليهما . فأما الأول ، وهو طواف القدوم ، فكان ماشيا فيه . وقد نص الشافعي على هذا كله . والله أعلم وأحكم .

والدليل على ذلك ما قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " السنن الكبير " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو بكر محمد بن المؤمل بن [ ص: 535 ] الحسن بن عيسى ، ثنا الفضل بن محمد بن المسيب ، ثنا نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس ، عن محمد بن إسحاق - هو ابن يسار ، رحمه الله - عن أبي جعفر ، وهو محمد بن علي بن الحسين ، عن جابر بن عبد الله قال : دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته ، ثم دخل المسجد ، فبدأ بالحجر فاستلمه ، وفاضت عيناه بالبكاء ، ثم رمل ثلاثا ومشى أربعا ، حتى فرغ ، فلما فرغ قبل الحجر ، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه . وهذا إسناد جيد .

فأما ما رواه أبو داود ، حدثنا مسدد ، ثنا خالد بن عبد الله ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي ، فطاف على راحلته ، فلما أتى على الركن استلمه بمحجن ، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين . تفرد به يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف . ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع ، ولا ذكر أنه في الطواف الأول من حجة الوداع ، ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم ، وكذا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب في طوافه لضعفه . وإنما ذكرا كثرة الناس وغشيانهم له ، وكان لا يحب أن يضربوا بين يديه ، كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله . ثم هذا التقبيل الثاني الذي ذكره ابن إسحاق في روايته بعد الطواف وبعد ركعتيه أيضا ثابت في " صحيح مسلم " من حديث جابر ، قال فيه بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف : ثم رجع إلى الركن فاستلمه .

[ ص: 536 ] وقد قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه " : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير جميعا ، عن أبي خالد - قال أبو بكر : حدثنا أبو خالد الأحمر - عن عبيد الله ، عن نافع قال : رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ، ثم قبل يده وقال : ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله . فهذا يحتمل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطوفات أو في آخر استلام فعل هذا كما ذكرنا ، أو أن ابن عمر لم يصل إلى الحجر لضعف كان به ، أو لئلا يزاحم غيره فيحصل لغيره أذى به .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوالده ما رواه أحمد في " مسنده " حدثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن أبي يعفور العبدي قال : سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " يا عمر إنك رجل قوي ، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف ، إن وجدت خلوة فاستلمه ، وإلا فاستقبله فهلل وكبر " . وهذا إسناد جيد لكن راويه عن عمر مبهم لم يسم ، والظاهر أنه ثقة جليل . فقد رواه الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي يعفور العبدي ، واسمه وقدان ، سمعت رجلا من خزاعة حين قتل ابن الزبير ، وكان أميرا على مكة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : " يا أبا حفص ، إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن ; فإنك تؤذي الضعيف ، ولكن [ ص: 537 ] إن وجدت خلوة فاستلمه ، وإلا فكبر وامض " . قال سفيان بن عيينة : هو عبد الرحمن بن الحارث كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها حين قتل ابن الزبير .

قلت : وقد كان عبد الرحمن هذا جليلا نبيلا كبير القدر ، وكان أحد النفر الأربعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف الأئمة التي نفذها إلى الآفاق ، ووقع على ما فعله الإجماع والاتفاق .=====================================في دلالة من ذهب إلى أن السعي أربعة عشر والرد عليهم )

قال جابر في حديثه : حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال : " إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي " رواه مسلم . ففيه دلالة على من ذهب إلى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر ، كل ذهاب وإياب يحسب مرة . قاله جماعة من أكابر الشافعية . وهذا الحديث رد عليهم ; لأن آخر الطواف على قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة ; ولهذا قال أحمد في روايته في حديث جابر : فلما كان السابع عند المروة قال : " أيها الناس إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ، فمن لم يكن معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " . فحل الناس كلهم . وقال مسلم : فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي =======================================
فصل ( نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح شرقي مكة )

ثم سار صلوات الله وسلامه عليه ، بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة ، وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدي ، والناس معه حتى نزل بالأبطح شرقي مكة فأقام هنالك بقية يوم الأحد ويوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، حتى صلى الصبح من يوم الخميس ، وكل ذلك يصلي بأصحابه هنالك ، ولم يعد إلى الكعبة من [ ص: 556 ] تلك الأيام كلها . قال البخاري : باب من لم يقرب الكعبة ، ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة ويرجع بعد الطواف الأول ، حدثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا فضيل بن سليمان ، ثنا موسى بن عقبة قال : أخبرني كريب ، عن عبد الله بن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فطاف سبعا ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة انفرد به البخاري . ====================================] فصل ( ركوب النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا إلى منى قبل الزوال )

فأقام عليه الصلاة والسلام بالأبطح - كما قدمنا - يوم الأحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وقد حل الناس ، إلا من ساق الهدي ، وقدم في هذه الأيام علي بن أبي طالب من اليمن بمن معه من المسلمين وما معه من الأموال ، ولم يعد ، عليه الصلاة والسلام ، إلى الكعبة بعدما طاف بها ، فلما أصبح ، عليه الصلاة والسلام ، يوم الخميس صلى بالأبطح الصبح من يومئذ ، وهو يوم التروية ، ويقال له : يوم منى ; لأنه يسار فيه إليها ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قبل هذا اليوم . ويقال للذي قبله فيما رأيته في بعض التعاليق يوم الزينة . لأنه تزين فيه البدن بالجلال ونحوها . فالله أعلم .

قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أحمد بن محمد بن جعفر الجلودي ، ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران ، ثنا محمد بن يوسف ، ثنا أبو قرة ، عن موسى بن عقبة عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قبل يوم التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم .

فركب ، عليه الصلاة والسلام ، قاصدا إلى منى قبل الزوال ، وقيل : بعده . وأحرم الذين كانوا قد حلوا بالحج من الأبطح حين توجهوا إلى منى ، وانبعثت رواحلهم نحوها .

[ ص: 560 ] قال عبد الملك ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحللنا ، حتى كان يوم التروية وجعلنا مكة منا بظهر ، لبينا بالحج . ذكره البخاري تعليقا مجزوما .

وقال مسلم : ثنا محمد بن حاتم ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، عن جابر قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى . قال : وأهللنا من الأبطح .

وقال عبيد بن جريج لابن عمر : رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ، ولم تهل أنت حتى يوم التروية . فقال : لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته . رواه البخاري في جملة حديث طويل .

قال البخاري : وسئل عطاء عن المجاور منى يلبي بالحج ؟ فقال : كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته .

قلت : هكذا كان ابن عمر يصنع إذا حج معتمرا ; يحل من العمرة فإذا كان يوم التروية لا يلبي حتى تنبعث به راحلته متوجها إلى منى ، كما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد ما صلى الظهر وانبعثت به راحلته ، لكن يوم التروية لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالأبطح ، وإنما صلاها يومئذ بمنى ، وهذا مما لا نزاع فيه .

[ ص: 561 ] قال البخاري : باب أين يصلي الظهر يوم التروية ، حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا إسحاق الأزرق ، ثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : سألت أنس بن مالك قلت : أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أين صلى الظهر والعصر يوم التروية ؟ قال : بمنى . قلت : فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال : بالأبطح . ثم قال : افعل كما يفعل أمراؤك . وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق ، عن إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن سفيان الثوري به . وكذلك رواه الإمام أحمد ، عن إسحاق بن يوسف الأزرق به . وقال الترمذي : حسن صحيح ، يستغرب من حديث الأزرق ، عن الثوري .

ثم قال البخاري : حدثنا علي ، سمع أبا بكر بن عياش ، ثنا عبد العزيز بن رفيع قال : لقيت أنس بن مالك . وحدثني إسماعيل بن أبان ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن عبد العزيز قال : خرجت إلى منى يوم التروية ، فلقيت أنسا ذاهبا على حمار ، فقلت : أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم الظهر ؟ فقال : انظر حيث يصلي أمراؤك فصل

وقال أحمد : ثنا أسود بن عامر ، ثنا أبو كدينة ، عن الأعمش ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمس [ ص: 562 ] صلوات بمنى .

وقال أحمد أيضا : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمي ، عن الأعمش ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى ، وصلى الغداة يوم عرفة بها .

وقد رواه أبو داود ، عن زهير بن حرب ، عن أحوص بن جواب ، عن عمار بن رزيق ، عن سليمان بن مهران الأعمش به ، ولفظه : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى . وأخرجه الترمذي ، عن الأشج ، عن عبد الله بن الأجلح ، عن الأعمش بمعناه ، وقال : ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم .

وقال الترمذي : ثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا عبد الله بن الأجلح ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم غدا إلى عرفات . ثم قال : وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه ، وفي الباب عن عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك .

وقال الإمام أحمد : ثنا يزيد بن عبد ربه ، ثنا الوليد أبو مسلم ، عن [ ص: 563 ] عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم عن أبي أمامة ، عمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه راح إلى منى يوم التروية ، وإلى جانبه بلال ، بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم . يعني من الحر . تفرد به أحمد . وقد نص الشافعي على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، ركب من الأبطح إلى منى بعد الزوال ، ولكنه إنما صلى الظهر بمنى ، فقد يستدل له بهذا الحديث . والله أعلم . وتقدم في حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة له من شعر ، فضربت له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي ، فخطب الناس وقال : " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ; ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ، واتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن [ ص: 564 ] بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به ; كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ " قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : " اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد " . ثلاث مرات .

وقال أبو عبد الرحمن النسائي : أنبأنا علي بن حجر قال : أنبأنا جرير ، عن مغيرة ، عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدي ، عن أبيه ، عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع : " اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، كحرمة شهركم هذا ، كحرمة بلدكم هذا " .

وقال أبو داود : باب الخطبة على المنبر بعرفة ، حدثنا هناد ، عن ابن أبي زائدة ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن زيد بن أسلم ، عن رجل من بني ضمرة ، عن أبيه أو عمه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة . وهذا الإسناد ضعيف ; لأن فيه رجلا مبهما ، ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خطب على ناقته القصواء .

ثم قال أبو داود : ثنا مسدد ، ثنا عبد الله بن داود ، عن سلمة بن نبيط [ ص: 565 ] عن رجل من الحي ، عن أبيه نبيط ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب . وهذا فيه مبهم أيضا ، ولكن حديث جابر شاهد له .

ثم قال أبو داود : حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة ، قالا : ثنا وكيع ، عن عبد المجيد أبي عمرو قال : حدثني العداء بن خالد بن هوذة - وقال هناد : عن عبد المجيد ، حدثني خالد بن العداء بن هوذة - قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين . قال أبو داود : رواه ابن العلاء ، عن وكيع ، كما قال هناد ، وحدثنا عباس بن عبد العظيم ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا عبد المجيد أبو عمرو ، عن العداء بن خالد بمعناه .

وفي " الصحيحين " عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات : " من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل " . للمحرم .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال : كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف ; قال : يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قل أيها [ ص: 566 ] الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هل تدرون أي شهر هذا ؟ " فيقولون : الشهر الحرام . فيقول : " قل لهم : إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم ، كحرمة شهركم هذا " . ثم يقول : " قل : أيها الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هل تدرون أي بلد هذا ؟ " وذكر تمام الحديث .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني ليث بن أبي سليم ، عن شهر بن حوشب ، عن عمرو بن خارجة قال : بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في حاجة فبلغته ، ثم وقفت تحت ناقته ، وإن لعابها ليقع على رأسي ، فسمعته يقول : " أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه ، وإنه لا تجوز وصية لوارث ، والولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " . ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، من حديث قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن عمرو بن خارجة به . وقال الترمذي : حسن صحيح . قلت : وفيه اختلاف على قتادة . والله أعلم . وسنذكر الخطبة التي خطبها ، عليه الصلاة والسلام ، بعد هذه الخطبة يوم النحر ، وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية ، إن شاء الله تعالى .

[ ص: 567 ] قال البخاري : باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه . وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة ، كلاهما عن محمد بن أبي بكر بن عوف بن رياح الثقفي الحجازي ، عن أنس به .

وقال البخاري : ثنا عبد الله بن مسلمة ، ثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج ، فلما كان يوم عرفة ، جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس - أو زالت الشمس - فصاح عند فسطاطه : أين هذا ؟ فخرج إليه ، فقال ابن عمر : الرواح . فقال : الآن ؟ قال : نعم . فقال : أنظرني حتى أفيض علي ماء . فنزل ابن عمر حتى خرج ، فسار بيني وبين أبي ، فقلت : إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الوقوف . فقال ابن عمر : صدق . ورواه البخاري أيضا ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك به . وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب ، عن مالك .

[ ص: 568 ] ثم قال البخاري بعد روايته هذا الحديث : وقال الليث : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله : كيف تصنع في الموقف ؟ فقال سالم : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة . فقال ابن عمر : صدق ، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة . فقلت لسالم : أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : هل تبتغون بذلك إلا سنته .

وقال أبو داود : ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة ، فنزل بنمرة ، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة ، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا ، فجمع بين الظهر والعصر . وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة ، قال : ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا . وهذا يقتضي أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خطب أولا ، ثم أقيمت الصلاة ، ولم يتعرض للخطبة الثانية .

وقد قال الشافعي : أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره ، عن جعفر بن محمد ، [ ص: 569 ] عن أبيه ، عن جابر في حجة الإسلام قال : فراح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموقف بعرفة ، فخطب الناس الخطبة الأولى ، ثم أذن بلال ، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية ، ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان ، ثم أقام بلال فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر . قال البيهقي : تفرد به إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى .

قال مسلم ، عن جابر : ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل جبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة .

وقال البخاري : ثنا يحيى بن سليمان ، عن ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير ، عن كريب ، عن ميمونة ، أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف ، فشرب منه والناس ينظرون . وأخرجه مسلم ، عن هارون بن سعيد الأيلي ، عن ابن وهب به .

وقال البخاري : أنبأنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن عمير ، مولى ابن عباس ، عن أم الفضل بنت الحارث ، أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : هو صائم . وقال بعضهم : ليس بصائم . فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره ، [ ص: 570 ] فشربه . ورواه مسلم من حديث مالك أيضا . وأخرجاه من طرق أخر ، عن أبي النضر به .

قلت : أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وقصتهما واحدة . والله أعلم . وصح إسناد الإرسال إليهما ; لأنه من عندهما ، اللهم إلا أن يكون بعد ذلك ، أو تعدد الإرسال من هذه ومن هذه . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، ثنا أيوب قال : لا أدري أسمعته من سعيد بن جبير ، أم نبئته عنه ، قال : أتيت على ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا ، وقال : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه .

وقال أحمد : ثنا وكيع ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، أنهم تماروا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسلت أم الفضل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشربه .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا : أنبأنا ابن جريج ، [ ص: 571 ] قال : قال عطاء : دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس إلى الطعام يوم عرفة ، فقال : إني صائم . فقال عبد الله : لا تصم ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة ، فشرب منه ، فلا تصم ، فإن الناس مستنون بكم . وقال ابن بكير وروح : إن الناس يستنون بكم .

وقال البخاري : ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، ، عن ابن عباس قال : بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال : فأوقصته - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبين ، ولا تمسوه طيبا ، ولا تخمروا رأسه ، ولا تحنطوه ، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا " . ورواه مسلم ، عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد .

وقال النسائي : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أخبرنا وكيع ، أنبأنا سفيان الثوري ، عن بكير بن عطاء ، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد ، فسألوه عن الحج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحج عرفة ، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه " . وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري - زاد النسائي : وشعبة - عن بكير بن عطاء به .

[ ص: 572 ] وقال النسائي : أنبأنا قتيبة ، أنبأنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، أخبرني عمرو بن عبد الله بن صفوان ، أن يزيد بن شيبان قال : كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف ، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال : إني رسول رسول الله إليكم ، يقول لكم : " كونوا على مشاعركم ، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم " . وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، من حديث سفيان بن عيينة به . وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصاري ، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد . قال : وفي الباب عن علي ، وعائشة ، وجبير بن مطعم ، والشريد بن سويد .

وقد تقدم من رواية مسلم ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف " . زاد مالك في " موطئه " : " وارفعوا عن بطن عرنة " .
=====================================ذكر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي المنيف في هذا الموقف الشريف

قال الإمام أحمد : ثنا جعفر بن عون ، ثنا أبو العميس ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنكم تقرءون آية في كتابكم ، لو علينا معشر اليهود نزلت ; لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . قال : وأي آية هي ؟ قال : قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( المائدة : 3 ) فقال عمر : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ; نزلت عشية عرفة في يوم [ ص: 582 ] جمعة . ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح ، عن جعفر بن عون ، وأخرجه أيضا ، ومسلم والترمذي والنسائي ، من طرق ، عن قيس بن مسلم به . ==================================( تقديمه صلى الله عليه وسلم الضعفة من أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر )

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة إلى منى .

قال البخاري : باب من قدم ضعفة أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر . حدثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : قال سالم كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، وكان ابن عمر يقول : أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بليل .

وقال البخاري : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، أخبرني عبيد الله بن [ ص: 594 ] أبي يزيد ، سمع ابن عباس يقول : أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله .

وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني عطاء ، عن ابن عباس قال : بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بسحر مع ثقله .

وقال الإمام أحمد : ثنا روح ، ثنا سفيان الثوري ، ، ثنا سلمة بن كهيل ، عن الحسن العرني ، عن ابن عباس قال : قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أغيلمة بني عبد المطلب على حمراتنا فجعل يلطح أفخاذنا بيده ، ويقول : " أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " . قال ابن عباس : ما إخال أحدا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس . وقد رواه أحمد أيضا ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري فذكره . وقد رواه أبو داود عن محمد بن كثير ، عن الثوري به ، والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد ، عن سفيان بن عيينة ، عن سفيان الثوري به وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع ، عن مسعر وسفيان الثوري ، كلاهما عن سلمة بن [ ص: 595 ] كهيل به .

وقال أحمد : ثنا يحيى بن آدم ، ثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر وعلينا سواد من الليل ، فجعل يضرب أفخاذنا ويقول : " أبني ، أفيضوا ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " .

ثم رواه الإمام أحمد من حديث المسعودي ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله من المزدلفة بليل ، فجعل يوصيهم ألا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس .

وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا الوليد بن عقبة ، ثنا حمزة الزيات عن حبيب ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس ، ويأمرهم . يعني ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس . وكذا رواه النسائي ، عن محمود بن غيلان ، عن بشر بن السري ، عن سفيان ، عن حبيب .

قال الطبراني : وهو ابن أبي ثابت ، عن عطاء ، عن ابن عباس . فخرج حمزة الزيات من عهدته ، وجاد إسناد الحديث . والله أعلم .

[ ص: 596 ] وقد قال البخاري : ثنا مسدد ، عن يحيى ، عن ابن جريج قال : حدثني عبد الله مولى أسماء ، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي ، فصلت ساعة ، ثم قالت : يا بني هل غاب القمر ؟ قلت : لا . فصلت ساعة ثم قالت : هل غاب القمر ؟ قلت : نعم . قالت : فارتحلوا . فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها : يا هنتاه ، ما أرانا إلا قد غلسنا . فقالت : يا بني ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن . ورواه مسلم من حديث ابن جريج به . فإن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر هاهنا عن توقيف ، فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس ; لأن إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه ، اللهم إلا أن يقال : إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط ، فلهذا أمر الغلمان بألا يرموا قبل طلوع الشمس ، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس ; لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر . والله أعلم . وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف ، فحديث ابن عباس مقدم على فعلها ، لكن يقوي الأول قول أبي داود : ثنا محمد بن خلاد الباهلي ، ثنا يحيى ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء ، أخبرني مخبر عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل . قلت : إنا رمينا الجمرة [ ص: 597 ] بليل! قالت : إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال البخاري : ثنا أبو نعيم ، ثنا أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن محمد ، عن عائشة قالت : نزلنا المزدلفة ، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس ، وكانت امرأة بطيئة ، فأذن لها ، فدفعت قبل حطمة الناس ، وأقمنا نحن حتى أصبحنا ، ثم دفعنا بدفعه ، فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به . وأخرجه مسلم ، عن القعنبي عن أفلح بن حميد به . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة به .

وقال أبو داود : ثنا هارون بن عبد الله ، ثنا ابن أبي فديك ، عن الضحاك - يعني ابن عثمان - عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو داود : يعني عندها . انفرد به أبو داود ، وهو إسناد جيد قوي ، رجاله ثقات ================================فصل في وقوفه ، عليه الصلاة والسلام ، بالمشعر الحرام ، ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، وإيضاعه في وادي محسر

قال الله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام الآية . ( البقرة : 198 ) .

وقال جابر في حديثه : فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ، فدعا الله ، عز وجل وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ودفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن عباس وراءه .

وقال البخاري : ثنا حجاج بن منهال ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت عمرو بن ميمون يقول : شهدت عمر ، رضي الله عنه ، صلى بجمع الصبح ، ثم وقف فقال : إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ، ويقولون أشرق ثبير . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض قبل أن تطلع الشمس .

وقال البخاري : ثنا عبد الله بن رجاء ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن [ ص: 600 ] عبد الرحمن بن يزيد قال : خرجت مع عبد الله ، رضي الله عنه ، إلى مكة ، ثم قدمنا جمعا ، فصلى الصلاتين ، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة ، والعشاء بينهما ، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر . قائل يقول : طلع الفجر . وقائل يقول : لم يطلع الفجر . ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان ; المغرب والعشاء ، فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا ، وصلاة الفجر هذه الساعة " . ثم وقف حتى أسفر ، ثم قال : لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة . فلا أدري أقوله كان أسرع أو دفع عثمان ، رضي الله عنه ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي ، ثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن محمد بن قيس بن مخرمة ، عن المسور بن مخرمة ، رضي الله عنه ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد ، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس ، حتى تكون الشمس على رءوس [ ص: 601 ] الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها ، هدينا مخالف لهديهم ، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها ، هدينا مخالف لهديهم " . قال : ورواه عبد الله بن إدريس ، عن ابن جريج ، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا .

وقال الإمام أحمد : ثنا أبو خالد سليمان بن حيان قال : سمعت الأعمش ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس .

وقال البخاري : ثنا زهير بن حرب ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، عن يونس الأيلي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه ، أن أسامة ، رضي الله عنه ، كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى . قال : فكلاهما قال : لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة ورواه ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس .

وروى مسلم من حديث الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس ، عن الفضل بن عباس ، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا : " عليكم بالسكينة " . وهو كاف [ ص: 602 ] ناقته ، حتى دخل محسرا ، وهو من منى قال : " عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة " . قال : ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة .

وقال الحافظ البيهقي : باب الإيضاع في وادي محسر . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو عمرو المقرئ وأبو بكر الوراق ، قالا : أنبأنا الحسن بن سفيان ، ثنا هشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة ، قالا : ثنا حاتم بن إسماعيل ، ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا . رواه مسلم في " الصحيح " عن أبي بكر بن أبي شيبة .

ثم روى البيهقي من حديث سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة ، وأمرهم بالسكينة ، وأوضع في وادي محسر ، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف ، وقال : " خذوا عني مناسككم ، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا " .

ثم روى البيهقي من حديث الثوري ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع ، حتى أتى محسرا ففزع ناقته ، حتى جاوز [ ص: 603 ] الوادي فوقف ، ثم أردف الفضل ، ثم أتى الجمرة فرماها . هكذا رواه مختصرا .

وقد قال الإمام أحمد : ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري ، ثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال : " هذا الموقف ، وعرفة كلها موقف " . وأفاض حين غابت الشمس ، وأردف أسامة ، فجعل يعنق على بعيره ، والناس يضربون يمينا وشمالا ، لا يلتفت إليهم ويقول : " السكينة أيها الناس " . ثم أتى جمعا ، فصلى بهم الصلاتين ; المغرب والعشاء ، ثم بات حتى أصبح ، ثم أتى قزح ، فوقف على قزح ، فقال : " هذا الموقف ، وجمع كلها موقف " . ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه ، فقرع دابته ، فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها ، ثم أردف الفضل ، وسار حتى أتى الجمرة فرماها ، ثم أتى المنحر . فقال : " هذا المنحر ، ومنى كلها منحر " . قال : واستفتته جارية شابة من خثعم ، [ ص: 604 ] فقالت : إن أبي شيخ كبير قد أفند ، وقد أدركته فريضة الله في الحج ، فهل يجزئ عنه أن أؤدي عنه ؟ قال : " نعم ، فأدي عن أبيك " . قال : ولوى عنق الفضل ، فقال له العباس : يا رسول الله ، لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : " رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما " . قال : ثم جاءه رجل فقال : يا رسول الله ، حلقت قبل أن أنحر . قال : " انحر ولا حرج " . ثم أتاه آخر فقال : يا رسول الله ، إني أفضت قبل أن أحلق . قال : " احلق أو قصر ولا حرج " . ثم أتى البيت فطاف ، ثم أتى زمزم ، فقال : " يا بني عبد المطلب ، سقايتكم ، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها " . وقد رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن آدم ، عن سفيان الثوري ، ورواه الترمذي ، عن بندار ، عن أبي أحمد الزبيري ، وابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن يحيى بن آدم . وقال الترمذي : حسن صحيح ، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه . قلت : وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها ، فمن ذلك قصة الخثعمية ، وهو في " الصحيحين " من طريق الفضل ، وتقدمت في حديث جابر ، وسنذكر من ذلك ما تيسر .

وقد حكى البيهقي بإسناده ، عن ابن عباس أنه أنكر الإسراع في وادي [ ص: 605 ] محسر ، وقال : إنما كان ذلك من الأعراب . قال : والمثبت مقدم على النافي . قلت : وفي ثبوته عنه نظر . والله أعلم .

وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح من صنيع الشيخين أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، أنهما كانا يفعلان ذلك ; فروى البيهقي ، عن الحاكم ، عن النجاد وغيره ، عن أبي علي محمد بن معاذ بن المستهل ، المعروف بدران ، عن القعنبي ، عن أبيه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن عمر ، رضي الله عنه ، كان يوضع ويقول :


إليك تعدو قلقا وضينها مخالف دين النصارى دينها=================================فصل ( انصراف النبي إلى المنحر ونحره ثلاثا وستين بيده )

قال جابر : ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بيده ، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر ، فطبخت فأكلا من لحمها ، وشربا من مرقها . وسنتكلم عن هذا الحديث .

وقال الإمام أحمد بن حنبل : ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن حميد الأعرج ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عبد الرحمن بن معاذ ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس بمنى ، ونزلهم منازلهم ، وقال : " لينزل المهاجرون هاهنا " . وأشار إلى ميمنة القبلة . " والأنصار هاهنا " . وأشار إلى ميسرة القبلة . " ثم لينزل الناس حولهم " . قال : وعلمهم مناسكهم ، [ ص: 613 ] ففتحت أسماع أهل منى ، حتى سمعوه في منازلهم . قال : فسمعته يقول : " ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف " . وكذا رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل إلى قوله : " ثم لينزل الناس حولهم " .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، وأبو داود ، عن مسدد ، عن عبد الوارث ، وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث ، عن حميد بن قيس الأعرج ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ، ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول . الحديث .

ذكر جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرك علي بن أبي طالب في الهدي ، وأن جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن ، والذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مائة من الإبل ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة .

قال ابن حبان وغيره : وذلك مناسب لعمره ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه كان ثلاثا وستين سنة .

وقد قال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير ، ثنا محمد بن [ ص: 614 ] عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج مائة بدنة ، نحر منها بيده ستين ، وأمر ببقيتها فنحرت ، وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر ، فأكل منها وحسا من مرقها . قال : ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل ، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها . وقد روى ابن ماجه بعضه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، عن وكيع ، عن سفيان الثوري ، عن ابن أبي ليلى به .

وقال الإمام أحمد : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني رجل ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر ، عن ابن عباس قال : أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدنة ، نحر منها ثلاثين بدنة بيده ، ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها ، وقال : " اقسم لحومها ، وجلودها وجلالها بين الناس ، ولا تعطين جزارا ، منها شيئا ، وخذ لنا من كل بعير حذية من لحم ، واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ، ونحسو من مرقها " . ففعل .

وثبت في " الصحيحين " من حديث مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن علي [ ص: 615 ] قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه . وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها ، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا ، وقال : " نحن نعطيه من عندنا " .

وقال أبو داود : ثنا محمد بن حاتم ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن حرملة بن عمران ، عن عبد الله بن الحارث الأزدي ، سمعت عرفة بن الحارث الكندي قال : " شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتي بالبدن ، فقال : " ادعوا لي أبا حسن " . فدعي له علي . فقال له : " خذ بأسفل الحربة " . وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها ، ثم طعن بها في البدن ، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا . تفرد به أبو داود ، وفي إسناده ومتنه غرابة . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن الحجاج ، أنبأنا عبد الله ، أنبأنا الحجاج بن أرطاة ، عن الحكم ، عن أبي القاسم - يعني مقسما - عن ابن عباس قال : رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة ، ثم ذبح ، ثم حلق .

وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر ، وأهدى عنهن بقرة ، وضحى هو يومئذ بكبشين أملحين ====================================في لبسه صلى الله عليه وسلم ثيابه وتطيبه بعد رميه جمرة العقبة )

ثم لبس عليه الصلاة والسلام ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة ونحر هديه ، وقبل أن يطوف بالبيت طيبته عائشة أم المؤمنين .

قال البخاري : ثنا علي بن عبد الله بن المديني ، ثنا سفيان - هو ابن عيينة - ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ، وكان أفضل أهل زمانه ، أنه سمع أباه ، وكان أفضل أهل زمانه ، يقول أنه سمع عائشة تقول : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم ، ولحله حين أحل قبل أن يطوف . وبسطت [ ص: 619 ] يديها

وقال مسلم : ثنا يعقوب الدورقي وأحمد بن منيع ، قالا : ثنا هشيم ، أنبأنا منصور ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك .

وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ، ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت .

وقال الشافعي : أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سالم قال : قالت عائشة : أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله وإحرامه . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن عائشة ، فذكره .

وفي " الصحيحين " من حديث ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة ، أنها قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام . ورواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان ، عن أبي الرجال ، عن أمه عمرة ، عن عائشة به .

[ ص: 620 ] وقال سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن الحسن العرني ، عن ابن عباس ، أنه قال : إذا رميتم الجمرة ، فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراما إلا النساء ، حتى تطوفوا بالبيت . فقال رجل : والطيب يا أبا العباس ؟ فقال له : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك ، أفطيب هو أم لا ؟!

وقال محمد بن إسحاق : حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة ، عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : كانت الليلة التي يدور فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ، فدخل وهب بن زمعة ، ورجل من آل أبي أمية متقمصين ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضتما ؟ " قالا : لا . قال : " فانزعا قميصيكما " . فنزعاهما . فقال له وهب : ولم يا رسول الله ؟ فقال : " هذا يوم أرخص لكم فيه ، إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا ، إن كان لكم ، فقد أحللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت ، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت " . وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، كلاهما عن ابن أبي عدي ، عن ابن إسحاق ، فذكره .

[ ص: 621 ] وأخرجه البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي بكر بن إسحاق ، عن أبي المثنى العنبري ، عن يحيى بن معين ، وزاد في آخره : قال أبو عبيدة : وحدثتني أم قيس بنت محصن قالت : خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر ، ثم رجعوا إلينا عشاء وقمصهم على أيديهم يحملونها . فسألتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب بن زمعة وصاحبه . وهذا الحديث غريب جدا ، لا أعلم أحدا من العلماء قال به . والله أعلم . ====================================[ ص: 629 ] فصل ( اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف الأول )

ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية ، بل اكتفى بطوافه الأول ، كما روى مسلم في " صحيحه " من طريق ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير : سمعت جابر بن عبد الله يقول : لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا .

قلت : والمراد بأصحابه هاهنا الذين ساقوا الهدي وكانوا قارنين ، كما ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة ، وكانت أدخلت الحج على العمرة ، فصارت قارنة : " يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك " . وعند أصحاب الإمام أحمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين . ولهذا نص الإمام أحمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته ، وإن تحلل بينهما تحلل . وهو قول غريب ; مأخذه ظاهر عموم الحديث . والله أعلم . وقال أصحاب أبي حنيفة في المتمتع ، كما قال المالكية والشافعية ; أنه يجب عليه طوافان وسعيان ، حتى طردت الحنفية ذلك في القارن ، وهو من أفراد مذهبهم ; أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين ، ونقلوا ذلك عن علي موقوفا ، وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف ، وبينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للأحاديث الصحيحة . والله أعلم .====================================فصل ( خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى )

وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة ، تواترت بها الأحاديث ، ونحن نذكر منها ما يسره الله عز وجل .

[ ص: 631 ] قال البخاري : باب الخطبة أيام منى . حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا فضيل بن غزوان ، ثنا عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر ، فقال : " يا أيها الناس ، أي يوم هذا ؟ " قالوا : يوم حرام . قال : " فأي بلد هذا ؟ " قالوا : بلد حرام . قال : " فأي شهر هذا ؟ " قالوا : شهر حرام . قال : " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا " . قال : فأعادها مرارا ثم رفع رأسه ، فقال : " اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت " . قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده ، إنها لوصيته إلى أمته . " فليبلغ الشاهد الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " . ورواه الترمذي عن الفلاس ، عن يحيى القطان به . وقال : حسن صحيح .

وقال البخاري أيضا : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو عامر ، ثنا قرة ، عن محمد بن سيرين ، أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن ; حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فقال : " أتدرون أي يوم هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال : " أليس يوم النحر ؟ " قلنا : بلى . قال : " أي شهر هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال : " أليس ذو الحجة ؟ " قلنا : بلى . قال : " أي بلد هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير [ ص: 632 ] اسمه . قال : " أليس بالبلدة الحرام ؟ " قلنا : بلى . قال : " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، إلى يوم تلقون ربكم ، ألا هل بلغت ؟ " قالوا : نعم . قال : " اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مبلغ أوعى من سامع ، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " . ورواه البخاري ومسلم من طرق ، عن محمد بن سيرين به .

ورواه مسلم من حديث عبد الله بن عون ، عن ابن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، فذكره ، وزاد في آخره : ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما ، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا .

وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، أنبأنا أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي بكرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته ، فقال : " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ; ثلاثة متواليات ; ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر ، الذي بين جمادى وشعبان " . ثم قال : " ألا أي يوم هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله [ ص: 633 ] أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال : " أليس يوم النحر ؟ " قلنا : بلى . ثم قال : " أي شهر هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال : " أليس ذا الحجة ؟ " قلنا : بلى . ثم قال : " أي بلد هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال : " أليست البلدة ؟ " قلنا : بلى . قال : " فإن دماءكم وأموالكم - أحسبه قال : وأعراضكم - عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، وستلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم ، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا هل بلغت ؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه " . هكذا وقع في " مسند الإمام أحمد " عن محمد بن سيرين ، عن أبي بكرة ، وهكذا رواه أبو داود ، عن مسدد ، والنسائي عن عمرو بن زرارة ، كلاهما عن إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي بكرة به . وهو منقطع ، لكن صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه ، عن أيوب وغيره ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه به .

وقال البخاري أيضا : ثنا محمد بن المثنى ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا [ ص: 634 ] عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه ، عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى : " أتدرون أي يوم هذا ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " فإن هذا يوم حرام ، أفتدرون أي بلد هذا ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " بلد حرام " . قال : " أفتدرون أي شهر هذا ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " شهر حرام " . قال : " فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا " . وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من " صحيحه " وبقية الجماعة إلا الترمذي ، من طرق ، عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن جده عبد الله بن عمر ، فذكره .

قال البخاري : وقال هشام بن الغاز : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، رضي الله عنهما : وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج - بهذا - وقال : " هذا يوم الحج الأكبر " . فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم اشهد " . وودع الناس ، فقالوا : هذه حجة الوداع . وقد أسند هذا الحديث أبو داود عن مؤمل بن الفضل ، عن الوليد بن مسلم ، وأخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار ، عن صدقة بن خالد ، كلاهما عن هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي [ ص: 635 ] أبي العباس الدمشقي به .

وقيامه ، عليه الصلاة والسلام ، بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه ، ويحتمل أنه بعد طوافه ورجوعه إلى منى ومروره بالجمرات .

لكن يقوي الأول ما رواه النسائي حيث قال : حدثنا عمرو بن هشام الحراني ، ثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن يحيى بن الحصين الأحمسي ، عن جدته أم حصين ، قالت : حججت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأيت بلالا آخذا بخطام راحلته ، وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم ، حتى رمى جمرة العقبة ، ثم خطب الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر قولا كثيرا .

وقد رواه مسلم من حديث زيد بن أبي أنيسة ، عن يحيى بن الحصين ، عن جدته أم الحصين قالت : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فرأيت أسامة وبلالا ، أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة . قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا ، ثم سمعته يقول : " إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت أسود - يقودكم بكتاب الله تعالى ، فاسمعوا له وأطيعوا " .

[ ص: 636 ] وقال الإمام أحمد : ثنا محمد بن عبيد ، ثنا الأعمش عن أبي صالح - وهو ذكوان السمان - عن جابر قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فقال : " أي يوم أعظم حرمة ؟ " قالوا : يومنا هذا . قال : " أي شهر أعظم حرمة ؟ " قالوا : شهرنا هذا . قال : " أي بلد أعظم حرمة ؟ " قالوا : بلدنا هذا . قال : " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ، هل بلغت ؟ " قالوا : نعم . قال : " اللهم اشهد " انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط " الصحيحين " . ورواه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش به . وقد تقدم حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر في خطبته ، عليه الصلاة والسلام ، يوم عرفة . فالله أعلم .

قال الإمام أحمد : ثنا علي بن بحر ، ثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع . فذكر معناه . وقد رواه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن عيسى بن يونس به . وإسناده على شرط " الصحيحين " . فالله أعلم .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أبو هشام ، ثنا حفص ، عن [ ص: 637 ] الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة وأبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : " أي يوم هذا ؟ " قالوا : يوم حرام . قال : " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا " . ثم قال البزار : رواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أو أبي سعيد ، وجمعهما لنا أبو هشام ، عن حفص بن غياث ، عن الأعمش ، ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة وأبي سعيد .

قلت : وتقدم رواية أحمد له ، عن محمد بن عبيد الطنافسي ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر بن عبد الله . فلعله عند أبي صالح عن الثلاثة . والله أعلم .

وقال هلال بن يساف ، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " إنما هن أربع ; لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا " . قال : فما أنا بأشح عليهن مني حين سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه أحمد والنسائي من حديث منصور ، عن هلال بن يساف ، وكذلك رواه سفيان بن عيينة والثوري ، عن منصور .

[ ص: 638 ] وقال ابن حزم في " حجة الوداع " : حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري ، ثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الأنصاري ، ثنا أحمد بن عبدان الحافظ بالأهواز ، ثنا سهل بن موسى بشيراز ، ثنا عمرو بن عاصم ، ثنا أبو العوام ، ثنا محمد بن جحادة ، عن زياد بن علاقة ، عن أسامة بن شريك قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول : " أمك وأباك ، وأختك وأخاك ، ثم أدناك أدناك " . قال : فجاء قوم فقالوا : يا رسول الله ، قتلتنا بنو يربوع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجني نفس على أخرى " . ثم سأله رجل نسي أن يرمي الجمار . فقال : " ارم ولا حرج " . ثم أتاه آخر فقال : يا رسول الله ، نسيت الطواف . فقال : " طف ولا حرج " . ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح ، فقال : " اذبح ولا حرج " . فما سألوه يومئذ عن شيء إلا قال : " لا حرج ، لا حرج " . ثم قال : " قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرأ مسلما ، فذلك الذي حرج وهلك " . وقال : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم " . وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه [ ص: 639 ] الطريق . وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال الإمام أحمد : ثنا حجاج ، حدثني شعبة ، عن علي بن مدرك ، سمعت أبا زرعة يحدث ، عن جرير وهو جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " يا جرير ، استنصت الناس " . ثم قال في خطبته : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ثم رواه أحمد عن غندر ، وعن ابن مهدي ، كل منهما عن شعبة به . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شعبة به .

وقال أحمد : ثنا ابن نمير ، ثنا إسماعيل عن قيس ، قال : بلغنا أن جريرا قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استنصت الناس " . ثم قال عند ذلك : " لا أعرفن بعدما أرى ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " . ورواه النسائي من حديث عبد الله بن نمير به .

وقال النسائي : ثنا هناد بن السري ، عن أبي الأحوص ، عن ابن غرقدة ، عن سليمان بن عمرو ، عن أبيه ، قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ ص: 640 ] حجة الوداع يقول : " أيها الناس " . ثلاث مرات " أي يوم هذا ؟ " قالوا : يوم النحر ، يوم الحج الأكبر . قال : " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا لا يجني جان على ولده ، ولا مولود على والده ، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا ، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى ، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع ، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " . وذكر تمام الحديث .

وقال أبو داود : باب من قال : خطب يوم النحر . حدثنا هارون بن عبد الله ، ثنا هشام بن عبد الملك ، ثنا عكرمة - هو ابن عمار - ، ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى .

ورواه أحمد والنسائي من غير وجه ، عن عكرمة بن عمار ، عن الهرماس قال : كان أبي مردفي ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء . لفظ أحمد وهو من ثلاثيات " المسند " . ولله الحمد .

ثم قال أبو داود : ثنا مؤمل بن الفضل الحراني ، ثنا الوليد ، ثنا ابن جابر ، [ ص: 641 ] ثنا سليم بن عامر ، سمعت أبا أمامة يقول : سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرحمن ، عن معاوية بن صالح ، عن سليم بن عامر الكلاعي ، سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز ، يتطاول يسمع الناس ، فقال بأعلى صوته : " ألا تسمعون ؟ " فقال رجل من طوائف الناس : يا رسول الله ، ماذا تعهد إلينا ؟ فقال : " اعبدوا ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ذا أمركم ، تدخلوا جنة ربكم " . فقلت : يا أبا أمامة ، مثل من أنت يومئذ ؟ قال : أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه أحمد أيضا ، عن زيد بن الحباب ، عن معاوية بن صالح ، وأخرجه الترمذي ، عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي ، عن زيد بن الحباب . وقال : حسن صحيح .

قال الإمام أحمد : ثنا أبو المغيرة ، ثنا إسماعيل بن عياش ، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني ، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث ، والولد للفراش وللعاهر الحجر ، وحسابهم على الله ، ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم [ ص: 642 ] القيامة ، لا تنفق المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها " . فقيل : يا رسول الله ، ولا الطعام ؟ قال : " ذلك أفضل أموالنا " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العارية مؤداة ، والمنحة مردودة ، والدين مقضي ، والزعيم غارم " . ورواه أهل السنن الأربعة من حديث إسماعيل بن عياش ، وقال الترمذي : حسن .

ثم قال أبو داود ، رحمه الله : باب من يخطب يوم النحر . حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي ، ثنا مروان ، عن هلال بن عامر المزني ، حدثني رافع بن عمرو المزني قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى - حين ارتفع الضحى - على بغلة شهباء ، وعلي يعبر عنه ، والناس بين قائم وقاعد . ورواه النسائي ، عن دحيم ، عن مروان الفزاري به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، ثنا هلال بن عامر المزني ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر . قال : ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه . قال : فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه . قال : فجعلت أعجب من بردها .

حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا شيخ من بني فزارة ، عن هلال بن عامر المزني ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على بغلة شهباء ، وعلي [ ص: 643 ] يعبر عنه . ورواه أبو داود من حديث أبي معاوية ، عن هلال بن عامر .

ثم قال أبو داود : باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنى . حدثنا مسدد ، ثنا عبد الوارث ، عن حميد الأعرج ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا ، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار ، فوضع أصبعيه السباحتين ، ثم قال : " بحصى الخذف " . ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد ، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ، ثم نزل الناس بعد ذلك . وقد رواه أحمد ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، وأخرجه النسائي ، من حديث ابن المبارك ، عن عبد الوارث كذلك . وتقدم رواية الإمام أحمد له ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عبد الرحمن بن معاذ ، عن رجل من الصحابة . فالله أعلم .

وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن جريج عن الزهري ، عن عيسى بن طلحة ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل ، فقال : كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا [ ص: 644 ] وكذا . ثم قام آخر فقال : كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " افعل ولا حرج " . وأخرجاه من حديث مالك - زاد مسلم : ويونس - عن الزهري به . وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها ، ومحله كتاب " الأحكام " وبالله المستعان . وفي لفظ في " الصحيحين " : قال : فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : " افعل ولا حرج " .
===================================فصل فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها .

قال أبو داود : باب أي يوم يخطب بمنى . حدثنا محمد بن العلاء ، أنبأنا ابن المبارك ، عن إبراهيم بن نافع ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، عن رجلين [ ص: 649 ] من بني بكر قالا : رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته ، وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى . انفرد به أبو داود .

ثم قال أبو داود : ثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن ، حدثتني جدتي سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية - قالت : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس ، فقال : " أي يوم هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : " أليس أوسط أيام التشريق ؟ " انفرد به أبو داود . قال أبو داود : وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي أنه خطب أوسط أيام التشريق .

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد متصلا مطولا ، فقال : ثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا علي بن زيد ، عن أبي حرة الرقاشي ، عن عمه قال : كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس ، فقال : " يا أيها الناس ، أتدرون في أي شهر أنتم ؟ وفي أي يوم أنتم ؟ وفي أي بلد أنتم ؟ " قالوا : في يوم حرام ، وشهر حرام ، وبلد حرام . قال : " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، إلى يوم تلقونه " . ثم قال : " اسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تظلموا ، [ ص: 650 ] ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة ، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، كان مسترضعا في بني ليث ، فقتلته هذيل ، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع ، وإن الله ، عز وجل ، قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب ، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " . ثم قرأ : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم " . ( التوبة : 36 ) " ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ، ولكنه في التحريش بينكم ، فاتقوا الله ، عز وجل ، في النساء ; فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإن لهن [ ص: 651 ] عليكم حقا ، ولكم عليهن حقا أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم ، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن ضربا غير مبرح " - قال حميد : قلنا للحسن : ما المبرح ؟ قال : المؤثر - " ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، عز وجل ، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها " . وبسط يده ، فقال : " ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت ؟ " ثم قال : " ليبلغ الشاهد الغائب ; فإنه رب مبلغ أسعد من سامع " قال حميد : قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة : قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به . وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من " سننه " عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي حرة الرقاشي - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه في النشوز .

قال ابن حزم : جاء أنه خطب يوم الرءوس ، وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة ، وجاء أنه أوسط أيام التشريق ; فتحمل على أن أوسط بمعنى أشرف ، كما قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا ( البقرة : 143 ) وهذا المسلك الذي سلكه ابن حزم بعيد . والله أعلم .

[ ص: 652 ] وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين ، ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ، ثنا موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار وصدقة بن يسار ، عن عبد الله بن عمر قال : نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع : " إذا جاء نصر الله والفتح " فعرف أنه الوداع ، فأمر براحلته القصواء ، فرحلت له ، ثم ركب فوقف الناس بالعقبة ، فاجتمع إليه ما شاء الله من المسلمين ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : " أما بعد ، أيها الناس ، فإن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر ، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل ، وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع ، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب ، أيها الناس ، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ; رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم " ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم " الآية " إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله " . ( التوبة : 36 ) كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما [ ص: 653 ] ، ويحرمون صفرا عاما ، ويحلون المحرم عاما ، فذلك النسيء ، يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان وقد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال ، فاحذروا على دينكم محقرات الأعمال ، أيها الناس ، إن النساء عندكم عوان ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، لكم عليهن حق ، ولهن عليكم حق ، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يعصينكم في معروف ، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، فإن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح ، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه ، أيها الناس ، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا ; كتاب الله ، فاعملوا به ، أيها الناس ، أي يوم هذا ؟ " قالوا : يوم حرام . قال : " فأي بلد هذا ؟ " قالوا : بلد حرام . قال : " فأي شهر هذا ؟ " قالوا : شهر حرام . قال : " فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ، كحرمة هذا اليوم ، في هذا البلد ، وهذا الشهر ، ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم ، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم " . ثم رفع يديه فقال : " اللهم اشهد=================================فصل ( تسمية أيام الحج )

اليوم السادس من ذي الحجة ، قال بعضهم : يقال له يوم الزينة . لأنه تزين فيه البدن بالجلال وغيرها ، واليوم السابع يقال له : يوم التروية . لأنهم يتروون فيه [ ص: 655 ] من الماء ، ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده ، واليوم الثامن يقال له : يوم منى . لأنهم يرحلون فيه من الأبطح إلى منى . واليوم التاسع يقال له : يوم عرفة . لوقوفهم فيه بها ، واليوم العاشر يقال له : يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر . واليوم الذي يليه يقال له : يوم القر . لأنهم يقرون فيه ويقال له : يوم الرءوس لأنهم يأكلون فيه رءوس الأضاحي . وهو أول أيام التشريق . وثاني أيام التشريق يقال له : يوم النفر الأول . لجواز النفر فيه وقيل : هو اليوم الذي يقال له : يوم الرءوس . واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له : يوم النفر الآخر . قال الله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ( البقرة : 203 ) الآية فلما كان يوم النفر الآخر ، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق ، وكان يوم الثلاثاء ، ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، فنفر بهم من منى فنزل المحصب ، وهو واد بين مكة ومنى ، فصلى به العصر .

كما قال البخاري : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا إسحاق بن يوسف ، ثنا سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : سألت أنس بن مالك : أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أين صلى الظهر يوم التروية ؟ قال : بمنى . قلت : فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال : بالأبطح ، افعل كما يفعل أمراؤك . وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النفر بالأبطح ، وهو المحصب . فالله أعلم .

[ ص: 656 ] قال البخاري : حدثنا عبد المتعال بن طالب ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ورقد رقدة بالمحصب ، ثم ركب إلى البيت فطاف به . قلت : يعني طواف الوداع .

وقال البخاري : ثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، ثنا خالد بن الحارث قال : سئل عبيد الله عن المحصب ، فحدثنا عبيد الله عن نافع قال : نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عمر . وعن نافع أن ابن عمر كان يصلي بها - يعني المحصب - الظهر والعصر - أحسبه قال : والمغرب . قال خالد : لا أشك في العشاء - ثم يهجع هجعة ، ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال الإمام أحمد : ثنا نوح بن ميمون ، أنبأنا عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب . هكذا رأيته في " مسند الإمام أحمد " من حديث عبد الله العمري ، عن نافع .

وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور ، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن يحيى ، كلاهما عن عبد الرزاق ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح . قال الترمذي : وفي الباب عن عائشة ، وأبي رافع ، وابن عباس ، [ ص: 657 ] وحديث ابن عمر حسن غريب ، وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق ، عن عبيد الله بن عمر به .

وقد رواه مسلم ، عن محمد بن مهران الرازي ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح . ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يرى التحصيب سنة ، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة . قال نافع : قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء بعده .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أيوب وحميد ، عن بكر بن عبد الله ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ، ثم هجع هجعة ، ثم دخل - يعني مكة - فطاف بالبيت .

ورواه أحمد أيضا ، عن عفان ، عن حماد ، عن حميد ، عن بكر ، عن ابن عمر ، فذكره وزاد في آخره : وكان ابن عمر يفعله . وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل .

وقال البخاري : ثنا الحميدي ، ثنا الوليد ، ثنا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، [ ص: 658 ] عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر بمنى : " نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر " . يعني بذلك المحصب . الحديث . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، فذكر مثله سواء .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد قال : قلت : يا رسول الله ، أين تنزل غدا ؟ في حجته قال : " وهل ترك لنا عقيل منزلا ؟ " ثم قال : " نحن نازلون غدا ، إن شاء الله ، بخيف بني كنانة ، يعني المحصب ، حيث قاسمت قريش على الكفر " . وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم - يعني حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم قال عند ذلك : " لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم " قال الزهري : والخيف : الوادي . أخرجاه من حديث عبد الرزاق .

وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، قصد النزول في المحصب ; مراغمة لما كان تمالأ عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بني هاشم وبني المطلب ، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قدمنا بيان ذلك في موضعه . وكذلك نزله عام الفتح ، فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها ، وهو أحد قولي العلماء .

[ ص: 659 ] وقد قال البخاري : ثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : إنما كان منزلا ينزله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه . يعني الأبطح . وأخرجه مسلم من حديث هشام به .

ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن سعيد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب ; ليكون أسمح لخروجه ، وليس بسنة ، فمن شاء نزله ، ومن شاء لم ينزله .

وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، قال : قال عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : ليس التحصيب بشيء ، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، عن سفيان - وهو ابن عيينة - به .

وقال أبو داود : ثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة ومسدد ، المعنى ، قالوا : ثنا سفيان ، ثنا صالح بن كيسان ، عن سليمان بن يسار ، قال : قال أبو رافع : لم يأمرني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن أنزله ولكن ضربت قبته فنزله . قال مسدد : وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عثمان : يعني في [ ص: 660 ] الأبطح . ورواه مسلم عن قتيبة وأبي بكر ، وزهير بن حرب ، عن سفيان بن عيينة به .

والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي صلى الله عليه وسلم في المحصب لما نفر من منى ، ولكن اختلفوا ; فمنهم من قال : لم يقصد نزوله وإنما نزله اتفاقا ; ليكون أسمح لخروجه . ومنهم من أشعر كلامه بقصده ، عليه الصلاة والسلام ، نزوله وهذا هو الأشبه ، وذلك أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه ، كما قال ابن عباس : فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت . يعني طواف الوداع ، فأراد ، عليه الصلاة والسلام ، أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبيت طواف الوداع ، وقد نفر من منى قريب الزوال ، فلم يكن يمكنه أن يجيء البيت في بقية يومه ويطوف به ، ويرحل إلى ظاهر مكة من جانب المدينة ; لأن ذلك قد يتعذر على هذا الجم الغفير ، فاحتاج أن يبيت قبل مكة ، ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب ، الذي كانت قريش قد عاقدت بني كنانة على بني هاشم وبني المطلب فيه ، فلم يبرم الله لقريش أمرا ، بل كبتهم وردهم خائبين ، وأظهر الله دينه ، ونصر نبيه ، وأعلى كلمته ، وأتم له الدين القويم ، وأوضح به الصراط المستقيم ، فحج بالناس ، وبين لهم شرائع الله وشعائره ، وقد نفر بعد إكمال المناسك ، فنزل في الموضع الذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة ، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وهجع هجعة ، وقد [ ص: 661 ] كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ; ليعمرها من التنعيم ، فإذا فرغت أتته ، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل إلى البيت العتيق .

كما قال أبو داود : حدثنا وهب بن بقية ، ثنا خالد ، عن أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : أحرمت من التنعيم بعمرة ، فدخلت فقضيت عمرتي ، وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى فرغت ، وأمر الناس بالرحيل . قالت : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فطاف به ، ثم خرج . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث أفلح بن حميد .

ثم قال أبو داود : ثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو بكر - يعني الحنفي - ثنا أفلح ، عن القاسم ، عنها - يعني عائشة - قالت : خرجت معه - تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - النفر الآخر ونزل المحصب - قال أبو داود : فذكر ابن بشار قصة بعثها إلى التنعيم - قالت : ثم جئته بسحر ، فأذن في الصحابة بالرحيل ، فارتحل ، فمر بالبيت قبل صلاة الصبح ، فطاف به حين خرج ، ثم انصرف متوجها إلى المدينة . ورواه البخاري عن محمد بن بشار به .

قلت : والظاهر أنه ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه ، وقرأ في صلاته تلك بسورة والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور [ ص: 662 ] السورة بكمالها .

وذلك لما رواه البخاري حيث قال : حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة بن الزبير ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : شكوت إلى رسول الله أني أشتكي ، قال : " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " . فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حينئذ إلى جنب البيت ، وهو يقرأ : " والطور وكتاب مسطور " وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك بإسناده نحوه .

وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب ، عن أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج ، ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج ، فقال لها : " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " . فذكر الحديث .

فأما ما رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة . فهو إسناد كما ترى على شرط " الصحيحين " ، ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله : يوم النحر . غلط من الراوي أو من الناسخ ، وإنما هو يوم النفر ، ويؤيده ما ذكرناه من [ ص: 663 ] رواية البخاري . والله أعلم .

والمقصود أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ، ووقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين باب الكعبة ، فدعا الله ، عز وجل ، وألزق خده بجدار الكعبة .

قال الثوري ، عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم . المثنى ضعيف . =====================================================إيراد الحديث الدال على أنه عليه الصلاة والسلام خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع
إظهار التشكيل|إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع    التحليل الموضوعي
فصل

في إيراد الحديث الدال على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة ، يقال له : غدير خم . فبين فيها فضل علي بن أبي طالب ، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن ، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا ، والصواب كان معه في ذلك ، ولهذا لما [ ص: 666 ] تفرغ ، عليه الصلاة والسلام ، من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق ، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ ، وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك ، فبين فيها أشياء ، وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ، ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه ، ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ، ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه ، وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب " التفسير " و " التاريخ " ، فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه ، وساق الغث والسمين ، والصحيح والسقيم ، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين ، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة ، ونحن نورد عيون ما روي في ذلك ، مع إعلامنا أنه لا حظ للشيعة فيه ، ولا متمسك لهم ولا دليل ، لما سنبينه وننبه عليه ، فنقول وبالله المستعان :

قال محمد بن إسحاق في سياق حجة الوداع : حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم ، فإذا عليهم الحلل ، قال ويلك ! ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ; ليتجملوا به إذا قدموا في الناس . قال : ويلك ! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول [ ص: 667 ] الله صلى الله عليه وسلم . قال : فانتزع الحلل من الناس ، فردها في البز . قال : وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم .

قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم ، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد قال : اشتكى الناس عليا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا ، فسمعته يقول : " أيها الناس ، لا تشكو عليا ، فوالله إنه لأخشن في ذات الله - أو في سبيل الله - من أن يشكى " . ورواه الإمام أحمد ، من حديث محمد بن إسحاق به ، وقال : " إنه لأخشن في ذات الله ، أو في سبيل الله " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا الفضل بن دكين ، ثنا ابن أبي غنية ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن بريدة قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير ، فقال : " يا بريدة ، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " قلت : بلى يا رسول الله . قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن [ ص: 668 ] عبد الملك بن أبي غنية بإسناده نحوه . وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات .

وقد روى النسائي في " سننه " عن محمد بن المثنى ، عن يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن الأعمش ، ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ، ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن ، ثم قال : " كأني قد دعيت فأجبت ، إني قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . ثم قال : " الله مولاي ، وأنا ولي كل مؤمن " . ثم أخذ بيد علي فقال : " من كنت مولاه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . فقلت لزيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه . تفرد به النسائي من هذا الوجه . قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وهذا حديث صحيح .

وقال ابن ماجه : حدثنا علي بن محمد ، أنبأنا أبو الحسين ، أنبأنا حماد بن [ ص: 669 ] سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي حج ، فنزل في بعض الطريق ، فأمر : الصلاة جامعة . فأخذ بيد علي فقال : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " قالوا : بلى . قال : " ألست أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ " قالوا : بلى . قال : " فهذا ولي من أنا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . وكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن عدي ، عن البراء .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان : ثنا هدبة ، ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد وأبي هارون ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فلما أتينا على غدير خم كسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين ، ونودي في الناس : الصلاة جامعة . ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأخذ بيده ، فأقامه عن يمينه فقال : " ألست أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ " قالوا : بلى . قال : " فهذا موالي من أنا مواليه ، ومولى من أنا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . فلقيه عمر بن الخطاب فقال : [ ص: 670 ] هنيئا لك ، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . ورواه ابن جرير ، عن أبي زرعة ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد ، وأبي هارون العبدي - وكلاهما ضعيف - عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب به . وروى ابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرمي - وهو ضعيف جدا - عن أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء وزيد بن أرقم . فالله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، ثنا عبد الملك ، عن أبي عبد الرحيم الكندي ، عن زاذان أبي عمر ، قال : سمعت عليا بالرحبة وهو ينشد الناس : من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم وهو يقول ما قال ؟ قال : فقام اثنا عشر رجلا ، فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " تفرد به أحمد . وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثنا علي بن حكيم الأودي ، أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، وعن زيد بن يثيع ، قالا : نشد علي الناس في الرحبة : من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم إلا قام . قال : فقام من قبل سعيد ستة ، ومن قبل زيد ستة ، فشهدوا [ ص: 671 ] أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي يوم غدير خم : " أليس الله أولى بالمؤمنين ؟ " قالوا : بلى . قال : " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه "

قال عبد الله : وحدثني علي بن حكيم ، أنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ذي مر بمثل حديث أبي إسحاق ، يعني عن سعيد وزيد ، وزاد فيه : " وانصر من نصره ، واخذل من خذله " .

قال عبد الله : وحدثنا علي ، ثنا شريك ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

وقال النسائي في كتاب " خصائص علي " : حدثنا الحسين بن حريث ، ثنا الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب قال : قال علي في الرحبة : أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول : " إن الله وليي وأنا ولي المؤمنين ، ومن كنت وليه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره " . وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق . وهذا إسناد جيد .

[ ص: 672 ] ورواه النسائي أيضا من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ذي مر قال : نشد علي الناس بالرحبة ، فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم " من كنت مولاه فإن عليا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره " . ورواه ابن جرير عن أحمد بن منصور ، عن عبد الرزاق ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، وعبد خير ، عن علي . وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور ، عن عبيد الله بن موسى ، وهو شيعي ثقة ، عن فطر بن خليفة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، وزيد بن يثيع ، وعمرو ذي مر ، أن عليا نشد الناس بالكوفة . وذكر الحديث .

وقال عبد الله بن أحمد : حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا يونس بن أرقم ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس ، فقال : أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . لما قام فشهد . قال عبد الرحمن : فقام [ ص: 673 ] اثنا عشر بدريا ، كأني أنظر إلى أحدهم ، فقالوا : نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجي أمهاتهم ؟ " فقلنا : بلى يا رسول الله . قال : " فمن كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . إسناد ضعيف غريب .

وقال عبد الله بن أحمد : حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي ، ثنا زيد بن الحباب ، ثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسي ، أنبأنا سماك بن عبيد بن الوليد العنسي قال : دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال : أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده يوم غدير خم إلا قام ، ولا يقوم إلا من قد رآه . فقام اثنا عشر رجلا ، فقالوا : قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " . فقام إلا ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته . وروي أيضا عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وغيره ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به .

[ ص: 674 ] وقال ابن جرير ثنا أحمد بن منصور ، ثنا أبو عامر العقدي ، ( ح ) وروى ابن أبي عاصم ، عن سليمان الغيلاني ، عن أبي عامر العقدي ، ثنا كثير بن زيد ، حدثني محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه ، عن علي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر الشجرة بخم . فذكر الحديث ، وفيه : " من كنت مولاه فإن عليا مولاه " وقد رواه بعضهم عن أبي عامر ، عن كثير ، عن محمد بن عمر بن علي ، عن علي منقطعا .

وقال إسماعيل بن عمرو البجلي - وهو ضعيف - عن مسعر ، عن طلحة بن مصرف ، عن عميرة بن سعد ، أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سمع رسول الله يوم غدير خم ؟ فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة ، وأبو سعيد ، وأنس بن مالك ، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " . وقد رواه عبيد الله بن موسى عن هانئ بن أيوب - وهو ثقة - عن طلحة بن مصرف به .

وقال عبد الله بن أحمد : حدثني حجاج بن الشاعر ، ثنا شبابة ، ثنا نعيم بن حكيم ، حدثني أبو مريم ورجل من جلساء علي ، عن علي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم " من كنت مولاه فعلي مولاه " . قال : فزاد الناس بعد : " وال من والاه ، وعاد من عاداه " روى أبو داود بهذا السند حديث المخدج .

[ ص: 675 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعنى قالا : ثنا فطر ، عن أبي الطفيل قال : جمع علي الناس في الرحبة - يعني رحبة مسجد الكوفة - فقال : أنشد الله كل من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام . فقام ثلاثون من الناس . وقال أبو نعيم : فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده ، فقال للناس : " أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " قالوا : نعم يا رسول الله . قال : " من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . قال : فخرجت كأن في نفسي شيئا ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إني سمعت عليا يقول كذا وكذا . قال : فما تنكر ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له . هكذا ذكره الإمام أحمد في مسند زيد بن أرقم ، رضي الله عنه . ورواه النسائي من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم به ، وقد تقدم .

وأخرجه الترمذي عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة عن سلمة بن كهيل ، سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم - شك شعبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . ورواه ابن جرير عن أحمد بن حازم ، عن أبي نعيم ، عن كامل أبي العلاء ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن [ ص: 676 ] يحيى بن جعدة ، عن زيد بن أرقم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبي عبيد ، عن ميمون أبي عبد الله قال : قال زيد بن أرقم وأنا أسمع : نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا يقال له : وادي خم . فأمر بالصلاة فصلاها بهجير . قال : فخطبنا وظلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمر من الشمس فقال : " ألستم تعلمون - أو : ألستم تشهدون - أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ " قالوا : بلى . قال : " فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " ثم رواه أحمد عن غندر ، عن شعبة ، عن ميمون أبي عبد الله ، عن زيد بن أرقم ، إلى قوله : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . قال ميمون : حدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . وهذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن ، وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الزيت .

وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن آدم ، ثنا حنش بن الحارث بن لقيط الأشجعي ، عن رياح بن الحارث قال : جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا : [ ص: 677 ] السلام عليك يا مولانا . قال : كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب ؟! قالوا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول : " من كنت مولاه فهذا مولاه " . قال رياح : فلما مضوا تبعتهم فسألت : من هؤلاء ؟ قالوا : نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري .

وقال الإمام أحمد : ثنا أبو أحمد ، ثنا حنش ، عن رياح بن الحارث ، قال : رأيت قوما من الأنصار قدموا على علي في الرحبة ، فقال : من القوم ؟ فقالوا : مواليك يا أمير المؤمنين . فذكر معناه هذا لفظه وهو من أفراده .

وقال ابن جرير ثنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء ، ثنا محمد بن خالد بن عثمة ، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي - وهو صدوق - حدثني مهاجر بن مسمار ، عن عائشة بنت سعد ، سمعت أباها يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجحفة ، وأخذ بيد علي فخطب فحمد الله وأثنى ، ثم قال : " أيها الناس ، إني وليكم " . قالوا : صدقت . فرفع يد علي فقال : " هذا وليي والمؤدي عني ، وإن الله موالي من والاه ، ومعادي من عاداه " . قال شيخنا الذهبي : وهذا حديث حسن غريب . ثم رواه ابن جرير من حديث يعقوب بن جعفر بن أبي كثير ، عن مهاجر بن مسمار ، فذكر الحديث ، وأنه ، عليه الصلاة والسلام ، وقف حتى لحقه من بعده ، وأمر برد من كان تقدم ، فخطبهم . الحديث .

[ ص: 678 ] وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الأول من كتاب " غدير خم " - قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير - : حدثنا محمد بن عوف الطائي ، ثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا إسماعيل بن نشيط ، عن جميل بن عمارة ، عن سالم بن عبد الله بن عمر - قال ابن جرير أحسبه قال : عن عمر . وليس في كتابي - : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد علي : " من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " وهذا حديث غريب ، بل منكر ، وإسناده ضعيف . قال البخاري في جميل بن عمارة هذا : فيه نظر .

وقال المطلب بن زياد عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، سمع جابر بن عبد الله يقول : كنا بالجحفة بغدير خم ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خباء أو فسطاط ، فأخذ بيد علي ، فقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . قال شيخنا الذهبي : هذا حديث حسن . وقد رواه ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وغيره ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بنحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم وابن أبي بكير ، قالا : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حبشي بن جنادة - قال يحيى بن آدم وكان قد شهد [ ص: 679 ] حجة الوداع - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " علي مني وأنا منه ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " . وقال ابن أبي بكير : " لا يقضي عني ديني إلا أنا أو علي " . وكذا رواه أحمد أيضا ، عن أبي أحمد الزبيري ، عن إسرائيل .

قال الإمام أحمد : وحدثناه الزبيري ، ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن حبشي بن جنادة مثله . قال : فقلت لأبي إسحاق : أين سمعت منه ؟ قال : وقف علينا على فرس له في مجلسنا في جبانة السبيع . وكذا رواه أحمد عن أسود بن عامر ، ويحيى بن آدم ، عن شريك . ورواه الترمذي عن إسماعيل بن موسى ، عن شريك ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وسويد بن سعيد ، وإسماعيل بن موسى ، ثلاثتهم عن شريك به . ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان ، عن يحيى بن آدم ، عن إسرائيل به . وقال الترمذي : حسن صحيح غريب .

ورواه سليمان بن قرم - وهو متروك - عن أبي إسحاق ، عن حبشي بن جنادة ، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . وذكر الحديث .

[ ص: 680 ] وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أنبأنا شريك ، عن أبي يزيد الأودي ، عن أبيه قال : دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس إليه ، فقام إليه شاب فقال : أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " ؟ قال : نعم . ورواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن شاذان ، عن شريك به . تابعه إدريس الأودي ، عن أخيه أبي يزيد - واسمه داود بن يزيد - به . ورواه ابن جرير أيضا من حديث إدريس وداود ، عن أبيهما ، عن أبي هريرة ، فذكره .

فأما الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب ، عن مطر الوراق ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة قال : لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . فأنزل الله عز وجل : " اليوم أكملت لكم دينكم " ( المائدة : 3 ) . قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خم ، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا . فإنه حديث منكر جدا ، بل كذب ; لمخالفته لما ثبت في " الصحيحين " عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بها كما قدمنا . وكذا قوله أن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم [ ص: 681 ] غدير خم يعدل صيام ستين شهرا لا يصح ; لأنه قد ثبت ما معناه في " الصحيح " أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا ؟! هذا باطل . وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث : هذا حديث منكر جدا ورواه حبشون الخلال ، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري - وهما صدوقان - عن علي بن سعيد الرملي ، عن ضمرة . قال : ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية . قال وصدر الحديث متواتر ، أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وأما : " اللهم وال من والاه " . فزيادة قوية الإسناد وأما هذا الصوم فليس بصحيح ; ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام . والله تعالى أعلم .

وقال الطبراني : حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي ، حدثنا علي بن محمد بن يوسف بن سنان بن مالك بن مسمع ، حدثنا سهل بن يوسف بن سهل بن مالك أخي كعب بن مالك ، عن أبيه عن ، جده قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من حجة [ ص: 682 ] الوداع صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " يا أيها الناس ، إن أبا بكر لم يسؤني قط ، فاعرفوا ذلك له ، يا أيها الناس ، إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين ، راض فاعرفوا ذلك لهم ، أيها الناس ، احفظوني في أصحابي وأصهاري وأختاني لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم ، أيها الناس ، ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا "
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق