الخميس، 31 ديسمبر 2015

الأفكار اليهودية المدسوسة
ولقد أخبرنا عن أفكار ابن السوداء هذا، والتي حملها من اليهود المبغضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين وأمته أشد البغض وما جاء به عن الله تبارك وتعالى، الناقمين عليه وعليهم، والمكايدين والماكرين له ولهم، من أول يوم دخلوا يثرب وحولوها إلى المدينة، وقضوا على يهود قينقاع وبني النضير                                                                               وبني المصطلق ويهود خيبر وغيرهم، يخبرنا عن كل ذلك أقدم مؤرخ شيعي، وأول من كتب في الفرق من القوم ألا وهو النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة فقال:
" السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن علياً ـ عليه السلام ـ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقربه، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟. فصيره إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ـ عليه السلام ـ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم وولى علياً ـ عليه السلام ـ وكان يقول وهو علي يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ـ عليه السلام ـ بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي ـ عليه السلام ـ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ـ عليه السلام ـ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (1) ".
ويذكر أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع للشيعة في أقدم كتاب شيعي في الرجال عديدا من الروايات عن عبد الله بن سبأ وعقائده وأفكاره نثبت بعضاً منها هاهنا:
" حدثني محمد بن قولويه. قال: حدثني سعد بن عبد الله. قال حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة                                                        بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وأن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم ".
وبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين ـ صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله، كان علي ـ عليه السلام ـ والله عبداً صالحاً أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.
وبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله [بن سنان] قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ.
وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ـ عليه السلام ـ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون (وصي موسى بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في علي ـ عليه السلام ـ مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول                                                                                                                   بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخاليفه وكفرهم فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية (1) ".
وقال الحلي الشيعي الحسن بن علي في كتابه الرجالي المشهور:
" عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو، كان يدعي النبوة وأن علياً ـ عليه السلام ـ هو الله، فاستتابه عليه السلام ثلاثة أيام فلم يرجع، فأحرقه في النار في جملة سبعين رجلاً ادعوا فيه ذلك (2) ".
ومثل ذلك القول قام إمام متأخري الشيعة في الرجال المامقاني كتابه تنقيح المقال (3) "
وذكر مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه بالفارسية:
إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (أي عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدا يروج مذهبه ومسلكه، وإن لكل نبي وصياً وخليفة، فوصى رسول الله وخليفته ليس إلا علياً، المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت علياً، وغصبت حقه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان (4) ".
ومثل ذلك قال الرجالي الشيعي الإسترا آبادي:
إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين "ع" هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك فدعاه وسأله، فأقر، وقال: نعم أنت هو. فقال له أمير المؤمنين قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا(1) - رجال الكشي ص 100، 101.
(2) - كتاب الرجال للحلي ص 469 ط طهران ط 1383هـ.
(3) - ج 2 ص 184 ط إيران.
(4) - تاريخ شيعي: روضة الصفا في اللغة الفارسية [ج 2ص 292] ط طهران.                                                                                               وتب ثكلتك أمك، فأبى، فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار (1) ".
ولكن ابن أبي الحديد الشيعي الغالي المعتزلي شارح النهج يخالف ذلك بأن علياً أحرقه فإنه يرى أن القول بتأليه علي لم يظهره عبد الله بن سبأ إلا بعد وفاة علي ـ رضي الله عنه ـ فأظهره واتبعه قوم فسموا السبئية (2) ".
ويؤيده في ذلك من السنة عبد القادر البغدادي ولكنه يضيف إلى ذلك أن علياً لم يحرقه خوفاً من شماتة أهل الشام حيث يذكر ابن سبأ والسبئية:
السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ـ رضي الله عنه ـ وزعم أن كان نبياً، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غواة الكوفة،
ورفع خبرهم إلى علي ـ رضي الله عنه ـ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين، حتى قال بعض الشعراء في ذلك:
لترم بي الحوادث حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين
ثم إن علياً ـ رضي الله عنه ـ خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي ـ رضي الله عنه ـ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن علياً، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن علياً صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه علياً فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه(1) - منهج المقال ص 203.
(2) - شرج نهج البلاغة: ج2 ص                                                                                                                    وزعم بعض السبئية أن علياً في السحاب وأن الردع صوته والبرق صوته، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
وقد روى عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: إن علياً قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.
وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي دون غيره، وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدة بريء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات:
برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب
ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبا ... به أرجو غداً حسن الثواب
وقد ذكر الشعبي أن عبد الله بن السوداء وكان يعين السبئية على قولها، وكان ابن السوداء في الأصل يهودياً من أهل الحيرة فأظهر الإسلام، وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة، فذكر لهم أنه وجد في التوارة أن لكل نبي وصياً، وأن علياً ـ رضي الله عنه ـ وصي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خير الأوصياء كما أن محمداً خير الأنبياء، فلما سمع ذلك منه شيعة علي قالوا لعلي: إنه مجيبك، فرفع علي قدره، وأجلسه تحت درجة منبره. ثم بلغه فيه فهم بقتله، فنهاه ابن عباس عن ذلك وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام، وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلما خشي من قتله ومن قتل ابن سبأ الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن فافتتن بهما الرعاع بعد قتل علي ـ
رضي الله عنه ـ وقال لهم ابن السوداء: والله                                                                                                                                   لينبعن لعلي في مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عسلاً والأخرى سمناً، ويغترف منهما شيعته.
وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى ـ عليه السلام ـ فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر ودلس ضلالته في تأويلاته (1) ".
وذكر هذه وعقائده وجماعته من الشيعة كل من سعد القمي المتوفى 301هـ (2) ".
والطوسي شيخ الطائفة (3) والتستري في قاموس الرجال (4) وعباس القمي في تحفة الأحباب (5) والخوانساري في روضات الجنات (6) والأصبهاني في ناسخ التواريخ وصاحب روضة الصفا في تاريخه (7) ".
كما ذكر عقائده علماء من السنة كالبغدادي في الفرق بين الفرق كما مر آنفاً.
وبمثل هذا قال الإسفراييني في كتابه التبصير (8) والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (9) وابن حزم في الفصل وغيرهم.
وقال الشهرستاني تحت عنوان السبئية:
السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي ـ عليه السلام:                                                                   أنت أنت يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وزعموا أنه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى مثل ما قال في علي ـ عليه السلام ـ وهو أول من أظهر بالفرض بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أن علياً حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وإنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ـ عليه السلام ـ (1) ".
وقال ابن عساكر في تاريخه عن جابر قال:
لما بويع علي ـ رضي الله عنه ـ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى سابط المدائن (2) ".
وذكر الآلوسي نقلاً عن ابن الحكيم الدهلوي:
السبئية: وهم عبارة عن الذين يسبون الصحابة، إلا قليلاً منهم كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر ـ رضي الله عنهم ـ وينسبونهم ـ وحاشاهم ـ إلى الكفر والنفاق، ويتبرأون منهم، ومنهم من يزعم والعياذ بالله تعالى ارتداد جميع من حضر غدير خم يوم قال عليه الصلاة والسلام:" من كنت مولاه فعلي مولاه ". الحديث، ولم يف بمقتضاه من بيعة الأمير كرم الله وجهه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، بل بايع غيره، وهذه الفرقة حدثت في عهد الأمير رضي الله تعالى عنه                                                 أنت أنت يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وزعموا أنه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى مثل ما قال في علي ـ عليه السلام ـ وهو أول من أظهر بالفرض بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أن علياً حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وإنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ـ عليه السلام ـ (1) ".
وقال ابن عساكر في تاريخه عن جابر قال:
لما بويع علي ـ رضي الله عنه ـ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى سابط المدائن (2) ".
وذكر الآلوسي نقلاً عن ابن الحكيم الدهلوي:
السبئية: وهم عبارة عن الذين يسبون الصحابة، إلا قليلاً منهم كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر ـ رضي الله عنهم ـ وينسبونهم ـ وحاشاهم ـ إلى الكفر والنفاق، ويتبرأون منهم، ومنهم من يزعم والعياذ بالله تعالى ارتداد جميع من حضر غدير خم يوم قال عليه الصلاة والسلام:" من كنت مولاه فعلي مولاه ". الحديث، ولم يف بمقتضاه من بيعة الأمير كرم الله وجهه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، بل بايع غيره، وهذه الفرقة حدثت في عهد الأمير رضي الله تعالى عنه                                                بإغراء عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني (1) ".
وأخيراً ننقل ما كتبه أحمد أمين عنه وعن جماعته:
انتشرت الجماعة السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره، ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ ـ وكان من يهود اليمن فأسلم ـ فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووثب على وصيه، وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل (2) ".
" وأنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذا الإسلام ستاراً يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه: الوصاية والرجعة. فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمداً يرجع، وكان مما قاله: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمداً يرجع، ثم نراه تحول ـ ولا ندري لأي سبب ـ إلى القول بأن علياً يرجع. وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال ـ لما قتل علي ـ لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقناه موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي الياس (عليه السلام) صعد إلى السماء،
وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في                                                                                والملل والرجال والتاريخ وهي متفقة لفظاً ومعنى تقريباً في ذكره وأوصافه ونعوته وعقائده وأفكاره؟
ثم ولماذا الخوف من الفضيحة والعار؟ وإن كان هناك عار فلماذا التستر.
وهل لا يجر هذا الإنكار إلى أن ينكر شخص وجود علي ومعاوية ووقوع الحوادث إن كان هناك مجرد إنكار؟. وما أعدله ما قاله عالم شيعي معاصر قريب ـ مع تعصبه ـ وهو يذكر الغلو وتاريخه، فيقول: إنه بعد تولية أمير المؤمنين على منصب الخلافة ظهر في أيامه قوم وأرادوا إخراجها من قالب " الموالاة والتمسك " إلى قالب التأليه لعلي (ع) " ولما بلغه عنهم ذلك أنكره أشد الإنكار. وحرق بالنار جماعة ممن غلا فيه ".
والظاهر أن عبد الله بن سبأ لم يكن (وقتئذ) على هذه المقالة الغالية ولا شمله الإحراق، وهذا ما يراه ابن أبي الحديد بقوله: استترت هذه المقالة سنة أو نحوها ثم ظهر عبد الله بن سبأ بعد وفاة علي أمير المؤمنين (ع) فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية.
ويوافقه الشهرستاني بقوله: وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي عليه السلام " ولكن الاسترا بادي يخالفهما بما رواه من أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين (ع) هو الله تعالى. فبلغ أمير المؤمنين: قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب ثكلتك أمك. فأبى فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار " ولا يبعد أن يكون الأرجح ما قاله ابن أبي الحديد من أن ابن سبأ لم يشمله الإحراق وأنه أظهر تلك المقالة بعد وفاة أمير المؤمنين (ع). ووافقه الشهرستاني على ذلك وأن قال قلبه: " إن ابن سبأ قال لعلي ـ عليه السلام                                                                                                 أنت، أنت، يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن " ولا ينافي هذا القول قوله الآخر إذ من المحتمل قريباً أن يكون ابن سبأ قد قال لعلي (أنت، أنت) لكنه قد أخفاه في حياة علي (ع) أيام منفاه وبعدها إلى أن توفي علي (ع) فأظهره بعد ذلك بسنة أو بأقل.
وعلى كل حال فإن الرجل ـ أي ابن سبأ ـ كان في عالم الوجود وأظهر الغلو. وإن شك بضعهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً شخصته الأغراض الشخصية، أما نحن بحسب الاستقراء الأخير فلا نشك بوجوده وغلوه ..... نعم غلا ابن سبأ في دينه وتسربت بدعته هذه إلى أفكار جماعة غير قليلة، قد سميت باسمه. وأخذت بعد ذلك بالتطور السريع حتى تجاوزت عن القول بإلهية فرد من المخلوقين إلى القول بإلهية اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من أهل البيت عليهم السلام (1).
وقد أقر بوجوده من أعلام الشيعة المتأخرين المظفري في كتابه تاريخ الشيعة (2).
وكذلك كبير القوم السيد محسن الأمين في موسوعته (3).
وغيرهم الكثيرون، الكثيرون.
فهذا هو عبد الله بن سبأ، وهذه العقائد التي حملها إلى المسلمين وإلى الشيعة بالذات بتعبير صحيح ودقيق، لأنهم هم كانوا الحقل الصالح لبذر هذه البذور، ومنهم [من] كان يتوقع أن يجد آذانا صاغية وقلوباً واعية، وباسم قائدهم كان يتوقع إثارة الضغائن والأحقاد.                                                                                                                                 وفعلاً استطاع جذب الكثير منهم إليه وإلى معتقداته خصوصاً بعد ما كان مظفراً منصوراً في إتاحة حكم الإمام المظلوم عثمان بن عفان له اختلاق قصص باطلة وأساطير كاذبة (1) وتكوينه جمعية سرية تعتقد في علي ـ رضي الله عنه ـ وصابة النبي صلى الله عليه وسلم ووراثته، وإيجاد رجال يقدسونه ويؤلهونه ويصفونه بأوصاف ونعوت هي لله خاصة، فدخل هؤلاء كلهم تحت رايته في شيعة علي ـ رضي الله عنه ـ واندمجوا معهم، وبدأوا ينفثون السموم إلى رفاقهم ومصاحبيهم ومجالسيهم، فتأثر من تأثر وكتم من كتم وظهر من ظهر، فنكل الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بمن اكتشف وأظهر عقيدته الأصلية الخافية وعذبهم أشد العذاب، وطرد بعضاً منهم وقتل البعض الآخرين سيفاً وحرقاً، وأعلن في ملأ من الناس أنه ليس إلا عبد الله طائعاً، وأن من يكتشف أنه من السبئيين يعمل به ما عمل بالمحرقين، ومن وجده متأثراً منهم وعلم أنه يفضله على الشيخين أو يتكلم فيهم فيجلده حد المفتري كما روى زيد بن وهب أن سويد بن غفلة.
دخل على علي في إمارته فقال: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك منهم، عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبدا، ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما بطوله وفي آخره: ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد(1) - نخصص لهذه القصص الباطلة والأساطير الموضوعة باباً مستقلاً في هذا الكتاب لما لها من علاقة وثيقة بشيعة اليوم، وأنهم لم يأخذوا هذه التهم إلا من عبد الله بن سبأ، كما أخذوا العقائد منه وسنبين هذا كله مفصلاً إن شاء الله بالبراهين والأدلة                                                                                                       المفتري (1) ".
وذكر الهمداني المعتزلي المتوفى 415هـ هذه الرواية أيضاً ولكن فيها من الفوائد ما ليست في غيرها، فنريد أن نثبتها هاهنا، فإنه يقول: وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدهم حجراً، حجراً، ويظهر على أهل الأرض ويكشف أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.
ولقد أتى أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ سويد بن غفلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ووزيراه ـ رحمة الله عليهما ـ ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضاً على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة،
ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عليه متنزه، ومما قالوا برئ، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يرى مثل رأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما أحداً، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنين عنهما راضون، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على صلاة                                                                  المؤمنين فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض الله نبيه عليه السلام واختار له ما عنده، مضى مفقودا صلى الله عليه وسلم، ولاه المؤمنين ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعاً، وأقدمه سلماً وإسلاما، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفواً ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبضه الله على ذلك، ثم ولى الأمر بعده عمر، واستأمر في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي منهم ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقاً رحيماً لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عوناً وناصراً على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شانه، حتى إن كنا لنظن أن ملكاً ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام وجعل هجرته للدين قواماً، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح حنقاً مغتاضاً على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله فمن لكم بمثلهما ـ رحمة الله عليهما ـ ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما ن واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما ن ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا اشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي                                                                                                   ولكم (1) ".
وأورد هذه الخطبة كثير من الشيعة والسنة، ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي الشيعي من همه البطش بمن يتكلم في أبي بكر وعمر كما مر.
فكتم السبئيون أمرهم وبدأوا يعملون في السر والخفاء وتقنعوا بقناع التقية (2) "
وهكذا حاول واستطاع علي ـ رضي الله عنه ـ الحفاظ على شيعته، وحال بينهم وبين العقائد اليهودية المجوسية ولكنه لم يكد يقضي عليه ويستشهد بيد ابن ملجم المرادي الخارجي حتى ظهرت السبئية بكل قوة، وعبد الله بن سبأ بكل صراحة، حتى قال لمن نعاه بشهادته:
كذبت عدو الله لو جئتنا ـ والله ـ بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض، ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي، فاستأذنوه عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا نعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار الثقيل ويلمع في ظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام (3) ".(1) - تثبيت دلائل النبوة للهمذاني ج 2 ص 546 - 548 ط بيروت.
(2) - ولعل عقيدة التقية أيضاً انتقلت إلى الشيعة من هؤلاء الناس لأنهم أول من استعملها خوفاً من عقوبة علي ـ رضي الله عنه ـ ومطاردته.
(3) - المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الشيعي القمي، تثبت دلائل النبوة ج2 ص                                                                                                        وادعت هذه الفئة الخبيثة وهذه الفرقة المارقة عن الدين وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ هو الذي لقنهم هذه التعاليم، وهم لم يتلقوا هذه الأفكار إلا منه كما أشار إلى ذلك الكثيرون من المؤرخين وأئمة الرجال والفرق. ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي أن عبد الله بن سبأ كان يقول في حياة علي ـ رضي الله عنه ـ أن علياً هو الذي أمره باللعن والطعن على أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما (1).
فانخدع به كثير من الشيعة ومالوا إليه وإلى أقواله والعقائد التي اخترعها واختلقها، وبذلك تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى، فصار التشيع مذهباً دينياً بعد أن كان سياسياً محضاً، وصارت الشيعة حزباً دينيا بعد أن كانوا حزباً سياسياً خالصاً.
ولقد قال بهذا القول المستشرق الألماني "ولهوزن" أيضاً حيث يذكر الشيعة الأولى بأنهم تمكنوا أولاً في العراق.
ولم يكونوا في الأصل فرقة دينية، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الإقليم كله. فكان جميع سكان العراق، خصوصاً أهل الكوفة، خصوصاً القبائل ورؤساء القبائل، ولا يلاحظ بينهم إلا درجات في التشيع. لقد كان علي في نظرهم رمزاً لسيادة بلدهم المفقود. ومن هنا نشأ تمجيد شخصه وآل بيته، تمجيداً لم يرتح له أثناء حياته، على أنه ما لبث أن تكونت في أحضان مذهب سري عبادة حقيقية لشخصه (2) ".
وهذا هو القول الحق لأن علياً ـ رضي الله عنه ـ لم ينقل في الصحيح عنه أنه كان يعد نفسه أو أهل بيته مختلفين عن أبي بكر وعمر                                                                            وعثمان، بل كان يفضلهم عليه وعلى أولاده، وكان ينتهج منهجهم ويسلك سبيلهم، وكان يعد خلافته امتداداً لخلافتهم كما ذكر ذلك في خطبته المشهورة المنقولة عنه أنه قال مخاطباً معاوية في كتاب له إليه:
إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار والغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.
ولعمري، يا معاوية، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك. والسلام (1) ".
وعلى ذلك قال ولهوزن:
كان القدماء من أنصار علي يعدونه في مرتبة مساوية لسائر الخلفاء الراشدين. فكان يسلك مع أبي بكر وعمر وكذلك مع عثمان ـ طالما كان عادلاً في خلافته ـ في سلك واحد، وكان يوضع في مقابل الأمويين المغتصبين للخلافة بوصفه استمراراً للخلافة الشرعية. وحقه في الخلافة ناشئ عن أنه كان من أفاضل الصحابة وأنهم وضعوه في القمة وتلقى البيعة من أهل المدينة، ولم ينشأ هذا الحق ـ أو على الأقل لم ينشأ مباشرة ـ عن كونه من آل بيت الرسول (2) ".
وهذه الحقيقة الثابتة الناصعة لا ينكرها إلا لجاهل أو المتجاهل المكابر المعاند.
ثم ولم يجد التشيع هذا والسبئيون طريقاً للتقدم أمامهم إلا                                                ======لضعف الحسين بن علي ـ رضي الله عنه ـ في لم الأمور وجمعها أو السيطرة الكاملة على جماعة أبيه، والمؤامرات الكامنة وراء الأستار من قبل اليهودية وانظمام المجوسية، إليها لاندحارها أمام زحف الإسلام والجيوش الإسلامية الظافرة المنصورة، وتكالب الموالي الفرس ضد العرب المسلمين الهازمين قوتهم وشوكتهم، والمدمرين حضارتهم، وأيضاً تكاتف المنتفعين الآخرين ومن أبناء الأمم المدحورة الأخرى الذين كانوا يتحينون الفرص المواتية للانتفاضة ضد الفاتحين والحكام الباعثين البعوث، والمرسلين العساكر، والمجندين الجنود للقضاء على بقيتهم الباقية وعلى الوثنيات والشركيات، وظلم الظلمة وغلبة الطغاة المستبدين.
فلم يجد الحسن ـ رضي الله عنه وعن أبيه ـ قوة كافية لردع هؤلاء والحيلولة بينهم وبين تسرب أفكارهم إلى شيعته وشيعة أبيه المخلصين، خصوصا بعدما تسرب في قلوب شيعته الوهن والضعف، وازداد جبنهم وتخاذلهم، فكثر الكذب باسم أهل البيت، وفشت العقائد المدسوسة كما أقر بذلك الشيعي المشهور السيد محسن الأمين في موسوعته نقلاً عن واحد من أئمته أنه قال:
" قال السيد علي خان في كتاب الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة: روى عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ أنه قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس أن رسول الله (ص) قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس، فمالأت علينا قريش حتى أخرجت قريش الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت فنكثت بيعتنا=====================================ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب عسكره وعوجلت خلاخل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته وهم وقليل حق قليل، ثم بايع الحسين أهل العراق عشرون ألفاً غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم فقتلوه ن ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ونقصى ونمتهن ونحرم، نقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أولياءنا، ووجد الكذابون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس (1) ".
فكذب الكذابون ووضعوا أقوالاً وروايات مختلقة ومخترعة لترويج باطلهم ونشر ضلالاتهم، وعليّ وأولاده الطيبون منها براء، وعلى رأس الوضاعين الدجالين والسعاة السبئيون وقائدهم عبد الله بن سبأ، فنجح ونجحوا أيما نجاح حيث استطاعوا وبعد مدة طويلة وحوادث عديدة أن يفتنوا كثيراً من الناس وأن يخدعوهم ويخرجوهم عن الإسلام الصحيح الصريح، عن دين الله إلى المذهب الأجنبي الغريب، أن يخرجوهم عن العقائد الإسلامية الساذجة البسيطة، الخالية من شوائب الشرك والوثنية، وعن وحدانية الله عز وجل، وعن الحرية والجهاد والديمقراطية! والعدل وعن كرامة الإنسان بعدم التفريق بينه وبين الآخر في الحسب والنسب والجاه والحكومة والرئاسة، نعم أخرجهم عن هذا كله وألزمهم العقائد الفلسفية الكلامية المعقدة المأخوذة عن التفلسف اليهودي والوثنية المجوسية والغوامض المسيحية، وإلى الإشراك بالله                                                                  والعبودية والاستغلال والتفرقة بين بني آدم بالحسب والنسب والجاه والحكم والرئاسة، وأن شخصاً أفضل لأنه ولد في بيئة فلانية، وليس له شرف سواه، وأن فلاناً أرذل لأنه لم يولد في تلك الأسرة الأرستقراطية ولو حاز جميع أوصاف الشرف والمكرمة وغير ذلك من السخافات والترهات، فصار
السبئيون أصلاً لكل فرقة خرجت عن الشيعة، وصارت أفكار ابن السوداء عقائد لجميع تلك الفرق، فافترقوا حسب اختلافهم بالأخذ عنهم وعنها، فمن أخذها بحذافيرها سمي بذلك ومن أخذ بعضها وترك بعضاً منها سمي بأولئك، ومن أخذ الأكثر وترك القليل سمي بهذا الاسم، وهكذا ولكنها ولا واحدة منها سلكت مسلكاً غير مسلكهم، ولا انتهجت غير منهجهم، ولا مشت غير ممشاهم، وسوف ترى كل ذلك بعينيك وتشاهدها بنفسك بكتب موثوقة معتمدة وبالأدلة والبراهين كما سنبينه في باب الفرق في الباب المستقل من هذا الكتاب حول فرق الشيعة.
وعلى ذلك قال الحكيم الدهلوي عند بحثه عن فرق الشيعة وبعد ذكر الصحابة.                                                وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض وأسلافهم ومسلمو الثبوت عندهم فإنهم وضعوا بناء دينهم وأيمانهم في تلك الطبقة على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن الأمير ـ كرم الله تعالى وجهه ـ بواسطة هؤلاء الرجال. وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك المنافقين في هذا الباب، وقالوا إنهم قبل وقوع التحكيم كانوا مغلوبين لكثرة الشيعة الأولى في عسكر الأمير وتغلبهم ولما وقع التحكيم وحصل اليأس من انتظام أمور الخلافة وكادت المدة المعينة للخلافة تتم وتنقرض وتخلفها نوبة العضوض رجع الشيعة الأولى من دومة الجندل التي كانت محل التحكيم إلى أوطانهم لحصول اليأس من نصرة الدين وشرعوا بتأييده بترويج أحكام الشريعة والإرشاد ورواية الأحاديث وتفسير القرآن المجيد كما أن الأمير ـ كرم الله تعالى وجهه ـ دخل الكوفة واشتغل بمثل هذه الأمور، ولم يبق في ركاب الأمير إذ ذاك من الشيعة الأولى إلا القليل ممن كانت له دار في الكوفة فلما رأت هاتيك الفرقة الضالة المجال في إظهار ضلالتهم أظهروا ما كانوا يخفونه من إساءة الأدب في حق الأمير وسب أصحابه وأتباعه الأحياء منهم والأموات، ومع هذا كان لهم طمع في المناصب أيضاً لأن العراق وخراسان وفارس والبلاد الأخر الواقعة في تلك الأطراف كانت باقية بعد في تصرف الأمير وحكومته، والأمير ـ كرم الله تعالى وجهه ـ عاملهم كما عاملوه كما وقع ذلك لموسى عليه السلام مع اليهود ولنبينا محمد عليه الصلاة والسلام مع المنافقين (1) ".
وقد أقر بذلك النوبختي حيث كتب:
" فلما قتل علي ـ عليه السلام افترقت [الناس] التي تثبت على إمامته                              =========فصاروا فرقاً ثلاثا: فرقة منهم قالت إن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي صلى الله عليه وآله من هذه الأمة، وأول من قال بالغلو، وهذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال: إن علياً ـ عليه السلام ـ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله
فصاح الناس إليه يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ـ عليه السلام ـ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ـ عليه السلام ـ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في علي ـ عليه السلام ـ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ـ عليه السلام ـ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (1) ".
ومثل ذلك ذكره الكشي وغيره ممن تقدم ذكرهم.
وقصداً أعدنا هذه العبارة لما لها من علاقة مباشرة بالموضوع، ولما لها أهمية كبيرة في فهم التشيع والشيعة، ولنعيد إلى ذهن القارئ ما لعله قد غاب عنه.(1) - فرق الشيعة للنوبختي ص 43 - 44.                                                                   فكان هذا أول حدث عقائدي في التشيع وتغيير جذري غير منهج الشيعة في الفكر والرأي عبر القرون، ومن هنا بدأت تتزعم اليهودية وتترأس أفكار التشيع والشيعة كما أقر بذلك النوبختي وبعده الكشي وقبله سعد القمي وغيرهم الكثيرون، الكثيرون، وإليه ذهب كل من حقق ودقق وغربل التاريخ من المسلمين وغير المسلمين من المؤرخين والرجاليين وأصحاب المقالات في الفرق والعقائد من السنة والشيعة والمستشرقين من اليهود والنصارى وغيرهم فيقول ولهوزن وهو يذكر السبئية:
ومنشأ السبئية يرجع إلى زمان علي والحسن وتنسب إلى عبد الله بن سبأ. وكما يتضح من اسمه الغريب، فإنه أيضاً يمنياً، والواقع أنه من العاصمة صنعاء. ويقال أيضاً أنه كان يهودياً. وهذا يقود إلى القول بأصل يهودي لفرقة السبئية. والمسلمون يطلقون (اليهودي) على ما ليس في الواقع كذلك. بيد أنه يلوح أن مذهب الشيعة، الذي ينسب إلى عبد الله بن سبأ أنه مؤسسه، إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين (1) ".
وسوف نتكلم عن السبئية وعقائدها التي سلحهم بها اليهود وغيرهم في باب آخر حيث نضطر إلى إعادة القول عن السبئية هناك، وقبل أن نأتي إلى آخر القول نريد أن نذكر هاهنا أن جماعة من الشيعة الأولى لا زالوا على عقائدهم الأصلية والتي ليس بينهما وبين عقائد المسلمين الأولين أي فرق إلى أن حصلت التغييرات الأخرى وعلى رأس هؤلاء كان أولاد علي ـ رضي الله عنه ـ من الحسن والحسين
ومحمد وأبي بكر وعمر وعثمان والعباس وغيرهم من أبناء عليّ وبقية الهاشميين.               من أبناء العباس وعقيل وجعفر وطالب وغيرهم من أبناء عمومة الحسنين وأبناء أعمام أبيهم.
وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الباب، ومن ثم ننتقل إلى باب آخر. وهو يشتمل على التهم الباطلة والإيرادات الواهية والمطاعن المختلفة التي اخترعها السبئيون للقضاء على دولة الإسلام وأميرها خليفة المسلمين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ لأنه خلف بعد الشيعة الأولى خلف تبنوا هذه الأفكار وتركوا سبيل عليّ وأهل بيته، فسلطوا ألسنتهم وأقلامهم تبعاً لسلفهم غير الصالح على ذلك الإمام المظلوم الذي قتل ظلماً وبغياً وجوراً، كما أن له علاقة بالموضوع حيث إن قتلته أو من ساعد قاتليه على قتله هم الذين أيدوا السبئية، ومنهم تكونت وبآرائهم اعتنقوا وبأفكارهم تضللوا وانحرفوا عن جادة الحق والهدى، والضغائن، وثبت التفرقة والانشقاق، وتثير الآلام وتقشر الجراحات وتحيي الأوجاع، وبهذا نمشي أيضاً مع مجرى التاريخ وثمراته ونتائجه وبالله التوفيق ونسأله العدل في القول، والإصابة في الحق، وهو لي القبول

 التشيع والسبأية
إن الشيعة الأولى مع ما كان فيهم من التخاذل عن الحق والتكاسل عن مناصرة قائدهم علي ـ رضي الله عنه ـ وجبنهم وغدرهم وخيانتهم وحبهم الدنيا وما فيها وإيثار الحياة على الموت في سبيل الحق كما وصفهم علي ـ رضي الله عنه ـ مخاطباً إياهم:
وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته (1) ".
كانوا مع ذلك كله لا يختلفون عن الآخرين في العقائد والأفكار كإنكار القرآن والاعتقاد بتحريفه وتغييره، وإنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام، كما لم يكونوا مكفرين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنكرين فضلهم، وبخاصة الخلفاء الراشدون الثلاثة، أبو بكر وعمر وعثمان، وأزواج النبي صلوات الله عليه وسلامه عليه أمهات المؤمنين ولم [يكن لهم] مذهباً خاصاً غير مذهب المسلمين، العامة ولا عبادات وشعائر وطقوسا مخصوصة، فكانوا يصلون بصلواتهم وخلفهم، ويحجون بحججهم وتحت إمرتهم، كما كانوا يصاهرونهم، يزوجونهم ويتزوجون منهم قبل الحروب وبعدها، وقبل الحوادث الأليمة وبعدها كما بيناه سابقاً وكما سنبينه مفصلاً إن شاء الله، إلا من تأثر بالأفكار المدخولة والدسائس                                       اليهودية والأفكار غير الإسلامية من السبئيين المتظاهرين بالإسلام، والمتسترين به، وخرج بذلك عن الجادة المستقيمة، وعن جماعة علي وشيعته، كالسبئيين والخوارج وغيرها من الفرق المنحرفة الضالة الباغية الذين ليس لهم علاقة لا بعلي ولا بأولاده، وهو والطيبون من أولاده منهم براء، وقد اخترعوا في الدين وباسم الدين ما لم ينزل به القرآن ولم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان الأولون على ذل ولم ينقل عن واحد منهم خلاف هذا ولكنهم بعد ذلك بزمان وخصوصاً بعد شهادة الحسين ـ رضي الله عنه ـ تمسكوا بنفس الأفكار التي كانت تحملها السبئية وبث سمومها اليهودية والمجوسية وغيرها من الفرق الباطلة الهدامة المعاندة للأمة الإسلامية، فاعتنقوها وعلى قدر الإغراق والتمسك والاعتصام بهذه الأفكار زادوا في الضلالات والسفاهات، وافترقوا بفرق، فمنهم من غالى وجازف وتجاوز جميع الحدود، فسموا المغالين، ومنهم من توسط لا في الحق ولكنه في الأخذ عن الباطل فسموا المتوسطين، ومنهم من أخذ أشياء يسيرة واغترف غرفة أو غرفتين ولم ينزل في قعرها ولم يسبح في وسطها فسموا المعتدلين والمنصفين، ولكن كل هؤلاء يجمعهم التلمذة على اليهودية الأثيمة والتشبث بأذيال عبد الله بن سبأ، ابن سوداء اليهودي الخبيث الماكر، فكل أخذ بقدره واكتفى بحظه، اللهم إلا من تبرأ منهم علناً وجهراً ومن أفكارهم، فرفضوه على تبرئه الكامل (1)، وكانت هذه الأفكار والآراء التي دست بين المسلمين وخصوصا بين الموالين لعلي (2) وأولاده بعد مؤامرة دبرت واحكم نسيجها من قبل يهود اليمن باشتراك الآخرين على يد عبد الله بن سبأ، تتكون من تفريق كلمة المسلمين(1) - كأتباع زيد بن علي بن الحسين المنصفون منهم، ولو أن بعضاً منهم يدعي اتباعه بنهج نفيس المنهج ويسلك نفس المسلك كما سيأتي بيانه مفصلاً إن شاء الله.
(2) - لأنهم استعملوا اسم علي وأهل بيته ـ كذباً وزوراً ـ لتستر على نواياهم الخفية ومقاصدهم الخبيثة، ولذلك اغتر بهم قوم يدعون موالاة علي وأهل بيته ـ رضوان الله عليهم أجمعين.                                                                   وتشتيت شملهم وإيقاع الفتن وسل السيوف بينهم وإفساد الدين على
المسلمين ونشر الإباحية والإلحاد، ولقصد تبديل الشريعة السماوية وتغييرها وتعطيلها، وعلى ذلك قال الإسفراييني (1) بعد ذكر جميع فرق الشيعة.
وأعلم أن جميع من ذكرناهم من فرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة ويدعون أن القرآن قد غير عما كان ووقع فيه الزيادة والنقصان من قبل الصحابة ويزعمون أنه لا اعتماد على القرآن الأول ولا على شيء من الأخبار المروية عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنه قد كان في القرآن النص على إمامة علي فأسقطه الصحابة عنه. ويزعمون أنه لا اعتماد على الشريعة التي في أيدي المسلمين، وينتظرون إماماً يسمونه المهدي يخرج ويعلمهم الشريعة وليسوا في الحال على شيء من الدين، وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلمة تكليف الشريعة عن أنفسهم، حتى يتوسعوا في استحلال المحرمات الشريعة، ويعتذر عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة، وتغيير القرآن من عند الصحابة، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شيء من الدين (2) ".
هذا وبما أننا ذكرنا ونريد أن نذكر ونثبت أن تطور التشيع الأول وتغيير الشيعة الأولى لم يكن إلا لإدخال الأفكار اليهودية والمجوسية، والمتمثلة في عبد الله بن سبأ أو السبئية واعتناق الشيعة لها واعتقادها، فلا بد لنا أن نذكر عبد الله بن سبأ وجماعته السبئيين ومساعيهم لنشر الفتنة والفساد وبث سموم المعتقدات غير الإسلامية في نفوس الضعفاء والجهلة(1) - هو أبو المظفر شاهنور بن طاهر بن محمد الإسفراييني الشافعي المفسر، إمام بارع، صنف التفسير الكبير وصنف في الأصول وسافر في طلب العلم وحصل الكثير، ارتبطه نظام الملك بطوس، فأقام بها سنين ودرس بها العلوم وأفاد الكثير، واستفاد الناس منه، وله مؤلفات عديدة منها كتاب التبصير توفي سنة 471هـ.
(2) - التبصير في الدين للأسفراييني ص 43 ط بغداد                                                                                                                                               من الناس لأن الكلام إلا على الكلام حولهم وحولها أي السبئيين وأفكارهم.

عبد الله بن سبا والسبئية
إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً من أهل صنعاء. أمه سوداء " وقد كان عبد الله بن سبأ هذا يهودياً في قلبه حفيظة على الدين الجديد الذي أزال ما كان اليهود يتمتعون به من الهيمنة والسلطان على عرب المدينة والحجاز عامة، فأسلم في أيام عثمان، ثم تنقل في بلاد الحجاز، ثم ذهب إلى البصرة، ثم إلى الكوفة، ثم إلى الشام، وهو يحاول في كل بلد ينزل بها أن يضل ضعاف الأحلام، ولكنه لم يستطع السبيل إلى ذلك، فأتى مصر فأقام بين أهلها، وما فتئ يلفتهم/ عن أصول دينهم، ويزيد لهم بما يزخرفه من القول حتى وجد مرتعاً خصيباً، وكان مما قاله لهم: إني لأعجب كيف تصدقون أن عيسى بن مريم يرجع إلى هذه الدنيا وتكذبون أن محمداً يرجع إليها؟. وما زال بهم حتى انقادوا إلى القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، فكان هو أول من وضع لأهل هذه الملة القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، إنه قد كان لكل
نبي وصي، وأن علي بن أبي طالب هو وصي محمد صلى الله عليه وسلم! وليس في الناس من هو أظلم ممن احتجر وصية رسول الله ولم يجزها، بل هو يتعدى ذلك فيثب على الوصي ويقتسره على حقه، وإن عثمان قد أخذ حق على وظلمة، فانهضوا في هذا الأمر، وليكن سبيلكم إلى إعادة الحق لأهله الطعن على أمرائكم وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنكم تستميلون بذلك قلوب الناس، واتخذ لهذه الدعوة وأنصار بثهم في الأمصار، وما زال يكاتبهم ويكاتبونه حتى نفذ قضاء الله، وكان الضحية الأولى لهذه المؤامرة ذلك الخليفة الذي قتل مظلوماً، وبين يديه كتاب الله واعتدى على منزله وحرمه، وكان قضاء الله قدراً مقدورا (1                                                                               ولقد ذكره أقدم المؤرخين الطبري عنه بقوله:" كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله عز وجل {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلى خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس                                                                                                             

                                  الذي يأتينا قال لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم قال فانتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالاً سواهم فرجعوا جميعاً قبل عمار فقالوا أيها الناس ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعاً الأمر أم المسلمين إلا أن
أمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم واستبطأ الناس عماراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمار قد استماله قوم مصر وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر (1) ".
وبمثل ذلك قال ابن كثير وابن الأثير (2).
وقال ابن خلدون في تاريخه عنه:
" إن عبد الله بن سبأ يعرف بابن السوداء كان يهودياً فهاجر أيام عثمان فلم يحسن إسلامه، فأخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثم بالشام وأخرجوه فلحق بمصر، وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر إلى أهل البيت .... وكان يحرض الناس على القيام في ذلك والطعن على الأمراء فاستمال الناس بذلك في الأمصار وكاتب به بعضهم بعضاً، وكان معه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر، فثبطوا عماراً عن المسير إلى المدينة، (وكان مما أنكروه على عثمان) إخراج أبي ذر من(1) - الطبري ج5 ص98 - 99.
(2) - البداية والنهاية ج 7 ص 167 ط بيروت                                                                                                                                                الشام ومن المدينة إلى الربذة، وكان الذي دعا إلى ذلك شدة الورع من أبي ذر وحمله الناس على شدائد الأمور والزهد في الدنيا، وأنه لا ينبغي لأحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه، ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة، وكان بن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله: المال مال الله، ويوهم أن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عاتب أبو ذر معاوية، فاستعتب له وقال: سأقول: مال المسلمين، واتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك، فدفعوه، وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذر (1) ".
وقد ذكره الحافظ ابن حجر عن [ابن] عساكر في تاريخه:
" كان أصله من اليمن، وكان يهودياً فأظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر، ودخل دمشق لذلك (2) ".
ومثل ذلك قال الإسفراييني:
" إن ابن سوداء كان رجلاً يهودياً ن وكان قد تستر بالإسلام، أراد أن يفسد الدين على المسلمين (3) ".
وأما سعيه للفتنة والفساد فلقد ورد طرف من أخباره فيما ذكرناه وكما ذكره الطبري مفصلاً في تاريخه أنه كان يوماً في البصرة ويوماً في الكوفة ويوماً في مصر كما ذكر عن حكيم بن جبلة.
لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أنه في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة وكان حكيم بن جبلة رجلاً لصاً إذا قفل الجيش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس يغير على أهل الذمة(1) - تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 139 تحت عنوان بدا الانتقاص على عثمان.
(2) - لسان الميزان ج 3 ص 289.
(3) - التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني: ص 109.                                                                     ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ن ثم يرجع فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها، فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح فقبلوا منه واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر فسأله من أنت؟. فأخبر أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، فاخرج عني فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم (1) ".
ثم كان في مصر، ومن مصر جاء مع قتلة عثمان إلى المدينة.
خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا ومعهم ابن سوداء (2) ".
ولقد كتب أحمد أمين المصري عنه:
" إن ابن السوداء أتى إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت فلم يسمعا قوله وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر، ونحن نعلم أن ابن السوداء هذا لقب به عبد الله بن سبأ، وكان يهودياً من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان وأنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبث في البلاد عقائد كثيرة: في الحجاز والبصرة(1) - الطبري ج5 ص90
(2) - الطبري ج5 ص 103، 104.                                                                  والكوفة والشام ومصر، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن (1) ".
وكتب أيضاً:
" وهو الذي حرك أبا ذر الغفاري لدعوة الاشتراكية وهو الذي كان من أكبر من ألب على عثمان في الأمصار .... والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم
الإسلام وألف جمعية سرية لبث تعاليمه واتخذ الإسلام ستاراً يستر به نواياه، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته، فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فاخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله أناس من أهلها " (2).
وقبل أن نستطرد في الأسباب التي جعلوها وسيلة لتفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم وتمزيق كلمتهم والتآمر على أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره ذي النورين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ نريد أن نذكر العقائد اليهودية التي نفث سمومها هذا الخبيث، الملعون على لسان علي ـ رضي الله عنه ـ وأتقنها القوم، وفرعت عليه الفروع، وعليها وبها افترقت فرقهم وذهب كل فريق منهم إلى ما يهوونه ويشتهونه. 
  

   قبول زين العابدين الهدايا من مروان
    آل علي كانوا يصلون خلف الأموين
    تطور التشيع وتغيير الشيعة

    محاولة اليهود والمنافقين والمجوس القضاء على الإسلام وعلى الخلافة الإسلامية - مطاعنهم على أصحاب النبى - براءة الشيعة الأولى منهم. تخاذل الشيعة ومعاتبة علي إياهم=الأربعة التي عليها تدور رحى الفرقة الإمامية. وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء .... وإذا تأمل فيها المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه وتورثه الوثوق ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها (1) ".

أن علي بن الحسين قال ليزيد بن معاوية: " أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع (2) ".
وكذلك كان البقية ممن أدركوا بني أمية، وعلى منوالهم من أدركوا الدور العباسي اللهم إلا الذين حاربوا ونازعوا الملك فلم يكن حظهم حليفهم حيث حوربوا ممن حاربوا وقتلوا، كما لم يكن معاملة الشيعة وخاصة الإثني عشرية مع أئمتهم طيبة حيث رفضوهم وكفروهم، فقوتلوا وحوربوا من جانب (الأعداء) وكفروا ورفضوا من قبل (الأحياء) بدعوى: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر (3).
وعن الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك: ويوم ترى الذين كذبوا على الله؟ قال: كل من زعم أنه إمام وليس بإمام، قلت وإن كان فاطمياً علوياً 3 ".
وحصيلة البحث أن التشيع الأول لم يكن مدلوله العقائد المخصوصة والأفكار المدسوسة، كما لم تكن الشيعة الأولى إلا حزباً سياسياً يرى رأي علي رضي الله عنه دون معاوية رضي الله عنه في عصر علي. وأما بعد استشهاده وتنازل الحسن عن الخلافة فكانوا مطاوعين لمعاوية أيضاً، مبايعين له، كما حصل مع إمامهم الحسن وأخيه الحسين(1) - مستدرك الوسائل للطبرسي ج3ص546 ط مكتبة دار الخلافة طهران 1321هـ.
(2) - كتاب الروضة من الكافي ج8 ص 235.
(3) - الكافي في الأصول ج1 ص373.                                                                وقائد عساكره قيس بن سعد، ولم يكن بينهم خلاف ديني ولا نزاع قبلي ولا عصبية الحسب والنسب، وكانوا يفدون على الحكام ويصلون خلفهم
، كما كان الحسن والحسين هما ابنا علي وفاطمة وسبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدان على معاوية.
" فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما: مرحباً وأهلاً، ويعطيهما عطاء جزيلا وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا بن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت لا وأحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه (1) ".
وكذلك ذكر المجلسي عن جعفر بن الباقر ـ الإمام السادس عند الشيعة ـ أنه قال الإمام الحسن يوماً للإمام الحسين وعبد الله بن جعفر إن هدايا معاوية ستصل في أول يوم من الشهر القادم ولم يأت هذا اليوم إلا وقد وصلت الأموال من معاوية وكان الإمام الحسن بن علي [مديناً بديون كثيرة فأداها] من ذلك المال وقسم الباقي بين أهله وشيعته، وأما الإمام الحسين فبعد أداء الديون قسم ماله إلى ثلاث حصص قسماً لشيعته وخاصته وقسمين لأهله وعياله، وكذلك عبد الله بن جعفر (2) ".
وكذلك ذكر الكليني أن مروان بن الحكم فرض لعلي بن الحسين مالاً كما فرض لشباب المدينة الآخرين:
استعمال معاوية مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم فقال علي بن الحسين عليهما السلام: فأتيته                                                                                                                                                                                                                                          فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين، ففرض لي (1) ".
وكذلك عم الحسين والأخ الأكبر لعلي رضي الله عنه، عقيل بن أبي طالب كان يفد على معاوية رضي الله عنهما ويأخذ منه الهدايا والهبات ومرة "أعطاه مائة ألف درهم (2) ".
وقد أقر بذلك ابن أبي الحديد الشيعي حيث كتب:
ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف، وابنه يزيد أول من ضاعفه، كان يجيز الحسن والحسين بن علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم وكذلك كان يجيز عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر (3) ".
وكذلك أبو مخنف الغالي:
وكان معاوية يبعث إليه (أي إلى الحسين) في كل سنة ألف ألف دينار سوى الهدايا من كل صنف (4) ".
كما كانوا يصلون خلف الحكام وأمراء معاوية، وقد ذكر جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين " أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها (5) ".
وكان مروان أميراً آنذاك على المدينة كما أن أبان بن عثمان أمير المدينة من قبل عبد الملك بن مروان الأموي قدم إلى الصلاة من قبل علي بن محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية حيث قال له أبو هاشم بن محمد بن علي:
نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذاك ما قدمناك                                                                                                                                                            فتقدم فصلى عليه (1) ".
كما صلى على ابن أخي علي عبد الله بن جعفر الطيار (2) ".
وكما صلى أبوه على جدهم عم النبي صلى الله عليه وسلم وعم علي رضي الله عنه ن علي عباس بن عبد المطلب:
توفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع (3) ".
هذا ومثل هذا لكثير.
وبعد هذا العصر تطور التشيع وتغيرت الشيعة، وتأثر وتأثروا من أفكار يهودية ومجوسية ونصراني، وبعقائد مدخولة مدسوسة، نقمة على الحكام ومخدوعين بالتزويرات اليهودية والدسائس المجوسية، ومتأثرين من الذين تظاهروا بالإسلام تستراً على مكايدهم الخبيثة وتدابيرهم الهدامة، ومن الاختلاط بالفرس والبابليين، ومن الموالي الكارهين للعرب، الحاكمين عليهم والفاتحين بلادهم، والآخذين زمام أمورهم.
والذي تولى كبر هذه العقائد والأفكار كان عبد الله بن سبأ مبعوث اليهود المتستر وراء اسم الإسلام، والمؤجج نار الفتنة، والنافخ فيها ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين المنتخب بالاتفاق، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتيه
وابن عمته، الجواد الكريم، السخي ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، كما سنتحدث عنه في الباب الآتي مفصلاً وبالأدلة والبراهين إن شاء الله تعالى
ولا شك أن كثيراً من أتباعه ـ أي عبد الله بن سبأ ـ السبئيين(1) - طبقات ابن سعد ج 5 ص 86.
(2) - الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 267، الإصابة لابن حجر ج 2 ص 281، أسد الغابة لابن الأثير ج 3 ص 135.
(3) - البداية والنهاية ج 7ص 162، الاستيعاب ج 3 ص                                                                                  والمجوس واليهود والمنافقين دخلوا في معسكر علي رضي الله عنه تحت ستار شيعة علي، كما دخل بعض منهم في معسكر معاوية رضي الله عنه ولكنهم لم يكونوا لا من شيعة ولا من شيعة معاوية، بل هم كانوا كتلة مستقلة وفئة باغية، لها أفكارها وعقائدها، ولها أغراضها وأهدافها، وهم الذين كانوا يسعون بالفساد ويضرمون نار الحرب كلما أراد الطرفان لصلح والاتحاد بينهما، ومنهم نشأت فتنة الخوارج الذين كفروا علياً وعثمان ومعاوية معاً، لأنه لم يكن همهم إسقاط خلافة عثمان ولا تحريض الناس عليه، بل كان كل ما يقصدون هو القضاء على دولة الإسلام وسد باب فتوحاتهم وغزواتهم، ولذلك عندما نجحوا بإيقاع الفتنة بين المسلمين وتأليبهم على خليفة رسول الله الراشد الثالث وتفريق كلمة المؤمنين والتشتيت بينهم، تألبوا على عليّ كما تألبوا عليه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر أو مجادل بلا حق وعلم وبصيرة.
ومما لا شك فيه أن الشيعة الأولى المخلصين كانوا من هؤلاء براء، كما كان إمامهم وقائدهم يتبرأ منهم ويطردهم ويقتلهم. نعم ولكن الشيعة ـ أي شيعة علي كان يغلب عليهم التخاذل والتكاسل والجبن وعدم الاستقامة والعزيمة والنجدة والجلد والمروءة عكس ما كانوا عليه شيعة عثمان أو شيعة معاوية رضي الله عنهما، كما كان يغلب عليهم عدم الوفاء والإخلاص والأمانة والصدق عكس مخالفيهم، وعلى ذلك كان علي رضي الله عنه يشكو منهم ويواجه الصعاب والمتاعب مع شجاعته النادرة وجرأته المشهورة وإقدامه المعروف وتفوقه على الأقران، ولأجل ذلك كان يقول لهم:
يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة ـ والله ـ جرت ندما                                                                                                                                                         وأعقبت [سقما]، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيضا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب لا علم له بالحرب.
لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (1) ".
ويقول مقارناً بينهم وبين شيعة معاوية:
أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم
فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا: أشهود كغياب وعبيد كأرباب، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلى عشية، كظهر الحنين، عجز المقوم وأعضل المقوم.
أيها القوم الشاهدة بأبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواءهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم.                                           يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين، صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمى ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر، والله لكأني بكم فيما أخالكم أن لو حمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها (1) ".
وأكبر دليل على خذلان الشيعة علياً أن أخاه الحقيقي وكبير شيعته وابن أبيه عقيل بن أبي طالب تركه والتحق بمعاوية رضي الله عنه وحارب تحت لوائه ضده كما أقر بذلك مؤرخ شيعي كبير:
إن عقيلاً فارق أخاه علياً في أيام خلافته وهرب إلى معاوية وشهد صفين معه (2) ".
وأما ما فعلوه بالحسن وبعده بالحسين فهذه ودائع في التاريخ لا يمكن التستر عليها، ولو سردنا كل ذلك لطال بنا الكلام.
وأما عدم أمانتهم و [عدم] صدقهم وصفائهم فقد أقر بذلك جعفر بن الباقر الملقب بـ[الصادق] حيث ذكر أمامه أحد تلامذته عبد الله بن يعفور قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله ولا عتب على من دان بولاية إمام من الله 2 ".(1) - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 15 ط الهند.فهذا كل ما أردنا أن نثبته في هذا الباب. وأما النقاط على الحروف فسنضعها في الباب الثاني إن شاء الله تعالى

(2) - الأصول من الكافي ج 1

الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

ولقد اضطربت أراء القوم أنفسهم في بد نشأة التشيع وتكوينه حيث قال إمام الشيعة في الفرق النوبختي أن نشأته لم تكن إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كتب: " قبض رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته عليه السلام ثلاثاً وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فافترقت الأمة ثلاث فرق (فرقة منها) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، " وفرقة منهم " ادعت الإمرة والسلطان وهم والأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي " وفرقة " مالت إلي بيعة أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على خليفة بعينة وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته واعتقل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه وقالوا رضيه النبي صلى الله عليه وآله لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبو بكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجي والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي عليه السلام قال: الأئمة من قريش: وقال بضعهم أنه قال:                                                          الإمامة لا تصلح إلا في قريش: فرجعت الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغماً لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون: قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن الجن قالت:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة **** ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده
وهذا قول فيه بعض النظر لأنه ليس في التعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما (1) "
وأما ابن النديم الشيعي (2) فيرى أن تكوين الشيعة لم يكن إلا يوم وقعة الجمل حيث قال:
ولما خالف طلحة والزبير (3) علي رضي الله عنه وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي عليه السلام ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك باسم الشيعة ".
ومنهم من قال: اشتهر اسم الشيعة يوم صفين (4) ".
وبمثل ذلك القول قال ابن حمزة وأبو حاتم وغيرهما من الشيعة وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه وبمثل هذا القول قال ابن حزم في (الفصل) (5) من المتقدمين وأحمد أمين (6) وغيره الكثيرون الكثيرون(1) - فرق الشيعة النوبختي ص 23 - 24.
(2) - هو ابن الفرج محمد بن إسحاق النديم الكاتب الفاضل الخير الماهر المتبحر الشيعي الإمامي مصنف كتاب الفهرست المولود سنة 297هـ المتوفى سنة 385هـ " الكنى والألقاب للقمي ج1ص 425 - 426"
(3) - الفهرست لابن النديم ص 249
(4) - روضات الجنات للخوانساري ص88
(5) - الفصل في الممل والأهواء والنحل ج 4ص79
(6) - فجر الإسلام ص266 ط                                                               من المتأخرين.
ويقول شيعي معاصر: إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كياناً مميزاً له طابع خاص (1).
ولأجل ذلك اضطر محسن الأمين إلى أن يقول:
سواء كان إطلاق هذا الاسم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد الجمل فالقول بتفضيل علي عليه السلام وموالاته الذي هو معنى التشيع كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر بعده إلى اليوم (2) ".
والمظفري أن يقول:
فكان التجاهر بالتشيع أيام عثمان (3).
وهو الصحيح [لأن الأسماء لا توجد قبل المسميات] ولا الأحزاب قبل الخلافات فلما وجد الخلاف تحزب لكل رأي حزب وتعصبوا جماعات وفرقاً فآنذاك وجدت الجماعات ووجدت لها الأسماء ولم يكن هناك خلاف بين المسلمين ولم يتعصب له أشخاص قبل مقتل عثمان ذي النورين رضي الله عنه وقبل النتائج التي نتجت من قتله وبعد تولية علي رضي الله عنه إمرة المؤمنين وخلافة المسلمين وعندئذ نشأ الخلاف فمنهم من رأى رأي علي رضي الله عنه وأنصاره ومنهم ومن رأى رأي طلحة والزبير ثم رأي معاوية وأتباعه وهناك تحزب حزبان سياسيان كبيران بين المسلمين شيعة علي وشيعة معاوية وكل واحد من هؤلاء يرى رأيه في تولية الحكم وتدبير الأمور ودينهما واحد وعقائدهم واحدة متفقة كما بيناه آنفاً.                                               نعم كان هناك خلاف قبل شهادة عثمان رضي الله عنه والذي جر إلى قتل عثمان ولكنه لم يكن إلا بين قادة اليهود والمخدوعين المغترين الواقعين في حبائل الدسائس اليهودية الأثيمة وبين المسلمين وإمامهم كما سيأتي بيانه في باب مستقل كما أنه وقعت الخلافات البسيطة الطفيفة ولكنها لم تبقى إلا للحظات لرجوع الفريق الثاني إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لقول الله عز وجل {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}
كالخلاف الذي وقع بين الأنصار والمهاجرين يوم السقيفة حيث رجع الأنصار عن رأيهم إلى رأي المهاجرين وبايعوا أبا بكر اتفاقا واتحادا ولم يكن هناك فريق ثالث كما يزعمه الشيعة ولم يقدم اسم رجل ثالث للخلافة والإمارة غير سعد بن عبادة وأبي بكر وعلى ذلك لم يكن هناك خلاف ولا نزاع ولا [زعماء ولا قادة] لهذه الآراء والأحزاب كما شهد بذلك علي رضي الله عنه حينما دخل عليه عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين كما رواه عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب فقالوا له:
" بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم علي عليه السلام: وهل فزعتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا وهذه نسخة الكتاب                       من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين: السلام عليكم فإني احمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وآله نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل وشهيداً على هذه الأمة وأنتم يا معشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار منيخون على حجارة خشن وحيات صم وشوك مبثوث في البلاد تشربون الماء الخبيث وتأكلون الطعام الجشيب وتسفكون دماءكم وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم [بينكم] بالباطل سبلكم خائفة والأصنام فيكم منصوبة ... [والآثام بكم معصوبة] ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فمن الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله فبعثه إليكم رسولاً من أنفسكم وقال فيما أنزله من كتابه: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم وقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم وكنتم أول المؤمنين تعرفون وجهه وشيعته وعمارته فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين وأن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباذلوا وتراحموا ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتقاذف وعن شرب الخمر وبخس المكيال ونقص الميزان وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم: ألا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلماً وأن                                                               تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به وكل شر يباعد من الجنة ويدني من النار نهاكم عنه.
فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وآله تنازع المسلمون الأمر بعده فوا الله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعدي، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس ممن تولى الأمر من بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه وآله وإبراهيم عليه السلام فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً يكون مصيبته أعظم علىّ من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت " كلمة الله هي العليا " ولو كره الكافرون.
فتولى أبو بكر تلك الأمور فسير وسدد وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله جاهدا (1) ".
ومثل ذلك في (مقالات الإسلاميين) للأشعري:
وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبضه الله عز وجل ونقله(1) - الغارات للثقفي ج1ص302 - 307 وورد مثل ذلك في شرح نهج البلاغة لابن الحديد الشيعي والميثم البحراني الشيعي وفي ناسخ التواريخ وفي مجمع البحار للمجلسي وغيرها ومن أراد التفصيل في ذلك فليرجع إلى كتابنا ... (الشيعة وأهل البيت).                                  إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأردوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهم [فـ]ـقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة في قريش فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير وبعد أن جرد الحباب بن المنذر سيفه وقال أنا المحكك وعذيقها المرجب من يبارزني بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال، ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه
واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته فقاتل أهل الردة على ارتدادهم كما قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم فأظهره الله عز وجل عليهم أجمعين وأوضح الله به الحق المبين وكان الاختلاف بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمامة ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن ولي عثمان بن عفان رضوان الله عليهم وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالاً كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين، وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافاً إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضوان الله عليه مصيباً في أفعاله قتله قاتلوه ظلماً وعدواناً، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.
ثم بويع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فاختلف الناس في أمره فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم                 ثم حدث الاختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير رضوان الله عليهم وحربهما إياه وفي قتال معاوية إياه وصار علي ومعاوية إلى صفين (1) ".
ومثل الخلافات الأخرى كالخلاف في موضع دفن الرسول وقتال مانعي الزكاة وغيرها، فلم تكد تظهر هذه الخلافات حتى تلاشت بعد عرض الأمور على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما.
ولكن الخلاف الذي لم ينحل والنزاع الذي لم ينته كان هو ذلك الاختلاف الذي شتت شمل المسلمين وفرق جمعهم وجعلهم فريقين كبيرين يرأس الأول منهما علي رضي الله عنه والثاني معاوية رضي الله عنه، ونكرر القول بأن هذا الخلاف لم يجر واحداً منهما إلى تكوين مذهب جديد واعتناق عقائد جديدة ولا إلى إنكار ما ثبت في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الانحراف عن الجادة المستقيمة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون المهديون من بعد كما لم يكن هناك مباغضة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين قضوا نحبهم قبل كما اختلقها شيعة اليوم ن ولا إثارة إلى الضغائن القبلية والمبنية على الحسب والنسب، وخاصة لم يكن لأنصار علي رضي الله عنه، الخلص منهم، عقائد الشيعة اليوم، المنطوية على بغض السلف الصالح وعلى الأخص أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والمبنية على إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أخذوها عن عبد الله بن سبأ وتوارثوها عن اليهودية البغيضة كما سنبرهن ذلك قريباً إن شاء الله بل، كانوا
محبين لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج النبي الطاهرات                      المطهرات، والمقتفين آثارهم والمقتدين هداهم، وعلى رأسهم علي رضي الله عنه أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الأمين الراشد الرابع حيث كان يحبهم حباً جماً ويظهر موالاته لهم ويعاند كل من يعارضهم، ويعاقب كل من يتكلم فيهم، كما كان يحارب بكل قوة وشدة تسرب أفكار السبئية واليهودية في أتباعه وأنصاره وشيعته، ويطرد كل من يشك فيه بتسممه من هذه العقائد المسمومة
فلقد ذكر الشيعة أنفسهم بأن علياً رضي الله عنه سمى أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين السابقين الثلاثة، بأبي بكر وعمر وعثمان (1) وابنه الحسين كذلك سمى أبناءه بأي بكر وعمر (2) وكذلك الآخرون من أبناء علي وأبناء الحسين سمو أبناءهم بأسماء هؤلاء الأخيار البررة تحبباً إليهم وتبركاً بهم (3).
وأما الاقتداء والاتباع فلقد ذكرنا عنه كثيراً في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) ولا نريد تكرار ما قلناه هناك فليرجع إلى ذلك، ولكنا نثبت هاهنا عبارة عن ألد أعداء السنة وأكبر السبابين اللعانين الشيعة، عن الملا باقر المجلسي الشيعي الإيراني الذي يلقب بخاتمة المحدثين، والذي ألف أكبر مجموعة في الحديث باسم ... (بحار الأنوار) فهو يكتب في كتابه (جلاء العيون في حياة ومصائب أربعة عشر معصوماً) أن حسين بن علي بن أبي              طالب صالح معاوية بن أبي سفيان على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سيرة الخلفاء الراشدين (1) وأن لا يعين أحداً بعده وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين (2) ".
فجعل الحسن بن علي ـ وهو الإمام الثاني عند الشيعة ـ أحد شروط الصلح مع معاوية أن يكون متبعاً لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، كما أنه لم يجعل العمل بسيرة هؤلاء شرطاً من أهم الشروط إلا لأنه كان يحسن فيهم الظن ويعتقد فيهم الخير ويؤمن بتقواهم وطهارتهم زيادة على إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص.
هذا ومثل هذا كثير لمن تتبع أخبار علي وأولاده (3) رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.
ونريد أن نضيف إلى ذلك أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما لم يؤد إلى التكفير والتفسيق فيما بينهم ولا إلى المقاطعة الدائمة والمباغضة الأبدية والهجران والقطيعة كما تصوره القوم في العصور المتأخرة وكما وضعت الأساطير والقصص، بل كل واحد من الحزبين كان يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، ولم يكن يظنه كافراً خارجاً عن الإسلام لما اتفق معه ولم(1) - فليلاحظ لفظ الخلفاء الراشدين لأن الذين أعمى الله أبصارهم لا يستحيون من تأويلات سخيفة ركيكة كلما عرض عليهم دليل أو برهان مثبت في كتبهم وعن أعيانهم.
(2) - جلاء العيون للمجلسي ج1 ص293 ط طهران 1398هـ، الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ص163 ط طهران، منتهى الآمال للعباس القمي ص314.
(3) - ونبذة غير يسيرة موجودة في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) من أراد ذلك فل                           يصالحه ولم يبايعه ولم يأمر ولم يأمر أخاه الحسين ولا قائد جيشه قيس بن سعد أن يبايعاه كما ثبت ذلك في كتب الشيعة وهذه هي ألفاظ الكشي:
جبرائيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالوا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن فضل غلام محمد بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن أقدم الأنصاري وقدموا الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره فقال يا قيس إنه إمامي ـ يعني الحسن عليه السلام (1) ".
وقبل ذلك أبوه علي بن أبي طالب ـ وهو الإمام المعصوم الأول عند الشيعة ـ خاطب معاوية بقوله في رسالته التي أرسلها جوابا له ـ حسب زعم القوم:
" لم يمنعنا قديم عزنا وعادي طولنا على قومن أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء (2) ".
وكذلك لو كان هناك مسألة الكفر والنفاق لما تزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من معاوية بن مروان بن الحكم (3) ".
و (رملة) بنت علي كانت أم سعيد [بنت] عروة بن مسعود الثقفي                       وابنته الثانية خديجة كانت متزوجة من عبد الرحمن بن عامر الأموي (1) ".
وكان أبوه عامر بن كريز الأموي أميراً على البصرة من قبل معاوية وشريكاً في حرب الجمل مع طلحة والزبير ضد علي "رضوان الله عليهم جميعاً " وأن
خديجة بنت علي كانت من أم ولد له كما ذكرها الطبرسي في الأعلام (2) والمفيد في الإرشاد (3) ".
كما أن إحدى بناته تزوجت من عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي (4).
وكما أن بنات الحسن وبنات الحسين زوجن من الأمويين وبنات الأمويين زوجن من أبناء الهاشميين ومن أولاد علي بالأخص. ولقد ذكرنا هذه المصاهرات بين بني أمية وبين بني هاشم في كتاب (الشيعة وأهل البيت) ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذلك ولكن نذكر هاهنا واحدة من بنات الحسن وواحدة من بنات الحسين. فلقد تزوجت سكينة بنت الحسين وحفيدة علي من حفيد عثمان بن عفان: زيد بن عمرو بن عثمان
وزيد بن عمرو بن عثمان هذا هو الذي كانت عنده سكينة بنت الحسين فهلك عنها فورثت عنه (5) ".
وكذلك نفيسة بنت زيد بن حسن بن علي تزوجت من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، قد ذكر هذا الزواج شيعي نسابة مشهور أيضاً في كتابه وما أقبحه في التعبير:                     " وكان لزيد بن الحسن بن علي ابنة اسمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فولدت له منه وماتت بمصر .... وكان زيد يفد إلى الوليد بن عبد الملك ويقعده على سريره ويكرمه لمكان ابنته ودفع له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة (1) ".
والجدير بالذكر أن زيد بن الحسن هذا كان ممن حضر كربلاء مع عمه الحسين رضي الله عنه، كما أن حفيدة الحسن بن علي: زينب بنت الحسن المثنى أيضاً كان متزوجة من الوليد بن عبد الملك الأموي (2).
وأبوها الحسن بن المثنى أيضاً ممن حضر كربلاء مع عمه وصهره الحسين وجرح جرحاً شديداً. ونلفت الأنظار إلى أن الستة من حفيدات الحسن من أبناء مختلفين كن متزوجات من الأمويين من قادتهم وزعمائهم، [وهذه المصاهرات عدد منها أصحاب الأنساب] أكثر من عشرين مصاهرة [وكلها حصلت بعد الخلاف الذي]
وقع بين علي ومعاوية وبعد حروب الجمل وصفين (3) وكذلك تزوج كثير من الهاشميين من بنات الأمويين ومن الأسرة الحاكمة بالذات كما كان بينهم الصلات والهبات ولقاء وزيارات وخاصة بين أئمة الإثني عشرية وعوائلهم حيث لم يقم واحد منهم [بمحاربة الأمويين] ومنازعة ملكهم غير الحسين بن علي رضي الله عنهما. وأما حروب والده العظيم علي بن أبي طالب مع معاوية فمشهورة معروفة، كما أن مصالحة أخيه الأكبر مع معاوية أمر مشهور لا يستطيع إنكاره أحد، وأما ما روي عن ابن الحسين زين العابدين علي، والراوي هو بخاري القوم الكليني، [حيث] يروي في صحيحه الذي قال فيه محدث الشيعة النوري الطبرسي " هو أحد الكتب

بسم الله الرحمان الرحيم

التشيع الأول والشيعة الأولى

إن لفظة الشيعة لا تطلق إلا على اتباع الرجل وأنصاره فيقال: فلان من شيعة فلان أي ممن يهوون هواه كما قال الزبيدي: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.
فلم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه الأصلي والحقيقي هذا كما لم يكن استعمالها إلا لأحزاب سياسية وفئات متعارضة في بعض المسائل التي تتعلق بالحكم والحكام، وقد شاع استعمالها عند اختلاف معاوية مع علي رضي الله تعالى عنهما بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه فكان يقال عن أنصار رضي الله عنه الخليفة الراشد الرابع والأحق بالخلافة من معاوية وغيره وكانوا يشايعونه ويناصرونه في حروبه مع معاوية رضي الله عنه كما كان شيعة معاوية يرون الأمر بالعكس للجوء قتلة عثمان بن عفان إلى معسكر علي رضي الله عنه وتحت كنفه حسب زعمهم وما دام هؤلاء كذلك لم يكونوا معتقدين بثبوت الخلافة وأحقيتها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن قتل القتلة ونفذ فيهم                                                                                                                            حد السيف رجعوا إليه وإلى التسليم بخلافته والانقياد لأمره كما نقله المؤرخون أن معاوية رضي الله عنه قال لمن بعث إليه من قبل علي رضي الله عنه من عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة يدعونه إلى الجماعة والطاعة:
" أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به (1) ولكنه آوى قتلة عثمان فيدفعهم إلينا حتى نقلتهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة " (2).
وقال بمثل هذه المقولة لأبي الدرداء ولأبي أمامة المبعوثين أيضاً من قبل علي رضي الله عنه:
" اذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام "
وقبل ذلك حينما أرسل علي رضي الله عنه جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى بيعته " طلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان "
وإن المؤرخين ذكروا أيضاً أن أبا الدرداء وأبا أمامة عندما رجعا إلى علي قالا له ذلك، فقال:
هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان(1) - انظر إلى القول العدل الذي صدر من رجل يصب عليه الشيعة ويلاتهم ودفائن حقدهم وبغضهم بدعوى أنه قال في علي كيت وكيت فانظر إليه كيف يصرح بأننا لا نتهمه بقتل عثمان بل نصدق قوله في براءته من دمه ولا نقول بما ينكره علي رضي الله عنه                                                                                                                                                          فمن شاء فليرمنا " (1)
هذا ولسنا الآن بصدد بيان أسباب الحروب التي دارت بين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه وغيره ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام في مدحه الحسن رضي الله عنه ـ انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً طائفة كانوا يرون علياً رضي الله عنه خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار (2) وقوم رأوا أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حيث أنه يريد الثأر لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته للمسلمين الذي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة المشهورة لأخذ الثأر عنه يوم الحديبية وسميت فيما بعد هذه البيعة بيعة الرضوان حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله (3).
وكذلك أطلقت هذه اللفظة على حزب سياسي موحد لبني علي وبني العباس بتركيب شيعة آل محمد مقابل شيعة بني أمية ولم يكن إطلاقها إلا لبيان رأي سياسي في من تولى الحكم وفي من يحق أن يتولاه وقد صرح بذلك شيعي مشهور ناقلاً عن كتاب الزينة للسجستاني:(1) - البداية والنهاية ج 7ص 253 - 259 ط بيروت
(2) - كما استشهد علي رضي الله عنه على أحقيتها له إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى فإن خرج منهم بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أتى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى (نهج البلاغة ص367)
(3) - بقوله جل وعلا {لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة ""                                                                                                                                          ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي بن أبي طالب وإظهاره الطلب بدم عثمان واستمالته عدداً عظيماً من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية وصار أبتاع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم واستمر ذلك مدة ملك بني أمية ". (1)
ونقل أيضاً من نقيب الشيعة بحلب:
كل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقال: شايعه كما يقال والاه من الولي والمشايعة وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعواناً لهم وأنصارا وأتباعا، فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنو علي وبنو عباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سمو شيعة آل محمد ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب فلما
ملك بنو العباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر منهم فرقة من الشيعة " (2)
وقد كررنا لفظ السياسة حيث نقصد من ورائها أنه لم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام كما أقر بذلك سيدنا علي رضي الله عنه حيث قال مخاطباً جنده عن معاوية وعساكره.(1) - أعيان الشيعة لمحسن الأمين / الجزء الأول القسم الأول ص 12.
(2) - غاية الاختصار في أخبار بيوتات العلوية المحفوظة من الغبار لسيد تاج الدين بن حمزة الحسيني نقيب حلب                                                                    أوصيكم عباد الله تقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد به وخير عواقب الأمور عند الله وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (1) ".
هذا وقد زاد علي رضي الله عنه المسألة وضوحاً وبياناً في كتاب له كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ويبين فيه حكم من ناضلوه وقاتلوه وموفقه منهم:
وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد وبنينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء (2) ".
ولأجل ذلك منع أصحابه من سب أهل الشام وأنصار معاوية وشتمهم إياهم أيام حربهم بصفين:
إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتهم أعمالهم وذكرتهم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم " اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم (3) ".
ويؤيد ذلك حديث شيعي مشهور رواه الكليني في صحيحه (الكافي) عن جعفر بن محمد الباقر ـ الإمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة ـ أنه قال: ينادي مناد من السماء أول النهار إلا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن                                                         عثمان وشيعته هم الفائزون " (1).
ومن طريف ما ذكرنا أن أبا العالية وهو تابعي مشهور أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإن روى عنه أبو خلدة أنه قال: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلى من الطعام الطيب فجهزت
بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان ما يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافراً؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم (2) ".
ولا ننكر أنه كان هناك أناس تأثروا بدسائس يهودية وأفكار مدسوسة وخرجوا عن الجادة المستقيمة وأعطوا هذا الخلاف صبغة دينية أمثال السبأيين وغيرهم ممن وقعوا في حبائل اليهودية المبغضة للإسلام وهم الذين كانوا يؤججون نار الحرب كما خبت نيرانها كما سنفصل القول فيما بعد إن شاء الله ولكن عامة الناس كانوا على منأى عنها.
فهذه هي بداية استعمال هذه اللفظة ثم اختص بكل من يوالي علياً وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته كما قال ابن الأثير في نهايته:
وأصل الشيعة الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم (؟). أنه يتولى علياً رضي الله عنه وأهل بيته حتى صار لهم اسماً خاصاً فإذا قيل من الشيعة عرف أنه منهم وفي مذهب(1) الكافي في الفروع ج 8 ص 209.
(2) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج 4 ص 210 طبقات ابن سعد ج 7 ص                                                                              الشيعة كذا أي عندهم وتجمع الشيعة علي شيع وأصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة " (1) ".
وأما ادعاء من يدعي بأن هذه اللفظة كانت شائعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما كان التشيع موجوداً في عصره والشيعة موجودون في زمنه فلا ينهض به دليل ولا يقوم به برهان كما قال محمد الحسين في (أصل الشيعة وأصولها).
إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام ـ هو نفس صاحب الشريعة ـ يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وازدهرت في حياته (2) ثم أثمرت بعد وفاته (3) ".
وبمثل ذلك القول قال الآخر " إن التشيع ظهر في أيام نبي الإسلام الأقدس الذي كان يغذى بأقواله عقيدة التشيع لعلي عليه السلام وأهل بيته ويمكنها في أذهان المسلمين ويأمر بها في مواطن كثيرة (4) ".(1) - النهاية لابن الأثير ج 2 ص 244.
(2) - واستشهد على ذلك بروايات واهية موضوعة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تصح منها ولا رواية واحدة مثل (أن علياً وشيعتهم لهم الفائزون) وعلى ذلك قال ابن الحديد الشيعي الغالي: أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا في بدء الأمر أحاديث مختلفة في فضائل أئمتهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم (شرح نهج البلاغة ج1ص 783).
(3) ومن أعجب العجائب أن رجلاً كهذا يكذب بكل وقاحة ولا يستحي حيث ينسب رواية باطلة موضوعة ألا وهي رواية الطير في الصحيحين ولا وجود لها فيه      وكذلك من عد عدداً كبيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وأطلق عليهم بأنهم كانوا شيعة علي مثل محسن الأمين ومحمد حسين الزين وآل كاشف الغطاء وغيرهم فلا ندري بماذا يجيبون عن أحاديث كثيرة مروية في صحاحهم التي تحكم على ارتداد جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثلاثة سلمان وأبو ذر والمقداد "انظر تفصيل ذلك في كتابنا الشيعة والسنة " فهل هؤلاء كانوا كفرة مع كونهم شيعة علي ثم وكيف قبل سلمان إمارة من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ " حياة القلوب للمجلسي ج2ص780". وكان أحد القادة الذين أرسلهم الفاروق لفتح المدائن (ابن كثير ج7ص67).
(4) - أصل الشيعة وأصولها ص 87.                                     ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافياً فقال:
إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها ... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن عليه السلام من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين (1) ".
ولا يخفى ما فيه من المجازفة بالقول والغلو لأن معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى الإسلام وإلى وحدانية الله عز وجل والإقرار برسالته وطاعته وإلى الاتحاد والاتفاق والتآلف والمحبة والمودة بل كان يدعو إلى التحزب والتفرق والتشيع لعلي دون غيره كما أنه حسب دعوى المظفري كان يجعل علياً شريكاً له في نبوته ورسالته مع أن كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي أنزله الرحمن وضمن حفظه قرآنه وبيانه خال من كل هذا (2) بل ويعكس ذلك أنه مليء بالدعوة إلى طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والاعتصام بحبل الله وحده والتمسك بالقرآن والسنة والتجنب لما سواهما كما أمر المسلمين بالاتفاق والاتحاد والتسمي باسم الإسلام والمسلمين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) لا تشتمل ولا تصرح إلا بهذا(1) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص 8، 9 ط قم.
(2) - ولعل هذا من أهم دواعي إنكار القرآن والاعتقاد فيه بالتغيير والتحريف والنقصان من قبل الشيعة لأنهم لا يجدونه مؤازراً لهم ومناصرا بل كل ما فيه يخالف التشيع وعقائدهم بأصولها وفروعها ويفند مزاعمهم ويسفه عقولهم وآراءهم وأفكارهم. فانظر لتفصيل ذلك ومعرفته كتبانا (الشيعة والسنة) و (الشيعة والقرآن)
(3) - والعجب كل العجب أن الشيعة الذين ينكرون الأحاديث الصحاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه لأن رواة هذه الأحاديث وحملتها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ارتدوا ـ عياذا بالله حسب زعمهم ـ يثقون بروايات هؤلاء ومروياتهم.
ولا ندري كيف أن الشيعة يتمسكون بالروايات الموضوعة الباطلة والأحاديث الواهية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه اختلق هذه الروايات واخترعها رجال منهم أو وضعها رواتهم والدعاة إلى أباطيلهم وأضاليلهم.
وقلما تجد الشيعة يتمسكون بحديث صحيح أو يعتقدون بل كل بضاعتهم الموضوعات أو الأساطير والقصص                      ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافياً فقال:
إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها ... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن عليه السلام من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين (1) ".
ولا يخفى ما فيه من المجازفة بالقول والغلو لأن معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى الإسلام وإلى وحدانية الله عز وجل والإقرار برسالته وطاعته وإلى الاتحاد والاتفاق والتآلف والمحبة والمودة بل كان يدعو إلى التحزب والتفرق والتشيع لعلي دون غيره كما أنه حسب دعوى المظفري كان يجعل علياً شريكاً له في نبوته ورسالته مع أن كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي أنزله الرحمن وضمن حفظه قرآنه وبيانه خال من كل هذا (2) بل ويعكس ذلك أنه مليء بالدعوة إلى طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والاعتصام بحبل الله وحده والتمسك بالقرآن والسنة والتجنب لما سواهما كما أمر المسلمين بالاتفاق والاتحاد والتسمي باسم الإسلام والمسلمين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) لا تشتمل ولا تصرح إلا بهذا(1) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص 8، 9 ط قم.
(2) - ولعل هذا من أهم دواعي إنكار القرآن والاعتقاد فيه بالتغيير والتحريف والنقصان من قبل الشيعة لأنهم لا يجدونه مؤازراً لهم ومناصرا بل كل ما فيه يخالف التشيع وعقائدهم بأصولها وفروعها ويفند مزاعمهم ويسفه عقولهم وآراءهم وأفكارهم. فانظر لتفصيل ذلك ومعرفته كتبانا (الشيعة والسنة) و (الشيعة والقرآن)
(3) - والعجب كل العجب أن الشيعة الذين ينكرون الأحاديث الصحاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه لأن رواة هذه الأحاديث وحملتها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ارتدوا ـ عياذا بالله حسب زعمهم ـ يثقون بروايات هؤلاء ومروياتهم.
ولا ندري كيف أن الشيعة يتمسكون بالروايات الموضوعة الباطلة والأحاديث الواهية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه اختلق هذه الروايات واخترعها رجال منهم أو وضعها رواتهم والدعاة إلى أباطيلهم وأضاليلهم.
وقلما تجد الشيعة يتمسكون بحديث صحيح أو يعتقدون بل كل بضاعتهم الموضوعات أو الأساطير والقصص                  كله لا غير فلقد قال الله عز وجل: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} وقال {أطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} وقال {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال {ومن يشاقق الرسول من بعد
ما تبين له الحق ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} وقال {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وقال {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت} وقال جلا وعلا {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} وقال {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} وقال {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون                                                    وقال {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} وقال {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم الحق بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} وقال {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.
وأخيرا أخبر الكون ومن في الكون بأنه لم يرسل نبيه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين إلا بما أرسل به الرسل والأنبياء من قبل حيث أمره أن يقول {قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين} وكما قال {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم موسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}
ولقد بين جلا وعلا سبحانه وتعالى مجملاً بما أرسل الرسل من قبله حيث قال {وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.
كما فصل في مواضع عديدة من القرآن بذكر كل واحد منهم                                   برسالته وبمثل ذلك تماماً وردت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة.
وأما القوم فهم على خلاف ما بينه الرب جل وعلا وبينه رسوله العظيم عليه الصلاة والسلام حيث يزعمون أنه لم يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلا للدعوة إلى التشيع والتفرق وإلى الإشراك في ذات الله وصفاته وإشراكه علياً وأولاده في النبوة والرسالة والإطاعة ثم يسردون لإثبات ذلك روايات كلها باطلة وموضوعة رواية ودراية رواية حيث إن الرواة الذين رووا تلك الأحاديث شيعة ضالون ووضاعون كذابون ولم ترد هذه الروايات في كتب موثوقة معتمدة ودراية حيث تعارض القرآن ونصوصه كما تخالف العقل لأن العقل يقتضي أن لا يكون الشرائع مقصودها ومهمتها الدعوة إلى الحب لأشخاص والولاية لهم وبسبب هذه الولاية دخولهم في الجنة ونجاتهم من النار كما أن الآيات القرآنية تنفي ذلك نفي باتاً حيث لم يجعل الحب وحتى حب الله كافياً للفوز والنجاح في الآخرة حيث قال الله عز وجل {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}.
وما الاتباع إلا الإيمان بالله والعمل الصالح حسب أوامر الله ونبيه صلى الله عليه وسلم والاجتناب عن نواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم {إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات عدن} وقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز العظيم