السبت، 5 ديسمبر 2015

قصة ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب== وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس
== قدوم ضمام الأسدي
== قصة عدي بن حاتم الطائي
==قدوم الأشعريين وأهل اليمن==وفود فروة بن مسيك المرادي أحد ، رؤساء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم===قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة
==قدوم صرد بن عبد الله الأزدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم==قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
== وفادة لقيط بن عامر المنتفق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
==» قدوم طارق بن عبد الله وأصحابه
== قدوم تميم الداري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخباره إياه بأمر الجساسة وما سمع من الدجال
إظهار التش==وفد بني عبس
=============== قصة ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب لعنه الله .=====

قال البخاري : باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أثال ; حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث بن سعد حدثني سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال . فربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما عندك يا ثمامة ؟ " قال : عندي خير يا محمد ، إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت . فتركه حتى كان الغد ثم قال له : " ما عندك يا ثمامة ؟ " فقال : عندي ما قلت لك . إن تنعم تنعم على شاكر . فتركه حتى بعد الغد فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك . فقال : " أطلقوا ثمامة " . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، يا محمد ، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، والله ما كان دين أبغض [ ص: 253 ] إلي من دينك ، فأصبح دينك أحب الدين إلي ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال له قائل : صبوت ؟ قال : لا ، ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم . وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به . وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر ; وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه ، وإنما أسر وقدم به في الوثاق ، فربط بسارية من سواري المسجد . ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر ; وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح ، لأن أهل مكة عيروه بالإسلام وقالوا : أصبوت ؟ فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة ، حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد . والله أعلم . ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه ، ولكن ذكرناه هاهنا اتباعا للبخاري رحمه الله .

وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن عبد الله بن أبي حسين ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس قال : قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته . [ ص: 254 ] وقدمها في بشر كثير من قومه ، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال : " لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ، ولن تعدو أمر الله فيك ، ولئن أدبرت ليعقرنك الله ، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت ، وهذا ثابت يجيبك عني " . ثم انصرف عنه . قال ابن عباس : فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنك أرى الذي أريت فيه ما أريت " . فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما ، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي ; أحدهما العنسي والآخر مسيلمة " .

ثم قال البخاري : حدثنا إسحاق بن نصر ثنا عبد الرزاق أخبرني معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض ، فوضع في كفي سواران من ذهب ، فكبرا علي ، فأوحي إلي أن انفخهما ، فنفختهما فذهبا ، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما ; صاحب صنعاء ، وصاحب اليمامة " .

[ ص: 255 ] ثم قال البخاري : ثنا سعيد بن محمد الجرمي ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن عبيدة بن نشيط - وكان في موضع آخر اسمه عبد الله - أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة ، فنزل في دار بنت الحارث ، وكان تحته بنت الحارث بن كريز ، وهي أم عبد الله بن عامر بن كريز ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس - وهو الذي يقال له : خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب ، فوقف عليه فكلمه ، فقال له مسيلمة : إن شئت خليت بينك وبين الأمر ثم جعلته لنا بعدك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه ، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت ، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني " . فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عبيد الله : سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكر ، فقال ابن عباس : ذكر لي أن [ ص: 256 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا نائم ، رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب ، ففظعتهما وكرهتهما ، فأذن لي فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان " . فقال عبيد الله : أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن ، والآخر مسيلمة الكذاب . .

وقال محمد بن إسحاق : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة ، فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب . وقال ابن هشام هو مسيلمة بن ثمامة ، ويكنى أبا ثمامة .

وقال أبو القاسم السهيلي : هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة ، ويكنى أبا ثمامة ، وقيل أبا هارون . وكان قد تسمى بالرحمن ، فكان يقال له : رحمن اليمامة . وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة ، وكان يعرف أبوابا من [ ص: 257 ] النيرجات فكان يدخل البيضة إلى القارورة ، وهو أول من فعل ذلك ، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ، ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها .

قلت وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله ، لعنه الله .

قال ابن إسحاق : وكان منزلهم في دار بنت الحارث ، امرأة من الأنصار ، ثم من بني النجار ، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه ، معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه " قال ابن إسحاق : وحدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة ، أن حديثه كان على غير هذا ، وزعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خلفوا مسيلمة في رحالهم ، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا : يا رسول الله ، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا . قال : فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم وقال : " أما إنه ليس بشركم مكانا " . أي لحفظه ضيعة أصحابه ، ذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ثم [ ص: 258 ] انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم ، وقال : إني قد أشركت في الأمر معه . وقال لوفده الذين كانوا معه : ألم يقل لكم حين ذكرتموني له : " أما إنه ليس بشركم مكانا ؟ " ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه . ثم جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما يقول ; مضاهاة للقرآن : لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا . وأحل لهم الخمر والزنا ، ووضع عنهم الصلاة ، وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي ، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك . قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان .

وذكر السهيلي وغيره أن الرجال بن عنفوة واسمه نهار بن عنفوة كان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن ، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة ، وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان ، فقال لهم : " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد " . فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرجال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الأمر معه ، وألقى إليه شيئا مما كان [ ص: 259 ] يحفظه من القرآن ، فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة ، وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي .

قال السهيلي : وكان مؤذن مسيلمة يقال له : حجير . وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل وأضيف إليهم سجاح ، وكانت تكنى أم صادر ، تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة ، واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل : جنبة بن طارق . ويقال : إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا ، ثم أسلم . وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها .

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك ، أما بعد ، فإني قد أشركت في الأمر معك ، فإن لنا نصف الأمر ، ولقريش نصف الأمر ، ولكن قريشا قوم يعتدون . فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين " قال : وكان ذلك في آخر سنة عشر . يعني ورود هذا الكتاب .

[ ص: 260 ] قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه ، يقول لهما : " وأنتما تقولان مثل ما يقول ؟ " قالا : نعم . فقال : " أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " . .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال : جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما : " أتشهدان أني رسول الله ؟ " فقالا : نشهد أن مسيلمة رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آمنت بالله ورسله ، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما " . قال عبد الله بن مسعود : فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل . قال عبد الله : فأما ابن أثال فقد كفاه الله ، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه .

قال الحافظ البيهقي : أما أسامة بن أثال فإنه أسلم ، وقد مضى الحديث في إسلامه ، وأما ابن النواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا جعفر بن عون أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرءون قراءة [ ص: 261 ] ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم : والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما . قال : فأرسل إليهم عبد الله فأتي بهم ، وهم سبعون رجلا ، ورأسهم عبد الله بن النواحة . قال : فأمر به عبد الله فقتل ، ثم قال : ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ، ولكنا نحوزهم إلى الشام ، لعل الله أن يكفيناهم .

وقال الواقدي : كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم ; الرجال ابن عنفوة وطلق بن علي وعلي بن سنان ومسيلمة بن حبيب الكذاب فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم الضيافة ، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء ; مرة خبزا ولحما ، ومرة خبزا ولبنا ، ومرة خبزا ، ومرة خبزا وسمنا ، ومرة تمرا ينثر لهم . فلما قدموا المسجد أسلموا ، وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم ، ولما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة ، وأمر لمسيلمة بمثل ما [ ص: 262 ] أعطاهم لما ذكروا أنه في رحالهم ، فقال : " أما إنه ليس بشركم مكانا " . فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه ، فقال : إنما قال ذلك ; لأنه عرف أن الأمر لي من بعده . وبهذه الكلمة تشبث ، قبحه الله ، حتى ادعى النبوة . قال الواقدي : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بإدواة فيها فضل طهوره ، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم ، وينضحوا هذا الماء مكانها ويتخذوه مسجدا ، ففعلوا ، وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق ، وما كان من أمر بني حنيفة ، إن شاء الله تعالى . =====================================وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس لعنهما الله .

قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر ، فيهم ; عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم ، وقدم عامر بن الطفيل عدو الله ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به ، وقد قال له قومه : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم . قال : والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي ، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ؟ ! ثم قال لأربد : إن قدمنا على الرجل ، فإني سأشغل عنك وجهه ، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف . فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن [ ص: 273 ] الطفيل يا محمد ، خالني . قال : " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " . قال : يا محمد ، خالني . قال : وجعل يكلمه ، وينتظر من أربد ما كان أمره به ، فجعل أربد لا يحير شيئا ، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال : يا محمد ، خالني . قال : " لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له " . فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا . فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اكفني عامر بن الطفيل " . فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لأربد : أين ما كنت أمرتك به ، والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف على نفسي منك ، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا . قال : لا أبا لك ! لا تعجل علي ، والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك ، أفأضربك بالسيف ؟ ! وخرجوا راجعين إلى بلادهم ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ، عز وجل ، على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه ، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول ، فجعل يقول : يا بني عامر ، أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول ؟ ! قال ابن هشام ويقال : أغدة [ ص: 274 ] كغدة الإبل وموتا في بيت سلولية ؟ .

وروى الحافظ البيهقي من طريق الزبير بن بكار حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مولة ، عن أبيها ، عن جدها مولة بن جميل قال : أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : " يا عامر أسلم " . فقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر ؟ قال : " لا " ثم قال : " أسلم " . فقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر ؟ قال : " لا " . فولى وهو يقول : والله يا محمد لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ، ولأربطن بكل نخلة فرسا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اكفني عامرا واهد قومه " . فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه ، يقال لها : سلولية . فنزل عن فرسه ، ونام في بيتها ، فأخذته غدة في حلقه ، فوثب على فرسه وأخذ رمحه ، وأقبل يجول وهو يقول : غدة كغدة البكر ، وموت في بيت سلولية . فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا . وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " في أسماء الصحابة مولة هذا ، فقال : هو مولة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بني عامر بن صعصعة ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة ، فأسلم وعاش في الإسلام مائة سنة ، وكان يدعى ذا اللسانين ; من فصاحته ، روى عنه ابنه [ ص: 275 ] عبد العزيز ، وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية . .

قال الزبير بن بكار : حدثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن مولة بن كثيف بن جميل بن خالد بن عمرو بن معاوية ، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، قالت : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن مولة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو ابن عشرين سنة ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح يمينه ، وساق إبله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقها بنت لبون ، ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعاش في الإسلام مائة سنة ، وكان يسمى ذا اللسانين ; من فصاحته .

قلت : والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح ، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح ، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الأصم أنبأنا محمد بن إسحاق أنبأنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان - خال أنس بن مالك - وغدره بأصحاب بئر معونة ، حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم .

[ ص: 276 ] قال الأوزاعي : قال يحيى : فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا : " اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت ، وابعث عليه ما يقتله " . فبعث الله عليه الطاعون .

وروى عن همام عن إسحاق بن عبد الله عن أنس في قصة حرام بن ملحان قال : وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخيرك بين ثلاث خصال ; يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر ، وأكون خليفتك من بعدك ، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء ؟ . قال : فطعن في بيت امرأة فقال : أغدة كغدة البكر وموت في بيت امرأة من بني فلان ، ائتوني بفرسي . فركب فمات على ظهر فرسه .

قال ابن إسحاق : ثم خرج أصحابه حين واروه ، حتى قدموا أرض بني عامر شاتين ، فلما قدموا أتاهم قومهم ، فقالوا : ما وراءك يا أربد ؟ قال : لا شيء ، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن ، فأرميه بالنبل حتى أقتله [ ص: 277 ] الآن . فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه ، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما .

قال ابن إسحاق : وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه ، فقال لبيد يبكي أربد :


ما إن تعري المنون من أحد لا والد مشفق ولا ولد     أخشى على أربد الحتوف ولا
أرهب نوء السماك والأسد     يا عين هلا بكيت أربد إذ
قمنا وقام النساء في كبد     إن يشغبوا لا يبال شغبهم
أو يقصدوا في الحكوم يقتصد     حلو كريم وفي حلاوته
مر لطيف الأحشاء والكبد     وعين هلا بكيت أربد إذ
ألوت رياح الشتاء بالعضد     فأصبحت لاقحا مصرمة
حين تجلت غوابر المدد [ ص: 278 ]     أشجع من ليث غابة لحم
ذو نهمة في العلا ومنتقد     لم تبلغ العين كل نهمتها
ليلة تمسي الجياد كالقدد     الباعث النوح في مآتمه
مثل الظباء الأبكار بالجرد     فجعني البرق والصواعق بال
فارس يوم الكريهة النجد     الحارب الجابر الحريب إذا
جاء نكيبا وإن يعد يعد     يعفو على الجهد والسؤال كما
ينبت غيث الربيع ذي الرصد     كل بني حرة مصيرهم
قل وإن أكثروا من العدد     إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا
يوما يصيروا للهلاك والنقد
وقد روى ابن إسحاق ، عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لأمه أربد [ ص: 279 ] بن قيس تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه ، والله الموفق للصواب .

قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : وأنزل الله عز وجل في عامر وأربد : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ( الرعد : 8 - 11 ) . يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أربد وقتله ، فقال الله تعالى : وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال [ الرعد : 11 - 13 ] .

قلت : وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة " الرعد " . ولله الحمد والمنة ، وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام ، رحمه الله ، فروينا من طريق الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في " معجمه الكبير " حيث قال : حدثنا مسعدة بن سعد العطار حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن [ ص: 280 ] أبيهما ، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا بين يديه ، فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ، ما تجعل لي إن أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم " . قال عامر : أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل " . قال : أنا الآن في أعنة خيل نجد ، اجعل لي الوبر ولك المدر . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا " ، فلما قفا من عنده ، قال عامر : أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يمنعك الله " . فلما خرجأربد وعامر قال عامر : يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث ، فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ، ويكرهوا الحرب ، فسنعطيهم الدية . قال أربد : أفعل . فأقبلا راجعين إليه ، فقال عامر : يا محمد ، قم معي أكلمك . فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخليا إلى الجدار ، ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه ، وسل أربد السيف ، فلما وضع يده على السيف ، يبست يده على قائم السيف ، فلم يستطع سل السيف ، فأبطأ أربد على عامر بالضرب ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع ، فانصرف عنهما ، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحرة ، حرة واقم ، نزلا ، فخرج إليهما سعد بن [ ص: 281 ] معاذ وأسيد بن الحضير فقالا : اشخصا يا عدوي الله ، لعنكما الله . فقال عامر : من هذا يا سعد ؟ قال : أسيد بن حضير الكتائب . فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله ، عز وجل ، على أربد صاعقة فقتلته ، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم ، أرسل الله عليه قرحة فأخذته ، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول ، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول : غدة كغدة الجمل في بيت سلولية ! يرغب عن أن يموت في بيتها ، ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليها راجعا ، فأنزل الله فيهما الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد إلى قوله : وما لهم من دونه من وال قال : المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أربد وما قتله به فقال : ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء الآية . .

وفي هذا السياق دلالة على تقدم قصة عامر وأربد وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه . والله أعلم . وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسي رضي الله عنه ، [ ص: 282 ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وإسلامه ، وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ، ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه وبسطنا ذلك هنالك ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا ، كما صنع البيهقي وغيره =======================فصل ( في قدوم ضمام الأسدي ) .

وقد قدمنا ما رواه الإمام أحمد عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الأزدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، وإسلامه وإسلام قومه ، كما ذكرناه مبسوطا بما أغنى عن إعادته هاهنا ، ولله الحمد والمنة==================================قصة عدي بن حاتم الطائي .

قال البخاري في " الصحيح " : وفد طيئ وحديث عدي بن حاتم حدثنا [ ص: 290 ] موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن عدي بن حاتم قال : أتينا عمر بن الخطاب في وفد ، فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم ، فقلت : أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلى ، أسلمت إذ كفروا ، وأقبلت إذ أدبروا ، ووفيت إذ غدروا ، وعرفت إذ أنكروا . فقال عدي : لا أبالي إذا .

وقال ابن إسحاق : وأما عدي بن حاتم فكان يقول ، فيما بلغني : ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني ، أما أنا فكنت امرأ شريفا ، وكنت نصرانيا ، وكنت أسير في قومي بالمرباع ، وكنت في نفسي على دين ، وكنت ملكا في قومي ; لما كان يصنع بي ، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته ، فقلت لغلام كان لي عربي ، وكان راعيا لإبلي : لا أبا لك ، أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا ، فاحتبسها قريبا مني ، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ، ففعل ، ثم أنه أتاني ذات غداة فقال : يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد ، فاصنعه الآن ; فإني قد رأيت رايات ، فسألت عنها فقالوا : هذه جيوش محمد . قال : قلت : فقرب إلى أجمالي ، فقربها فاحتملت بأهلي وولدي ، ثم قلت : ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام . فسلكت الجوشية وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر ، فلما [ ص: 291 ] قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت ، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام . قال : فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد ، كانت السبايا تحبس بها ، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه ، وكانت امرأة جزلة فقالت : يا رسول الله ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامنن علي من الله عليك . قال : " ومن وافدك ؟ " قالت : عدي بن حاتم قال : " الفار من الله ورسوله ؟ " قالت : ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مر بي ، فقلت له مثل ذلك ، وقال لي مثل ما قال بالأمس . قالت : حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست ، فأشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلميه . قالت : فقمت إليه فقلت : يا رسول الله ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامنن علي من الله عليك . فقال صلى الله عليه وسلم : " قد فعلت ، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ، ثم آذنيني " . فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن كلميه فقيل لي : علي بن أبي طالب قالت : فأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة . قالت : وإنما أريد أن آتي أخي بالشام ، فجئت فقلت : يا رسول الله ، قد قدم رهط من قومي ، لي فيهم ثقة وبلاغ . قالت : فكساني وحملني ، وأعطاني نفقة ، فخرجت معهم حتى قدمت الشام . قال عدي : فوالله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا . قال : فقلت : ابنة حاتم ؟ [ ص: 292 ] قال : فإذا هي هي ، فلما وقفت علي انسحلت تقول : القاطع الظالم ، احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك ؟ قال : قلت : أي أخية لا تقولي إلا خيرا ، فوالله ما لي من عذر ، لقد صنعت ما ذكرت . قال : ثم نزلت فأقامت عندي ، فقلت لها وكانت امرأة حازمة : ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت : أرى والله أن تلحق به سريعا ، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله ، وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت . قال : قلت : والله إن هذا الرأي . قال : فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخلت عليه وهو في مسجده ، فسلمت عليه ، فقال : " من الرجل ؟ " فقلت : عدي بن حاتم . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق بي إلى بيته ، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته ، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها ، قال : قلت في نفسي : والله ما هذا بملك . قال : ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال : " اجلس على هذه " . قال : قلت : بل أنت فاجلس عليها . قال : " بل أنت " . فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض . قال : قلت في نفسي : والله ما هذا بأمر ملك . ثم قال : " إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا ؟ " قال : قلت : بلى . قال : " أولم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ " قال : قلت : بلى . قال : " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " . قال : قلت : أجل والله . قال : [ ص: 293 ] وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل . ثم قال : " لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم " . قال فأسلمت . قال : فكان عدي يقول : مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن ; وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وايم الله لتكونن الثالثة ; ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه . هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا إسناد ، وله شواهد من وجوه أخر .

فقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت سماك بن حرب سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال : جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب ، فأخذوا عمتي وناسا ، فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فصفوا له . قالت : يا رسول الله ، نأى الوافد [ ص: 294 ] وانقطع الولد ، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة ، فمن علي من الله عليك . فقال : " ومن وافدك ؟ " قالت : عدي بن حاتم قال : " الذي فر من الله ورسوله ؟ " قالت : فمن علي . فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي قال : سليه حملانا . قال فسألته فأمر لها . قال عدي : فأتتني فقالت : لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها . وقالت : ائته راغبا أو راهبا ، فقد أتاه فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه . قال : فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي ، فذكر قربهم منه ، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر . فقال له : " يا عدي بن حاتم ما أفرك ؟ أفرك أن يقال : لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله ؟ ! ما أفرك ؟ أفرك أن يقال : الله أكبر ؟ فهل شيء هو أكبر من الله عز وجل ؟ ! " فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال : " إن المغضوب عليهم اليهود ، وإن الضالين النصارى " . قال : ثم سألوه فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ امرؤ بصاع ، ببعض صاع ، بقبضة ، ببعض قبضة " - قال شعبة : وأكثر علمي أنه قال : " بتمرة ، بشق تمرة " - وإن أحدكم لاقي الله فقائل ما أقول : ألم أجعلك سميعا بصيرا ؟ ألم أجعل لك مالا وولدا ؟ فماذا قدمت ؟ فينظر من بين يديه ومن خلفه ، وعن [ ص: 295 ] يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا ، فما يتقي النار إلا بوجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن لم تجدوه فبكلمة لينة ، إني لا أخشى عليكم الفاقة ، لينصرنكم الله وليعطينكم أو ليفتحن عليكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب أو أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها " . وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس كلاهما عن سماك ثم قال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يزيد أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل ، قال : قلت لعدي بن حاتم : حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك . قال : نعم ، لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة ، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية : حتى قدمت على قيصر - قال : فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه . قال : قلت : والله لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبا لم يضرني ، وإن كان صادقا علمت . قال : فقدمت فأتيته ، فلما قدمت ، قال الناس : عدي بن حاتم عدي بن حاتم فدخلت على رسول [ ص: 296 ] الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : " يا عدي بن حاتم أسلم تسلم " ثلاثا . قال : قلت : إني على دين . قال : " أنا أعلم بدينك منك " . فقلت : أنت أعلم بديني مني ؟ ! قال : " نعم ، ألست من الركوسية ، وأنت تأكل مرباع قومك ؟ " قلت : بلى . قال : " هذا لا يحل لك في دينك " . قال : نعم . فلم يعد أن قالها فتواضعت لها . قال : " أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام ; تقول : إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له ، وقد رمتهم العرب . أتعرف الحيرة ؟ " قلت : لم أرها وقد سمعت بها . قال : " فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز " . قال : قلت : كسرى بن هرمز ؟ ! قال : " نعم كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد " . قال عدي بن حاتم فهذه الظعينة تخرج من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار ، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة ; لأن رسول الله قد قالها .

ثم قال أحمد : حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل - وقال حماد عن هشام عن محمد عن أبي عبيدة ولم يذكر : عن رجل ، [ ص: 297 ] قال : كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم ، وهو إلى جنبي ولا أسأله ، قال : فأتيته فسألته ، فقال : نعم . فذكر الحديث .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عمرو الأديب أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي أخبرني الحسن بن سفيان حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا النضر بن شميل ، أنبأنا إسرائيل أنبأنا سعد الطائي أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم قال : بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة ، وأتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل . قال : " يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة ؟ " قلت : لم أرها ، وقد أنبئت عنها . قال : " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عز وجل " . قال : قلت في نفسي : فأين دعار طيئ الذين سعروا البلاد ؟ " ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز " . قلت : كسرى بن هرمز ؟ ! قال : " كسرى بن هرمز " . " ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة ، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله [ ص: 298 ] منه ، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم ، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم " . قال عدي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن لم تجد شق تمرة ، فبكلمة طيبة " . قال عدي : فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت ، لا تخاف إلا الله ، عز وجل ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم . وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل به بطوله ، وقد رواه من وجه آخر ، عن سعدان بن بشر عن سعد أبي مجاهد الطائي عن محل بن خليفة عن عدي به ، ورواه الإمام أحمد والنسائي من حديث شعبة عن سعد أبى مجاهد الطائي به . وممن روى هذه القصة عن عدي عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه ، وقال : " لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها " .

وثبت في " صحيح البخاري " من حديث شعبة وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتقوا النار ولو بشق [ ص: 299 ] تمرة ولفظ مسلم : " من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل " .

طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم : وقد قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي ثنا ضرار بن صرد ثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال : قال علي بن أبي طالب يا سبحان الله ! ما أزهد كثيرا من الناس في خير ، عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا ، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا ، لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق ; فإنها تدل على سبل النجاح . فقام إليه رجل فقال : فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، وما هو خير منه ; لما أتي بسبايا طيئ وقفت جارية حمراء ، لعساء ، ذلفاء ، عيطاء ، شماء الأنف ، معتدلة القامة والهامة ، درماء الكعبين ، خدلة الساقين ، لفاء الفخذين ، خميصة الخصرين ، ضامرة الكشحين ، مصقولة المتنين . قال : فلما رأيتها أعجبت بها ، وقلت : لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في فيئي . فلما تكلمت أنسيت جمالها من فصاحتها . فقالت : يا محمد ، إن رأيت أن تخلي عنا ، ولا تشمت بنا أحياء العرب ، فإني ابنة سيد قومي ، وإن أبي كان يحمي الذمار ، [ ص: 300 ] ويفك العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ويقري الضيف ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ولم يرد طالب حاجة قط ، أنا ابنة حاتم طيئ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا ، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه ، خلوا عنها ; فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ، والله يحب مكارم الأخلاق " . فقام أبو بردة بن نيار فقال : يا رسول الله ، والله يحب مكارم الأخلاق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق " . هذا حديث حسن المتن ، غريب الإسناد جدا ، عزيز المخرج ، وقد ذكرنا ترجمة حاتم الطائي في أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها ، وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والإحسان ، إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالإيمان ، وهو ممن لم يقل يوما من الدهر : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ فجاء معه بسبايا ، فيهم أخت عدي بن حاتم ، وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم ، يقال لأحدهما : الرسوب ، والآخر المخذم . كان الحارث بن أبي شمر قد نذرهما لذلك الصنم .

قال البخاري رحمه الله : ==================================قدوم الأشعريين وأهل اليمن

وقال البخاري رحمه الله : ثم روى من حديث شعبة ، عن سليمان بن مهران الأعمش ، عن ذكوان أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاكم أهل اليمن ، هم أرق أفئدة ، وألين قلوبا ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل ، والسكينة والوقار في أهل الغنم " . ورواه مسلم من حديث شعبة .

ثم رواه البخاري ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاكم أهل اليمن ، أضعف قلوبا ، وأرق أفئدة ، الفقه يمان ، والحكمة يمانية " .

ثم روي ، عن إسماعيل ، عن سليمان ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الإيمان يمان ، والفتنة هاهنا ; هاهنا يطلع قرن الشيطان " . ورواه مسلم ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة .

[ ص: 303 ] ثم روى البخاري من حديث شعبة ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الإيمان هاهنا - وأشار بيده إلى اليمن - والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر " . وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو .

ثم روى من حديث سفيان الثوري ، عن أبي صخرة جامع بن شداد ، ثنا صفوان بن محرز ، عن عمران بن حصين قال : جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أبشروا يا بني تميم " . فقالوا : أما إذ بشرتنا فأعطنا . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء ناس من أهل اليمن فقال : " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " . فقالوا : قبلنا يا رسول الله . وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به .

وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن ، وليس فيه تعرض لوقت [ ص: 304 ] وفودهم . ووفد بني تميم ، وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الأشعريين ، بل الأشعريون متقدم وفدهم على هذا ، فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الأشعري في صحبة جعفر بن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة ، وذلك كله حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، كما قدمناه مبسوطا في موضعه ، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم " والله ما أدري بأيهما أسر ; أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر ؟ " . والله سبحانه وتعالى أعلم ====================================وفود فروة بن مسيك المرادي أحد ، رؤساء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وقدم فروة بن مسيك المرادي مفارقا لملوك كندة ، ومباعدا لهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الإسلام ، أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم ، وكان ذلك في يوم يقال له : الردم . وكان الذي قاد همدان إليهم الأجدع بن مالك . قال ابن هشام : ويقال : مالك بن خريم الهمداني . قال ابن إسحاق : فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم :


مررن على لفات وهن خوص ينازعن الأعنة ينتحينا     فإن نغلب فغلابون قدما
وإن نغلب فغير مغلبينا     وما إن طبنا جبن ولكن
منايانا وطعمة آخرينا     كذاك الدهر دولته سجال
تكر صروفه حينا فحينا [ ص: 307 ]     فبينا ما نسر به ونرضى
ولو لبست غضارته سنينا     إذ انقلبت به كرات دهر
فألفيت الأولى غبطوا طحينا     فمن يغبط بريب الدهر منهم
يجد ريب الزمان له خئونا     فلو خلد الملوك إذا خلدنا
ولو بقي الكرام إذا بقينا     فأفنى ذلكم سروات قومي
كما أفنى القرون الأولينا
قال ابن إسحاق : ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا ملوك كندة قال :


لما رأيت ملوك كندة أعرضت     كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمدا     أرجو فواضلها وحسن ثرائها
قال : فلما انتهى فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ، فيما بلغني : " يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم ؟ " فقال : يا رسول الله ، من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم ، لا يسوءه ذلك ؟! فقال له [ ص: 308 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا " . واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها ، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة ، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ====================================قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة

قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس في وفد كندة ، فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة ، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا ، عليهم جبب [ ص: 312 ] الحبرة قد كففوها بالحرير ، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " ألم تسلموا ؟ " قالوا : بلى . قال : " فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ " قال : فشقوه منها فألقوه ، ثم قال له الأشعث بن قيس : يا رسول الله ، نحن بنو آكل المرار ، وأنت ابن آكل المرار . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث " . وكانا تاجرين ، إذا شاعا في العرب فسئلا : ممن أنتما ؟ قالا : نحن بنو آكل المرار . يعني ينتسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد ; لأن كندة كانوا ملوكا ، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة : نحن بنو آكل المرار . وهو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندي . ويقال : ابن كندة . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم : " لا ، نحن بنو النضر بن كنانة ، لا نقفوا أمنا ، ولا ننتفي من أبينا " . فقال لهم الأشعث بن قيس : والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين .

وقد روي هذا الحديث متصلا من وجه آخر ، فقال الإمام أحمد : حدثنا [ ص: 313 ] بهز وعفان قالا : حدثنا حماد بن سلمة حدثني عقيل بن طلحة - وقال عفان في حديثه : أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي - عن مسلم بن هيصم ، عن الأشعث بن قيس أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة - قال عفان : لا يروني أفضلهم - قال : قلت : يا رسول الله ، إنا نزعم أنكم منا . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا " . قال : قال الأشعث : فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد . وقد رواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون وعن محمد بن يحيى ، عن سليمان بن حرب ، وعن هارون بن حيان ، عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم ، عن حماد بن سلمة به نحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أنبأنا مجالد ، عن الشعبي ، حدثنا الأشعث بن قيس قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لي : " هل لك من ولد ؟ " قلت : غلام ولد [ ص: 314 ] لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ، ولوددت أن مكانه شبع القوم . قال : " لا تقولن ; ذلك فإن فيهم قرة عين ، وأجرا إذا قبضوا ثم ، ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة ، إنهم لمجبنة محزنة " تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الإسناد ====================================قدوم صرد بن عبد الله الأزدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم

قال ابن إسحاق : وقدم صرد بن عبد الله الأزدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من الأزد ، فأسلم وحسن إسلامه ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه ، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن ، فذهب فحاصر جرش وبها قبائل من اليمن ، وقد ضوت إليهم خثعم حين سمعوا بمسيره إليهم ، فأقام عليهم قريبا من شهر ، فامتنعوا فيها منه ، ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل يقال له : شكر . فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما ، فخرجوا في طلبه ، فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا ، وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فبينما هم عنده بعد العصر إذ قال : " بأي بلاد الله شكر ؟ " فقام الجرشيان ، فقالا : يا رسول الله ، ببلادنا جبل يقال له : كشر ، وكذلك يسميه أهل جرش . فقال : " إنه ليس بكشر ، ولكنه شكر " . قالا : فما شأنه يا رسول الله ؟ فقال : " إن بدن الله لتنحر عنده الآن " . قال : فجلس الرجلان إلى أبي بكر ، أو إلى عثمان ، فقال لهما : ويحكما! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن لينعى لكما قومكما ، فقوما إليه ، فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما . فقاما إليه فسألاه ذلك فقال : " اللهم ارفع عنهم " . فرجعا ، فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلموا وحسن إسلامهم ، وحمى لهم حول قريتهم .===================================قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو قطن ، حدثني يونس ، عن المغيرة بن شبل قال : وقال جرير : لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ، ثم حللت عيبتي ، ثم لبست حلتي ، ثم دخلت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي : يا عبد الله ، ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، ذكرك بأحسن الذكر . فبينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته ، وقال : " يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن إلا أن على وجهه مسحة ملك " . قال جرير : فحمدت الله ، عز وجل ، على ما أبلاني : وقال أبو قطن : فقلت له : سمعته منه ؟ أو : سمعته من المغيرة بن شبل ؟ قال : نعم . ثم رواه الإمام أحمد ، عن أبي نعيم وإسحاق بن يوسف ، وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبي إسحاق السبيعي ، [ ص: 325 ] عن المغيرة بن شبل - ويقال : ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي ، عن جرير بن عبد الله ، وليس له عنه غيره .

وقد رواه النسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن حازم ، عن جرير بقصته : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " . الحديث وهذا على شرط " الصحيحين " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير قال : ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم عنه . وفي " الصحيحين " زيادة : وشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لا أثبت على الخيل ، فضرب بيده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا " .

ورواه النسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل ، عن قيس عنه [ ص: 326 ] وزاد فيه : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " . فذكر نحو ما تقدم .

قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك ، حدثنا الحسن بن سلام السواق ، حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني ، حدثنا حصين بن عمر الأحمسي ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا جرير ، لأي شيء جئت ؟ " قلت : أسلم على يديك يا رسول الله . قال : فألقى علي كساء ، ثم أقبل على أصحابه فقال : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " . ثم قال : " يا جرير ، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وتصلي الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة " . ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي . هذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بايعت [ ص: 327 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد به ، وهو في " الصحيحين " من حديث زياد بن علاقة ، عن جرير به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا زائدة ، ثنا عاصم ، عن شقيق - يعني أبا وائل - ، عن جرير قال : قلت : يا رسول الله ، اشترط علي فأنت أعلم بالشرط . قال : " أبايعك على أن تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتنصح المسلم ، وتبرأ من المشرك " . ورواه النسائي من حديث شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن جرير . وفي طريق أخرى ، عن الأعمش وعن منصور ، عن أبي وائل ، عن أبي نخيلة ، عن جرير به . فالله أعلم .

ورواه أيضا ، عن محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن أبي [ ص: 328 ] وائل ، والشعبي ، عن جرير به . ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة ، رواه أحمد منفردا به . وابنه عبيد الله بن جرير ، رواه أحمد أيضا منفردا به . وأبو جميلة وصوابه أبو نخيلة ، ورواه أحمد أيضا والنسائي . ورواه أحمد أيضا ، عن غندر ، عن شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن رجل ، عن جرير ، فذكره ، والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي . والله أعلم .

وقد ذكرنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم له حين أسلم إلى ذي الخلصة - بيت كان يعبده خثعم وبجيلة ، وكان يقال له : الكعبة اليمانية . يضاهون به الكعبة التي بمكة ، ويقولون للتي ببكة : الكعبة الشامية . ولبيتهم : الكعبة اليمانية . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تريحني من ذي الخلصة ؟ " . فحينئذ شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل ، فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال : " اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا " . فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ، ونفر إلى [ ص: 329 ] ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس ، فخرب ذلك البيت ، وحرقه حتى تركه مثل الجمل الأجرب ، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا يقال له : أبو أرطاة . فبشره بذلك ، فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . والحديث مبسوط في " الصحيحين " وغيرهما ، كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن الوليد ، رضي الله عنه .

والظاهر أن إسلام جرير رضي الله عنه كان متأخرا عن الفتح بمقدار جيد ، فإن الإمام أحمد قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة ، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت . تفرد به أحمد ، وهو إسناد جيد ، اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه .

وثبت في " الصحيحين " أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف ; لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة ، [ ص: 330 ] وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " استنصت الناس يا جرير " . وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيا ، وكان ذا شكل عظيم ، كانت نعله طولها ذراع ، وكان من أحسن الناس وجها ، وكان مع هذا من أغض الناس طرفا ، ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال : " أطرق بصرك ===================================وفادة لقيط بن عامر المنتفق أبي رزين العقيلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال عبد الله بن الإمام أحمد : كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري : كتبت إليك بهذا الحديث ، وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك ، فحدث بذلك عني . قال : حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي ، قال : حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف ، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي ، عن أبيه ، عن عمه لقيط بن عامر ، قال دلهم : وحدثنيه أبي الأسود ، عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه صاحب له يقال له : نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق . قال لقيط : فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 333 ] انسلاخ رجب ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة ، فقام في الناس خطيبا ، فقال : " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ، ألا لأسمعنكم ، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا : اعلم لنا ما يقول رسول الله ؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه ، أو حديث صاحبه ، أو يلهيه الضلال ، ألا إني مسئول ، هل بلغت ، ألا اسمعوا تعيشوا ، ألا اجلسوا ، ألا اجلسوا " . قال : فجلس الناس ، وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت : يا رسول الله ، ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك ، لعمر الله وهز رأسه ، وعلم أني أبتغي لسقطه ، فقال : " ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب ، لا يعلمها إلا الله " . وأشار بيده قلت : وما هي ؟ قال : " علم المنية ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه ، وعلم المني حين يكون في الرحم ، قد علمه ولا تعلمون ، وعلم ما في غد ، وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه ، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين ، فيظل يضحك ، قد علم أن غيركم إلى قريب " . قال لقيط : قلت : لن نعدم من رب يضحك خيرا . " وعلم يوم الساعة " . قلت : يا رسول الله ، علمنا مما تعلم الناس ، وما تعلم ، فأنا من قبيل [ ص: 334 ] لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربوا علينا ، وخثعم التي توالينا ، وعشيرتنا التي نحن منها . قال : " تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة ، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات ، والملائكة الذين مع ربك ، عز وجل ، فأصبح ربك ، عز وجل ، يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد ، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من عند رأسه فيستوي جالسا ، فيقول ربك عز وجل مهيم ؟ - لما كان فيه - فيقول : يا رب أمس اليوم . فلعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله " . قلت : يا رسول الله ، كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع ؟ فقال : " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت : لا تحيا أبدا . ثم أرسل ربك عليها السماء ، [ ص: 335 ] فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة ، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض ، فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم ، فتنظرون إليه وينظر إليكم " . قال : قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء الأرض وهو عز وجل شخص واحد ، ينظر إلينا وننظر إليه ؟! فقال : " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ، لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما " . قلت : يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه ؟ قال : " تعرضون عليه بادية له [ ص: 336 ] صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية ، فيأخذ ربك ، عز وجل ، بيده غرفة من الماء فينضح قبيلكم بها ، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه أحدكم منها قطرة ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء ، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود ، ألا ثم ينصرف نبيكم ، وينصرف على أثره الصالحون ، فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر فيقول : حس . فيقول ربك عز وجل : أو أنه ، فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ والله ناهلة عليها ، ما رأيتها ، قط فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى ، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا " . [ ص: 337 ] قال : قلت : يا رسول الله فبم نبصر ؟ قال : " بمثل بصرك ساعتك هذه ، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض وواجهته الجبال " . قال : قلت : يا رسول الله ، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا ؟ قال : " الحسنة بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو " . قال : قلت : يا رسول الله ، إما الجنة وإما النار ؟ قال : " لعمر إلهك ، إن للنار لسبعة أبواب ، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما ، وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما " . قلت : يا رسول الله ، فعلام نطلع من الجنة ؟ قال : " على أنهار من عسل مصفى ، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وماء غير آسن ، وفاكهة ، لعمر إلهك ما تعلمون ، وخير من مثله معه ، وأزواج مطهرة " . قلت : يا رسول الله ولنا فيها أزواج ؟ أو منهن مصلحات ؟ قال : " الصالحات للصالحين ، تلذون بهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذن بكم ، غير أن لا توالد " . قال لقيط : فقلت : أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه ؟ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : يا رسول الله ، علام أبايعك ؟ قال : فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده ، وقال : " على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وزيال المشرك ، وأن لا تشرك بالله إلها غيره " . قال : قلت : وإن لنا ما بين المشرق والمغرب ؟ فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه . قال : قلت : نحل منها حيث شئنا ولا يجني امرؤ إلا على نفسه . فبسط يده وقال : " ذلك لك ، تحل حيث شئت ولا تجني عليك إلا نفسك " . قال : فانصرفنا عنه ثم قال : " إن هذين من أتقى الناس - لعمر إلهك - في الأولى والآخرة " . فقال له كعب بن الخدارية أحد بني بكر بن كلاب : من هم يا رسول الله ؟ قال : بنو المنتفق أهل ذلك . قال : فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت : يا رسول الله ، هل لأحد ممن مضى خير في جاهليتهم ؟ قال : فقال رجل من عرض قريش : والله إن أباك المنتفق لفي النار . قال : فلكأنه وقع حر بين جلدي ووجهي ولحمي ; مما قال لأبي على رءوس الناس ، فهممت أن أقول : وأبوك يا [ ص: 339 ] رسول الله ؟ ثم إذا الأخرى أجمل ، فقلت : يا رسول الله ؟ وأهلك ؟ قال : " وأهلي لعمر الله ، ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك ، فقل : أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك ; تجر على وجهك وبطنك في النار " . قال : قلت : يا رسول الله ، ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه ، وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون ؟ قال : " ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم - يعني نبيا - فمن عصى نبيه كان من الضالين ، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين " . هذا حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة وقد أخرجه البيهقي في كتاب " البعث والنشور " ، وعبد الحق الإشبيلي في " العاقبة " ، والقرطبي في كتاب " التذكرة في أحوال الآخرة " وسيأتي في كتاب " البعث والنشور " إن شاء الله تعالى=================================وفادة الحارث بن حسان البكري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي ، حدثنا عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل ، عن الحارث البكري قال : خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررت بالربذة ، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها ، فقالت : يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة ، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها ، فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله ، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها . قال : فجلست فدخل منزله - أو قال : رحله - فاستأذنت عليه فأذن لي ، فدخلت فسلمت ، فقال : " هل كان بينكم وبين تميم شيء ؟ " قلت : نعم ، وكانت الدائرة عليهم ، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها ، فسألتني أن أحملها إليك ، وهاهي بالباب . فأذن لها فدخلت ، فقلت : يا رسول الله ، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء . [ ص: 344 ] فحميت العجوز واستوفزت ، وقالت : يا رسول الله ، أين يضطر مضرك ؟ قال : قلت : إنما مثلي ما قال الأول : معزى حملت حتفها . حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما ، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد . قال : " هيه ، وما وافد عاد ؟ " وهو أعلم بالحديث منه ، ولكن يستطعمه . قلت : إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له : قيل . فمر بمعاوية بن بكر ، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر ، وتغنيه جاريتان يقال لهما : الجرادتان . فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ، ولا إلى أسير فأفاديه ، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه . فمرت به سحابات سود فنودي منها : اختر . فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها : خذها رمادا رمددا ، لا تبقي من عاد أحدا . قال : فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح ، إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا ، حتى هلكوا . قال أبو وائل [ ص: 345 ] وصدق . قال : وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا : لا تكن كوافد عاد . وقد رواه الترمذي ، والنسائي من حديث أبي المنذر سلام بن سليمان به . ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن الحارث البكري ، ولم يذكر أبا وائل ، وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن الحارث ، والصواب : عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن الحارث كما تقدم ==========قدوم طارق بن عبد الله وأصحابه

روى الحافظ البيهقي من طريق أبي خباب الكلبي ، عن جامع بن شداد المحاربي ، حدثني رجل من قومي يقال له : طارق بن عبد الله . قال : إني لقائم بسوق ذي المجاز ، إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول : " يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا " . ورجل يتبعه يرميه بالحجارة ، يقول : يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه . فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله . قال : قلت : من هذا الذي يفعل به هذا ؟ قالوا : هذا عمه عبد العزى . قال فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة [ ص: 347 ] نمتار من تمرها ، فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت : لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه ، إذا رجل في طمرين فسلم علينا وقال : " من أين أقبل القوم ؟ " قلنا : من الربذة . قال : " وأين تريدون ؟ " قلنا : نريد هذه المدينة . قال : " ما حاجتكم منها ؟ " قلنا : نمتار من تمرها . قال : ومعنا ظعينة لنا ومعها جمل أحمر مخطوم فقال : " أتبيعون جملكم هذا ؟ " قلنا : نعم ، بكذا وكذا صاعا من تمر . قال : فما استوضعنا مما قلنا شيئا ، وأخذ بخطام الجمل فانطلق ، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا : ما صنعنا ؟! والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ، ولا أخذنا له ثمنا . قال : تقول المرأة التي معنا : والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر ، أنا ضامنة لثمن جملكم . إذ أقبل رجل فقال : أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ، هذا تمركم ، فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا . فأكلنا حتى شبعنا ، واكتلنا واستوفينا ، ثم دخلنا المدينة ، فدخلنا المسجد ، فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس ، فأدركنا من خطبته وهو يقول : " تصدقوا فإن الصدقة خير لكم ، اليد العليا خير من اليد السفلى ، أمك وأباك ، وأختك وأخاك ، وأدناك أدناك " . إذ أقبل رجل من بني يربوع - أو قال : رجل من الأنصار - فقال : يا رسول الله ، لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية . فقال : " إن أبا لا يجني على ولد " . ثلاث مرات . وقد روى النسائي فضل الصدقة منه ، عن يوسف بن عيسى ، عن الفضل بن موسى ، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن [ ص: 348 ] جامع بن شداد ، عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه . ورواه الحافظ البيهقي أيضا ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن يزيد بن زياد ، عن جامع ، عن طارق بطوله ، كما تقدم ، وقال فيه : فقالت الظعينة : لا تلاوموا ، فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر ، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه .================================قدوم تميم الداري على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإخباره إياه بأمر الجساسة وما سمع من الدجال في خروج النبي صلى الله عليه وسلم وإيمان من آمن به

[ قال البيهقي ] : أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور ، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حبيب ، أنبأنا يحيى بن أبي طالب ، ( ح ) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا : أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان ، حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير ، أنبأنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس قالت : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الداري ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ركب البحر ، فتاهت به سفينته ، فسقطوا إلى جزيرة ، فخرجوا إليها يلتمسون الماء ، فلقي إنسانا يجر شعره ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا الجساسة . قالوا : فأخبرنا . قال : لا أخبركم ، ولكن عليكم بهذه الجزيرة . فدخلناها فإذا رجل مقيد فقال : من أنتم ؟ قلنا : ناس من العرب . قال : ما فعل هذا النبي [ ص: 351 ] الذي خرج فيكم ؟ قلنا : قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه . قال : ذلك خير لهم . قال : أفلا تخبروني عن عين زغر ما فعلت ؟ فأخبرناه عنها فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار ، ثم قال : ما فعل نخل بيسان ؟ هل أطعم بعد ؟ فأخبرناه أنه قد أطعم ، فوثب مثلها ، ثم قال : أما لو قد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة . قالت : فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدث الناس ، فقال : " هذه طيبة ، وذاك الدجال " . وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من طرق ، عن عامر بن شراحيل الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس ، وقد أورد له الإمام أحمد شاهدا من رواية أبي هريرة وعائشة أم المؤمنين ، وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب " الفتن " . وذكر الواقدي وفد الداريين من لخم ، وكانوا عشرة .=======وفد بني عبس

ذكر الواقدي أنهم كانوا تسعة نفر ، وسماهم الواقدي ، فقال لهم النبي [ ص: 353 ] صلى الله عليه وسلم : " أنا عاشركم " . وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء ، وجعل شعارهم : يا عشرة . وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن خالد بن سنان العبسي الذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية ، فذكروا أنه لا عقب له ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام ، وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح . والله أعلم .
====================وفد بني مرة

ذكر الواقدي : أنهم قدموا سنة تسع مرجعه من تبوك ، وكانوا ثلاثة عشر رجلا ، رأسهم الحارث بن عوف ، فأجازهم عليه الصلاة والسلام بعشر أواق من فضة ، وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشرة أوقية ، وذكروا أن بلادهم مجدبة فدعا لهم فقال : " اللهم اسقهم الغيث " . فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم========================وفد بني محارب

قال الواقدي : حدثني محمد بن صالح ، عن أبي وجزة السعدي قال : قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع ، وهم عشرة نفر فيهم ، سواء بن الحارث ، وابنه خزيمة بن سواء ، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث ، وكان بلال يأتيهم [ ص: 356 ] بغداء وعشاء ، فأسلموا ، وقالوا : نحن على من وراءنا . ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، وكان في الوفد رجل منهم ، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذه القلوب بيد الله عز وجل " . ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه خزيمة بن سواء فصارت له غرة بيضاء ، وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا إلى بلادهم============================وفد بني رؤاس بن كلاب

ثم ذكر الواقدي أن رجلا يقال له : عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة . قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، ثم رجع إلى قومه ، فدعاهم إلى الله ، فقالوا : حتى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا . فذكر مقتلة كانت بينهم ، وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بني عقيل . قال : فشددت يدي في غل ، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغه ما صنعت ، فقال : " لئن أتاني لأضرب ما فوق الغل من يده " . فلما جئت سلمت فلم يرد علي السلام وأعرض عني ، فأتيته عن يمينه فأعرض عني ، فأتيته عن يساره فأعرض عني ، فأتيته من قبل وجهه فقلت : يا رسول الله إن الرب عز وجل ليترضى فيرضى ، فارض عني ، رضي الله عنك . قال : " قد رضيت " .===================وفد بني قشير بن كعب

وذلك قبل حجة الوداع ، وقبل حنين فذكر فيهم قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير ، فأسلم ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكساه بردا ، وأمره أن يلي صدقات قومه ، فقال قرة حين رجع :


حباها رسول الله إذ نزلت به وأمكنها من نائل غير منفد     فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة
وقد أنجحت حاجاتها من محمد     عليها فتى لا يردف الذم رحله
تروك لأمر العاجز المتردد =========وفد كنانة

روى الواقدي بأسانيده أن واثلة بن الأسقع الليثي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك ، فصلى معه الصبح ، ثم رجع إلى قومه ، فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبوه : والله لا أكلمك أبدا . وسمعت أخته كلامه فأسلمت ، وجهزته حتى سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة ، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد إلى أكيدر دومة ، فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهمه من الغنيمة ، فقال له كعب : إنما حملتك لله عز وجل ====وفد باهلة

قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن بعد الفتح فأسلم ، وأخذ لقومه أمانا ، وكتب له كتابا فيه الفرائض وشرائع الإسلام ، كتبه عثمان بن عفان ، رضي الله عنه =============وفد بني هلال بن عامر

ذكر في وفدهم عبد عوف بن أصرم ، فأسلم وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ، وقبيصة بن مخارق ، الذي له حديث في الصدقات ، وذكر في وفد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر ، فلما دخل المدينة تيمم منزل خالته ميمونة بنت [ ص: 363 ] الحارث ، فدخل عليها فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله ، رآه فغضب ، ورجع فقالت : يا رسول الله ، إنه ابن أختي . فدخل ، ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد ، فصلى الظهر ، ثم أدنى زيادا فدعا له ، ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه ، فكانت بنو هلال تقول : ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد . وقال الشاعر لعلي بن زياد :


يا ابن الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير عند المسجد     أعني زيادا لا أريد سواءه
من غائر أو متهم أو منجد     ما زال ذاك النور في عرنينه
حتى تبوأ بيته في ملحد ===================وفد بني تغلب

ذكر الواقدي أنهم كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ، ونصارى عليهم صلب الذهب ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم النصارى على أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية ، وأجاز المسلمين منهم==============================فصل في قدوم الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو نعيم في كتاب " معرفة الصحابة " ، والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني قال : حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال : حدثني أبي ، عن جدي سويد بن الحارث قال : وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخلنا عليه وكلمناه ، فأعجبه ، ما رأى من سمتنا وزينا فقال : " ما أنتم ؟ " قلنا : مؤمنون . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " إن لكل قول حقيقة ، فما حقيقة قولكم وإيمانكم ؟ " . قال سويد : قلنا : خمس عشرة خصلة ; خمس منها ، أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها ، وخمس أمرتنا أن نعمل بها ، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية ، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها ؟ " قلنا : أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت . قال : " وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها ؟ " . [ ص: 371 ] قلنا : أمرتنا أن نقول : لا إله إلا الله ، ونقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، ونصوم رمضان ، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا . فقال : " وما الخمسة التي تخلقتم بها في الجاهلية ؟ " . قالوا : الشكر عند الرخاء ، والصبر عند البلاء ، والرضا بمر القضاء ، والصدق في مواطن اللقاء ، وترك الشماتة بالأعداء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء " . ثم قال : " وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة ; إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون ، ولا تبنوا ما لا تسكنون ، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا زائلون ، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون ، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون " فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا به

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق