الأحد، 27 ديسمبر 2015

ثم دخلت سنة سبعة وثلاثين=محاولات للصلح بين علي ومعاوية
ذكر رفع أهل الشام المصاحف مكرا منهم بأهل العراق وخديعة
قصة التحكيم
ذكر خروج الخوارج
مناظرة علي رضي الله عنه للخوارج
صفة اجتماع الحكمين وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل
ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة
ما ورد في الخوارج من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج
ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج
قتال علي الخوارج يوم النهروان كان سنة سبع وثلاثين
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان

[ ص: 502 ] ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

استهلت هذه السنة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، متواقف هو ومعاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنه ، كل منهما في جنوده بمكان يقال له : صفين بالقرب من الفرات ، شرقي بلاد الشام ، وقد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة كل يوم ، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين ، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها . والمقصود أنه لما دخل شهر المحرم تحاجزوا عن القتال ، طلبا للصلح ورجاء أن يقع بينهم مهادنة وموادعة يئول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم ، فذكر ابن جرير ، من طريق هشام عن أبي مخنف قال : حدثني سعد أبو المجاهد الطائي ، عن محل بن خليفة أن عليا بعث عدي بن حاتم ، ويزيد بن قيس الأرحبي ، وشبث بن ربعي ، وزياد بن خصفة إلى معاوية ، فلما دخلوا عليه - وعمرو [ ص: 503 ] بن العاص إلى جانبه - قال عدي بعد حمد الله والثناء عليه - : أما بعد ، يا معاوية فإنا جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ، وتحقن به دماؤنا ، ويأمن به السبيل ويصلح به ذات البين ; إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة ، وأحسنها في الإسلام أثرا ، وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك مثل ما أصاب الناس يوم الجمل . فقال له معاوية : كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا ، هيهات يا عدي ، كلا والله إني لابن حرب ، لا يقعقع لي بالشنان ، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان ، وإنك لمن قتلته ، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به . وتكلم شبث بن ربعي ، وزياد بن خصفة فذكرا من فضل علي ، وقالا : اتق الله يا معاوية ولا تخالفه ، [ ص: 504 ] فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه . فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة ، فأما الجماعة فنعما هي ، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلا أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله ؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به ، ولكنه أوى قتلته ; فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم ، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة . فقال له شبث بن ربعي : أنشدك الله يا معاوية ، لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان ؟ فقال معاوية : والله لو تمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان ، ولكني كنت أقتله بغلام عثمان . فقال له شبث بن ربعي : وإله الأرض والسماء لا تصل إلى قتل عمار حتى تندر الرءوس عن كواهلها ، ويضيق فضاء الأرض ورحبها عليك . فقال له معاوية : لو قد كان ذلك كانت عليك أضيق . وخرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى علي فأخبروه الخبر .

[ ص: 505 ] وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري ، وشرحبيل بن السمط ، ومعن بن يزيد بن الأخنس إلى علي ، فدخلوا عليه ، فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا ، عمل بكتاب الله وثبت لأمر الله ، فاستثقلتم حياته ، واستبطأتم وفاته ، فعدوتم عليه فقتلتموه ، فادفع إلينا قتلة عثمان - إن زعمت أنك لم تقتله - ثم اعتزل أمر الناس ، فيكون أمرهم شورى بينهم ، فيولي الناس أمرهم من أجمعوا عليه رأيهم . فقال له علي : وما أنت ، لا أم لك وهذا الأمر وهذا العزل ، فاسكت فإنك لست هناك ولا بأهل لذاك . فقال له حبيب : أما والله لتريني حيث تكره . فقال له علي : وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت ، اذهب فصعد وصوب ما بدا لك . ثم ذكر أهل السير كلاما طويلا جرى بينهم وبين علي ، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر ، فإن في مطاوي ذلك الكلام من كلام علي ما ينتقص فيه معاوية وأباه ، وإنهم إنما دخلوا في الإسلام كرها ولم يزالا في تردد فيه ، وغير ذلك ، وأنه قال في غبون ذلك : لا أقول إن عثمان قتل مظلوما ولا ظالما . فقالوا : نحن نبرأ ممن لم يقل : إن عثمان قتل مظلوما . وخرجوا من عنده ، فقال علي : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون وإذا وقع [ النمل : 80 ، 81 ] . ثم قال لأصحابه : لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم . وهذا عندي لا يصح عن علي ، رضي الله عنه .

وقد روى ابن ديزيل ، من طريق عمر بن سعد بإسناده ، أن قراء أهل العراق ، وقراء أهل الشام عسكروا ناحية ، وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا ، وأن جماعة من قراء العراق ; منهم عبيدة السلماني ، وعلقمة بن قيس ، وعامر بن عبد قيس ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وغيرهم جاءوا إلى معاوية فقالوا له : ما تطلب ؟ قال : أطلب بدم عثمان . قالوا : لمن تطلب به ؟ قال : عليا . قالوا : أهو قتله ؟ قال : نعم ، وأوى قتلته . فانصرفوا إلى علي فذكروا له ما قال ، فقال : كذب ، لم أقتله وأنتم تعلمون أني لم أقتله . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه ، فقال : إن لم يكن قتله بيده فقد أمر بقتله ومالأ عليه . فرجعوا إلى علي فأخبروه ، فقال : والله لا قتلت ولا أمرت ولا مالأت ، فرجعوا إلى معاوية فأخبروه ، فقال معاوية : إن كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان ، فإنهم في عسكره وجنده . فرجعوا إلى علي فقال علي : تأول القوم عليه القرآن في فتنة [ ص: 507 ] ووقعت الفرقة لأجلها ، وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم سبيل . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه ، فقال : إن كان الأمر على ما يقول ، فما له انتهز الأمر دوننا من غير مشورة منا ولا ممن هاهنا ؟ فرجعوا إلى علي ، فقال : إنما الناس تبع المهاجرين والأنصار ، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم ، وقد رضوا وبايعوني ، ولست أستحل أن أدع مثل معاوية يحكم على الأمة ويشق عصاها . فرجعوا إلى معاوية ، فقال : ما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر ؟ فرجعوا إلى علي ، فقال : إنما هذا للبدريين دون غيرهم ، وليس على وجه الأرض بدري إلا وهو معي ، وقد تابعني وبايعني ورضي بي ، فلا يغرنكم من دينكم وأنفسكم . قال : فأقاموا يتراسلون في ذلك مدة شهر ربيع الآخر وجماديين ، ويفزعون في غبون ذلك الفزعة بعد الفزعة ، ويزحف بعضهم على بعض ، ويحجز بينهم القراء ، فلا يكون في ذلك قتال . قال : ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين فزعة . قال : وخرج أبو [ ص: 508 ] الدرداء وأبو أمامة ، فدخلا على معاوية ، فقالا له : يا معاوية ، علام تقاتل هذا الرجل ؟ فوالله إنه لأقدم منك ومن أبيك سلما ، وأقرب منك إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأحق بهذا الأمر منك . فقال : أقاتله على دم عثمان ، وأنه أوى قتلته ، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ، ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام . فذهبا إلى علي ، فقالا له ذلك ، فقال : هؤلاء الذين ترون . فخرج خلق كثير فقالوا : كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا وليكدنا . قال : فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم قتالا ، بل لزما بيوتهما .

وقال عمر بن سعد بإسناده : حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن تبايع القراء كلهم عليا ، كتب في سهم : من عبد الله الناصح ، يا معشر أهل العراق ، إن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات ليغرقكم ، فخذوا حذركم . ورمى به في جيش أهل العراق . فأخذه الناس فقرأوه وتحدثوا به ، وذكروه لعلي ، فقال : إن هذا ما لا يكون ولا يقع . وشاع ذلك فيهم ، وبعث معاوية مائتي فاعل يحفرون في جنب الفرات وبلغ الناس ذلك ، فخاف أهل العراق من ذلك وفزعوا إلى علي ، فقال : ويحكم إنه يريد أن يخدعكم ويوهن كيدكم ، [ ص: 509 ] ليزيلكم عن مكانكم هذا وينزل فيه ; لأنه خشي من مكانه . فقالوا : لا بد أن نرتحل عن هذا المكان . فارتحلوا منه - وجاء معاوية فنزله بجيشه - وكان علي آخر من ارتحل ، فنزل بهم وهو يقول :


فلو أني أطعت عصمت قومي إلى ركن اليمامة أو شمام     ولكني إذا أبرمت أمرا
يخالفه الطغام بنو الطغام
قال : فأقاموا إلى شهر ذي الحجة ثم شرعوا في القتال ، فجعل علي يؤمر على الحرب كل يوم رجلا ، وأكثر من كان يؤمر الأشتر . وكذلك معاوية كان يؤمر كل يوم أميرا ، فاقتتلوا شهر ذي الحجة بكماله ، وربما اقتتلوا في بعض الأيام مرتين .

قال ابن جرير ، رحمه الله : ثم لم تزل الرسل تتردد بين علي ومعاوية ، والناس كافون عن القتال حتى انسلخ المحرم من هذه السنة ، ولم يقع بينهم صلح ، فأمر علي بن أبي طالب مرثد بن الحارث الجشمي ، فنادى أهل الشام عند غروب الشمس : ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم : إني قد [ ص: 510 ] استدمتكم لتراجعوا الحق ، وأقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا ، وإني قد أعذرت إليكم ونبذت إليكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين . ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي ينادي به ، فنهض عند ذلك معاوية وعمرو ، فعبيا الجيش ميمنة وميسرة ، وبات علي يعبي جيشه من ليلته ، فجعل على خيل أهل الكوفة الأشتر النخعي ، وعلى رجالتهم عمار بن ياسر ، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف ، وعلى رجالتهم قيس بن سعد وهاشم بن عتبة ، وعلى قرائهم مسعر بن فدكي التميمي ، وتقدم علي إلى الناس أن لا يبدأوا أحدا بقتال حتى يبدأهم ويعتدي عليهم ، وأنه لا يذفف على جريح ، ولا يتبع مدبر ، ولا يكشف ستر امرأة ولا تهان وإن شتمت أمراء الناس وصلحاءهم . وبرز معاوية صبح تلك الليلة وقد جعل على الميمنة ابن ذي الكلاع الحميري ، وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة الفهري ، وعلى المقدمة أبا الأعور السلمي ، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص ، وعلى رجالتهم الضحاك بن قيس . ذكره ابن جرير

وروى ابن ديزيل ، من طريق جابر الجعفي ، عن أبي جعفر الباقر ، وزيد [ ص: 511 ] بن الحسن بن علي ، وغيرهما ، قالوا : لما بلغ معاوية مسير علي إليه ، سار معاوية نحو علي واستعمل على مقدمته سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي ، وعلى الساقة بسر بن أرطاة حتى توافوا جميعا بقناصرين إلى جانب صفين . وزاد ابن الكلبي فقال : جعل على المقدمة أبا الأعور السلمي ، وعلى الساقة بسرا ، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر ، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وجعل على الميمنة حبيب بن مسلمة ، وعلى رجالتها يزيد بن زحر العنسي ، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعلى رجالتها حابس بن سعد الطائي ، وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس ، وعلى رجالتهم يزيد بن لبيد بن كرز البجلي ، وجعل على أهل حمص ذا الكلاع ، وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد ، وقام معاوية في الناس خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، والله ما أصبت الشام إلا بالطاعة ، ولا أضبط حرب أهل العراق إلا بالصبر ، ولا أكابد أهل الحجاز إلا باللطف ، وقد تهيأتم وسرتم [ ص: 512 ] لتمنعوا الشام وتأخذوا العراق ، وسار القوم ليمنعوا العراق ويأخذوا الشام ولعمري ما للشام رجاء في العراق ولا أموالها ، ولا للعراق خبرة أهل الشام ولا بصائرها ، مع أن للقوم أعدادهم ، وليس بعدكم غيركم ، فإن غلبتموهم فليس تغلبوهم إلا من أناتكم وصبركم ، وإن غلبوكم غلبوا من بعدكم ، والقوم لاقوكم بكيد أهل العراق ، ورقة أهل اليمن ، وبصائر أهل الحجاز ، وقسوة أهل مصر ، وإنما ينصر غدا من ينصر اليوم ، فاستعينوا بالله واصبروا إن الله مع الصابرين . فلما بلغ عليا خطبة معاوية ، قام في أصحابه أيضا خطيبا وحضهم على الجهاد ، ومدحهم بالصبر وشجعهم بكثرتهم بالنسبة إلى أهل الشام .

قال جابر الجعفي ، عن أبي جعفر الباقر ، وزيد بن الحسن ، وغيرهما قالوا : سار علي إلى الشام في مائة وخمسين ألفا من أهل العراق ، وأقبل معاوية في نحو منهم من أهل الشام . وقال غيرهم : أقبل علي في مائة ألف أو يزيدون ، وأقبل معاوية في مائة ألف وثلاثين ألفا . ذكر ذلك ابن ديزيل في كتابه . وقد تعاقد جماعة من أهل الشام على أن لا يفروا ، فعقلوا أنفسهم بالعمائم ، وكان هؤلاء خمسة صفوف ، ومعهم ستة صفوف آخرين ، وكذلك [ ص: 513 ] أهل العراق كانوا أحد عشر صفا أيضا ، فتواقفوا على هذه الصفة أول يوم من صفر ، وكان ذلك يوم الأربعاء ، وكان أمير الحرب يومئذ للعراقيين الأشتر النخعي ، وأمير الحرب يومئذ للشاميين حبيب بن مسلمة ، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا ، ثم تراجعوا من آخر يومهم ، وقد انتصف بعضهم من بعض ، وتكافئوا في القتال ، ثم أصبحوا من الغد يوم الخميس وأمير حرب أهل العراق هاشم بن عتبة ، وأمير الشاميين يومئذ أبو الأعور السلمي ، فاقتتلوا قتالا شديدا ; تحمل الخيل على الخيل ، والرجال على الرجال ، ثم تراجعوا من آخر يومهم ، وقد صبر كل من الفريقين للآخر وتكافئوا ، ثم خرج في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - عمار بن ياسر من ناحية أهل العراق ، وخرج إليه عمرو بن العاص في الشاميين فاقتتل الناس قتالا شديدا ، وحمل عمار على عمرو بن العاص ، فأزاله عن موقفه ، وبارز زياد بن النضر الحارثي - وكان على الخيالة يومئذ - رجلا ، فلما تواقفا تعارفا فإذا هما أخوان من أم ، فانصرف كل واحد منهما إلى قومه ، وترك صاحبه ، وتراجع الناس من العشي ، وقد صبر كل فريق لصاحبه ، وخرج في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - محمد بن علي ، وهو ابن الحنفية ، ومعه جمع عظيم ، فخرج إليه في جحفل كثير من جهة الشاميين عبيد الله بن عمر ، فاقتتل الناس قتالا شديدا ، وبرز عبيد الله بن عمر ، فطلب [ ص: 514 ] من ابن الحنفية أن يبرز إليه ، فبرز إليه ، فلما كادا أن يقتربا قال علي : من المبارز ؟ قالوا : محمد ابنك وعبيد الله بن عمر . فيقال : إن عليا حرك دابته وأمر ابنه أن يتوقف ، وتقدم علي إلى عبيد الله فقال له : تقدم إلي . فقال عبيد الله : لا حاجة لي في مبارزتك . فقال : بلى . فقال : لا . فرجع عنه علي وتحاجز الناس يومهم ذلك ، ثم خرج في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - في العراقيين عبد الله بن عباس ، وفي الشاميين الوليد بن عقبة ، فاقتتل الناس قتالا شديدا وجعل الوليد ينال من ابن عباس - فيما ذكره أبو مخنف - ويقول : قتلتم خليفتكم ولم تنالوا ما طلبتم ، ووالله إن الله ناصرنا عليكم . فقال له ابن عباس : فابرز إلي . فأبى عليه . ويقال : إن ابن عباس قاتل يومئذ قتالا شديدا بنفسه ، رضي الله عنه ، ثم خرج في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - من جهة علي على العراقيين قيس بن سعد بن عبادة ، ومن جهة أهل الشام ابن ذي الكلاع ، فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا ، وتصابروا ثم تراجعوا ، ثم خرج الأشتر النخعي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء - من جهة علي ، وخرج إليه قرنه من جهة معاوية ، وهو حبيب بن مسلمة ، فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا ، ولم يغلب أحد أحدا في هذه الأيام كلها .

[ ص: 515 ] قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين الجهني ، عن زيد بن وهب ، أن عليا قال : حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا ؟ ثم قام في الناس عشية الأربعاء بعد العصر ، فقال : الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ، وما أبرم لم ينقضه الناقضون ، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره ، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله ، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار ، فلفت بيننا في هذا المكان ، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع ، فلو شاء لعجل النقمة ، وكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ، ويعلم الحق أين مصيره ، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [ النجم : 31 ] . ألا وإنكم لاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرآن ، وأسألوا الله النصر والصبر ، والقوهم بالجد والحزم ، وكونوا صادقين . قال : فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها . قال : ومر بالناس وهم كذلك كعب بن جعيل التغلبي ، فرأى ما يصنعون فجعل يقول :

[ ص: 516 ]
أصبحت الأمة في أمر عجب     والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولا صادقا غير كذب     إن غدا تهلك أعلام العرب
قال : ثم أصبح علي في جنوده قد عبأهم كما أراد ، وركب معاوية في جيشه قد عبأهم كما أراد ، وقد أمر علي كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام ، ثم زحف الناس بعضهم إلى بعض ، فتقاتلوا قتالا عظيما لا يفر أحد من أحد ولا يغلب أحد أحدا ، ثم تحاجزوا عند العشي وأصبح علي فصلى الفجر بغلس وباكر القتال ، ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم ، فقال علي فيما رواه أبو مخنف ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب : اللهم رب السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته مغيضا لليل والنهار ، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم ، وجعلت فيه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ، ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام ، وما لا يحصى مما يرى وما لا يرى من خلقك العظيم ، ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض ، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم ، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا ، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي والفساد وسددنا للحق ، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة ، وجنب بقية أصحابي من [ ص: 517 ] الفتنة . ثم تقدم علي وهو في القلب في أهل المدينة وعلى ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل ، وعلى الميسرة عبد الله بن عباس ، وعلى القراء عمار بن ياسر وقيس بن سعد ، والناس على راياتهم ، فزحف بهم إلى القوم . وأقبل معاوية - وقد بايعه أهل الشام على الموت - فتواقف الناس في موطن مهول وأمر عظيم ، وحمل عبد الله بن بديل أمير ميمنة علي على ميسرة أهل الشام وعليها حبيب بن مسلمة ، فاضطره حتى ألجأه إلى القلب ، وفيه معاوية ، وقام عبد الله بن بديل في الناس خطيبا ، فحرضهم على القتال ، وقام كل أمير في أصحابه يحرضهم على القتال ، ويحثهم على الصبر والثبات والجهاد ، ويتلو عليهم آيات القتال ، وحرض أمير المؤمنين علي الناس على الثبات والصبر ، وحثهم على قتال أهل الشام وتلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن ; فمن ذلك قوله تعالى : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص [ الصف : 4 ] . ثم قال : قدموا المدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، والتووا في أطراف الرماح ، فإنه أصون للأسنة ، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلب ، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل ، وأولى بالوقار ، راياتكم لا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم .

[ ص: 518 ] وقد ذكر علماء التاريخ وغيرهم أن عليا ، رضي الله عنه ، بارز في يوم صفين وقاتل وقتل خلقا ، حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة ، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق مبارزة ، ثم وضعهم تحت قدميه ونادى : هل من مبارز ؟ فبرز إليه علي فتجاولا ساعة ثم ضربه علي فقتله ، ثم قال علي : هل من مبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله ، ثم برز إليه رود بن الحارث الكلاعي فقتله ، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيني فقتله . ثم تلا علي قوله تعالى : والحرمات قصاص [ البقرة : 194 ] ثم نادى : ويحك يا معاوية ! ابرز إلي ولا تفن العرب بيني وبينك . فقال له عمرو يا معاوية اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة . فقال له معاوية : والله لقد علمت أن عليا لم يقهر قط ، وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي ، اذهب إليك ! فليس مثلي يخدع .

وذكروا أن عليا حمل على عمرو بن العاص يوما فضربه بالرمح ، فألقاه إلى [ ص: 519 ] الأرض فبدت سوءته فرجع علي عنه ، فقال له أصحابه : مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه ؟ فقال : أتدرون من هو ؟ قالوا : لا . قال : هو عمرو بن العاص ، وإنه تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم فرجعت عنه . فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له : احمد الله ، واحمد استك .

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل : ثنا يحيى بن نصر ، ثنا عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، عن نمير الأنصاري قال : والله لكأني أسمع عليا وهو يقول لأصحابه يوم صفين ، أما تخافون مقت الله حتى متى . ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال : والله ما سمعنا برئيس أصاب بيده من القتل ما أصاب علي يومئذ ، إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحني ، ثم يجيء فيقول : معذرة إلى الله وإليكم ، والله لقد هممت أن أقلعه ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي قال : فيأخذه فيصلحه ثم يرجع به . وهذا إسناد ضعيف وحديث منكر .

وحدثنا يحيى ، ثنا ابن وهب ، أخبرني الليث ، عن يزيد بن حبيب أنه [ ص: 520 ] أخبره من حضر صفين مع علي ومعاوية ، قال ابن وهب ، وأخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ربيعة بن لقيط قال : شهدنا صفين مع علي ومعاوية ، قال : فمطرت السماء علينا دما عبيطا . قال الليث في حديثه : حتى أن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية . قال ابن لهيعة فتمتلئ ونهريقها .

وقد ذكرنا أن عبد الله بن بديل كسر الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أدخلها في القلب ، فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيبا على الكرة ، وبعث إليه معاوية يأمره بالحملة والكرة على ابن بديل ، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق ، فأزالوهم عن أماكنهم وانكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمائة وانجفل بقية أهل العراق ، ولم يبق مع علي من تلك القبائل إلا أهل المدينة وعليهم سهل بن حنيف ، وثبت ربيعة مع علي ، رضي الله عنه ، واقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه ، وتقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلي فقتله الأموي ، وأقبل يريد عليا ، وحوله بنوه الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية ، فلما وصل إلى علي ، أخذه علي بيده ، فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده ومنكبه وابتدره [ ص: 521 ] الحسين ومحمد بأسيافهما فقتلاه ، فقال علي للحسن ابنه ، وهو واقف معه : ما منعك أن تصنع كما صنعا ؟ فقال : كفياني أمره يا أمير المؤمنين . وأسرع إلى علي أهل الشام فجعل علي لا يزيده قربهم منه سرعة في مشيته ، بل هو سائر على هينته ، فقال له ابنه الحسن : يا أبه ، لو سعيت أكثر من هذا ! فقال : يا بني إن لأبيك يوما لن يعدوه ، ولا يبطئ به عنه السعي ، ولا يعجل به إليه المشي ، إن أباك والله ما يبالي أوقع على الموت أو وقع عليه الموت . ثم إن عليا أمر الأشتر النخعي أن يلحق المنهزمين فيردهم ، فساق بأسرع سوق حتى استقبل المنهزمين من العراقيين من بين أيديهم ، فجعل يؤنبهم ويوبخهم ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكرة ، فتابعه طائفة واستمر آخرون في هزيمتهم ، فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه منهم جمع عظيم ، فرجع بهم إلى أهل الشام فجعل لا يلقى قبيلة من الشاميين إلا كشفها ، ولا طائفة إلا ردها حتى انتهى إلى أمير الميمنة وهو عبد الله بن بديل ، ومعه نحو من ثلاثمائة قد ثبتوا في مكانهم فسألوه عن أمير المؤمنين فقال : حي صالح . [ ص: 522 ] فالتفوا عليه ، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس ، وذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب ، وأراد ابن بديل أن يتقدم إلى أهل الشام ، فأمره الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له ، فأبى عليه ابن بديل ، وحمل نحو معاوية ، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه وفي يده سيفان وحوله كتائب أمثال الجبال ، فلما اقترب ابن بديل حمل عليه جماعة منهم فقتلوه وألقوه إلى الأرض قتيلا ، وفر أصحابه منهزمين وأكثرهم مجروح ، فلما انهزموا قال معاوية لأصحابه : انظروا إلى أميرهم ؟ فجاءوا إليه فلم يعرفوه ، فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد الله بن بديل فقال معاوية :

هذا والله كما قال الشاعر - وهو حاتم الطائي - :


أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها     وإن شمرت يوما به الحرب شمرا
ويحمي إذا ما الموت حان لقاؤه     كذلك ذو الأشبال يحمي إذا فرا
كليث هزبر كان يحمي ذماره     رمته المنايا قصدها فتقطرا
[ ص: 523 ] ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين ، فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا وتعاهدوا على الموت أن لا يفروا وهم حول معاوية ، فخرق منهم أربعة ، وبقي بينه وبين معاوية صف واحد ، قال الأشتر : فرأيت هولا عظيما ، وكدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الإطنابة - وهي أمه من بلقين ، وكان هو من الأنصار وهو جاهلي :


أبت لي عفتي وأبى بلائي     وإقدامي على البطل المشيح
وإعطائى على المكروه مالي     وضربي هامة الرجل السميح
وقولي كلما جشأت وجاشت     مكانك تحمدي أو تستريحي
قال : هذا هو الذي ثبتني في ذلك الموقف . والعجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة ، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه ، حتى أفضوا إلى معاوية ، فدعا بفرسه لينجو عليه ، قال معاوية : فلما وضعت رجلي في آلة الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الإطنابة :


أبت لي عفتي وأبى بلائي     وأخذي الحمد بالثمن الربيح [ ص: 524 ]
وإعطائي على المكروه مالي     وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت     مكانك تحمدي أو تستريحي
قال : فثبت . ونظر معاوية إلى عمرو بن العاص يوم صفين ، فقال : اليوم صبر وغدا فخر . فقال له عمرو : صدقت . قال معاوية : فأصبت خيرا في الدنيا ، وأنا أرجو أن أصيب خيرا في الآخرة .

ورواه محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الرحمن بن حاطب ، عن معاوية . وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر - وهو أمير الخيالة لعلي - فقال له : اتبعني على ما أنت عليه ولك إمرة العراق . فطمع فيها ، فلما ولي معاوية العراق لم يعطه شيئا . ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت ، رجع إلى الناس فأنب بعضهم وعذر بعضهم وحرض الناس وثبتهم ، ثم تراجع أهل العراق فاجتمع شملهم ودارت رحى الحرب لهم وجالوا في الشاميين وصالوا ، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين - فإنا لله وإنا إليه راجعون - منهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب من الشاميين ، واختلفوا في قاتله من أهل العراق من هو ؟ وقد ذكر إبراهيم بن الحسين بن ديزيل ، أن عبيد الله لما خرج يومئذ أميرا على الحرب من جهة معاوية ، أحضر امرأتيه ; أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي ، وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني ، فوقفتا وراءه في راحلتين لتنظرا إلى قتاله وشجاعته وقوته ، فواجهته من جيش العراقيين ربيعة الكوفة وعليهم زياد بن خصفة التيمي ، فشدوا عليه شدة واحدة ، فقتلوه بعد ما انهزم عنه أصحابه ، ونزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة ، فبقي منها طنب لم يجدوا له وتدا فشدوه برجل عبيد الله بن عمر ، وجاءت امرأتاه تولولان حتى وقفتا عليه وبكتا عنده ، وشفعت امرأته بحرية إلى الأمير أن يطلقه لها فأطلقه لها فاحتملتاه في هودجهما . وقتل معه أيضا ذو الكلاع الحميري ، قال الشعبي : ففي مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب يقول كعب بن جعيل التغلبي :


ألا إنما تبكي العيون لفارس     بصفين ولت خيله وهو واقف
[ ص: 526 ] تبدل من أسماء أسياف وائل     وكان فتى لو أخطأته المتالف
تركن عبيد الله بالقاع ثاويا     تسيل دماه والعروق نوازف
ينوء ويغشاه شآبيب من دم     كما لاح من جيب القميص الكفائف
وقد صبرت حول ابن عم محمد     لدى الموت أرباب المناقب
شارف فما برحوا حتى رأى الله صبرهم     وحتى أليحت بالأكف المصاحف
وزاد غيره فيها :


معاوي لا تنهض بغير وثيقة     فإنك بعد اليوم بالذل عارف
وقد أجابه أبو جهمة الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصدا .

وهذا مقتل عمار بن ياسر ، رضي الله عنه ، مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه

قتله أهل الشام وبان بذلك وظهر سر ما أخبر به الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، من أنه تقتله الفئة الباغية ، وبان بذلك أن عليا محق وأن معاوية باغ وما في ذلك من دلائل النبوة .

[ ص: 527 ] ذكر ابن جرير ، من طريق أبي مخنف : حدثني مالك بن أعين الجهني ، عن زيد بن وهب الجهني أن عمارا قال يومئذ : أين من يبتغي رضوان الله ولا يلوي إلى مال ولا ولد ؟ قال : فأتته عصابة من الناس فقال : أيها الناس ، اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما ، والله ما قصدهم الأخذ بدمه ولا القيام بثأره ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها واستمرءوها ، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم وشهواتهم ، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس لهم والولاية عليهم ، ولا تمكنت من قلوبهم خشية الله التي تمنع من تمكنت من قلبه عن نيل الشهوات ، وتعقله عن إرادة الدنيا وطلب العلو فيها ، وتحمله على اتباع الحق والميل إلى أهله ، فخدعوا أتباعهم بقولهم : إمامنا قتل مظلوما . ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا ، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ، ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان ، ولكانوا أذل وأخس وأقل ، ولكن قول الباطل له حلاوة في أسماع الغافلين ، فسيروا إلى الله سيرا جميلا ، واذكروه ذكرا كثيرا . ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص وعبيد الله بن [ ص: 528 ] عمر فلامهما وانتهرهما ووعظهما ، وذكروا من كلامه لهما ما فيه غلظة . فالله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، سمعت عبد الله بن سلمة يقول : رأيت عمارا يوم صفين شيخا كبيرا آدم طوالا ، آخذ الحربة بيده ويده ترعد ، فقال : والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ثلاث مرات ، وهذه الرابعة ، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا شعفات هجر ، لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة وحجاج ، حدثني شعبة : سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة ، قال حجاج : سمعت أبا نضرة ، عن قيس بن عباد ، قال : قلت لعمار : أرأيت قتالكم رأيا رأيتموه ، فإن الرأي يخطئ ويصيب ، أو عهدا عهده إليكم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما [ ص: 529 ] عهد إلينا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، شيئا لم يعهده إلى الناس كافة .

وقد رواه مسلم من حديث شعبة ، وله تمام عن عمار ، عن حذيفة في المنافقين .

وهذا كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما ، عن جماعة من التابعين ; منهم الحارث بن سويد ، وقيس بن عباد ، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي ، ويزيد بن شريك ، وأبو حسان الأجرد ، وغيرهم أن كلا منهم قال : قلت لعلي : هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لم يعهده إلى الناس ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ فإذا فيها العقل وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر ، وأن المدينة حرم ما بين عير إلى ثور .

[ ص: 530 ] وثبت في " الصحيحين " أيضا من حديث الأعمش ، عن أبي وائل ، عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين يا أيها الناس ، اتهموا الرأي على الدين ، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر لرددت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أمره ، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه ، غير أمرنا هذا ، فإنا لا نسد منه خصما إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالي له .

وقال أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي البختري قال : قال عمار يوم صفين : ائتوني بشربة لبن ، فإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن حبيب ، عن أبي البختري ، أن عمارا أتي بشربة لبن ، فضحك وقال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لي : إن آخر شراب أشربه لبن حين أموت

[ ص: 531 ] وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل : ثنا يحيى ، ثنا نصر ، ثنا عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي قال : سمعت الشعبي ، عن الأحنف بن قيس قال : ثم حمل عمار بن ياسر عليهم ، فحمل عليه ابن جون السكوني ، وأبو الغادية الفزاري ، فأما أبو الغادية فطعنه ، وأما ابن جون فاحتز رأسه . وقد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لعمار بن ياسر : تقتلك الفئة الباغية ، وآخر شربة تشربها صاع لبن . فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ويحك ما هذا يا عمرو ؟ فيقول له عمرو : إنه سيرجع إلينا . قال : فلما أصيب عمار بعد ذي الكلاع ، قال عمرو لمعاوية : ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا ; بقتل عمار أو ذي الكلاع ، والله لو بقي ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة أهل الشام إلى علي ، ولأفسد علينا جندنا . قال : وكان لا يزال يجيء رجل فيقول لمعاوية وعمرو : أنا قتلت عمارا . فيقول له عمرو : فما سمعته يقول ؟ فيخلطون فيما يخبرون ، حتى جاء ابن جون فقال : أنا سمعته [ ص: 532 ] يقول :


اليوم ألقى الأحبة     محمدا وحزبه
فقال له عمرو : صدقت أنت ، إنك صاحبه . ثم قال له : رويدا ، أما والله ما ظفرت بذاك ، ولقد أسخطت ربك .

وقد روى ابن ديزيل ، من طريق أبي يوسف ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الرحمن الكندي ، عن أبيه ، عن عمرو بن العاص ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية .

ورواه أيضا من حديث جماعة من التابعين أرسلوه ; منهم عبد الله بن أبي الهذيل ، ومجاهد ، وحبيب بن أبي ثابت ، وحبة العرني ، وساقه من طريق أبان ، عن أنس مرفوعا . ومن حديث عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، عن أبي الزبير ، عن حذيفة مرفوعا : " ما خير عمار بين شيئين إلا اختار أرشدهما " . وبه عن عمرو بن شمر ، عن السدي ، عن يعقوب بن [ ص: 533 ] الأوسط ، قال : اختصم رجلان في سلب عمار وفي قتله ، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص ليتحاكما إليه ، فقال لهما : ويحكما ، اخرجا عني ، فإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ولعت قريش بعمار ، ما لهم ولعمار ؟ عمار يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار ، قاتله وسالبه في النار . قال : فبلغني أن معاوية قال : إنما قتله من أخرجه . يخدع بذلك أهل الشام .

وقال إبراهيم بن الحسين : حدثنا يحيى ، ثنا عيسى بن عمر ، ثنا هشيم ، ثنا العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود ، عن حنظلة بن خويلد - وكان يأتي من عند علي ومعاوية - قال : بينا هو عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في قتل عمار ، فقال لهما عبد الله بن عمرو : ليطب كل واحد منكما نفسا لصاحبه بقتل عمار ، فإني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : تقتله الفئة الباغية . فقال معاوية لعمرو : ألا تنهى عنا مجنونك هذا ؟ ثم أقبل معاوية على عبد الله فقال له : فلم تقاتل معنا ؟ فقال له : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أمرني بطاعة والدي ما كان حيا ، وأنا معكم ولست أقاتل .

[ ص: 534 ] وحدثنا يحيى ، ثنا نصر ، حدثني حفص بن عمران البرجمي قال : حدثني نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن عمرو قال لأبيه : لولا أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أمرني بطاعتك ما سرت معك هذا المسير ، أما سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول لعمار بن ياسر : تقتلك الفئة الباغية ؟

وحدثنا يحيى ، ثنا عبد الرحمن بن زياد ، ثنا هشيم ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : جاء قاتل عمار يستأذن على معاوية وعنده عمرو بن العاص ، فقال : ائذن له وبشره بالنار . فقال الرجل : أما تسمع ما يقول عمرو ؟ فقال معاوية : صدق إنما قتله الذين جاءوا به .

وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن محمد ، ثنا الوليد بن صالح ، ثنا عطاء بن مسلم ، عن الأعمش قال : قال أبو عبد الرحمن السلمي : كنا مع علي بصفين وكنا قد وكلنا بفرسه نفسين يحفظانه ويمنعانه أن يحمل ، فكان إذا حانت منهما غفلة ، حمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه ، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه ، فألقاه إليهم ، وقال : لولا أنه انثنى ما رجعت . قال : ورأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا اتبعه من كان هناك من [ ص: 535 ] أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ورأيته جاء إلى المرقال ، هاشم بن عتبة ، وهو صاحب راية علي ، فقال : يا هاشم تقدم ، الجنة تحت ظلال السيوف ، والموت في أطراف الأسل ، وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين :

اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه ثم حملا هو وهاشم فقتلا ، رحمهما الله تعالى ، قال : وحمل حينئذ علي وأصحابه على أهل الشام حملة رجل واحد كأنهما كانا - يعني عمارا وهاشما - علما لهم ، قال : فلما كان الليل قلت : لأدخلن الليلة إلى عسكر الشاميين حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا ؟ وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم ، فركبت فرسي وقد هدأت الرجل ، ثم دخلت عسكرهم فإذا أنا بأربعة يتسامرون ; معاوية ، وأبو الأعور السلمي ، وعمرو بن العاص ، وابنه عبد الله بن عمرو - وهو خير الأربعة - فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول بعضهم لبعض ، فقال عبد الله لأبيه : يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا ، وقد قال فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما قال ! قال : وما قال ؟ قال : [ ص: 536 ] ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد والناس ينقلون حجرا حجرا ، ولبنة لبنة ، وعمار ينقل حجرين حجرين ، ولبنتين لبنتين ، فأتاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول : " ويحك يا ابن سمية ، الناس ينقلون حجرا حجرا ، ولبنة لبنة ، وأنت تنقل حجرين حجرين ، ولبنتين لبنتين ; رغبة منك في الأجر ! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية " ؟ قال : فدفع عمرو صدر فرسه ، ثم جذب معاوية إليه ، فقال : يا معاوية ، أما تسمع ما يقول عبد الله ؟ قال : وما يقول ؟ فأخبره الخبر . فقال معاوية : إنك شيخ أخرق ، ولا تزال تحدث بالحديث ، وأنت تدحض في بولك ، أونحن قتلنا عمارا ؟ إنما قتل عمارا من جاء به . قال : فخرج الناس من عند فساطيطهم وأخبيتهم وهم يقولون : إنما قتل عمارا من جاء به . فلا أدرى من كان أعجب هو أو هم ؟

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : تقتله الفئة الباغية .

وقال أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن [ ص: 537 ] دينار ، عن هشام ، عن أبي سعيد أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية .

وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن الحارث قال : إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص ، فقال عبد الله بن عمرو : يا أبت ، أما سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول لعمار : ويحك يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية ؟ فقال عمرو لمعاوية : ألا تسمع ما يقول هذا ؟ فقال معاوية : لا يزال يأتينا بهنة ، أنحن قتلناه ؟ إنما قتله الذين جاءوا به . ثم رواه أحمد ، عن أبي نعيم ، عن الثوري ، عن الأعمش به نحوه . تفرد به أحمد بهذا السياق من هذا الوجه .

وهذا التأويل الذي سلكه معاوية بعيد ، ثم لم ينفرد عبد الله بن عمرو بهذا الحديث ، بل قد روي من وجوه أخر ; فقد روى البخاري في " صحيحه " ، [ ص: 538 ] من حديث عبد العزيز بن المختار وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن أبي سعيد في قصة بناء المسجد أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : يا ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن . وفي الفتن من صحيحه أيضا : يا ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار .

وروى مسلم من حديث أبي سعيد قال : حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية .

وروى مسلم أيضا من حديث أبي سعيد قال : حدثني من هو خير مني - يعني قتادة - أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية .

ورواه أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن ابن علية ، عن ابن عون ، عن الحسن ، عن أبيه ، عن أم سلمة به . وفي رواية : " وقاتله في النار " .

[ ص: 539 ] وروى البيهقي ، عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصنعاني ، عن أبي الجواب ، عن عمار بن زريق ، عن عمار الدهني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق .

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في " سيرة علي " : ثنا يحيى بن عبيد الله الكرابيسي ، ثنا أبو كريب ، ثنا أبو معاوية ، عن عمار بن زريق ، عن عمار الدهني ، عن سالم بن أبي الجعد قال : جاء رجل إلى ابن مسعود ، فقال : إن الله قد أمننا أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتننا ، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع ؟ قال : عليك بكتاب الله . قلت : أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله ؟ فقال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق .

وروى ابن ديزيل ، عن عمرو بن العاص نفسه حديثا في ذكر عمار وأنه مع فرقة الحق ، وإسناده غريب .

وقال البيهقي : أنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنا أحمد بن [ ص: 540 ] عبيد الله الصفار ، ثنا الأسفاطي ، ثنا أبو مصعب ، ثنا يوسف الماجشون ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة ، عن محمد بن عمار بن ياسر ، عن مولاة لعمار ، قالت : اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشي عليه ، فأفاق ونحن نبكي حوله ، فقال : ما تبكون ، أتخشون أن أموت على فراشي ؟ أخبرني حبيبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه تقتلني الفئة الباغية ، وأن آخر زادي من الدنيا مذقة من لبن .

وقال أحمد : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أمرنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ببناء المسجد ، فجعلنا ننقل لبنة لبنة ، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين ، فتترب رأسه ، قال : فحدثني أصحابي ، ولم أسمعه من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنه جعل ينفض رأسه ويقول : ويحك يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . تفرد به أحمد . وما زاده بعض الرواة في هذا الحديث وهو قوله : لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة . فهو كذب وبهت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله [ ص: 541 ] عليه وسلامه ، بتسمية الفريقين مسلمين ، كما سنورده إن شاء الله تعالى .

قال ابن جرير : وقد ذكر أن عمارا لما قتل قال علي لربيعة وهمدان : أنتم درعي ورمحي . فانتدب له نحو من اثني عشر ألفا ، وتقدمهم على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد ، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض ، وقتلوا كل من انتهوا إليه ، حتى بلغوا معاوية ، وعلي يقاتل ويقول :


أضربهم ولا أرى معاوية     الجاحظ العين العظيم الحاوية
قال ثم دعا على معاوية إلى أن يبارزه ، فأشار عليه عمرو بن العاص أن يبرز إليه ، فقال له معاوية : إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله ، ولكنك طمعت فيها بعدي . ثم قدم علي ابنه محمدا في عصابة كثيرة من الناس ، فقاتلوه قتالا شديدا ، ثم أتبعه علي في عصابة أخرى فحمل بهم ، فقتل في هذا الموطن خلقا كثيرا أيضا ، وقتل من العراقيين خلق كثير أيضا ، وطارت أكف ومعاصم ورءوس عن كواهلها - رحمهم الله - ثم حانت صلاة المغرب ، فما صلى بالناس إلا إيماء ; صلاتي العشاء ، واستمر القتال في هذه الليلة كلها [ ص: 542 ] وهي من أعظم الليالي شرا بين المسلمين ، وتسمى هذه الليلة ليلة الهرير . وكانت ليلة الجمعة تقصفت فيها الرماح ونفدت النبال ، وصار الناس إلى السيوف وعلي ، رضي الله عنه يحرض القبائل ، ويتقدم إليهم ، يأمر بالصبر والثبات وهو أمام الناس في قلب الجيش ، وعلى الميمنة الأشتر النخعي ، تولاها بعد قتل عبد الله بن بديل ، رحمه الله ، عشية الخميس ليلة الجمعة ، وعلى الميسرة ابن عباس ، والناس يقتتلون من كل جانب ، وذلك لما قتل عمار ، عرف أهل العراق أن أهل الشام بغاة ليس معهم حق .

وذكر غير واحد من علماء السير ، أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت ، وبالنبال حتى فنيت ، وبالسيوف حتى تحطمت ، ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي ، والرمي بالحجارة ، والتراب يعفرونه في الوجوه ، ثم تعاضوا بالأسنان ، فكان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان ، وكل واحد منهما يهمز على الآخر ويهر عليه ، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا ، [ ص: 543 ] لا يمكن أحدهما الفرار من الآخر ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك ، وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وأقبل النصر ، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام ; وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة - وكان من الشجعان الأبطال الذين يعرفون الحروب ولا يهابون القتل - فحمل بمن فيها على أهل الشام ، وتبعه علي فانفضت غالب صفوف أهل الشام ، ولم يبق إلا الهزيمة والكسرة والفرار                                                                                                                                                                                                         ======================================

قصة التحكيم

ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين - علي ومعاوية - رجلا من جهته ، ثم يتفق الحكمان على ما فيه المصلحة للمسلمين . فوكل معاوية عمرو بن العاص وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس - وليته فعل - ولكنه منعه القراء الخوارج ممن ذكرنا ، وقالوا : لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري .

وذكر الهيثم بن عدي في كتاب " الخوارج " له أن أول من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس ، وتابعه أهل اليمن ، ووصفوه بأنه كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال ، وكان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز ، قال [ ص: 555 ] علي : فإني أجعل الأشتر حكما . فقالوا : وهل سعر ، الأرض إلا الأشتر ؟ قال : فاصنعوا ما شئتم . فقال الأحنف لعلي : والله لقد رميت بحجر ، إنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل منهم يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ، ويبعد عنهم حتى يصير بمنزلة النجم ، فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا ، فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها ، ولا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها . قال : فأبوا إلا أبا موسى الأشعري . فذهبت الرسل إلى أبي موسى الأشعري - وكان قد اعتزل - فلما قيل له : إن الناس قد اصطلحوا . قال : الحمد لله . قيل له : وقد جعلت حكما . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون . ثم أخذوه حتى أحضروه إلى علي ، رضي الله عنه وكتبوا بينهم كتابا هذه صورته :

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين . فقال عمرو بن العاص اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم وليس بأميرنا . فقال الأحنف : لا تكتب إلا أمير المؤمنين . فقال علي : امحه ، واكتب : هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ، ثم استشهد علي بقصة الحديبية حين امتنع أهل مكة من قوله : هذا ما قاضى عليه محمد رسول [ ص: 556 ] الله . فامتنع المشركون من ذلك ، وقالوا : اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله . فكتب الكاتب : هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ; قاضى علي على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم والمسلمين ، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معه من المؤمنين والمسلمين ، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ، ونحيي ما أحيا الله ، عز وجل ، ونميت ما أمات الله ، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص - عملا به وما لم يجدا في كتاب الله ، فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة . ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق على أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما ، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه ويتفقان ، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهم على ما في هذه الصحيفة ، وأجلا القضاء إلى رمضان ، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك على تراض منهما ، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر ، سنة سبع وثلاثين ، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان ، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه ، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح .

[ ص: 557 ] وقد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه " الخوارج " أن الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب وفيه : هذا ما قاضى عبد الله أمير المؤمنين علي معاوية بن أبي سفيان قال معاوية : لو كان أمير المؤمنين لم أقاتله ، ولكن ليكتب اسمه وليبدأ به قبل اسمي لفضله وسابقته . فرجع إلى علي فكتب كما قال معاوية .

وذكر الهيثم أن أهل الشام أبوا أن يبدأوا باسم علي قبل معاوية ، وباسم أهل العراق قبلهم ، حتى كتب كتابان ; كتاب لهؤلاء وكتاب لهؤلاء بما أرادوا .

وهذه تسمية من شهد على هذا الكتاب والتحكيم من جيش علي : عبد الله بن عباس ، والأشعث بن قيس الكندي ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وعبد الله بن الطفيل العامري ، وحجر بن عدي الكندي ، وورقاء بن سمي البجلي ، وعبد الله بن محل العجلي ، وعقبة بن زياد الحضرمي ، [ ص: 558 ] ويزيد بن حجية التميمي ، ومالك بن كعب الهمداني . فهؤلاء عشرة . وأما من الشاميين فعشرة آخرون ; وهم أبو الأعور السلمي ، وحبيب بن مسلمة ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ومخارق بن الحارث الزبيدي ، زمل بن عمرو العذري ، وعلقمة بن يزيد الحضرمي ، وحمزة بن مالك الهمداني ، وسبيع بن يزيد الحضرمي ، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية ، ويزيد بن الحر العبسي .

وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم من الطائفتين . ثم شرع الناس في دفن قتلاهم . قال الزهري : بلغني أنه كان يدفن في كل قبر خمسون نفسا . وكان علي قد أسر جماعة من أهل الشام فلما أراد الانصراف عن صفين أطلقهم ، وكان مثلهم أو قريب [ ص: 559 ] منهم قد أسرهم أهل الشام ، وكان معاوية قد عزم على قتلهم لظنه أن عليا قد قتل أسراهم ، فلما جاء أولئك الذين أطلقهم ، أطلق معاوية الذين في يده ، ويقال : إن رجلا يقال له : عمرو بن أوس - من الأود . كان من الأسارى ، فأراد معاوية قتله ، فقال : امنن علي فإنك خالي . فقال : ويحك ! من أين أنا خالك ؟ فقال : إن أم حبيبة زوجة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهي أم المؤمنين ، وأنا ابنها وأنت أخوها ، فأنت خالي . فأعجب ذلك معاوية وأطلقه . وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وذكر أهل صفين - فقال : كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية ، فالتقوا في الإسلام معهم بتلك الحمية نهية الإسلام ، فتصابروا واستحيوا من الفرار ، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء ، وهؤلاء في عسكر هؤلاء ، فيستخرجون قتلاهم فيدفنوهم . قال الشعبي : هم أهل الجنة ، لقي بعضهم بعضا فلم يفر أحد من أحد ======================================
فصل ( مناظرة علي رضي الله عنه للخوارج )

قد تقدم أن عليا ، رضي الله عنه ، لما رجع من الشام بعد وقعة صفين ، ذهب إلى الكوفة فلما دخلها اعتزله طائفة من جيشه ، قيل : ستة عشر ألفا . وقيل : اثنا عشر ألفا . وقيل : أقل من ذلك . فباينوه ، وخرجوا عليه ، وأنكروا عليه أشياء ، فبعث إليهم عبد الله بن عباس ، فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه من الشبهة ، ولم يكن له حقيقة في نفس الأمر ، فرجع بعضهم ، واستمر بعضهم على ضلاله حتى كان منهم ما سنورده قريبا إن شاء الله . ويقال : إن عليا ، رضي الله عنه ، ذهب إليهم فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه ، ودخلوا معه الكوفة ، ثم إنهم عادوا فنكثوا ما عاهدوا عليه ، وتعاقدوا وتعاهدوا فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقيام على الناس في ذلك ثم تحيزوا ناحية إلى موضع يقال له : النهروان . وفيه قاتلهم علي كما سيأتي .

[ ص: 565 ] قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع ، حدثني يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري ، قال : جاء عبد الله بن شداد ، فدخل على عائشة - ونحن عندها مرجعه من العراق ليالي قتل علي - فقالت له : يا عبد الله بن شداد ، هل أنت صادقي عما أسألك عنه ؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي . قال : وما لي لا أصدقك . قالت : فحدثني عن قصتهم . قال : فإن عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمان ، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها : حروراء . من جانب الكوفة ، وأنهم عتبوا عليه ، فقالوا : انسلخت من قميص ألبسكه الله ، واسم سماك به الله ، ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله . فلما أن بلغ عليا ما عتبوا عليه وفارقوه عليه ، فأمر فأذن مؤذن : أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن . فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس ، دعا بمصحف إمام عظيم ، فوضعه بين يديه فجعل [ ص: 566 ] يصكه بيده ، ويقول : أيها المصحف ، حدث الناس ! فناداه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه ! إنما هو مداد في ورق ، ونحن نتكلم بما روينا منه ، فماذا تريد ؟ قال : أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا ، بيني وبينهم كتاب الله ، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل : وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما [ النساء : 35 ] . فأمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل ، ونقموا علي أن كاتبت معاوية : كتب علي بن أبي طالب ، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالحديبية حين صالح قومه قريشا ، فكتب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال : " كيف نكتب ؟ " . فقال : اكتب باسمك اللهم . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " فكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشا . يقول الله تعالى في كتابه : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر [ الأحزاب : 21 ] فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه ، حتى إذا توسطت عسكرهم قام ابن الكواء يخطب الناس فقال : يا حملة القرآن ، هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه ، هذا ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه ، هذا ممن نزل فيه وفي قومه بل هم قوم خصمون [ ص: 567 ] [ الزخرف : 58 ] . فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله . فقال بعضهم : والله لنواضعنه ، فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه ، وإن جاء بباطل لنبكتنه بباطله . فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام ، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب ، فيهم ابن الكواء ، حتى أدخلهم على علي الكوفة ، فبعث علي إلى بقيتهم فقال : قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم ، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ، أو تقطعوا سبيلا ، أو تظلموا ذمة ، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء : إن الله لا يحب الخائنين [ الأنفال : 58 ] . فقالت له عائشة : يا ابن شداد فقتلهم ؟ فقال : والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل ، وسفكوا الدماء ، واستحلوا أهل الذمة . فقالت : آلله ؟ قال : آلله الذي لا إله إلا هو لقد كان ذلك . قالت : فما شيء بلغني عن أهل العراق يقولون : ذو الثدي وذو الثدية ؟ قال : قد رأيته ، وقمت مع علي عليه في القتلى ، فدعا الناس فقال : أتعرفون هذا ، [ ص: 568 ] فما أكثر من جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي ويقرأ ، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي . ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك . قالت : فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق ؟ قال : سمعته يقول : صدق الله ورسوله . قالت : هل سمعت منه أنه قال غير ذلك ؟ قال : اللهم لا . قالت : أجل ، صدق الله ورسوله ، يرحم الله عليا ، إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال : صدق الله ورسوله . فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث . تفرد به أحمد ، وإسناده صحيح ، واختاره الضياء . ففي هذا السياق ما يقتضي أن عدتهم كانت ثمانية آلاف ، لكن من القراء ، وقد يكون واطأهم على مذهبهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا اثني عشر ألفا ، أو ستة عشر ألفا ، ولما ناظرهمابن عباس رجع منهم أربعة آلاف ، وبقي بقيتهم على ما هم عليه . وقد رواه يعقوب بن سفيان ، عن موسى بن مسعود ، عن عكرمة بن عمار ، عن سماك أبي زميل ، عن ابن عباس ، فذكر القصة وأنهم عتبوا عليه في كونه حكم الرجال ، وأنه محا اسمه من الإمرة ، وأنه غزا يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام ولم يقسم الأموال والسبي ، فأجاب عن الأولتين بما تقدم ، وعن الثالثة بأن قال : قد كان في السبي أم المؤمنين عائشة ، فإن قلتم : ليست لكم بأم . فقد كفرتم ، وإن استحللتم سبي أمكم فقد كفرتم . قال : فرجع منهم [ ص: 569 ] ألفان وخرج سائرهم فتقاتلوا . وذكر غيره أن ابن عباس لبس حلة لما خرج إليهم ، فناظروه في لبسه إياها ، فاحتج عليهم بقوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية [ الأعراف : 32 ] .

وذكر ابن جرير أن عليا خرج بنفسه إلى بقيتهم ، فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة ، وذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى - شك الراوي في ذلك - ثم جعلوا بعد ذلك يعرضون له في الكلام ، ويسمعونه شتما ويتأولون تآويل في أقواله . قال الشافعي ، رحمه الله : قال رجل من الخوارج لعلي وهو في الصلاة لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [ الزمر : 65 ] . فقرأ علي : فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون [ الروم : 60 ] . وذكر ابن جرير أن هذا الكلام إنما قاله وعلي يخطب ، لا في الصلاة . وذكر ابن جرير أيضا أن عليا بينما هو يخطب يوما إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال : يا علي أشركت في دين الله الرجال ولا [ ص: 570 ] حكم إلا لله . فتنادوا من كل جانب : لا حكم إلا لله ، لا حكم إلا لله . فجعل علي يقول : هذه كلمة حق أريد بها باطل . ثم قال : إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئا ما دامت أيديكم معنا ، وأن لا نمنعكم مساجد الله ، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدأونا به . ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة وتحيزوا إلى النهروان ، على ما سنذكره بعد حكم الحكمين .====================================] ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا ، رضي الله عنه ، بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما ورد في ذلك من الأحاديث

لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل ، اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره ، فجاء إليه رجلان منهم ، وهما زرعة بن البرج الطائي ، وحرقوص بن زهير السعدي ، فقالا : لا حكم إلا لله . فقال علي : لا حكم إلا لله . فقال له حرقوص : تب إلى الله من خطيئتك ، وارجع عن قضيتك ، اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا . فقال علي : قد أردتكم على ذلك فأبيتم ، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وعهودا ، وقد قال الله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم الآية [ النحل : 91 ] . فقال له حرقوص : ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه . فقال علي : ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي ، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ، ونهيتكم عنه . فقال له زرعة بن البرج : أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه . فقال له : تبا لك ما [ ص: 578 ] أشقاك ! كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح . فقال : وددت أن قد كان ذلك . فقال له علي : إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا ، ولكن الشيطان قد استهواكم . فخرجا من عنده يحكمان أمرهما ، وفشى فيهم ذلك ، وجاهروا به الناس ، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن ، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه . فقام إليه جماعة منهم كل يقول : لا حكم إلا لله . وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [ الزمر : 65 ] . فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر يقول : حكم الله ننتظر فيكم . ثم قال : إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا .

وقال أبو مخنف ، عن عبد الملك بن أبي حرة أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة ، اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة ، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم قال : فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها ، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال ، أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه الأحكام الجائرة . ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه : إن المتاع بهذه الدنيا قليل ، وإن الفراق لها وشيك ، فلا [ ص: 579 ] تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . فقال سنان بن حمزة الأسدي : يا قوم إن الرأي ما رأيتم ، وإن الحق ما ذكرتم ، فولوا أمركم رجلا منكم ، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد ، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها . فبعثوا إلى زيد بن حصين الطائي - وكان من رءوسهم - فعرضوا عليه الإمارة عليهم فأبى ، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى ، ثم عرضوها على حمزة بن سنان فأبى ، ثم عرضوها على شريح بن أوفى العبسي فأبى ، ثم عرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها ، وقال : أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت . واجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصين الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله الآية [ ص : 26 ] . وقوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] . والتي بعدها وبعدها : الظالمون ، الفاسقون [ المائدة : 45 ، 47 ] . ثم قال : فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى ، ونبذوا حكم [ ص: 580 ] الكتاب ، وجاروا في القول والأعمال ، وأن جهادهم حق على المؤمنين . قال : فبكى رجل منهم يقال له : عبد الله بن شجرة السلمي . ثم حرض أولئك على الخروج على الناس ، وقال في كلامه : اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم ، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم ، آتاكم الله ثواب المطيعين له العاملين بأمره ، وإن قتلتم فأي شيء أفضل من الصبر والمصير إلى الله ورضوانه وجنته ؟

قلت : وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم ، فسبحان من نوع خلقه كما أراد ، وسبق في قدره ذلك . وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج : إنهم المذكورون في قوله تعالى : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [ الكهف : 103 - 105 ] . والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال ، والأشقياء في الأقوال والأفعال ، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين ، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ; ليملكوها ويتحصنوا بها ، ثم يبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على ما هم عليه من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها ، ويكون [ ص: 581 ] اجتماعهم عليها . فقال لهم زيد بن حصين الطائي : إن المدائن لا تقدرون عليها ، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم ، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخا ، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات ، ولكن اخرجوا وحدانا لئلا يشعروا بكم . فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها ، وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ، ليكونوا يدا واحدة على الناس ، ثم خرجوا يتسللون وحدانا ; لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأعمام والعمات وفارقوا سائر القرابات ، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسماوات ، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر والذنوب الموبقات ، والعظائم والخطيئات ، وأنه مما يزينه لهم إبليس وأنفسهم التي هي بالسوء أمارات . وقد تدارك جماعة منهم بعض أولادهم وقراباتهم وإخوانهم فردوهم ووبخوهم ، فمنهم من استمر على الاستقامة ، ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة ، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ، ووافى إليهم من [ ص: 582 ] كاتبوه من أهل البصرة وغيرها ، واجتمع الجميع بالنهروان ، وصارت لهم شوكة ومنعة ، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وثبات وصبر ، وعندهم أنهم متقربون بذلك إلى الله ، عز وجل ; فهم قوم لا يصطلى لهم بنار ، ولا يطمع أحد في أن يأخذ منهم بثأر ، وبالله المستعان .

وقال أبو مخنف ، عن أبي روق ، عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى الأشعري إلى مكة ، ورد ابن عباس إلى البصرة ، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال : الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ، والحدثان الجليل ، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدا رسول الله ، أما بعد ، فإن المعصية تورث الحسرة ، وتعقب الندم ، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري ، ونحلتكم رأيي ، فأبيتم إلا ما أردتم ، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن فأجاد :


بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
[ ص: 583 ] ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما فيما حكما به وأنبهما ، وبين ما في ذلك من هوى وزور ومحبة للدنيا ، وقلة نصح ونظر للأمة ، وحط عليهما ، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى أهل الشام والجهاد فيهم ، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه ، وكتب إلى ابن عباس والى البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام . وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما ، وأنه قد عزم على الذهاب إلى أهل الشام ، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم ، فكتبوا إليه : أما بعد ، فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك ، وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك ، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين [ الأنفال : 58 ] .

فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم ، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف - خمسة وستين ألفا - وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة ، ومع أبي الأسود الدئلي ألف وسبعمائة ، فكمل جيشه في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس .

وقام علي في الناس خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر عند اللقاء ; فبينما هو عازم على غزو أهل الشام إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا ، [ ص: 584 ] وسفكوا الدماء ، وقطعوا السبيل ، واستحلوا المحارم ، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا له : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وأنتم قد روعتموني . فقالوا : لا بأس عليك ، حدثنا ما سمعت من أبيك . فقال : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، فقادوه بيده ، فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم بسيفه فشق جلده ، فقال له آخر : لم فعلت هذا وهو لذمي ؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه . وبينما هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه ، فقال له آخر : بغير إذن ولا ثمن ؟ فألقاها ذاك من فمه ، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه ، وجاءوا إلى امرأته فقالت : إني امرأة حبلى ألا تتقون الله ، عز وجل ! فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها ، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم ، خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم ويفعلوا هذا الصنيع ، فخافوا غائلتهم ، وأشاروا على علي بأن يبدأ بهم ، ثم إذا فرغ منهم ساروا معه إلى الشام ، والناس آمنون من شرهم ، فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضا ; إذ لو قووا هؤلاء لأفسدوا الأرض كلها عراقا وشاما ، ولم يتركوا طفلا [ ص: 585 ] ولا طفلة ولا رجلا ولا امرأة ; لأن الناس عندهم قد فسدوا فسادا لا يصلحهم إلا القتل جملة . فأرسل علي إليهم الحارث بن مرة العبدي ، وقال له : اخبر لي خبرهم ، واعلم لي أمرهم ، واكتب إلي به على الجلية . فلما قدم عليهم الحارث قتلوه ولم ينظروه ، فلما بلغ ذلك عليا سار إليهم وترك أهل الشام         =========================  ذكر مسير أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، إلى الخوارج

لما عزم علي ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج ، نادى مناديه في الناس بالرحيل ، فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ، ثم سلك على دير عبد الرحمن ، ثم دير أبي موسى ، ثم على شاطئ الفرات ، فلقيه هنالك منجم ، فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره ، فإنه إن سار في غيره يخشى عليه ، فخالفه علي ، وسار على خلاف ما قال المنجم ، وقال : نسير ثقة بالله ، وتوكلا عليه ، وتكذيبا لقول المنجم . فأظفره الله ، عز وجل ، وقال علي : إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول الناس : إنما ظفر لكونه [ ص: 586 ] وافقه فيما أشار به ، فيشركوا بالله غيره .

وسلك علي ناحية الأنبار ، وبعث بين يديه قيس بن سعد ، وأمره أن يأتي المدائن ، وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود - وهو أخو عبد الله بن مسعود الثقفي - في جيش المدائن ، فاجتمع الناس هنالك على علي ، وبعث إلى الخوارج أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم لنقتلهم بهم ، ثم إنا تاركوكم وذاهبون عنكم إلى الشام ، ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه ، فبعثوا إليه يقولون : كلنا قتل إخوانكم ، ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم . فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة ، فوعظهم فيما هم مرتكبوه من الأمر العظيم ، والخطب الجسيم فلم ينفع ذلك فيهم ، وكذلك فعل أبو أيوب الأنصاري ; أنبهم ووبخهم ، فلم ينجع فيهم ، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم ، فوعظهم وخوفهم وحذرهم وأنذرهم وتهددهم وتوعدهم ، وقال : إنكم أنكرتم علي أمرا أنتم دعوتموني إليه وأبيتم إلا إياه ، فنهيتكم عنه فلم تقبلوا ، وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ، ولا تركبوا محارم الله فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين ، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند الله ، فكيف بدماء المسلمين ؟ !

[ ص: 587 ] فلم يكن لهم جواب إلا أن تبادروا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الرب ، عز وجل ، الرواح الرواح إلى الجنة ! وتقدموا فاصطفوا للقتال ، وتأهبوا للنزال ، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي السنبسي ، وعلى الميسرة شريح بن أوفى ، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان ، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي ، ووقفوا مقاتلين لعلي وأصحابه .

وجعل علي على ميمنته حجر بن عدي وعلى الميسرة شبث بن ربعي أو معقل بن قيس الرياحي ، وعلى خيالته أبا أيوب الأنصاري ، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري ، وعلى أهل المدينة - وكانوا سبعمائة - قيس بن سعد بن عبادة ، وأمر علي أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ، ويقول لهم : من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن ، إنه لا حاجة لنا في دمائكم ، إلا في من قتل إخواننا .

فانصرف منهم طوائف كثيرون ، وكانوا في أربعة آلاف فلم يبق منهم إلا ألف - أو أقل - مع عبد الله بن وهب الراسبي ، فزحفوا إلى علي فقدم علي بين يديه الخيل ، وقدم منهم الرماة ، وصف الرجالة وراء الخيالة ، وقال لأصحابه : كفوا عنهم حتى يبدأوكم . وأقبلت الخوارج وهم يقولون : لا حكم إلا لله ، الرواح الرواح إلى الجنة ! فحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي ، ففرقوهم حتى [ ص: 588 ] أخذت طائفة‌‌‌‌‌‌ من الخيالة إلى الميمنة ، وأخرى إلى الميسرة ، فاستقبلتهم الرماة بالنبل ، فرموا وجوههم ، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة ، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف ، فأناموا الخوارج ، فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول ، وقتل أمراؤهم ; عبد الله بن وهب ، وحرقوص بن زهير ، وشريح بن أوفى ، وعبد الله بن شجرة السلمي ، قبحهم الله .

قال أبو أيوب : وطعنت رجلا من الخوارج بالرمح ، فأنفذته من ظهره ، وقلت له : أبشر يا عدو الله بالنار ، فقال : ستعلم أينا أولى بها صليا .

قالوا : ولم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة نفر .

وجعل علي يمشي بين القتلى منهم ويقول : بؤسا لكم ، لقد ضركم من غركم . فقالوا : يا أمير المؤمنين ومن غرهم ؟ قال : الشيطان ، وأنفس بالسوء أمارة ، غرتهم بالأماني ، وزينت لهم المعاصي ، ونبأتهم أنهم ظاهرون . ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة ، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم ، وقسم ما وجد من سلاح ومتاع لهم .

وقال الهيثم بن عدي في كتاب " الخوارج " : حدثنا محمد بن قيس الأسدي ومنصور بن دينار ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة ، أن عليا لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان ، ولكن رده إلى [ ص: 589 ] أهليهم كله ، حتى كان آخر ذلك مرجل أتي به فرده .

وقال أبو مخنف : حدثني عبد الملك بن أبي حرة ، أن عليا خرج في طلب ذى الثدية ، ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة ، والريان بن صبرة بن هوذة ، فوجده الريان في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلا ، قال : فلما استخرج له نظر إلى عضده ، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة ، له حلمة كحلمة الثدي ، عليها شعرات سود ، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الأخرى ، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة . فلما رآه قال علي : أما والله لولا أن تتكلوا على غير العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم عارفا للحق .

[ ص: 590 ] وقال الهيثم بن عدي في كتابه في الخوارج : وحدثني محمد بن ربيعة الأحمسي ، عن نافع بن مسلمة الأحمسي ، قال : كان ذو الثدية رجلا من عرينة من بجيلة ، وكان أسود شديد السواد ، له ريح منتنة معروف في العسكر ، يرافقنا على ذلك وينازلنا وننازله .

وحدثني أبو إسماعيل الحنفي ، عن الريان بن صبرة الحنفي قال : شهدنا النهروان مع علي ، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة شكرا لله .

وحدثني سفيان الثوري ، عن محمد بن قيس الهمداني ، عن رجل من قومه يكنى أبا موسى ، أن عليا لما وجد المخدج سجد .

وحدثني يونس بن أبي إسحاق ، حدثني إسماعيل بن سعيد بن عروة ، عن حبة العرني قال : لما قتل علي أهل النهروان ، جعل الناس يقولون : الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم . فقال علي : كلا والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقلما يقاتلون أحدا إلا [ ص: 591 ] ألفوا أن يظهروا عليه . قال : وكان عبد الله بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة سجوده ، وكان يقال له : ذو المنقبات .

وروى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال : ما كان عبد الله بن وهب من بغضته لعلي يسميه إلا الجاحد .

وقال الهيثم بن عدي : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم بن جابر قال : سئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم ؟ فقال : من الشرك فروا . قيل : أفمنافقون هم ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا . فقيل : فما هم يا أمير المؤمنين ؟ قال : إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا . هذا ما أورده ابن جرير ، وغيره في هذا المقام .                      .=====================================فصل ( ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج )

قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي جمعه في الخوارج ، وهو من أحسن ما صنف في ذلك ، قال : وذكر عيسى بن داب قال : لما انصرف علي ، رضي الله عنه ، من النهروان قام في الناس خطيبا ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أما بعد ، فإن الله قد أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام . فقاموا إليه فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نفد نبلنا ، [ ص: 639 ] وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنتنا ، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا ، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا ; فإنه أقوى لنا على عدونا - وكان الذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي - فبايعهم ، وأقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة ، وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ، ويوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم ، ويقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم ، فأقاموا معه أياما مستمسكين برأيه وقوله ، ثم تسللوا حتى لم يبق معه منهم أحد إلا رءوس أصحابه ، فقام علي فيهم خطيبا ، فقال : الحمد لله فاطر الخلق وفالق الإصباح ، وناشر الموتى وباعث من في القبور ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأوصيكم بتقوى الله ، فإن أفضل ما توسل به العبد الإيمان والجهاد في سبيله وكلمة الإخلاص ; فإنها الفطرة ، وإقام الصلاة ; فإنها الملة ، وإيتاء الزكاة ; فإنها من فرائضه ، وصوم شهر رمضان ; فإنه جنة من عذابه ، وحج البيت ; فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب ، وصلة الرحم ; فإنها مثراة في المال ، منسأة في الأجل ، محبة في الأهل ، وصدقة السر ; فإنها تكفير للخطيئة ، وتطفئ غضب الرب ، وصنع المعروف ; فإنه يدفع ميتة السوء ، ويقي مصارع الهول ، أفيضوا في ذكر الله ; فإنه أحسن الذكر ، وارغبوا فيما وعد الله المتقين ; فإن وعد الله أصدق الوعد ، واقتدوا بهدي نبيكم ، صلى الله عليه وسلم ، فإنه أفضل الهدي ، واستنوا بسنته ; فإنها أفضل السنن ، وتعلموا كتاب الله ; فإنه أفضل الحديث ، وتفقهوا في الدين ; فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره ; فإنه شفاء لما في الصدور ، وأحسنوا تلاوته ; فإنه [ ص: 640 ] أحسن القصص ، وإذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون ; فإن العالم العامل بغير علم كالجاهل الحائر الذي لا يستقيم من جهله ، بل قد رأيت أن الحجة أعظم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ، وضرره على هذا الجاهل المتحير في جهله ، وكلاهما حائر مضلل مثبور . لا ترتابوا فتشكوا ، ولا تشكوا فتكفروا ، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا ، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا ، ألا وإن من الحزم أن تثقوا ، ومن الثقة أن لا تغتروا ، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه ، وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه ، من يطع الله يأمن ويستبشر ، ومن يعص الله يخف ويندم ، سلوا الله اليقين ، وارغبوا إليه في العافية ، وخير ما دام في القلب اليقين ، إن عوازم الأمور أفضلها ، وإن محدثاتها شرها ، وكل محدثة بدعة وكل محدث مبتدع ، ومن ابتدع فقد ضيع ، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة ، المغبون من غبن دينه ، والمفتون من خسر نفسه ، وإن الرياء من الشرك ، وإن الإخلاص من العمل والإيمان . ومجالس اللهو تنسي القرآن ويحضرها الشيطان ، وتدعو إلى كل غي ، [ ص: 641 ] ومحادثة النساء تزيغ القلوب وتطمح لهن الأبصار ، وهن مصائد الشيطان ، فاصدقوا الله ; فإن الله مع من صدق ، وجانبوا الكذب ; فإن الكذب مجانب للإيمان ، ألا إن الصادق على شرف منجاة وكرامة ، وإن الكاذب على شرف ردى وهلكة وإهانة ، ألا وقولوا الحق تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله ، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم ، وصلوا أرحام من قطعكم ، وعودوا بالفضل على من حرمكم ، وإذا عاهدتم فأوفوا ، وإذا حكمتم فاعدلوا ولا تفاخروا بالآباء ، ولا تنابزوا بالألقاب ، ولا تمازحوا ، ولا يغتب بعضكم بعضا ، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وارحموا الأرملة واليتيم ، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها مثلها أو بأحسن منها . وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ المائدة : 2 ] . وأكرموا الضيف ، وأحسنوا إلى الجار ، وعودوا المرضى ، وشيعوا الجنائز ، وكونوا عباد الله إخوانا . أما بعد ، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ، وإن المضمار اليوم ، وغدا السباق ، وإن السبقة والغاية الجنة والنار ، [ ص: 642 ] ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل حثيث عجل ، فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله ، فقد أحسن عمله ونال أمله ، ومن قصر عن ذلك فقد خسر عمله وخاب أمله ، وضره أمله ، ألا فاعملوا في الرغبة والرهبة ، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة ، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة ; فإن الله قد تأذن المسلمين بالحسنى ، ولمن شكر بالزيادة ، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ، ولا أكيس من مكتسب يكسب شيئا اليوم يدخره ليوم تنفع فيه الذخائر ، وتبلى فيه السرائر ، يجمع فيه المؤمن والكافر ، ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، ومن لا يستقم على الهدى يجر به الضلال ، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك ، ومن لا ينفعه حاضره فغاربه عنه أعوز وغائبه عنه أعجز ، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد فاعملوا على المراد ، ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان ; طول الأمل واتباع الهوى ; فطول الأمل ينسي الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن الحق ، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، وإن [ ص: 643 ] الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ; فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل . وهذه خطبة عظيمة بليغة نافعة ، جامعة للخير ناهية عن الشر . وقد روي لها شواهد من وجوه أخرى متصلة ، ولله الحمد والمنة .

وقد ذكر ابن جرير أن عليا ، رضي الله عنه ، لما نكل أهل العراق عن الذهاب معه إلى الشام خطبهم ، فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وتهددهم وتلا عليهم في الجهاد آيات من القرآن من سور متفرقة ، وحثهم على المسير إلى عدوهم فتأبوا على ذلك ، وخالفوه ولم يوافقوه ، واستمروا في بلادهم ، وانصرفوا عنه هاهنا . قيل : إن ذلك بسبب قتله الخوارج ; لأنهم كانوا قراباتهم وإخوانهم ، ويرونهم أفضلهم وخيرهم ; لعبادتهم وقراءتهم ، فتثاقلوا عنه وهجروه ، فدخل علي الكوفة في حالة الله بها عليم ====================================== قتال علي الخوارج يوم النهروان كان سنة سبع وثلاثين )

ذكر ابن جرير ، عن أبي مخنف لوط بن يحيى - وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال علي الخوارج يوم النهروان كان في هذه السنة ، أعني سنة سبع وثلاثين . قال ابن جرير : وأكثر أهل السير على أن ذلك كان في سنة ثمان [ ص: 647 ] وثلاثين . وصححه ابن جرير قلت : وهو الأشبه كما سننبه عليه في السنة الآتية ، إن شاء الله تعالى . قال ابن جرير وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس ; نائب علي على اليمن ومخالفيها ، وكان نائب مكة قثم بن العباس ، وعلى المدينة تمام بن عباس . وقيل : سهل بن حنيف وعلى البصرة عبد الله بن عباس ، وعلى قضائها أبو الأسود الدئلي ، وعلى مصر محمد بن أبي بكر الصديق ، وأمير المؤمنين علي مقيم بالكوفة ، ومعاوية بن أبي سفيان بالشام مستحوذ عليها . قلت : ومن نيته أن يأخذ بلاد مصر من محمد بن أبي بكر الصديق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق