أخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم
حديث بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا
ذكر كرمه صلى الله عليه وسلم
تواضعه صلى الله عليه وسلم
ذكر مزاحه عليه الصلاة والسلام
باب زهده عليه الصلاة والسلام وإعراضه عن الدنيا
فصل في عبادته عليه الصلاة والسلام واجتهاده في ذلك
فصل في شجاعته صلى الله عليه وسلم
فصل فيما يذكر من صفاته عليه الصلاة والسلام في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
==باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم
قد قدمنا طيب أصله ومحتده ، وطهارة نسبه ومولده ، وقد قال الله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالاته [ الأنعام : 124 ] .
وقال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه .
وفي " صحيح مسلم " عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم . .
وقال الله تعالى : ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : 1 - 4 ] قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم أي ؛ وإنك لعلى دين عظيم ، وهو الإسلام . وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وقال عطية : [ ص: 456 ] لعلى أدب عظيم . وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام قال : سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فقلت : أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : أما تقرأ القرآن ؟ قلت بلى . فقالت : كان خلقه القرآن .
وقد روى الإمام أحمد ، عن إسماعيل بن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري قال : سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن .
وروى الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، والنسائي من حديثه ، و ابن جرير من حديث ابن وهب ، كلاهما عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة ، فسألتها ، عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن . ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام ، مهما أمره به القرآن امتثله ، ومهما نهاه عنه تركه ، هذا مع ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أكمل منها ، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله ، وهو مع ذلك خاتم النبيين ، فلا رسول بعده ولا نبي ، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه .
[ ص: 457 ] وقال يعقوب بن سفيان : ثنا سليمان بن عبد الرحمن ، ثنا الحسن بن يحيى ، ثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء قال : سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن ؛ يرضى لرضاه ويسخط لسخطه .
وقال البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى ، أنا قيس بن أنيف ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران ، عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : يا أم المؤمنين ، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن . ثم قالت : أتقرأ سورة " المؤمنين " ؟ اقرأ : قد أفلح المؤمنون إلى العشر . قالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا رواه النسائي عن قتيبة .
وروى البخاري من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس .
[ ص: 458 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا سعيد بن منصور ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق تفرد به أحمد . ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه ، فقال : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .
وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها ، وأحسن الناس خلقا .
وقال مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها : قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك .
وروى مسلم عن أبي كريب ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لا عبدا ولا امرأة ولا خادما ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه ، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل .
[ ص: 459 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ، ولا امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا خير بين أمرين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما ، حتى يكون إثما ، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم ، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله ، فيكون هو ينتقم لله عز وجل .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول : سمعت عائشة ، رضي الله عنها ، وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، ولا سخابا في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . أو قالت : يعفو ويغفر . شك أبو داود . ورواه الترمذي من حديث شعبة ، وقال : حسن صحيح .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا آدم وعاصم بن علي ، قالا : ثنا ابن أبي ذئب ، ثنا صالح مولى التوأمة قال : كان أبو هريرة رضي الله عنه ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان يقبل جميعا ويدبر جميعا ، بأبي وأمي لم يكن فاحشا ، ولا متفحشا ، ولا سخابا في الأسواق . زاد آدم : ولم أر مثله قبله ، ولن أرى بعده .
[ ص: 460 ] وقال البخاري : ثنا عبدان عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عبد الله بن عمرو قال : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ورواه مسلم من حديث الأعمش به .
وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن : يا أيها النبي ، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . وقد روي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار .
وقال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عبد الله بن أبي عتبة ، عن أبي سعيد قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها . حدثنا ابن بشار ، ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا شعبة مثله ، وإذا [ ص: 461 ] كره شيئا عرف ذلك في وجهه . ورواه مسلم من حديث شعبة .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو عامر ، ثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن أنس بن مالك قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لعانا ولا فاحشا ، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة : ما له تربت جبينه ؟ ورواه البخاري عن محمد بن سنان ، عن فليح .
وفي " الصحيحين " - واللفظ لمسلم - من حديث حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ، وكان أجود الناس ، وكان أشجع الناس ، ولقد فزع أهلالمدينة ذات ليلة ، فانطلق ناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري ، في عنقه السيف ، وهو يقول لم تراعوا ، لم تراعوا قال : وجدناه بحرا أو : إنه لبحر قال : وكان فرسا يبطأ .
ثم قال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له : مندوب . فركبه فقال : ما رأينا من فزع ، وإن وجدناه لبحرا وقال علي رضي الله عنه : كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم .
[ ص: 462 ] وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي بن أبي طالب قال : لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشد الناس بأسا . رواه أحمد والبيهقي . وتقدم في غزوة هوازن أنه عليه الصلاة والسلام ، لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته ، وهو ينوه باسمه الشريف يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء ، وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام ، صلوات الله وسلامه عليه .
وفي " صحيح مسلم " من حديث إسماعيل بن علية ، عن عبد العزيز ، عن أنس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي ، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أنسا غلام كيس فليخدمك . قال : فخدمته في السفر والحضر ، والله ما قال لي لشيء صنعته : لم صنعت هذا هكذا ؟ ولا لشيء لم أصنعه : لم لم تصنع هذا هكذا ؟
وله من حديث سعيد بن أبي بردة ، عن أنس قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، فما أعلمه قال لي قط : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط .
[ ص: 463 ] وله من حديث عكرمة بن عمار ، عن إسحاق ، قال أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ، فأرسلني يوما لحاجة فقلت : والله لا أذهب . وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي . قال : فنظرت إليه وهو يضحك ، فقال : يا أنيس ، ذهبت حيث أمرتك ؟ فقلت : نعم ، أنا أذهب يا رسول الله . قال أنس : والله لقد خدمته تسع سنين ، ما علمته قال لشيء صنعته : لم صنعت كذا وكذا ؟ أو لشيء تركته : هلا فعلت كذا وكذا .
وقال الإمام أحمد : ثنا كثير بن هشام ، ثنا جعفر ، ثنا عمران القصير ، عن أنس بن مالك قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني ، وإن لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدر - أو قال : قضى - أن يكون كان ثم رواه أحمد ، عن علي بن ثابت ، عن جعفر هو ابن برقان ، عن عمران البصري ، وهو القصير ، عن أنس ، فذكره ، تفرد به الإمام أحمد .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا أبي ، ثنا أبو التياح ، ثنا أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير . قال : أحسبه قال فطيما . قال : فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال : [ ص: 464 ] أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ قال : نغر كان يلعب به . قال فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا ، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثم ينضح ، ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقوم خلفه يصلي بنا . قال : وكان بساطهم من جريد النخل . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود ، من طرق ، عن أبي التياح يزيد بن حميد ، عن أنس بنحوه .
وثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا سلم العلوي ، سمعت أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل صفرة - أو قال : أثر صفرة - فكرهها . قال : فلما قام قال : لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة قال : وكان لا يكاد يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه . وقد رواه أبو داود ، والترمذي في " الشمائل " ، والنسائي في " اليوم والليلة " من [ ص: 465 ] حديث حماد بن زيد ، عن سلم بن قيس العلوي البصري . قال أبو داود : وليس من ولد علي بن أبي طالب ، وكان يبصر في النجوم ، وقد شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال ، فلم يجز شهادته .
وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا عبد الحميد الحماني ، ثنا الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل : ما بال فلان يقول . ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا .
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر .
وقال مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد ، مر لي من مال الله الذي عندك . قال : فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، ثم أمر [ ص: 466 ] له بعطاء . أخرجاه من حديث مالك .
وقال الإمام أحمد : ثنا زيد بن الحباب ، أخبرني محمد بن هلال القرشي ، عن أبيه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فلما قام قمنا معه ، فجاء أعرابي فقال : أعطني يا محمد . فقال : " لا ، وأستغفر الله " . فجذبه بحجزته فخدشه . قال : فهموا به . فقال : " دعوه " . قال : ثم أعطاه . قال : وكانت يمينه : " لا ، وأستغفر الله " . وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق ، عن محمد بن هلال بن أبي هلال المدني مولى بني كعب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بنحوه .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن الأعمش ، عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال : كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتمنه ، وأنه عقد له عقدا فألقاه في بئر ، فصرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه ملكان يعودانه ، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا ، وهي في بئر بني فلان ، ولقد اصفر الماء من شدة عقده ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرج [ ص: 467 ] العقد ، فوجد الماء قد اصفر ، فحل العقد ، ونام النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فما رأيته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات . ورواه الطبراني من طريق علي بن المديني ، عن جرير عن الأعمش به ، وقال : فلم يعاتبه . قلت : والمشهور في الصحيح أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر تحت رعوفة بئر ذي أروان ، وأن الحال استمر نحوا من ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين ، ويقال إن آياتهما إحدى عشرة آية ، وإن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة . وقد بسطنا ذلك في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية . والله أعلم .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو نعيم ، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي ، ثنا زيد العمي ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ، وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه ، ولم ير [ ص: 468 ] مقدما ركبتيه بين يدي جليس له . ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث عمران بن زيد التغلبي أبي يحيى الطويل الكوفي ، عن زيد بن الحواري العمي ، عن أنس به .
وقال أبو داود : ثنا أحمد بن منيع ، ثنا أبو قطن ، ثنا مبارك بن فضالة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده . تفرد به أبو داود .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا : ثنا شعبة - قال ابن جعفر في حديثه : قال - سمعت علي بن زيد قال : قال أنس بن مالك إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت . ورواه ابن ماجه من حديث شعبة .
وقال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا حميد ، عن أنس بن مالك قال : إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنطلق به في حاجتها . [ ص: 469 ] وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من " صحيحه " معلقا ، فقال : وقال محمد بن عيسى - هو ابن الطباع - : ثنا هشيم . فذكره .
وقال الطبراني : ثنا أبو شعيب الحراني ، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ، ثنا أيوب بن نهيك ، سمعت عطاء بن أبي رباح ، سمعت ابن عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى صاحب بز ، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم ، فخرج وهو عليه ، فإذا رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله اكسني قميصا ، كساك الله من ثياب الجنة . فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت ، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم ، وبقي معه درهمان فإذا هو بجارية في الطريق تبكي فقال : " ما يبكيك ؟ " فقالت : يا رسول الله ، دفع إلي أهلي درهمين أشتري بهما دقيقا فهلكا . فدفع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرهمين الباقيين ، ثم انقلبت وهي تبكي ، فدعاها فقال " ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين ؟ " فقالت : أخاف أن يضربوني . فمشى معها إلى أهلها ، فسلم ، فعرفوا صوته ، ثم عاد فسلم ، ثم عاد فسلم ، ثم عاد فثلث فردوا ، فقال : " أسمعتم أول السلام ؟ " قالوا : نعم ، ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام ، فما أشخصك بأبينا وأمنا ؟ فقال : " أشفقت هذه الجارية أن تضربوها " . فقال صاحبها : فهي حرة لوجه الله ؛ لممشاك معها . فبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير والجنة ، ثم قال : " لقد بارك الله في العشرة ؛ كسا الله نبيه قميصا ، ورجلا من الأنصار قميصا ، [ ص: 470 ] وأعتق الله منها رقبة ، وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته " هكذا رواه الطبراني ، وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي ، وقد ضعفه أبو حاتم ، وقال أبو زرعة منكر الحديث . وقال الأزدي : متروك .
وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت : يا رسول الله ، إن لي حاجة . فقال : " يا أم فلان انظري أي الطرق شئت ؟ " فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة
وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط ، إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه . وقال الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، عن جابر قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فذبحنا له شاة فقال : كأنهم علموا أنا نحب اللحم وذكر الحديث .
وقال محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس [ ص: 471 ] يتحدث ، كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء . وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من " سننه " من حديث محمد بن إسحاق به .
وقال أبو داود : حدثنا سلمة بن شبيب ، ثنا عبد الله بن إبراهيم ، ثنا إسحاق بن محمد الأنصاري ، عن ربيح بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيده . ورواه البزار في " مسنده " ، ولفظه : كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه .
ثم قال أبو داود : ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا : ثنا عبد الله بن حسان العنبري ، حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة - قال موسى : ابنة حرملة . وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة ، وكانت جدة أبيهما - أنها أخبرتهما أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قاعد القرفصاء . قالت : فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق . ورواه الترمذي في " الشمائل " ، وفي " الجامع " ، عن عبد بن حميد ، عن عفان بن مسلم ، عن عبد الله بن حسان به . وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في " معجمه الكبير " .
[ ص: 472 ] وقال البخاري : ثنا الحسن بن الصباح البزار ، ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه .
قال البخاري : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة أنها قالت : ألا أعجبك أبو فلان ، جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك ، وكنت أسبح ، فقام قبل أن أقضي سبحتي ، ولو أدركته لرددت عليه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم . وقد رواه أحمد عن علي بن إسحاق ، ومسلم عن حرملة ، وأبو داود عن سليمان بن داود ، كلهم عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد به ، وفي روايتهم : ألا أعجبك من أبي هريرة . فذكر نحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أسامة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل أحد [ ص: 473 ] لم يكن يسرده سردا . وقد رواه أبو داود ، عن ابن أبي شيبة ، عن وكيع .
وقال أبو يعلى : ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، ثنا عبد الله بن مسعر ، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله - أو ابن عمر - يقول : كان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا ، وإذا أتى قوما فسلم عليهم سلم ثلاثا . ورواه البخاري من حديث عبد الصمد .
وقال أحمد : ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، ثنا عبد الله بن المثنى ، سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ، وكان يستأذن ثلاثا .
وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي ، عن محمد بن يحيى ، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة ، عن عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا ؛ لتعقل عنه . ثم قال الترمذي : حسن [ ص: 474 ] صحيح غريب .
وفي " الصحيح " أنه قال : أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكم اختصارا .
قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا ليث ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي وهكذا رواه البخاري من حديث الليث .
وقال أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلام ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض [ ص: 475 ] فتلت في يدي . تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم .
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، حدثني أبو النضر ، عن سليمان بن يسار ، عن عائشة ، رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يتبسم .
وقال الترمذي : ثنا قتيبة : ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم رواه من حديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما . ثم قال : صحيح .
وقال مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، ثنا أبو خيثمة ، عن سماك بن حرب ، قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، كثيرا ، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام ، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شريك وقيس بن سعد ، عن سماك بن [ ص: 476 ] حرب قال : قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، كان كثير الصمت ، قليل الضحك ، فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده ، وربما قالوا الشيء من أمورهم فيضحكون ، وربما تبسم .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق ، أنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، ثنا الليث بن سعد ، عن الوليد بن أبي الوليد ، أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد ، يعني ابن ثابت ، أن نفرا دخلوا على أبيه ، فقالوا : حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، فكل هذا نحدثكم عنه . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن عباس الدوري ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ به نحوه===================================ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم
ما روى الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت - زاد النسائي : وحميد - عن أنس أن رجلا قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس قولوا بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله ، والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله .
وفي " صحيح مسلم " عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن شعبة ، حدثني الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : قلت لعائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله ؟ قالت : [ ص: 482 ] كان في مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .
وحدثنا وكيع ومحمد بن جعفر ، قالا : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : قلت لعائشة : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى . ورواه البخاري ، عن آدم ، عن شعبة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبدة ، ثنا هشام بن عروة ، عن رجل قال : سألت عائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كان يرقع الثوب ، ويخصف النعل . أو نحو هذا . وهذا منقطع من هذا الوجه . وقد قال : عبد الرزاق : أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، وهشام بن عروة ، عن أبيه قال : سأل رجل عائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته ؟ قالت : نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته . رواه البيهقي فاتصل الإسناد .
وقال البيهقي : أنا أبو الحسين بن بشران ، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري إملاء ، حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا [ ص: 483 ] أبو صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة قالت : قلت لعائشة : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا من البشر ، يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن محمد بن إسماعيل ، عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة قالت : قيل لعائشة : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ الحديث .
وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة ، عن حارثة بن محمد الأنصاري ، عن عمرة قالت : قلت لعائشة : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله ؟ قالت : كان ألين الناس ، وأكرم الناس ، وكان ضحاكا بساما .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، حدثني مسلم أبو عبد الله الأعور ، سمع أنسا يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ، ويقل اللغو ، ويركب الحمار ، ويلبس الصوف ، ويجيب دعوة المملوك ، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف . وفي الترمذي ، وابن ماجه من حديث مسلم بن كيسان الملائي ، عن أنس بعض ذلك .
[ ص: 484 ] وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القارئ ببغداد ، ثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي ، ثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي ، ثنا علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه قال : سمعت يحيى بن عقيل يقول : سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ، ويقل اللغو ، ويطيل الصلاة ، ويقصر الخطبة ، ولا يستنكف أن يمشي مع العبد ، ولا مع الأرملة ، حتى يفرغ لهم من حاجاتهم . ورواه النسائي ، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن الفضل بن موسى ، عن الحسين بن واقد ، عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري ، عن ابن أبي أوفى بنحوه .
وقال البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري ، ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق ، ثنا هاشم بن القاسم ، ثنا شيبان أبو معاوية ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ، ويلبس الصوف ، ويعتقل الشاة ، ويأتي مراعاة الضيف . وهذا غريب من هذا الوجه ، ولم يخرجوه ، وإسناده جيد .
[ ص: 485 ] وروى محمد بن سعد ، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن موسى بن يعقوب الزمعي ، عن سهل مولى غنيمة ، أنه كان نصرانيا من أهل مريس ، وأنه كان في حجر عمه ، أو أمه قال : قرأت يوما في مصحف لعمي فإذا فيه ورقة بغير الخط ، وإذا فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لا قصير ، ولا طويل ، أبيض ذو ضفيرتين ، بين كتفيه خاتم ، يكثر الاحتباء ، ولا يقبل الصدقة ، ويركب الحمار والبعير ، ويحتلب الشاة ، ويلبس قميصا مرقوعا ، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر ، وهو من ذرية إسماعيل ، اسمه أحمد . قال : فلما جاء عمي ورآني قد قرأتها ضربني ، وقال : ما لك وفتح هذه ؟ فقلت : إن فيها نعت أحمد . فقال : إنه لم يأت بعد .
وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، ثنا أيوب ، عن عمرو بن سعيد ، عن [ ص: 486 ] أنس قال : ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر الحديث . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن إسماعيل بن علية به .
وقال الترمذي في " الشمائل " : ثنا محمود بن غيلان ، ثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن الأشعث بن سليم قال : سمعت عمتي تحدث عن عمها قال : بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول " ارفع إزارك فإنه أتقى وأبقى " . فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إنما هي بردة ملحاء . قال : " أما لك في أسوة ؟ " فنظرت ، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه .
ثم قال : ثنا سويد بن نصر ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن موسى بن عبيدة ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه قال : كان عثمان بن عفان يأتزر إلى أنصاف ساقيه ، قال : وقال : هكذا كانت إزرة صاحبي صلى الله عليه وسلم .
وقال أيضا : ثنا يوسف بن عيسى ، ثنا وكيع ، ثنا الربيع بن صبيح ، ثنا يزيد بن أبان ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع ، كأن ثوبه ثوب زيات . وهذا فيه غرابة ونكارة . والله أعلم .
[ ص: 487 ] وروى البخاري ، عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، عن سيار أبي الحكم ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم . ورواه مسلم من وجه آخر ، عن شعبة ===================================== باب زهده عليه الصلاة والسلام ، وإعراضه عن هذه الدار وإقباله واجتهاده وعمله لدار القرار
قال الله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى [ طه : 131 ] وقال تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : 28 ] وقال تعالى : فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم [ النجم : 30 ، 29 ] وقال تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين [ الحجر : 88 ، 87 ] والآيات في هذا كثيرة .
وأما الأحاديث ؛ فقال يعقوب بن سفيان : حدثني أبو العباس حيوة بن شريح أنا بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن محمد بن عبد الله [ ص: 495 ] بن عباس قال : كان ابن عباس يحدث أن الله أرسل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة معه جبريل ، فقال الملك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا ، وبين أن تكون ملكا نبيا . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ، فأشار جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواضع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل أكون عبدا نبيا " قال : فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي الله عز وجل . وهكذا رواه البخاري في " التاريخ " عن حيوة بن شريح ، وأخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان ، كلاهما عن بقية بن الوليد به ، وأصل هذا الحديث في " الصحيح " بنحو من هذا اللفظ .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة ، عن أبي زرعة ، ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة قال : جلس جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل : إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق ، قبل الساعة . فلما نزل قال : يا محمد ، أرسلني إليك ربك ؛ أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا . هكذا وجدته بالنسخة التي عندي " بالمسند " مقتصرا ، وهو من أفراده من هذا الوجه .
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أن لا يدخل عليهن شهرا ، واعتزل عنهن في علية ، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية ، فإذا ليس فيها سوى صبرة من [ ص: 496 ] قرظ ، وآهبة معلقة ، وصبرة من شعير ، وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه ، فهملت عينا عمر ، فقال : " ما لك " . فقلت : يا رسول الله ، أنت صفوة الله من خلقه ، وكسرى وقيصر فيما هما فيه! فجلس محمرا وجهه ، فقال : أوفي شك أنت يا بن الخطاب ؟ " ثم قال : " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " . وفي رواية لمسلم : " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ " فقلت : بلى يا رسول الله . قال : " فاحمد الله عز وجل " ، ثم لما انقضى الشهر أمره الله عز وجل ، أن يخير أزواجه ، وأنزل عليه قوله : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [ الأحزاب : 28 ، 29 ] . وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا " التفسير " وأنه بدأ بعائشة ، فقال لها : إني ذاكر لك أمرا ، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ، وتلا عليها هذه الآية . قالت : فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ؟! فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة . وكذلك قال سائر أزواجه ، عليه الصلاة والسلام ، ورضي الله عنهن .
وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أنس قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على سرير مرمول بالشريط ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها [ ص: 497 ] ليف ، ودخل عليه عمر ، وناس من الصحابة ، فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة ، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى ، فقال له : " ما يبكيك يا عمر ؟ " قال : وما لي لا أبكي ، وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا ، وأنت على الحال الذي أرى ؟ فقال : " يا عمر ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ " قال : بلى . قال : " هو كذلك " هكذا رواه البيهقي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، ثنا مبارك ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على سرير مضطجع مرمل بشريط ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها ليف ، فدخل عليه نفر من أصحابه ، ودخل عمر فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة ، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا ، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا عمر ؟ " قال : والله ما أبكي إلا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر ، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه ، وأنت يا رسول الله في المكان الذي أرى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ " قال : بلى . قال : " فإنه كذلك " .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ، فأثر الحصير بجلده ، فجعلت أمسحه ، وأقول : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ألا [ ص: 498 ] آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه ؟ فقال : " ما لي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " ورواه ابن ماجه ، عن يحيى بن حكيم ، عن أبي داود الطيالسي ، وأخرجه الترمذي ، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي ، عن زيد بن الحباب ، كلاهما عن المسعودي به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقد رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ، فقال : حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان ، قالوا : ثنا ثابت ، ثنا هلال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه ، فقال : يا رسول الله ، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا . فقال " ما لي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها . تفرد به أحمد .
وفي " صحيح البخاري " من حديث الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرني أن تأتي علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين " .
وفي " الصحيحين " من حديث عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن [ ص: 499 ] أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " .
فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث يزيد بن سنان ، عن أبي المبارك ، عن عطاء ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين " فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده ؛ لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي ، وهو ضعيف جدا . والله أعلم .
وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال : حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي ، ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي ، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة " فقالت عائشة : لم يا رسول الله ؟ قال : " إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، يا عائشة ، لا تردي المسكين ولو بشق تمرة ، يا عائشة ، حبي المساكين وقربيهم ؛ فإن الله يقربك يوم القيامة " ثم قال : هذا حديث غريب . قلت : وفي إسناده ضعف ، وفي متنه نكارة . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد قال : حدثنا أبو عبد الرحمن ، يعني ابن عبد الله بن دينار ، عن أبي حازم ، عن [ ص: 500 ] سهل بن سعد ، أنه قيل له : هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي بعينه ، يعني الحوارى ؟ فقال له : ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي بعينه حتى لقي الله عز وجل . فقيل له : هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما كانت لنا مناخل . فقيل له : فكيف كنتم تصنعون بالشعير ؟ قال : ننفخه فيطير منه ما طار . وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به . وزاد : ثم نثريه ، ونعجنه . ثم قال : حسن صحيح ، وقد رواه مالك عن أبي حازم . قلت : وقد رواه البخاري ، عن سعيد بن أبي مريم ، عن محمد بن مطرف أبي غسان المدني ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد به . ورواه البخاري أيضا والنسائي ، عن قتيبة ، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، عن أبي حازم ، عن سهل به .
وقال الترمذي : حدثنا عباس بن محمد الدوري ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا جرير بن عثمان ، عن سليم بن عامر ، سمعت أبا أمامة يقول : ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير . ثم قال : حسن صحيح [ ص: 501 ] غريب .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد ، عن يزيد بن كيسان ، حدثني أبو حازم قال : رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا : والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا . ورواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن كيسان .
وفي " الصحيحين " من حديث جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، ثنا محمد بن طلحة ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض ، وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض .
وقال أحمد : ثنا محمد بن عبيد ، ثنا مطيع الغزال ، عن كردوس ، عن عائشة قالت : قد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبيله ، وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر .
[ ص: 502 ] وقال الإمام أحمد : ثنا حسين ، ثنا دويد ، عن أبي سهل ، عن سليمان بن رومان مولى عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ، ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل ، إلى أن قبض . قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير ؟ قالت : كنا نقول : أف . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وروى البخاري ، عن محمد بن كثير ، عن الثوري ، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوما فنأكله . قلت : ولم تفعلون ذلك ؟ فضحكت وقالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل .
وقال أحمد : ثنا يحيى ، ثنا هشام ، أخبرني أبي ، عن عائشة قالت : كان يأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يوقدون فيه نارا ، ليس إلا التمر والماء إلا أن نؤتى باللحم .
[ ص: 503 ] وفي " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت : إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا ، إنما هو الأسودان ؛ التمر والماء ، إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن . ورواه أحمد ، عن يزيد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عنها بنحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عياش وحسين بن محمد ، قالا : ثنا محمد بن مطرف قال : ثنا أبو حازم ، قال حسين : عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كان يمر برسول الله صلى الله عليه وسلم هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوته نار . قال : قلت : يا خالة على أي شيء كنتم تعيشون ؟ قالت : على الأسودين ؛ التمر والماء . تفرد به أحمد .
وقال أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض . وقد رواه مسلم من حديث شعبة .
[ ص: 504 ] وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، حدثني سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : قالت عائشة : بعث إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقطعت ، أو أمسكت وقطع . فقال الذي تحدثه : أعلى غير مصباح ؟ فقالت : لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به ، إن كان ليأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا . وقد رواه أيضا ، عن بهز بن أسد ، عن سليمان بن المغيرة ، وفي رواية : شهرين . تفرد به أحمد .
وقال الإمام أحمد : ثنا خلف ، ثنا أبو معشر ، عن سعيد ، هو ابن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : كان يمر بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا لخبز ولا لطبيخ . قالوا : بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال : الأسودان ؛ التمر والماء ، وكان لهم جيران من الأنصار ، جزاهم الله خيرا ، لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن . تفرد به أحمد .
وفي " صحيح مسلم " من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي ، عن أمه ، عن عائشة قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شبع الناس من الأسودين ؛ التمر والماء .
[ ص: 505 ] وقال ابن ماجه : حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بطعام سخن فأكل ، فلما فرغ قال : " الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا " .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا عمار أبو هاشم صاحب الزعفراني ، عن أنس بن مالك ، أن فاطمة ناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز شعير ، فقال : " هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام " تفرد به أحمد . وروى الإمام أحمد عن عفان ، والترمذي وابن ماجه جميعا عن عبد الله بن معاوية ، كلاهما عن ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا ، وأهله لا يجدون عشاء ، وكان عامة خبزهم خبز الشعير . وهذا لفظ أحمد .
وقال الترمذي في " الشمائل " : ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، عن يزيد بن أبي أمية الأعور ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز الشعير ، فوضع عليها تمرة ، وقال : " هذه إدام هذه " وأكل . .
[ ص: 506 ] وفي " الصحيح " من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد .
وقال أبو عصام عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول " هو أروى وأبرأ وأمرى " .
وروى البخاري من حديث قتادة ، عن أنس قال : ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله ، ولا شاة سميطا بعينه قط . وفي رواية له عنه أيضا : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ، ولا في سكرجة ، ولا خبز له مرقق . فقلت لأنس : فعلى ما كانوا يأكلون ؟ قال : على السفر .
وله من حديث قتادة أيضا ، عن أنس ، أنه مشى إلى رسول صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة ، ولقد رهن درعه عند يهودي ، فأخذ لأهله شعيرا ، [ ص: 507 ] ولقد سمعته ذات يوم يقول : " ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب " .
وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا أبان بن يزيد ، ثنا قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف . ورواه الترمذي في " الشمائل " ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن عفان ، وهذا الإسناد على شرط الشيخين .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، سمعت النعمان بن بشير يقول : سمعت عمر بن الخطاب يخطب ، فذكر ما فتح الله على الناس ، فقال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي من الجوع ، ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه . وأخرجه مسلم من حديث شعبة .
وفي " الصحيح " أن أبا طلحة قال : يا أم سليم ، لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع . وسيأتي الحديث في " دلائل النبوة " .
وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان ، أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع ، [ ص: 508 ] فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما أخرجكما ؟ " فقالا : الجوع . فقال : " والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما " . فذهبوا إلى حديقة أبي الهيثم بن التيهان ، فأطعمهم رطبا ، وذبح لهم شاة ، فأكلوا وشربوا الماء البارد ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " .
وقال الترمذي : ثنا عبد الله بن أبي زياد ، ثنا سيار ، ثنا سهل بن أسلم ، عن يزيد بن أبي منصور ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن حجرين . ثم قال : غريب .
وثبت في " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها سئلت عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان من أدم حشوه ليف .
وقال الحسن بن عرفة : ثنا عباد بن عباد المهلبي ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية ، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما هذا يا عائشة ؟ " قالت : قلت : يا رسول الله ، فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت [ ص: 509 ] إلي بهذا . فقال : " رديه " . قالت : فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي ، حتى قال ذلك ثلاث مرات . قالت : فقال : " رديه يا عائشة ، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة "
وقال الترمذي في " الشمائل " : حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري ، ثنا عبد الله بن ميمون ، ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : سئلت عائشة : ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك ؟ قالت : من أدم حشوه ليف . وسئلت حفصة : ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه ، فلما كان ذات ليلة قلت : لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له . فثنيناه له بأربع ثنيات ، فلما أصبح قال : " ما فرشتموني الليلة ؟ " قالت : قلنا : هو فراشك ، إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات . قلنا : هو أوطأ لك . قال : " ردوه لحالته الأولى ؛ فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة " .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني ، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري ، حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن حكيم بن حزام قال : [ ص: 510 ] خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن ، فأهديتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدة التي كانت بينه وبين قريش فقال : " لا أقبل هدية مشرك " فردها ، فبعتها فاشتراها ، فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه ، فما رأيت شيئا في شيء أحسن منه فيها ، فما ملكت أن قلت :
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما بدا واضح من غرة وحجول إذا قايسوه المجد أربى عليهم
كمستفرغ ماء الذناب سجيل
فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت إلي يتبسم ، ثم دخل فكساها أسامة بن زيد
وقال الإمام أحمد : حدثني حسين بن علي ، عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال : حدثني ربعي بن حراش ، عن أم سلمة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ساهم الوجه . قالت : فحسبت ذلك من وجع . فقلت : يا رسول الله ، أراك ساهم الوجه ، أفمن وجع ؟ فقال : " لا ، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها أمس ، أمسينا ولم ننفقها ، نسيتها في خصم الفراش " تفرد به أحمد .
[ ص: 511 ] وقال الإمام أحمد : ثنا أبو سلمة قال : أنا بكر بن مضر ، ثنا موسى بن جبير ، عن أبي أمامة بن سهل قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير يوما على عائشة فقالت : لو رأيتما نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في مرض مرضه . قالت : وكان له عندي ستة دنانير . قال موسى أو سبعة . قالت : فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها . قالت : فشغلني وجع نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله عز وجل . قالت : ثم سألني عنها فقال : " ما فعلت الستة ؟ " قال : أو " السبعة " قلت : لا والله لقد كان شغلني عنها وجعك . قالت : فدعا بها ثم صفها في كفه ، فقال : " ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده ؟ " تفرد به أحمد .
وقال قتيبة : ثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد . وهذا الحديث في " الصحيح " .
والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها ؛ لما ثبت في " الصحيحين " عن عمر ، أنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، فكان يعزل نفقة أهله سنة ، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل .
[ ص: 512 ] ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد : حدثنا مروان بن معاوية قال : أخبرني هلال بن سويد أبو معلى قال : سمعت أنس بن مالك وهو يقول : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر ، فأطعم خادمه طائرا ، فلما كان من الغد أتته به ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد ؛ فإن الله عز وجل يأتي برزق كل غد " .
حديث بلال في ذلك : قال البيهقي : ثنا أبو الحسين بن بشران ، أنا أبو محمد جعفر بن نصير ، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري : ، ثنا بكار بن محمد ، أنا عبد الله بن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على بلال ، فوجد عنده صبرا من تمر ، فقال : ما هذا يا بلال ؟ قال : تمر أدخره . قال : " ويحك يا بلال ! أو ما تخاف أن يكون له بخار في النار ؟ أنفق بلال ، ولا تخش من ذي العرش إقلالا " .
حديث بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا
ذكر كرمه صلى الله عليه وسلم
تواضعه صلى الله عليه وسلم
ذكر مزاحه عليه الصلاة والسلام
باب زهده عليه الصلاة والسلام وإعراضه عن الدنيا
فصل في عبادته عليه الصلاة والسلام واجتهاده في ذلك
فصل في شجاعته صلى الله عليه وسلم
فصل فيما يذكر من صفاته عليه الصلاة والسلام في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
==باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم
قد قدمنا طيب أصله ومحتده ، وطهارة نسبه ومولده ، وقد قال الله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالاته [ الأنعام : 124 ] .
وقال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه .
وفي " صحيح مسلم " عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم . .
وقال الله تعالى : ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : 1 - 4 ] قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم أي ؛ وإنك لعلى دين عظيم ، وهو الإسلام . وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وقال عطية : [ ص: 456 ] لعلى أدب عظيم . وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام قال : سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فقلت : أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : أما تقرأ القرآن ؟ قلت بلى . فقالت : كان خلقه القرآن .
وقد روى الإمام أحمد ، عن إسماعيل بن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري قال : سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن .
وروى الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، والنسائي من حديثه ، و ابن جرير من حديث ابن وهب ، كلاهما عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة ، فسألتها ، عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن . ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام ، مهما أمره به القرآن امتثله ، ومهما نهاه عنه تركه ، هذا مع ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أكمل منها ، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله ، وهو مع ذلك خاتم النبيين ، فلا رسول بعده ولا نبي ، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه .
[ ص: 457 ] وقال يعقوب بن سفيان : ثنا سليمان بن عبد الرحمن ، ثنا الحسن بن يحيى ، ثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء قال : سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن ؛ يرضى لرضاه ويسخط لسخطه .
وقال البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى ، أنا قيس بن أنيف ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران ، عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : يا أم المؤمنين ، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن . ثم قالت : أتقرأ سورة " المؤمنين " ؟ اقرأ : قد أفلح المؤمنون إلى العشر . قالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا رواه النسائي عن قتيبة .
وروى البخاري من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس .
[ ص: 458 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا سعيد بن منصور ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق تفرد به أحمد . ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه ، فقال : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .
وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها ، وأحسن الناس خلقا .
وقال مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها : قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك .
وروى مسلم عن أبي كريب ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لا عبدا ولا امرأة ولا خادما ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه ، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل .
[ ص: 459 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ، ولا امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا خير بين أمرين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما ، حتى يكون إثما ، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم ، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله ، فيكون هو ينتقم لله عز وجل .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول : سمعت عائشة ، رضي الله عنها ، وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، ولا سخابا في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . أو قالت : يعفو ويغفر . شك أبو داود . ورواه الترمذي من حديث شعبة ، وقال : حسن صحيح .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا آدم وعاصم بن علي ، قالا : ثنا ابن أبي ذئب ، ثنا صالح مولى التوأمة قال : كان أبو هريرة رضي الله عنه ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان يقبل جميعا ويدبر جميعا ، بأبي وأمي لم يكن فاحشا ، ولا متفحشا ، ولا سخابا في الأسواق . زاد آدم : ولم أر مثله قبله ، ولن أرى بعده .
[ ص: 460 ] وقال البخاري : ثنا عبدان عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عبد الله بن عمرو قال : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ورواه مسلم من حديث الأعمش به .
وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن : يا أيها النبي ، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . وقد روي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار .
وقال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عبد الله بن أبي عتبة ، عن أبي سعيد قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها . حدثنا ابن بشار ، ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا شعبة مثله ، وإذا [ ص: 461 ] كره شيئا عرف ذلك في وجهه . ورواه مسلم من حديث شعبة .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو عامر ، ثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن أنس بن مالك قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لعانا ولا فاحشا ، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة : ما له تربت جبينه ؟ ورواه البخاري عن محمد بن سنان ، عن فليح .
وفي " الصحيحين " - واللفظ لمسلم - من حديث حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ، وكان أجود الناس ، وكان أشجع الناس ، ولقد فزع أهلالمدينة ذات ليلة ، فانطلق ناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري ، في عنقه السيف ، وهو يقول لم تراعوا ، لم تراعوا قال : وجدناه بحرا أو : إنه لبحر قال : وكان فرسا يبطأ .
ثم قال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له : مندوب . فركبه فقال : ما رأينا من فزع ، وإن وجدناه لبحرا وقال علي رضي الله عنه : كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم .
[ ص: 462 ] وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي بن أبي طالب قال : لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشد الناس بأسا . رواه أحمد والبيهقي . وتقدم في غزوة هوازن أنه عليه الصلاة والسلام ، لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته ، وهو ينوه باسمه الشريف يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء ، وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام ، صلوات الله وسلامه عليه .
وفي " صحيح مسلم " من حديث إسماعيل بن علية ، عن عبد العزيز ، عن أنس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي ، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أنسا غلام كيس فليخدمك . قال : فخدمته في السفر والحضر ، والله ما قال لي لشيء صنعته : لم صنعت هذا هكذا ؟ ولا لشيء لم أصنعه : لم لم تصنع هذا هكذا ؟
وله من حديث سعيد بن أبي بردة ، عن أنس قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، فما أعلمه قال لي قط : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط .
[ ص: 463 ] وله من حديث عكرمة بن عمار ، عن إسحاق ، قال أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ، فأرسلني يوما لحاجة فقلت : والله لا أذهب . وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي . قال : فنظرت إليه وهو يضحك ، فقال : يا أنيس ، ذهبت حيث أمرتك ؟ فقلت : نعم ، أنا أذهب يا رسول الله . قال أنس : والله لقد خدمته تسع سنين ، ما علمته قال لشيء صنعته : لم صنعت كذا وكذا ؟ أو لشيء تركته : هلا فعلت كذا وكذا .
وقال الإمام أحمد : ثنا كثير بن هشام ، ثنا جعفر ، ثنا عمران القصير ، عن أنس بن مالك قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني ، وإن لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدر - أو قال : قضى - أن يكون كان ثم رواه أحمد ، عن علي بن ثابت ، عن جعفر هو ابن برقان ، عن عمران البصري ، وهو القصير ، عن أنس ، فذكره ، تفرد به الإمام أحمد .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا أبي ، ثنا أبو التياح ، ثنا أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير . قال : أحسبه قال فطيما . قال : فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال : [ ص: 464 ] أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ قال : نغر كان يلعب به . قال فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا ، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثم ينضح ، ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقوم خلفه يصلي بنا . قال : وكان بساطهم من جريد النخل . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود ، من طرق ، عن أبي التياح يزيد بن حميد ، عن أنس بنحوه .
وثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا سلم العلوي ، سمعت أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل صفرة - أو قال : أثر صفرة - فكرهها . قال : فلما قام قال : لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة قال : وكان لا يكاد يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه . وقد رواه أبو داود ، والترمذي في " الشمائل " ، والنسائي في " اليوم والليلة " من [ ص: 465 ] حديث حماد بن زيد ، عن سلم بن قيس العلوي البصري . قال أبو داود : وليس من ولد علي بن أبي طالب ، وكان يبصر في النجوم ، وقد شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال ، فلم يجز شهادته .
وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا عبد الحميد الحماني ، ثنا الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل : ما بال فلان يقول . ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا .
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر .
وقال مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد ، مر لي من مال الله الذي عندك . قال : فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، ثم أمر [ ص: 466 ] له بعطاء . أخرجاه من حديث مالك .
وقال الإمام أحمد : ثنا زيد بن الحباب ، أخبرني محمد بن هلال القرشي ، عن أبيه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فلما قام قمنا معه ، فجاء أعرابي فقال : أعطني يا محمد . فقال : " لا ، وأستغفر الله " . فجذبه بحجزته فخدشه . قال : فهموا به . فقال : " دعوه " . قال : ثم أعطاه . قال : وكانت يمينه : " لا ، وأستغفر الله " . وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق ، عن محمد بن هلال بن أبي هلال المدني مولى بني كعب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بنحوه .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن الأعمش ، عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال : كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتمنه ، وأنه عقد له عقدا فألقاه في بئر ، فصرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه ملكان يعودانه ، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا ، وهي في بئر بني فلان ، ولقد اصفر الماء من شدة عقده ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرج [ ص: 467 ] العقد ، فوجد الماء قد اصفر ، فحل العقد ، ونام النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فما رأيته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات . ورواه الطبراني من طريق علي بن المديني ، عن جرير عن الأعمش به ، وقال : فلم يعاتبه . قلت : والمشهور في الصحيح أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر تحت رعوفة بئر ذي أروان ، وأن الحال استمر نحوا من ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين ، ويقال إن آياتهما إحدى عشرة آية ، وإن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة . وقد بسطنا ذلك في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية . والله أعلم .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو نعيم ، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي ، ثنا زيد العمي ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ، وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه ، ولم ير [ ص: 468 ] مقدما ركبتيه بين يدي جليس له . ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث عمران بن زيد التغلبي أبي يحيى الطويل الكوفي ، عن زيد بن الحواري العمي ، عن أنس به .
وقال أبو داود : ثنا أحمد بن منيع ، ثنا أبو قطن ، ثنا مبارك بن فضالة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده . تفرد به أبو داود .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا : ثنا شعبة - قال ابن جعفر في حديثه : قال - سمعت علي بن زيد قال : قال أنس بن مالك إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت . ورواه ابن ماجه من حديث شعبة .
وقال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا حميد ، عن أنس بن مالك قال : إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنطلق به في حاجتها . [ ص: 469 ] وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من " صحيحه " معلقا ، فقال : وقال محمد بن عيسى - هو ابن الطباع - : ثنا هشيم . فذكره .
وقال الطبراني : ثنا أبو شعيب الحراني ، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ، ثنا أيوب بن نهيك ، سمعت عطاء بن أبي رباح ، سمعت ابن عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى صاحب بز ، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم ، فخرج وهو عليه ، فإذا رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله اكسني قميصا ، كساك الله من ثياب الجنة . فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت ، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم ، وبقي معه درهمان فإذا هو بجارية في الطريق تبكي فقال : " ما يبكيك ؟ " فقالت : يا رسول الله ، دفع إلي أهلي درهمين أشتري بهما دقيقا فهلكا . فدفع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرهمين الباقيين ، ثم انقلبت وهي تبكي ، فدعاها فقال " ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين ؟ " فقالت : أخاف أن يضربوني . فمشى معها إلى أهلها ، فسلم ، فعرفوا صوته ، ثم عاد فسلم ، ثم عاد فسلم ، ثم عاد فثلث فردوا ، فقال : " أسمعتم أول السلام ؟ " قالوا : نعم ، ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام ، فما أشخصك بأبينا وأمنا ؟ فقال : " أشفقت هذه الجارية أن تضربوها " . فقال صاحبها : فهي حرة لوجه الله ؛ لممشاك معها . فبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير والجنة ، ثم قال : " لقد بارك الله في العشرة ؛ كسا الله نبيه قميصا ، ورجلا من الأنصار قميصا ، [ ص: 470 ] وأعتق الله منها رقبة ، وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته " هكذا رواه الطبراني ، وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي ، وقد ضعفه أبو حاتم ، وقال أبو زرعة منكر الحديث . وقال الأزدي : متروك .
وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت : يا رسول الله ، إن لي حاجة . فقال : " يا أم فلان انظري أي الطرق شئت ؟ " فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة
وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط ، إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه . وقال الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، عن جابر قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فذبحنا له شاة فقال : كأنهم علموا أنا نحب اللحم وذكر الحديث .
وقال محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس [ ص: 471 ] يتحدث ، كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء . وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من " سننه " من حديث محمد بن إسحاق به .
وقال أبو داود : حدثنا سلمة بن شبيب ، ثنا عبد الله بن إبراهيم ، ثنا إسحاق بن محمد الأنصاري ، عن ربيح بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيده . ورواه البزار في " مسنده " ، ولفظه : كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه .
ثم قال أبو داود : ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا : ثنا عبد الله بن حسان العنبري ، حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة - قال موسى : ابنة حرملة . وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة ، وكانت جدة أبيهما - أنها أخبرتهما أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قاعد القرفصاء . قالت : فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق . ورواه الترمذي في " الشمائل " ، وفي " الجامع " ، عن عبد بن حميد ، عن عفان بن مسلم ، عن عبد الله بن حسان به . وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في " معجمه الكبير " .
[ ص: 472 ] وقال البخاري : ثنا الحسن بن الصباح البزار ، ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه .
قال البخاري : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة أنها قالت : ألا أعجبك أبو فلان ، جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك ، وكنت أسبح ، فقام قبل أن أقضي سبحتي ، ولو أدركته لرددت عليه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم . وقد رواه أحمد عن علي بن إسحاق ، ومسلم عن حرملة ، وأبو داود عن سليمان بن داود ، كلهم عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد به ، وفي روايتهم : ألا أعجبك من أبي هريرة . فذكر نحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أسامة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل أحد [ ص: 473 ] لم يكن يسرده سردا . وقد رواه أبو داود ، عن ابن أبي شيبة ، عن وكيع .
وقال أبو يعلى : ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، ثنا عبد الله بن مسعر ، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله - أو ابن عمر - يقول : كان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا ، وإذا أتى قوما فسلم عليهم سلم ثلاثا . ورواه البخاري من حديث عبد الصمد .
وقال أحمد : ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، ثنا عبد الله بن المثنى ، سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ، وكان يستأذن ثلاثا .
وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي ، عن محمد بن يحيى ، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة ، عن عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا ؛ لتعقل عنه . ثم قال الترمذي : حسن [ ص: 474 ] صحيح غريب .
وفي " الصحيح " أنه قال : أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكم اختصارا .
قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا ليث ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي وهكذا رواه البخاري من حديث الليث .
وقال أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلام ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض [ ص: 475 ] فتلت في يدي . تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم .
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، حدثني أبو النضر ، عن سليمان بن يسار ، عن عائشة ، رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يتبسم .
وقال الترمذي : ثنا قتيبة : ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم رواه من حديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما . ثم قال : صحيح .
وقال مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، ثنا أبو خيثمة ، عن سماك بن حرب ، قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، كثيرا ، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام ، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شريك وقيس بن سعد ، عن سماك بن [ ص: 476 ] حرب قال : قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، كان كثير الصمت ، قليل الضحك ، فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده ، وربما قالوا الشيء من أمورهم فيضحكون ، وربما تبسم .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق ، أنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، ثنا الليث بن سعد ، عن الوليد بن أبي الوليد ، أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد ، يعني ابن ثابت ، أن نفرا دخلوا على أبيه ، فقالوا : حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، فكل هذا نحدثكم عنه . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن عباس الدوري ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ به نحوه===================================ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم
ما روى الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت - زاد النسائي : وحميد - عن أنس أن رجلا قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس قولوا بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله ، والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله .
وفي " صحيح مسلم " عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن شعبة ، حدثني الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : قلت لعائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله ؟ قالت : [ ص: 482 ] كان في مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .
وحدثنا وكيع ومحمد بن جعفر ، قالا : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : قلت لعائشة : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى . ورواه البخاري ، عن آدم ، عن شعبة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبدة ، ثنا هشام بن عروة ، عن رجل قال : سألت عائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كان يرقع الثوب ، ويخصف النعل . أو نحو هذا . وهذا منقطع من هذا الوجه . وقد قال : عبد الرزاق : أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، وهشام بن عروة ، عن أبيه قال : سأل رجل عائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته ؟ قالت : نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته . رواه البيهقي فاتصل الإسناد .
وقال البيهقي : أنا أبو الحسين بن بشران ، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري إملاء ، حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا [ ص: 483 ] أبو صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة قالت : قلت لعائشة : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا من البشر ، يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن محمد بن إسماعيل ، عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة قالت : قيل لعائشة : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ الحديث .
وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة ، عن حارثة بن محمد الأنصاري ، عن عمرة قالت : قلت لعائشة : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله ؟ قالت : كان ألين الناس ، وأكرم الناس ، وكان ضحاكا بساما .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، حدثني مسلم أبو عبد الله الأعور ، سمع أنسا يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ، ويقل اللغو ، ويركب الحمار ، ويلبس الصوف ، ويجيب دعوة المملوك ، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف . وفي الترمذي ، وابن ماجه من حديث مسلم بن كيسان الملائي ، عن أنس بعض ذلك .
[ ص: 484 ] وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القارئ ببغداد ، ثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي ، ثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي ، ثنا علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه قال : سمعت يحيى بن عقيل يقول : سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ، ويقل اللغو ، ويطيل الصلاة ، ويقصر الخطبة ، ولا يستنكف أن يمشي مع العبد ، ولا مع الأرملة ، حتى يفرغ لهم من حاجاتهم . ورواه النسائي ، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن الفضل بن موسى ، عن الحسين بن واقد ، عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري ، عن ابن أبي أوفى بنحوه .
وقال البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري ، ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق ، ثنا هاشم بن القاسم ، ثنا شيبان أبو معاوية ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ، ويلبس الصوف ، ويعتقل الشاة ، ويأتي مراعاة الضيف . وهذا غريب من هذا الوجه ، ولم يخرجوه ، وإسناده جيد .
[ ص: 485 ] وروى محمد بن سعد ، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن موسى بن يعقوب الزمعي ، عن سهل مولى غنيمة ، أنه كان نصرانيا من أهل مريس ، وأنه كان في حجر عمه ، أو أمه قال : قرأت يوما في مصحف لعمي فإذا فيه ورقة بغير الخط ، وإذا فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لا قصير ، ولا طويل ، أبيض ذو ضفيرتين ، بين كتفيه خاتم ، يكثر الاحتباء ، ولا يقبل الصدقة ، ويركب الحمار والبعير ، ويحتلب الشاة ، ويلبس قميصا مرقوعا ، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر ، وهو من ذرية إسماعيل ، اسمه أحمد . قال : فلما جاء عمي ورآني قد قرأتها ضربني ، وقال : ما لك وفتح هذه ؟ فقلت : إن فيها نعت أحمد . فقال : إنه لم يأت بعد .
وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، ثنا أيوب ، عن عمرو بن سعيد ، عن [ ص: 486 ] أنس قال : ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر الحديث . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن إسماعيل بن علية به .
وقال الترمذي في " الشمائل " : ثنا محمود بن غيلان ، ثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن الأشعث بن سليم قال : سمعت عمتي تحدث عن عمها قال : بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول " ارفع إزارك فإنه أتقى وأبقى " . فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إنما هي بردة ملحاء . قال : " أما لك في أسوة ؟ " فنظرت ، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه .
ثم قال : ثنا سويد بن نصر ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن موسى بن عبيدة ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه قال : كان عثمان بن عفان يأتزر إلى أنصاف ساقيه ، قال : وقال : هكذا كانت إزرة صاحبي صلى الله عليه وسلم .
وقال أيضا : ثنا يوسف بن عيسى ، ثنا وكيع ، ثنا الربيع بن صبيح ، ثنا يزيد بن أبان ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع ، كأن ثوبه ثوب زيات . وهذا فيه غرابة ونكارة . والله أعلم .
[ ص: 487 ] وروى البخاري ، عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، عن سيار أبي الحكم ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم . ورواه مسلم من وجه آخر ، عن شعبة ===================================== باب زهده عليه الصلاة والسلام ، وإعراضه عن هذه الدار وإقباله واجتهاده وعمله لدار القرار
قال الله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى [ طه : 131 ] وقال تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : 28 ] وقال تعالى : فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم [ النجم : 30 ، 29 ] وقال تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين [ الحجر : 88 ، 87 ] والآيات في هذا كثيرة .
وأما الأحاديث ؛ فقال يعقوب بن سفيان : حدثني أبو العباس حيوة بن شريح أنا بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن محمد بن عبد الله [ ص: 495 ] بن عباس قال : كان ابن عباس يحدث أن الله أرسل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة معه جبريل ، فقال الملك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا ، وبين أن تكون ملكا نبيا . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ، فأشار جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواضع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل أكون عبدا نبيا " قال : فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي الله عز وجل . وهكذا رواه البخاري في " التاريخ " عن حيوة بن شريح ، وأخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان ، كلاهما عن بقية بن الوليد به ، وأصل هذا الحديث في " الصحيح " بنحو من هذا اللفظ .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة ، عن أبي زرعة ، ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة قال : جلس جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل : إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق ، قبل الساعة . فلما نزل قال : يا محمد ، أرسلني إليك ربك ؛ أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا . هكذا وجدته بالنسخة التي عندي " بالمسند " مقتصرا ، وهو من أفراده من هذا الوجه .
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أن لا يدخل عليهن شهرا ، واعتزل عنهن في علية ، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية ، فإذا ليس فيها سوى صبرة من [ ص: 496 ] قرظ ، وآهبة معلقة ، وصبرة من شعير ، وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه ، فهملت عينا عمر ، فقال : " ما لك " . فقلت : يا رسول الله ، أنت صفوة الله من خلقه ، وكسرى وقيصر فيما هما فيه! فجلس محمرا وجهه ، فقال : أوفي شك أنت يا بن الخطاب ؟ " ثم قال : " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " . وفي رواية لمسلم : " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ " فقلت : بلى يا رسول الله . قال : " فاحمد الله عز وجل " ، ثم لما انقضى الشهر أمره الله عز وجل ، أن يخير أزواجه ، وأنزل عليه قوله : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [ الأحزاب : 28 ، 29 ] . وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا " التفسير " وأنه بدأ بعائشة ، فقال لها : إني ذاكر لك أمرا ، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ، وتلا عليها هذه الآية . قالت : فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ؟! فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة . وكذلك قال سائر أزواجه ، عليه الصلاة والسلام ، ورضي الله عنهن .
وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أنس قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على سرير مرمول بالشريط ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها [ ص: 497 ] ليف ، ودخل عليه عمر ، وناس من الصحابة ، فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة ، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى ، فقال له : " ما يبكيك يا عمر ؟ " قال : وما لي لا أبكي ، وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا ، وأنت على الحال الذي أرى ؟ فقال : " يا عمر ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ " قال : بلى . قال : " هو كذلك " هكذا رواه البيهقي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، ثنا مبارك ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على سرير مضطجع مرمل بشريط ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها ليف ، فدخل عليه نفر من أصحابه ، ودخل عمر فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة ، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا ، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا عمر ؟ " قال : والله ما أبكي إلا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر ، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه ، وأنت يا رسول الله في المكان الذي أرى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ " قال : بلى . قال : " فإنه كذلك " .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ، فأثر الحصير بجلده ، فجعلت أمسحه ، وأقول : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ألا [ ص: 498 ] آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه ؟ فقال : " ما لي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " ورواه ابن ماجه ، عن يحيى بن حكيم ، عن أبي داود الطيالسي ، وأخرجه الترمذي ، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي ، عن زيد بن الحباب ، كلاهما عن المسعودي به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقد رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ، فقال : حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان ، قالوا : ثنا ثابت ، ثنا هلال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه ، فقال : يا رسول الله ، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا . فقال " ما لي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها . تفرد به أحمد .
وفي " صحيح البخاري " من حديث الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرني أن تأتي علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين " .
وفي " الصحيحين " من حديث عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن [ ص: 499 ] أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " .
فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث يزيد بن سنان ، عن أبي المبارك ، عن عطاء ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين " فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده ؛ لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي ، وهو ضعيف جدا . والله أعلم .
وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال : حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي ، ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي ، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة " فقالت عائشة : لم يا رسول الله ؟ قال : " إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، يا عائشة ، لا تردي المسكين ولو بشق تمرة ، يا عائشة ، حبي المساكين وقربيهم ؛ فإن الله يقربك يوم القيامة " ثم قال : هذا حديث غريب . قلت : وفي إسناده ضعف ، وفي متنه نكارة . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد قال : حدثنا أبو عبد الرحمن ، يعني ابن عبد الله بن دينار ، عن أبي حازم ، عن [ ص: 500 ] سهل بن سعد ، أنه قيل له : هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي بعينه ، يعني الحوارى ؟ فقال له : ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي بعينه حتى لقي الله عز وجل . فقيل له : هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما كانت لنا مناخل . فقيل له : فكيف كنتم تصنعون بالشعير ؟ قال : ننفخه فيطير منه ما طار . وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به . وزاد : ثم نثريه ، ونعجنه . ثم قال : حسن صحيح ، وقد رواه مالك عن أبي حازم . قلت : وقد رواه البخاري ، عن سعيد بن أبي مريم ، عن محمد بن مطرف أبي غسان المدني ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد به . ورواه البخاري أيضا والنسائي ، عن قتيبة ، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، عن أبي حازم ، عن سهل به .
وقال الترمذي : حدثنا عباس بن محمد الدوري ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا جرير بن عثمان ، عن سليم بن عامر ، سمعت أبا أمامة يقول : ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير . ثم قال : حسن صحيح [ ص: 501 ] غريب .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد ، عن يزيد بن كيسان ، حدثني أبو حازم قال : رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا : والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا . ورواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن كيسان .
وفي " الصحيحين " من حديث جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، ثنا محمد بن طلحة ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض ، وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض .
وقال أحمد : ثنا محمد بن عبيد ، ثنا مطيع الغزال ، عن كردوس ، عن عائشة قالت : قد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبيله ، وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر .
[ ص: 502 ] وقال الإمام أحمد : ثنا حسين ، ثنا دويد ، عن أبي سهل ، عن سليمان بن رومان مولى عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ، ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل ، إلى أن قبض . قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير ؟ قالت : كنا نقول : أف . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وروى البخاري ، عن محمد بن كثير ، عن الثوري ، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوما فنأكله . قلت : ولم تفعلون ذلك ؟ فضحكت وقالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل .
وقال أحمد : ثنا يحيى ، ثنا هشام ، أخبرني أبي ، عن عائشة قالت : كان يأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يوقدون فيه نارا ، ليس إلا التمر والماء إلا أن نؤتى باللحم .
[ ص: 503 ] وفي " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت : إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا ، إنما هو الأسودان ؛ التمر والماء ، إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن . ورواه أحمد ، عن يزيد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عنها بنحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عياش وحسين بن محمد ، قالا : ثنا محمد بن مطرف قال : ثنا أبو حازم ، قال حسين : عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كان يمر برسول الله صلى الله عليه وسلم هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوته نار . قال : قلت : يا خالة على أي شيء كنتم تعيشون ؟ قالت : على الأسودين ؛ التمر والماء . تفرد به أحمد .
وقال أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض . وقد رواه مسلم من حديث شعبة .
[ ص: 504 ] وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، حدثني سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : قالت عائشة : بعث إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقطعت ، أو أمسكت وقطع . فقال الذي تحدثه : أعلى غير مصباح ؟ فقالت : لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به ، إن كان ليأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا . وقد رواه أيضا ، عن بهز بن أسد ، عن سليمان بن المغيرة ، وفي رواية : شهرين . تفرد به أحمد .
وقال الإمام أحمد : ثنا خلف ، ثنا أبو معشر ، عن سعيد ، هو ابن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : كان يمر بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا لخبز ولا لطبيخ . قالوا : بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال : الأسودان ؛ التمر والماء ، وكان لهم جيران من الأنصار ، جزاهم الله خيرا ، لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن . تفرد به أحمد .
وفي " صحيح مسلم " من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي ، عن أمه ، عن عائشة قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شبع الناس من الأسودين ؛ التمر والماء .
[ ص: 505 ] وقال ابن ماجه : حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بطعام سخن فأكل ، فلما فرغ قال : " الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا " .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا عمار أبو هاشم صاحب الزعفراني ، عن أنس بن مالك ، أن فاطمة ناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز شعير ، فقال : " هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام " تفرد به أحمد . وروى الإمام أحمد عن عفان ، والترمذي وابن ماجه جميعا عن عبد الله بن معاوية ، كلاهما عن ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا ، وأهله لا يجدون عشاء ، وكان عامة خبزهم خبز الشعير . وهذا لفظ أحمد .
وقال الترمذي في " الشمائل " : ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، ثنا عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، عن يزيد بن أبي أمية الأعور ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز الشعير ، فوضع عليها تمرة ، وقال : " هذه إدام هذه " وأكل . .
[ ص: 506 ] وفي " الصحيح " من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد .
وقال أبو عصام عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول " هو أروى وأبرأ وأمرى " .
وروى البخاري من حديث قتادة ، عن أنس قال : ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله ، ولا شاة سميطا بعينه قط . وفي رواية له عنه أيضا : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ، ولا في سكرجة ، ولا خبز له مرقق . فقلت لأنس : فعلى ما كانوا يأكلون ؟ قال : على السفر .
وله من حديث قتادة أيضا ، عن أنس ، أنه مشى إلى رسول صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة ، ولقد رهن درعه عند يهودي ، فأخذ لأهله شعيرا ، [ ص: 507 ] ولقد سمعته ذات يوم يقول : " ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب " .
وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا أبان بن يزيد ، ثنا قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف . ورواه الترمذي في " الشمائل " ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن عفان ، وهذا الإسناد على شرط الشيخين .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، سمعت النعمان بن بشير يقول : سمعت عمر بن الخطاب يخطب ، فذكر ما فتح الله على الناس ، فقال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي من الجوع ، ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه . وأخرجه مسلم من حديث شعبة .
وفي " الصحيح " أن أبا طلحة قال : يا أم سليم ، لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع . وسيأتي الحديث في " دلائل النبوة " .
وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان ، أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع ، [ ص: 508 ] فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما أخرجكما ؟ " فقالا : الجوع . فقال : " والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما " . فذهبوا إلى حديقة أبي الهيثم بن التيهان ، فأطعمهم رطبا ، وذبح لهم شاة ، فأكلوا وشربوا الماء البارد ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " .
وقال الترمذي : ثنا عبد الله بن أبي زياد ، ثنا سيار ، ثنا سهل بن أسلم ، عن يزيد بن أبي منصور ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن حجرين . ثم قال : غريب .
وثبت في " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها سئلت عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان من أدم حشوه ليف .
وقال الحسن بن عرفة : ثنا عباد بن عباد المهلبي ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية ، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما هذا يا عائشة ؟ " قالت : قلت : يا رسول الله ، فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت [ ص: 509 ] إلي بهذا . فقال : " رديه " . قالت : فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي ، حتى قال ذلك ثلاث مرات . قالت : فقال : " رديه يا عائشة ، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة "
وقال الترمذي في " الشمائل " : حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري ، ثنا عبد الله بن ميمون ، ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : سئلت عائشة : ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك ؟ قالت : من أدم حشوه ليف . وسئلت حفصة : ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه ، فلما كان ذات ليلة قلت : لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له . فثنيناه له بأربع ثنيات ، فلما أصبح قال : " ما فرشتموني الليلة ؟ " قالت : قلنا : هو فراشك ، إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات . قلنا : هو أوطأ لك . قال : " ردوه لحالته الأولى ؛ فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة " .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني ، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري ، حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن حكيم بن حزام قال : [ ص: 510 ] خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن ، فأهديتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدة التي كانت بينه وبين قريش فقال : " لا أقبل هدية مشرك " فردها ، فبعتها فاشتراها ، فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه ، فما رأيت شيئا في شيء أحسن منه فيها ، فما ملكت أن قلت :
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما بدا واضح من غرة وحجول إذا قايسوه المجد أربى عليهم
كمستفرغ ماء الذناب سجيل
فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت إلي يتبسم ، ثم دخل فكساها أسامة بن زيد
وقال الإمام أحمد : حدثني حسين بن علي ، عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال : حدثني ربعي بن حراش ، عن أم سلمة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ساهم الوجه . قالت : فحسبت ذلك من وجع . فقلت : يا رسول الله ، أراك ساهم الوجه ، أفمن وجع ؟ فقال : " لا ، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها أمس ، أمسينا ولم ننفقها ، نسيتها في خصم الفراش " تفرد به أحمد .
[ ص: 511 ] وقال الإمام أحمد : ثنا أبو سلمة قال : أنا بكر بن مضر ، ثنا موسى بن جبير ، عن أبي أمامة بن سهل قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير يوما على عائشة فقالت : لو رأيتما نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في مرض مرضه . قالت : وكان له عندي ستة دنانير . قال موسى أو سبعة . قالت : فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها . قالت : فشغلني وجع نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله عز وجل . قالت : ثم سألني عنها فقال : " ما فعلت الستة ؟ " قال : أو " السبعة " قلت : لا والله لقد كان شغلني عنها وجعك . قالت : فدعا بها ثم صفها في كفه ، فقال : " ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده ؟ " تفرد به أحمد .
وقال قتيبة : ثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد . وهذا الحديث في " الصحيح " .
والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها ؛ لما ثبت في " الصحيحين " عن عمر ، أنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، فكان يعزل نفقة أهله سنة ، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل .
[ ص: 512 ] ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد : حدثنا مروان بن معاوية قال : أخبرني هلال بن سويد أبو معلى قال : سمعت أنس بن مالك وهو يقول : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر ، فأطعم خادمه طائرا ، فلما كان من الغد أتته به ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد ؛ فإن الله عز وجل يأتي برزق كل غد " .
حديث بلال في ذلك : قال البيهقي : ثنا أبو الحسين بن بشران ، أنا أبو محمد جعفر بن نصير ، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري : ، ثنا بكار بن محمد ، أنا عبد الله بن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على بلال ، فوجد عنده صبرا من تمر ، فقال : ما هذا يا بلال ؟ قال : تمر أدخره . قال : " ويحك يا بلال ! أو ما تخاف أن يكون له بخار في النار ؟ أنفق بلال ، ولا تخش من ذي العرش إقلالا " .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق