الجمعة، 25 ديسمبر 2015

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين فتح قبرس= ثم دخلت سنة تسع وعشرين =سنة ثلاثين من الهجرة النبوية ===

ففيها ذكر ابن جرير فتح قبرس تبعا للواقدي وهي جزيرة غربي بلاد الشام في البحر مخلصة وحدها ، ولها ذنب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق ، وغربيها أعرضها ، وفيها فواكه كثيرة ومعادن ، وهي بلد جيد ، وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان ، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين ومعه عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت : ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال : " أناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة " . فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم . فقال : " أنت منهم " . ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت : ادع الله أن يجعلني منهم . فقال : " أنت من الأولين " . فكانت في هذه الغزوة وماتت بها ، وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا ، كما سنذكره .

والمقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرس ، ومعه جيش عظيم من المسلمين ، وذلك بأمر عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، له في ذلك بعد سؤاله إياه . وقد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب ، فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الذي لو اضطرب [ ص: 229 ] لهلكوا عن آخرهم فلما كان عثمان ألح معاوية عليه في ذلك ، فأذن له ، فركب في المراكب فانتهى إليها ، ووافاه عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها من الجانب الآخر ، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقا كثيرا ، وسبوا سبايا كثيرة ، وغنموا مالا جزيلا جيدا . ولما جيء بالأسارى جعل أبو الدرداء يبكي ، فقال له جبير بن نفير : أتبكي وهذا يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال : ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك فلما ضيعوا أمر الله صيرهم إلى ما ترى سلط الله عليهم السباء ، وإذا سلط على قوم السباء فليس لله فيهم حاجة . وقال : ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره ! ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار في كل سنة ، وهادنهم .

فلما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها ، فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك . فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به ، ويقولون : قبر المرأة الصالحة .

قال الواقدي : وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم . وتزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية ، وكانت نصرانية فأسلمت قبل الدخول بها ، وفيها بنى عثمان داره - بالمدينة الزوراء . وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه                                                                                                                                                                           ====================================== ثم دخلت سنة تسع وعشرين

[ ص: 230 ] ثم دخلت سنة تسع وعشرين

فيها عزل عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة ، بعد عمالة ست سنين . وقيل : ثلاث . وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وهو ابن خال عثمان بن عفان ، وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص ، وله من العمر خمس وعشرون سنة ، فأقام بها ست سنين .

وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس ، في قول الواقدي وأبي معشر . زعم سيف أنه كان قبل هذه السنة . فالله أعلم .

وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وبناه بالقصة - وهي الكلس ، كان يؤتى به من بطن نخل - والحجارة المنقوشة ، وجعل عمده حجارة مرصصة ، وسقفه بالساج ، وجعل طوله ستين ومائة ذراع ، وعرضه خمسين ومائة ذراع ، وجعل أبوابه ستة ؛ على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب . ابتدأ بناءه في ربيع الأول منها . وفيه حج بالناس عثمان بن عفان ، وضرب له بمنى فسطاطا ، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى ، وأتم الصلاة عامه هذا ، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة ؛ كعلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ، حتى قال ابن [ ص: 231 ] مسعود : ليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان . وقد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله ، فروى ابن جرير أنه قال : تأهلت بمكة . فقال له : ولك أهل بالمدينة ، وإنك تقوم حيث أهلك بالمدينة . قال : وإن لي مالا بالطائف أريد أن أطلعه بعد الصدر . قال : إن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث . فقال : وإن طائفة من أهل اليمن قالوا : إن الصلاة بالحضر ركعتان . فربما رأوني أصلي ركعتين فيحتجون بي . فقال له : قد كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل ، وكان يصلي هاهنا ركعتين ، وكان أبو بكر يصلي هاهنا ركعتين ، وكذلك عمر بن الخطاب ، وصليت أنت ركعتين صدرا من إمارتك : قال : فسكت عثمان ثم قال : إنما هو رأي رأيته                     ====================================== سنة ثلاثين من الهجرة النبوية

فيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني ، وقال : هو أول من غزاها . وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها على مال بذله له إصبهبذها . فالله أعلم . فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين والعبادلة الأربعة وحذيفة بن اليمان ، في خلق من الصحابة ، فسار بهم فمر على بلدان شتى ، فصالحوه على أموال جزيلة ، حتى انتهى إلى بلد بمعاملة جرجان تسمى طميسة على ساحل البحر ، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف ، فسأل حذيفة : كيف صلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فأخبره ، فصلى كما أخبره ، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان ، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ، ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلا واحدا ، واحتوى على ما كان في الحصن ، فأصاب رجل من بني نهد سفطا مقفولا فاستدعى به سعيد ، ففتحوه فإذا فيه خرقة سوداء مدرجة ، فنشروها فإذا فيها خرقة حمراء ، فنشروها ، وإذا داخلها خرقة صفراء ، وفيها أيران كميت وورد . فقال شاعر يهجو بهما بني نهد :

[ ص: 233 ]

آب الكرام بالسبايا غنيمة وفاز بنو نهد بأيرين في سفط     كميت وورد وافرين كلاهما
فظنوهما غنما فناهيك من غلط
قالوا : ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص ، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار . وقيل : مائتي ألف دينار ، وقيل : ثلاثمائة ألف دينار - ثم رده عليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى .

وفي هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة ، وولى عليها سعيد بن العاص ، وكان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ، ثم التفت فقال : أزيدكم ؟ فقال قائل : ما زلنا منك منذ اليوم في زيادة . ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم وبينه شنآن ، فشكوه إلى عثمان ، وشهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر ، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها ، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده - فيقال : إن عليا نزع عنه حلته ، وإن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان - وعزله وأمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص .

وفي هذه السنة سقط خاتم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من يد عثمان في بئر أريس ، وهي على ميلين من المدينة ، وهي من أقل الآبار ماء ، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل ، والاجتهاد في طلبه ، حتى الساعة ، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة ، ونقش عليه : محمد رسول الله . فلما قتل عثمان ذهب الخاتم فلا يدرى من أخذه .

وقد روى ابن جرير هاهنا حديثا طويلا في اتخاذ النبي ، صلى الله عليه وسلم ، خاتما من [ ص: 234 ] ذهب ، ثم من فضة ، وبعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى ، ثم دحية إلى قيصر ، وأن الخاتم كان في يد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ثم في يد أبي بكر ، ثم في يد عمر ، ثم في يد عثمان ست سنين ، ثم إنه وقع في بئر أريس ، وقد تقدم بعض هذا في " الصحيح " .

وفي هذه السنة وقع بين معاوية وأبي ذر بالشام ، وذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور ، وكان ينكر على من يقتني مالا من الأغنياء ، ويمنع أن يدخر فوق القوت ، ويوجب أن يتصدق بالفضل ، ويتأول قول الله سبحانه وتعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم [ التوبة : 34 ] . فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع ، فبعث يشكوه إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى أبي ذر أن يقدم عليه المدينة ، فقدمها ، فلامه عثمان على بعض ما صدر منه ، واسترجعه فلم يرجع ، فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقي المدينة - ويقال : إنه سأل عثمان أن يقيم بها ، وقال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لي : إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها . وقد بلغ البناء سلعا ، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة ، وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان حتى لا يرتد أعرابيا بعد هجرته ، ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات ، على ما سنذكره ، رضي الله عنه .

وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء===========================================================================فيمن توفي في هذه السنة )

وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي أنه توفي في هذه السنة - [ ص: 235 ] أعني سنة ثلاثين - أبي بن كعب ، فيما صححه الواقدي .

جبار بن صخر بن أمية بن خنساء ، أبو عبد الله الأنصاري ، عقبي بدري ، وقد بعثه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى خيبر خارصا ، وقد توفي عن ستين سنة .

حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير اللخمي ، حليف بني أسد بن عبد العزى شهد بدرا وما بعدها ، وهو الذي كان كتب إلى المشركين يعلمهم بعزم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على فتح مكة ، فعذره رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بما اعتذر به ، ثم بعثه بعد ذلك برسالة إلى المقوقس ملك الإسكندرية .

الطفيل بن الحارث بن المطلب ، أخو عبيدة وحصين ، شهد بدرا . قال : سعيد بن عمير : توفي في هذه السنة .

عبد الله بن كعب بن عمر المازني ، أبو الحارث - وقيل : أبو يحيى - الأنصاري . شهد بدرا وكان على الخمس يومئذ .

عبد الله بن مظعون ، أخو عثمان بن مظعون ، هاجر إلى الحبشة ، وشهد بدرا .

[ ص: 236 ] عياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال ، أبو سعد القرشي الفهري ، شهد بدرا وما بعدها .

مسعود بن ربيعة وقيل : ابن الربيع . أبو عمرو القاري ، شهد بدرا وما بعدها ، توفي عن نيف وستين سنة .

معمر بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال القرشي ، أبو سعد الفهري . وقيل : اسمه عمرو . بدري قديم الصحبة .

أبو أسيد مالك بن ربيعة ، قال الفلاس : مات في هذه السنة . والأصح أنه مات سنة أربعين ، وقيل : سنة ستين ، فالله أعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق