الجمعة، 25 ديسمبر 2015

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين=كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد ====

ففيها كانت غزوة الصواري ، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي . وقال أبو معشر : كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين . وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما ، أن الشام كان قد جمع نيابته لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته ، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقا ويأسرون آخرين ، ويفتحون حصونا ، ويغنمون أموالا ، ويرعبون الأعداء ، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر ببلاد إفريقية والأندلس ، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل ، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام خرجوا في خمسمائة مركب ، وقصدوا عبد الله بن سعد بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب . فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون ، وبات المسلمون يقرءون ويصلون ، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب ، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن . قال بعض من حضر ذلك : فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب ، وتعداد صواريها ، وكانت الريح لهم وعلينا فأرسينا ثم سكنت الريح عنا ، فقلنا لهم : [ ص: 238 ] إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم . قال : فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا : الماء الماء . قال : فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم . ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر ، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل ، وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم ، وغلب الدم على لون الماء ، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط ، وقتل منهم بشر كثير ومن الروم أضعاف ذلك ، ثم أنزل الله نصره على المسلمين ، فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جدا - وبه جراحات شديدة كثيرة مكث حينا يداوى منها بعد ذلك ، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياما ، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا .

قال الواقدي : فحدثني معمر عن الزهري قال : كان في هذه الغزوة محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر ، فأظهرا عيب عثمان ، وما غير وما خالف أبا بكر وعمر ، ويقولان : دمه حلال ؛ لأنه استعمل عبد الله بن سعد - وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم ، وأباح رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، دمه - وأخرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أقواما واستعملهم عثمان ونزع الصحابة واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر . فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال : لا تركبا معنا . فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين ، ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا ، فقيل [ ص: 239 ] لهما في ذلك فقالا : كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه ؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهي ، وقال : والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما .

قال الواقدي : وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة . وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس                                                                                                                                                                                كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد

قال ابن إسحاق : هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو ، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه وخافوه على أنفسهم ، فبعثوا إلى الترك يستنصرونهم عليه ، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط ، فأوى إليه ليلا فلما نام قتله .

وقال المدائني : لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا وعليه تاجه ومنطقته وسيفه ، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الذي ينقر الأرحية فجلس عنده ، فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه ، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله ، فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته وأخذوا ما كان مع كسرى ، ووضعوا [ ص: 240 ] كسرى في تابوت وحملوه إلى إصطخر ، وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل ، فحملت منه ، ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق ، وسمي ذلك الغلام المخدج ، وكان له نسل وعقب في خراسان ، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله ، فبعث بإحداهما إلى الحجاج ، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك ، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد ، الملقب بالناقص .

وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه : إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده ، وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له : المرغاب ، فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو ، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته ، فقال له : ما أنت ؟ إنسي أم جني ؟ قال : إنسي ، فهل عندك طعام ؟ قال : نعم . فأتاه بطعام فقال : إني مزمزم فأتني بما أزمزم به . قال : فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به . قال : وما تصنع به ؟ قال : عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب مني هذا . فذهب به الأسوار إلى ملك البلد - مرو - واسمه ماهويه بن باباه ، فأخبره خبره ، فقال : هو يزدجرد ، اذهبوا فجيئوني برأسه . فذهبوا مع الطحان ، فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا ، وقالوا للطحان : ادخل أنت فاقتله ، فدخل فوجده نائما ، فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ، ثم احتزه ، فدفعه إليهم ، وألقى جسده في النهر ، [ ص: 241 ] فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه ، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس .

ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل حتى رق له وقال له : ويحك يا مسكين ألا تأكل ؟ وأتاه بطعام فقال : إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة . فقال له : كل وأنا أزمزم لك . فسأل أن يأتيه بمزمزم ، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل ، فأنكروا رائحة المسك منه ، فسألوه ، فأخبرهم ، فقال : إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت . فعرفوه وقصدوه مع الطحان ، وتقدم الطحان ، فدخل عليه ، وهم بالقبض عليه ، فعرف يزدجرد ذلك فقال له : ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من هاهنا . فقال : لا ، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك . فزاده إحدى قرطيه من أذنيه ، فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم ، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند ، فلما أحاطوا به وأرادوا قتله قال : ويحكم لا تقتلوني فإنا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه ، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب فإنهم يستحيون من قتل الملوك . فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي ، فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر ، فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فحن عليه ؛ لما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم ، فوضعه في تابوت ودفنه [ ص: 242 ] في ناووس . ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، ففقد قرط من حليه ، فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك .

وكان ملك يزدجرد عشرين سنة ؛ منها أربع سنين في دعة وباقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد خوفا من الإسلام وأهله . وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق ؛ لقول رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله رواه البخاري . وثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مزقه فدعا النبي عليه ، صلى الله عليه وسلم ، أن يمزق كل ممزق فوقع الأمر كذلك .

وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح ، فمن ذلك ما فتح عنوة ، ومن ذلك ما فتح صلحا ، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن - وهي مرو - على ألفي ألف ومائتي ألف ، وقيل : على ستة آلاف ألف ومائتي ألف .

وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان ، رضي الله عن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق