باب ذكر عبيده عليه الصلاة والسلام ، وإمائه ، وذكر خدمه وكتابه وأمنائه=خدامه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم الذين خدموه من أصحابه غير مواليه
== فصل فيمن ذكر من أمنائه صلى الله عليه وسلم=== فصل فيما روي من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته ، عليه الصلاة والسلام
=== فصل فيما قيل في رثائه صلى الله عليه وسلم==اب ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهن وأولاده عليهم السلام==فصل في ذكر سراريه عليه الصلاة والسلام==== ==فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم == فصل في كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام================================باب ذكر عبيده عليه الصلاة والسلام ، وإمائه ، وذكر خدمه وكتابه وأمنائه
مع مراعاة الحروف في أسمائهم ، وذكر بعض ما ذكر من أنبائهم .
ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان ، وبالله المستعان .
فمنهم أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبي . ويقال أبو يزيد . ويقال : أبو محمد . مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه ، وحبه وابن حبه ، وأمه أم أيمن ، واسمها بركة ، كانت حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغره ، وممن آمن به قديما بعد بعثته ، وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أيام حياته ، وكان عمره إذ ذاك ثماني عشرة أو تسع عشرة سنة ، وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو أمير على جيش كثيف ، منهم عمر بن الخطاب ، ويقال : وأبو بكر الصديق . وهو قول ضعيف ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصبه للإمامة ، فلما توفي عليه الصلاة والسلام [ ص: 252 ] وجيش أسامة مخيم بالجرف ، كما قدمناه ، استطلق أبو بكر من أسامة عمر بن الخطاب في الإقامة عنده ; ليستضيء برأيه ، فأطلقه له ، وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك ، وكل ذلك يأبى عليهم ويقول : والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم ، فأغار على تلك البلاد ، وغنم وسبى ، وكر راجعا سالما مؤيدا ، كما سيأتي . فلهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لا يلقى أسامة إلا قال له : السلام عليك أيها الأمير . ولما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم راية الإمرة ، طعن بعض الناس في إمارته فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيها : " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الخلق إلي ، وإن هذا لمن أحب الخلق إلي بعده " وهو في " الصحيح " من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه .
وثبت في " صحيح البخاري " عن أسامة ، رضي الله عنه ، أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن ، فيقول : " اللهم إني أحبهما فأحبهما " .
وروي عن الشعبي ، عن عائشة رضي الله عنها ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد " ولهذا لما فرض عمر بن الخطاب للناس في الديوان فرض لأسامة في خمسة آلاف ، وأعطى ابنه [ ص: 253 ] عبد الله بن عمر في أربعة آلاف ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك ، وأبوه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك .
وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه خلفه على حمار عليه قطيفة ، حين ذهب يعود سعد بن عبادة ، قبل وقعة بدر .
قلت : وهكذا أردفه وراءه على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة ، كما قدمنا في حجة الوداع . وقد ذكر غير واحد أنه ، رضي الله عنه ، لم يشهد مع علي شيئا من مشاهده ، واعتذر إليه بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل ذلك الرجل ، وقد قال : لا إله إلا الله ، فقال : " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ ! أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ ! من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ ! " الحديث . وذكر فضائله كثيرة ، رضي الله عنه ، وقد كان أسود كالليل ، أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا ، رضي الله عنه ، وقد كان أبوه كذلك إلا أنه كان أبيض شديد البياض ، ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه ، ولما مر مجزز المدلجي عليهما وهما نائمان في قطيفة ، وقد بدت أقدامهما ; أسامة بسواده ، وأبوه زيد ببياضه قال : سبحان الله إن بعض هذه الأقدام لمن بعض . أعجب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل على عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال : " ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة ، وأسامة بن زيد ، [ ص: 254 ] فقال : إن بعض هذه الأقدام لمن بعض " ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد من هذا الحديث ، من حيث التقرير عليه والاستبشار به ، العمل بقول القافة في اختلاط الأنساب واشتباهها ، كما هو مقرر في موضعه .
والمقصود أنه ، رضي الله عنه ، توفي سنة أربع وخمسين فيما صححه أبو عمر . وقال غيره : سنة ثمان أو تسع وخمسين . وقيل : مات بعد مقتل عثمان . فالله أعلم . وروى له الجماعة في كتبهم الستة .
ومنهم أسلم . وقيل : إبراهيم . وقيل : ثابت . وقيل : هرمز . أبو رافع القبطي . أسلم قبل بدر ولم يشهدها ; لأنه كان بمكة مع سادته آل العباس ، وكان ينحت القداح ، وقصته مع الخبيث أبي لهب حين جاء خبر وقعة بدر تقدمت ، ولله الحمد . ثم هاجر وشهد أحدا وما بعدها ، وكان كاتبا ، وقد كتب بين يدي علي بن أبي طالب بالكوفة . قاله المفضل بن غسان الغلابي . وشهد فتح مصر في أيام عمر ، وقد كان أولا للعباس بن عبد المطلب ، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم وأعتقه ، وزوجه مولاته سلمى ، فولدت له أولادا ، وكان يكون على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر وبهز ، قالا : ثنا شعبة ، عن [ ص: 255 ] الحكم ، عن ابن أبي رافع ، عن أبي رافع ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة ، فقال لأبي رافع : اصحبني كيما تصيب منها . فقال : لا ، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : " الصدقة لا تحل لنا ، وإن مولى القوم منهم " وقد رواه الثوري ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الحكم به .
وروى أبو يعلى في " مسنده " عنه ، أنه أصابهم برد شديد وهم بخيبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له " قال أبو رافع : فلم أجد من يلحفني معه ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى علي من لحافه ، فنمنا حتى أصبحنا ، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجليه حية فقال : " يا أبا رافع اقتلها اقتلها " وروى له الجماعة في كتبهم ، ومات في أيام علي رضي الله عنه .
ومنهم أنسة بن بادة أبو مسرح . ويقال : أبو مسروح . من مولدي السراة ، مهاجري ، شهد بدرا فيما ذكره عروة والزهري وموسى بن عقبة [ ص: 256 ] ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد . قالوا : وكان ممن يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس .
وذكر خليفة بن خياط في كتابه ، قال : قال علي بن محمد ، عن عبد العزيز بن أبي ثابت ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : استشهد يوم بدر أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الواقدي : وليس هذا بثبت عندنا ، ورأيت أهل العلم يثبتون أنه شهد أحدا أيضا وبقي زمانا . وأنه توفي في حياة أبي بكر ، رضي الله عنه ، أيام خلافته . لا رواية له .
ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشي . ونسبه ابن منده إلى عوف بن الخزرج ، وفيه نظر . وهو ابن أم أيمن بركة ، أخو أسامة لأمه .
قال ابن إسحاق وكان على مطهرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ممن ثبت يوم [ ص: 257 ] حنين . ويقال : إن فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : 110 ] قال الشافعي : قتل أيمن مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين . قال : فرواية مجاهد عنه منقطعة .
يعني بذلك ما رواه الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عطاء ، عن أيمن الحبشي قال : لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم السارق إلا في المجن ، وكان ثمن المجن يومئذ دينارا . وقد رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة ، عن هارون بن عبد الله ، عن أسود بن عامر ، عن الحسن بن صالح ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مجاهد وعطاء ، عن أيمن عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . وهذا يقتضي تأخر موته عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن الحديث مدلسا عنه ، ويحتمل أن يكون أريد غيره ، والجمهور كابن إسحاق وغيره ذكروه فيمن قتل من الصحابة يوم حنين . فالله أعلم . ولابنه الحجاج بن أيمن مع عبد الله بن عمر قصة .
ومنهم باذام . وسيأتي ذكره في ترجمة طهمان
ومنهم ثوبان بن بجدد . ويقال ابن جحدر . أبو عبد الله . ويقال : أبو [ ص: 258 ] عبد الكريم . ويقال : أبو عبد الرحمن . أصله من أهل السراة ، مكان بين مكة واليمن ، وقيل : من حمير من أهل اليمن . وقيل : من ألهان . وقيل : من الحكم بن سعد العشيرة من مذحج ، أصابه سباء في الجاهلية ، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وخيره إن شاء أن يرجع إلى قومه ، وإن شاء أن يثبت ، فإنه منهم أهل البيت ، فأقام على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يفارقه حضرا ولا سفرا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد فتح مصر أيام عمر ، ونزل حمص بعد ذلك ، وابتنى بها دارا ، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين ، وقيل : سنة أربع وأربعين . وهو خطأ . وقيل : إنه مات بمصر . والصحيح بحمص ، كما قدمنا . والله أعلم . روى له البخاري في كتاب " الأدب " ومسلم في " صحيحه " ، وأهل السنن الأربعة .
ومنهم حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم . وهو جد إبراهيم بن عبد الله بن حنين وروينا أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويوضئه ، فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم خرج بفضلة الوضوء إلى أصحابه ، فمنهم من يشرب منه ، ومنهم من يتمسح به ، فاحتبسه حنين فخبأه عنده في جرة حتى شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : " ما تصنع به ؟ " فقال : أدخره عندي أشربه يا رسول الله . فقال عليه الصلاة والسلام : " هل رأيتم غلاما أحصى ما أحصى هذا ؟ " ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهبه لعمه العباس ، فأعتقه ، رضي الله عنهما .
ومنهم ذكوان . يأتي ذكره في ترجمة طهمان .
ومنهم رافع أو أبو رافع . ويقال له : أبو البهي . قال أبو بكر بن أبي خيثمة : كان لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر ، فورثه بنوه ، وأعتق ثلاثة [ ص: 259 ] منهم أنصباءهم ، وشهد معهم يوم بدر فقتلوا ثلاثتهم ، ثم اشترى أبو رافع بقية أنصباء بني سعيد مولاه ، إلا نصيب خالد بن سعيد ، فوهب خالد نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأعتقه ، فكان يقول : أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك كان بنوه يقولون من بعده .
ومنهم رباح الأسود ، وكان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي أخذ الإذن لعمر بن الخطاب حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة يوم آلى من نسائه ، واعتزلهن في تلك المشربة وحده ، عليه الصلاة والسلام . هكذا جاء مصرحا باسمه في حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل سماك بن الوليد ، عن ابن عباس ، عن عمر .
وقال الإمام أحمد : ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يسمى رباحا .
ومنهم رويفع مولاه ، عليه الصلاة والسلام . هكذا عده في الموالي مصعب بن عبد الله الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة ، قالا : وقد وفد ابنه على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ففرض له . قالا : ولا عقب له .
قلت : كان عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، شديد الاعتناء بموالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحب أن يعرفهم ويحسن إليهم . وقد كتب في أيام خلافته إلى أبي [ ص: 260 ] بكر بن حزم عالم أهل المدينة في زمانه ، أن يفحص له عن موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ; الرجال والنساء وخدامه . رواه الواقدي . وقد ذكره أبو عمر مختصرا وقال : لا أعلم له رواية . حكاه ابن الأثير في " الغابة " .
ومنهم زيد بن حارثة الكلبي . وقد قدمنا طرفا من ذكره عند ذكر مقتله بغزوة مؤتة رضي الله عنه ، وذلك في جمادى من سنة ثمان قبل الفتح بأشهر ، وقد كان هو الأمير المقدم ، ثم بعده جعفر ثم بعدهما عبد الله بن رواحة ، رضي الله عنهم .
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ، ولو بقي بعده لاستخلفه . رواه أحمد .
ومنهم زيد أبو يسار . قال أبو القاسم البغوي في " معجم الصحابة " : سكن المدينة روى حديثا واحدا لا أعلم له غيره ; حدثنا محمد بن علي الجوزجاني ، ثنا أبو سلمة - هو التبوذكي - ثنا حفص بن عمر الطائي ، ثنا أبي عمر بن مرة : سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، سمعت أبي حدثني عن جدي ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قال : أستغفر الله الذي [ ص: 261 ] لا إله إلا هو الحي القيوم ، وأتوب إليه . غفر له ، وإن كان فر من الزحف " . وهكذا رواه أبو داود عن أبي سلمة ، وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري ، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل به . وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
ومنهم سفينة أبو عبد الرحمن . ويقال : أبو البختري . كان اسمه مهران وقيل : عبس . وقيل : أحمر . وقيل : رومان . فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة لسبب سنذكره ، فغلب عليه ، وكان مولى لأم سلمة ، فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يموت ، فقبل ذلك ، وقال : لو لم تشترطي علي ما فارقته . وهذا الحديث في " السنن " . وهو من مولدي العرب ، وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مارفنة .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ، ثنا حشرج بن نباتة العبسي كوفي ، حدثنا سعيد بن جمهان ، حدثني سفينة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ، ثم ملكا بعد ذلك " ثم قال لي سفينة : أمسك خلافة أبي بكر ، وخلافة عمر ، وخلافة عثمان ، وأمسك خلافة علي ، ثم قال : فوجدناها ثلاثين سنة ، ثم نظرت بعد ذلك في الخلفاء فلم أجده يتفق لهم ثلاثون . قلت [ ص: 262 ] لسعيد : أين لقيت سفينة ؟ قال : ببطن نخلة في زمن الحجاج ، فأقمت عنده ثلاث ليال أسأله عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له : ما اسمك ؟ قال : ما أنا بمخبرك ، سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة . قلت : ولم سماك سفينة ؟ قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه ، فثقل عليهم متاعهم فقال لي : ابسط كساءك فبسطته ، فجعلوا فيه متاعهم ، ثم حملوه علي ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احمل ، فإنما أنت سفينة " فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يجفوا . وهذا الحديث عند أبي داود والترمذي والنسائي . ولفظه عندهم : " خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " .
وقال الإمام أحمد : ثنا بهز ، ثنا حماد بن سلمة ، عن سعيد بن جمهان ، عن سفينة قال : كنا في سفر ، فكان كلما أعيا رجل ألقى علي ثيابه ; ترسا أو سيفا ، حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت سفينة " هذا هو المشهور في تسميته سفينة .
وقد قال أبو القاسم البغوي ثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني ، ومحمد بن جعفر الوركاني ، قالا : ثنا شريك بن عبد الله النخعي ، عن عمران [ ص: 263 ] البجلي ، عن مولى لأم سلمة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بواد أو نهر ، فكنت أعبر الناس ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما كنت منذ اليوم إلا سفينة " وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن أسود بن عامر ، عن شريك .
وقال أبو عبد الله بن منده : ثنا الحسن بن مكرم ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا أسامة بن زيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن سفينة قال : ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا ، فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد ، فلم يرعني إلا به ، فقلت : يا أبا الحارث ، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق ، ثم همهم فظننت أنه السلام . وقد رواه أبو القاسم البغوي ، عن إبراهيم بن هانئ ، عن عبيد الله بن موسى ، عن رجل ، عن محمد بن المنكدر عنه . ورواه أيضا ، عن محمد بن عبد الله المخرمي ، عن حسين بن محمد قال : قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن محمد بن المنكدر ، عن سفينة . فذكره .
ورواه أيضا : حدثنا هارون بن عبد الله ، ثنا علي بن عاصم ، حدثني أبو ريحانة ، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقيني الأسد ، فقلت : أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فضرب بذنبه الأرض وقعد . وروى له مسلم وأهل [ ص: 264 ] السنن . وقد تقدم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أنه كان يسكن بطن نخلة ، وأنه تأخر إلى أيام الحجاج .
ومنهم سلمان الفارسي أبو عبد الله مولى الإسلام . أصله من فارس وتنقلت به الأحوال إلى أن صار لرجل من يهود المدينة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسلم سلمان ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكاتب سيده اليهودي ، وأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء ما عليه فنسب إليه ، وقال : " سلمان منا أهل البيت " وقد قدمنا صفة هجرته من بلده ، وصحبته لأولئك الرهبان واحدا بعد واحد ، حتى آل به الحال إلى المدينة النبوية ، وذكر صفة إسلامه رضي الله عنه ، في أوائل الهجرة النبوية إلى المدينة وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين في آخر أيام عثمان ، أو في أول سنة ست وثلاثين . وقيل : إنه توفي في أيام عمر بن الخطاب والأول أكثر .
قال العباس بن يزيد البحراني : وكان أهل العلم لا يشكون أنه عاش مائتين وخمسين سنة ، واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين . وقد ادعى بعض الحفاظ المتأخرين أنه لم يجاوز المائة . فالله أعلم بالصواب .
ومنهم شقران الحبشي . واسمه صالح بن عدي ، ورثه عليه الصلاة والسلام من أبيه . وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد : كان لعبد الرحمن بن عوف ، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى أحمد بن حنبل ، عن إسحاق بن عيسى ، [ ص: 265 ] عن أبي معشر أنه ذكره فيمن شهد بدرا ، قال : ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا ذكره محمد بن سعد فيمن شهد بدرا وهو مملوك ، فلهذا لم يسهم له ، بل استعمله على الأسرى ، فجزاه كل رجل له أسير شيئا ، فحصل له أكثر من نصيب كامل . قال : وقد كان ببدر ثلاثة غلمان غيره ; غلام لعبد الرحمن بن عوف ، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة ، وغلام لسعد بن معاذ ، فرضخ لهم ولم يقسم . قال أبو القاسم البغوي ، وليس له ذكر فيمن شهد بدرا في كتاب الزهري ، ولا في كتاب ابن إسحاق
وذكر الواقدي ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال : استعمل رسول الله شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء ، وجمع الذرية ناحية .
وقال الإمام أحمد : ثنا أسود بن عامر ، ثنا مسلم بن خالد ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيته - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - متوجها إلى خيبر على حمار يصلي عليه ، يومئ إيماء . وفي هذه الأحاديث شواهد أنه ، رضي الله عنه ، شهد هذه المشاهد .
[ ص: 266 ] وروى الترمذي ، عن زيد بن أخزم ، عن عثمان بن فرقد ، عن جعفر بن محمد ، أخبرني ابن أبي رافع قال : سمعت شقران يقول : أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر . وعن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : الذي ألحد قبر النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة ، والذي ألقى القطيفة تحته شقران . ثم قال الترمذي : حسن غريب . وقد تقدم أنه شهد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل في قبره ، وأنه وضع تحته القطيفة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليها وقال : والله لا يلبسها أحد بعدك . وذكر الحافظ أبو الحسن بن الأثير في " الغابة " أنه انقرض نسله ، فكان آخرهم موتا بالمدينة في أيام الرشيد .
ومنهم ضميرة بن أبي ضميرة الحميري . أصابه سباء في الجاهلية ، فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه . ذكره مصعب الزبيري قال : وكانت له دار بالبقيع ، وولد .
قال عبد الله بن وهب ، عن ابن أبي ذئب ، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة ، عن أبيه ، عن جده ضميرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال لها : ما يبكيك أجائعة أنت ؟ أعارية أنت ؟ قالت : يا رسول [ ص: 267 ] الله ، فرق بيني وبين ابني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يفرق بين الوالدة ، وولدها " ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة ، فدعاه فابتاعه منه ببكر . قال ابن أبي ذئب ثم أقرأني كتابا عنده : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ضميرة وأهل بيته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقهم ، وأنهم أهل بيت من العرب ، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم فلا يعرض لهم إلا بحق ، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا . " وكتب أبي بن كعب
ومنهم طهمان . ويقال : ذكوان . ويقال : مهران . ويقال : ميمون . وقيل : كيسان . وقيل : باذام . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، وإن مولى القوم من أنفسهم " رواه البغوي ، عن منجاب بن الحارث وغيره ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن إحدى بنات علي بن أبي طالب ، وهي أم كلثوم بنت علي قالت : حدثني مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له : طهمان أو ذكوان . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكره .
ومنهم عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن سليمان التيمي ، عن شيخ ، عن عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قلت : هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة سوى المكتوبة ؟ قال : صلاة بين المغرب والعشاء . قال أبو القاسم البغوي لا أعلم روى غيره . قال ابن عساكر : وليس كما قال . ثم [ ص: 268 ] ساق من طريق أبي يعلى الموصلي ، حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن سليمان التيمي ، عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن امرأتين كانتا صائمتين ، وكانتا تغتابان الناس ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح ، فقال لهما : " قيئا " . فقاءتا قيحا ودما ولحما عبيطا ، ثم قال : " إن هاتين صامتا عن الحلال ، وأفطرتا على الحرام " وقد رواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي ، عن سليمان التيمي ، عن رجل حدثهم في مجلس أبي عثمان ، عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره . ورواه أحمد أيضا ، عن غندر ، عن عثمان بن غياث قال : كنت مع أبي عثمان ، فقال رجل : حدثني سعيد أو عبيد - عثمان يشك - مولى النبي صلى الله عليه وسلم . فذكره .
ومنهم فضالة مولى النبي صلى الله عليه وسلم . قال محمد بن سعد : أنبأنا الواقدي ، حدثني عتبة بن جبيرة الأشهلي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن افحص لي عن أسماء خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء ومواليه ، فكتب إليه قال : وكان فضالة مولى له يمانيا نزل الشام بعد ، وكان أبو مويهبة مولدا من مولدي مزينة فأعتقه . قال ابن عساكر : لم أجد لفضالة ذكرا في الموالي إلا من هذا الوجه .
[ ص: 269 ] ومنهم قفيز . أوله قاف وآخره زاي . قال أبو عبد الله بن منده : أنبأنا سهل بن السري ، ثنا أحمد بن محمد بن المنكدر ، ثنا محمد بن يحيى ، عن محمد بن سليمان الحراني ، عن زهير بن محمد ، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس ، عن أنس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يقال له : قفيز . تفرد به محمد بن سليمان .
ومنهم كركرة . كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته ، وقد ذكره أبو بكر بن حزم فيما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز
قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد ، عن عبد الله بن عمرو قال : كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له : كركرة فمات ، فقال : " هو في النار " فنظروا فإذا عليه عباءة قد غلها ، أو كساء قد غله . رواه البخاري ، عن علي بن المديني ، عن سفيان . قلت : وقصته شبيهة بقصة مدعم الذي أهداه رفاعة من بني الضبيب كما سيأتي .
ومنهم كيسان . قال البغوي : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن [ ص: 270 ] فضيل ، عن عطاء بن السائب قال : أتيت أم كلثوم بنت علي فقالت : حدثني مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له : كيسان . قال له النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الصدقة : " إنا أهل بيت نهينا أن نأكل الصدقة ، وإن مولانا من أنفسنا ، فلا يأكل الصدقة " .
ومنهم مأبور القبطي الخصي . أهداه له صاحب إسكندرية مع مارية وسيرين والبغلة . وقد قدمنا من خبره في ترجمة مارية ، رضي الله عنهما ، ما فيه كفاية .
ومنهم مدعم . وكان أسود من مولدي حسمى ، أهداه رفاعة بن زيد الجذامي ، قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك مرجعهم من خيبر فلما وصلوا إلى وادي القرى ، فبينما مدعم يحط عن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلها ، إذ جاءه سهم عائر فقتله ، فقال الناس : هنيئا له الشهادة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " شراك من نار أو شراكان من نار " أخرجاه من حديث مالك ، عن ثور بن زيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة .
ومنهم مهران . ويقال : طهمان . وهو الذي روت عنه أم كلثوم بنت علي في تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم ، كما تقدم .
[ ص: 271 ] ومنهم ميمون . وهو الذي قبله .
ومنهم نافع مولاه . قال الحافظ ابن عساكر : أنبأنا أبو الفتح الماهاني ، أنبأنا شجاع الصوفي ، أنبأنا محمد بن إسحاق ، أنبأنا أحمد بن محمد بن زياد ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا أبو مالك الأشجعي ، عن يوسف بن ميمون ، عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يدخل الجنة شيخ زان ، ولا مسكين مستكبر ، ولا منان بعمله على الله عز وجل " .
ومنهم نفيع . ويقال : مسروح . ويقال نافع بن مسروح . والصحيح نافع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي ، وهو ثقيف أبو بكرة الثقفي ، وأمه سمية أم زياد ، تدلى هو وجماعة من العبيد من سور الطائف فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان نزوله في بكرة ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلمأبا بكرة . قال أبو نعيم : كان رجلا صالحا ، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي برزة الأسلمي .
قلت : وهو الذي صلى عليه بوصيته إليه ، ولم يشهد أبو بكرة وقعة الجمل ، ولا أيام صفين وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين ، وقيل سنة اثنتين [ ص: 272 ] وخمسين .
ومنهم واقد ، أو أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا أبو عمرو بن حمدان ، ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم ، ثنا الحسين بن محمد ، ثنا الهيثم بن حماد ، عن الحارث بن غسان ، عن رجل من قريش من أهل المدينة عن زاذان ، عن واقد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ، ومن عصى الله فلم يذكره ، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن " .
ومنهم هرمز أبو كيسان . ويقال : هرمز أو كيسان . وهو الذي يقال فيه : طهمان . كما تقدم . وقد قال ابن وهب ثنا علي بن عابس ، عن عطاء بن السائب ، عن فاطمة بنت علي أو أم كلثوم بنت علي قالت : سمعت مولى لنا يقال له : هرمز . يكنى أبا كيسان ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة ، وإن موالينا من أنفسنا ، فلا تأكلوا الصدقة " وقد رواه الربيع بن سليمان ، عن أسد بن موسى ، عن ورقاء ، عن عطاء بن السائب قال : دخلت على أم كلثوم ، فقالت : إن هرمز أو كيسان حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنا لا نأكل الصدقة " .
[ ص: 273 ] وقال أبو القاسم البغوي ثنا منصور بن أبي مزاحم ، ثنا أبو حفص الأبار ، عن ابن أبي زياد ، عن معاوية قال : شهد بدرا عشرون مملوكا ، منهم مملوك للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له : هرمز . فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : " إن الله قد أعتقك ، وإن مولى القوم من أنفسهم ، وإنا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها " .
ومنهم هشام مولى النبي صلى الله عليه وسلم . قال محمد بن سعد : أنبأنا سليمان بن عبيد الله الرقي . أنبأنا محمد بن أيوب الرقي ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن أبي الزبير ، عن هشام مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إن امرأتي لا تدفع يد لامس . قال : " طلقها " . قال : إنها تعجبني . قال : " فتمتع بها " . قال ابن منده : وقد رواه جماعة ، عن سفيان الثوري عن عبد الكريم ، عن أبي الزبير ، عن مولى بني هاشم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - ولم يسمه - ورواه عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن أبي الزبير ، عن جابر .
ومنهم يسار . ويقال : إنه الذي قتله العرنيون ومثلوا به . وقد ذكر الواقدي بسنده عن يعقوب بن عتبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه يوم قرقرة الكدر مع نعم بني غطفان ، وسليم ، فوهبه الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبله منهم لأنه رآه يحسن الصلاة فأعتقه ، ثم قسم في الناس النعم ، فأصاب كل إنسان منهم [ ص: 274 ] سبعة أبعرة ، وكانوا مائتين .
ومنهم أبو الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه . وهو الذي يقال : إن اسمه هلال بن الحارث . وقيل : ابن ظفر . وقيل هلال بن الحارث بن ظفر السلمي . أصابه سباء في الجاهلية .
وقال أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم : ثنا أحمد بن حازم ، أنبأنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي داود القاص ، عن أبي الحمراء قال : رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي وفاطمة كل غداة فيقول : الصلاة الصلاة " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " [ الأحزاب : 33 ] .
قال أحمد بن حازم : وأنبأنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين واللفظ له ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي داود ، عن أبي الحمراء قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل عنده طعام في وعاء ، فأدخله يده فقال : " غششته ، من غشنا فليس منا " وقد رواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي نعيم به . وليس عنده سواه . وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الأعمى ، أحد المتروكين الضعفاء . قال عباس الدوري عن ابن معين : أبو الحمراء صاحب رسول الله [ ص: 275 ] صلى الله عليه وسلم اسمه هلال بن الحارث ، كان يكون بحمص ، وقد رأيت بها غلاما من ولده . وقال غيره : كان منزله خارج باب حمص . وقال أبو الوازع عن سمرة : كان أبو الحمراء من الموالي .
ومنهم أبو سلمى راعي النبي صلى الله عليه وسلم . ويقال أبو سلام . واسمه حريث .
قال أبو القاسم البغوي ثنا كامل بن طلحة ، ثنا عباد بن عبد الصمد ، حدثني أبو سلمى راعي النبي صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وآمن بالبعث ، والحساب دخل الجنة " قلنا : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأدخل أصبعيه في أذنيه ، ثم قال : أنا سمعت هذا منه غير مرة ، ولا مرتين ، ولا ثلاث ، ولا أربع . لم يورد له ابن عساكر سوى هذا الحديث . وقد روى له النسائي في اليوم والليلة آخر ، وأخرج له ابن ماجه ثالثا .
ومنهم أبو صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو القاسم البغوي ثنا أحمد بن المقدام ، ثنا معتمر ، ثنا أبو كعب ، عن جده بقية ، عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف [ ص: 276 ] النهار ، ثم يرفع فإذا صلى الأولى سبح حتى يمسي .
ومنهم أبو ضميرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، والد ضميرة المتقدم ، وزوج أم ضميرة . وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذكرهم وخبرهم في كتابهم .
وقال محمد بن سعد في " الطبقات " : أنبأنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني ، حدثني حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة ، أن الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ضميرة : بسم الله الرحمن الرحيم ، كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته ، إنهم كانوا أهل بيت من العرب ، وكانوا مما أفاء الله على رسوله فأعتقهم ثم خير أبا ضميرة ; إن أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له ، وإن أحب أن يمكث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكونوا من أهل بيته ، فاختار الله ورسوله ودخل في الإسلام ، فلا يعرض لهم أحد إلا بخير ، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا " وكتب أبي بن كعب . قال إسماعيل بن أبي أويس : فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أحد حمير ، وخرج قوم منهم في سفر ، ومعهم هذا الكتاب ، فعرض لهم اللصوص ، فأخذوا ما معهم ، فأخرجوا هذا الكتاب إليهم وأعلموهم بما فيه ، فقرأوه فردوا عليهم ما أخذوا منهم ، ولم يعرضوا لهم .
قال : ووفد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة إلى المهدي أمير المؤمنين ، وجاء معه بكتابهم هذا فأخذه المهدي ، فوضعه على بصره ، وأعطى حسينا ثلاثمائة دينار .
[ ص: 277 ] ومنهم أبو عبيد مولاه عليه الصلاة والسلام . قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا أبان العطار ، ثنا قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي عبيد ، أنه طبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قدرا فيها لحم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ناولني ذراعها " فناولته ، فقال " ناولني ذراعها " فناولته فقال : " ناولني ذراعها " فقال : يا نبي الله ، كم للشاة من ذراع ؟ قال : " والذي نفسي بيده لو سكت لأعطيتني ذراعها ما دعوت به " ورواه الترمذي في الشمائل ، عن بندار ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن أبان بن يزيد العطار به .
ومنهم أبو عسيب ، ومنهم من يقول : أبو عسيم . والصحيح الأول ، ومن الناس من فرق بينهما ، وقد تقدم أنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وحضر دفنه ، وروى قصة المغيرة بن شعبة
وقال الحارث بن أبي أسامة : ثنا يزيد بن هارون ، ثنا مسلم بن عبيد أبو نصيرة قال : سمعت أبا عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاني جبريل بالحمى والطاعون ، فأمسكت الحمى بالمدينة ، وأرسلت الطاعون إلى الشام ، فالطاعون شهادة لأمتي ، ورحمة لهم ، ورجس على الكافر " وكذا رواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون .
[ ص: 278 ] وقال أبو عبد الله بن منده : أنبأنا محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني ، ثنا يونس بن محمد ، ثنا حشرج بن نباتة ، حدثني أبو نصيرة البصري ، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ، فمر بي فدعاني فخرجت إليه ، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه ، ثم انطلق يمشي حتى دخل حائطا لبعض الأنصار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الحائط : " أطعمنا بسرا " فجاء به فوضعه ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكلوا جميعا ، ثم دعا بماء فشرب منه ، ثم قال : " إن هذا النعيم ، لتسألن يوم القيامة عن هذا " فأخذ عمر العذق ، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر ، ثم قال يا نبي الله ، إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال : " نعم إلا من ثلاثة ; خرقة يستر بها الرجل عورته ، أو كسرة يسد بها جوعته ، أو جحر يدخل فيه " يعني من الحر والقر . ورواه الإمام أحمد ، عن سريج ، عن حشرج .
وروى محمد بن سعد في " الطبقات " عن موسى بن إسماعيل ، حدثتنا مسلمة بنت أبان القريعية قالت : سمعت ميمونة بنت أبي عسيب قالت : كان أبو عسيب يواصل بين ثلاث في الصيام ، وكان يصلي الضحى قائما ، [ ص: 279 ] فعجز ، وكان يصوم البيض . قالت ، وكان في سريره جلجل ، فيعجز صوته حتى يناديها به ، فإذا حركه جاءت .
ومنهم أبو كبشة الأنماري . من أنمار مذحج على المشهور ، مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، في اسمه أقوال ، أشهرها أن اسمه سليم ، وقيل عمرو بن سعد . وقيل عكسه . وأصله من مولدي أرض دوس ، وكان ممن شهد بدرا . قاله موسى بن عقبة عن الزهري . وذكره ابن إسحاق والبخاري والواقدي ومصعب الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة . زاد الواقدي : وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد ، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب ، وذلك في يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة . وقال خليفة بن خياط وفي سنة ثلاث وعشرين توفي أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم عن أبي كبشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر في ذهابه إلى تبوك بالحجر جعل الناس يدخلون بيوتهم ، فنودي أن الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يدخلكم على هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم ؟ " فقال رجل : نعجب منهم يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم ، وما يكون بعدكم " الحديث .
[ ص: 280 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن أزهر بن سعيد الحرازي ، سمعت أبا كبشة الأنماري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه ، فدخل ثم خرج وقد اغتسل ، فقلنا : يا رسول الله ، قد كان شيء ؟ قال : " أجل مرت بي فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء ، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها ، فكذلك فافعلوا ، فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال " .
وقال أحمد : حدثنا وكيع ثنا الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي كبشة الأنماري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر ; رجل آتاه الله مالا وعلما ، فهو يعمل به في ماله ، وينفقه في حقه ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا ، فهو يقول : لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالا ، ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه ، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما ، فهو يقول : لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهما في الوزر سواء " وهكذا رواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع . ورواه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من حديث منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن أبي كبشة ، [ ص: 281 ] عن أبيه . وسماه بعضهم عبد الله بن أبي كبشة .
وقال أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، ثنا محمد بن حرب ، ثنا الزبيدي ، عن راشد بن سعد ، عن أبي عامر الهوزني ، عن أبي كبشة الأنماري ، أنه أتاه فقال : أطرقني من فرسك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أطرق مسلما فعقب له الفرس كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليه في سبيل الله عز وجل .
وقد روى الترمذي ، عن محمد بن إسماعيل ، عن أبي نعيم ، عن عبادة بن مسلم ، عن يونس بن خباب ، عن سعيد أبي البختري الطائي ، حدثني أبو كبشة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ثلاث أقسم عليهن ، وأحدثكم حديثا فاحفظوه ; ما نقص مال عبد من صدقة ، وما ظلم عبد بمظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا ، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر " الحديث . وقال : حسن صحيح . وقد رواه أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد عنه .
[ ص: 282 ] وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم ، عن ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن أبي كبشة الأنماري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتجم على هامته ، وبين كتفيه .
وروى الترمذي حدثنا حميد بن مسعدة ، ثنا محمد بن حمران ، عن أبي سعيد ، وهو عبد الله بن بسر قال : سمعت أبا كبشة الأنماري يقول : كانت كمام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحا .
ومنهم أبو مويهبة مولاه ، عليه الصلاة والسلام . وكان من مولدي مزينة ، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ، ولا يعرف اسمه رضي الله عنه . وقال مصعب الزبيري شهد أبو مويهبة المريسيع وهو الذي كان يقود لعائشة ، رضي الله عنها ، بعيرها . وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد بسنده عنه في ذهابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل إلى البقيع فوقف عليه الصلاة والسلام ، فدعا لهم ، واستغفر لهم ، ثم قال : " ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس . أتت الفتن كقطع الليل المظلم يركب بعضها بعضا ، الآخرة أشد من الأولى ، فليهنكم ما أنتم فيه " ثم رجع فقال " يا أبا مويهبة ، إني خيرت مفاتيح ما يفتح على أمتي من [ ص: 283 ] بعدي والجنة أو لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي " قال : فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض صلى الله عليه وسلم . فهؤلاء عبيده ، عليه الصلاة والسلام==============================فصل وأما خدامه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم الذين خدموه من أصحابه غير مواليه
فمنهم أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عاصم بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري أبو حمزة المدني ، نزيل البصرة . خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة عشر سنين ، فما عاتبه على شيء أبدا ، ولا قال لشيء فعله : لم فعلته . ولا لشيء لم يفعله : ألا فعلته ؟ وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام ، هي التي أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ، وسألته أن يدعو له ، فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، وأطل عمره ، وأدخله الجنة قال أنس فقد رأيت اثنتين ، وأنا أنتظر الثالثة ، والله إن مالي لكثير ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو من مائة . وفي رواية : وإن كرمي ليحمل في السنة مرتين ، وإن ولدي لصلبي مائة وستة أولاد . وقد اختلف في شهوده بدرا ، وقد روى الأنصاري ، عن أبيه ، عن ثمامة قال : قيل لأنس : أشهدت بدرا ؟ فقال : وأين أغيب عن بدر لا أم لك ؟ والمشهور أنه لم يشهد بدرا لصغره ، ولم يشهد أحدا أيضا لذلك . وشهد الحديبية وخيبر ، وعمرة [ ص: 302 ] القضاء ، والفتح ، وحنينا ، والطائف ، وما بعد ذلك . قال أبو هريرة ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم . يعني أنس بن مالك وقال ابن سيرين كان أحسن الناس صلاة في سفره وحضره . وكانت وفاته بالبصرة ، وهو آخر من كان قد بقي فيها من الصحابة فيما قاله علي بن المديني ، وذلك في سنة تسعين ، وقيل : إحدى . وقيل : اثنتين . وقيل : ثلاثا وتسعين . وهو الأشهر ، وعليه الأكثر . وأما عمره يوم مات فقد روى الإمام أحمد في " مسنده " : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن حميد ، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة . وأقل ما قيل ست وتسعون . وأكثر ما قيل مائة وسبع سنين . وقيل : ست . وقيل : مائة وثلاث سنين . فالله أعلم .
ومنهم رضي الله عنهم الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجي . قال محمد بن سعد : كان اسمه ميمون بن سنباذ ، قال الربيع بن بدر الأعرجي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأسلع قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأرحل له ، فقال ذات ليلة : يا أسلع ، قم فارحل قال : أصابتني جنابة [ ص: 303 ] يا رسول الله . قال : فسكت ساعة ، وأتاه جبريل بآية الصعيد . قال : فتمسحت وصليت ، فلما انتهيت إلى الماء قال : يا أسلع قم فاغتسل فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى الأرض ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب يديه الأرض ، ثم نفضهما فمسح بهما ذراعيه ; باليمنى على اليسرى ، وباليسرى على اليمنى ، ظاهرهما وباطنهما . قال الربيع : وأراني أبي كما أراه أبوه كما أراه الأسلع كما أراه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الربيع : فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبي جميلة فقال : هكذا والله رأيت الحسن يصنع . رواه ابن منده والبغوي في كتابيهما " معجم الصحابة " من حديث الربيع بن بدر هذا ، قال البغوي : ولا أعلمه روى غيره . قال ابن عساكر : وقد روى - يعني هذا الحديث - الهيثم بن رزيق المالكي المدلجي ، عن أبيه ، عن الأسلع بن شريك .
ومنهم ; رضي الله عنهم ، أسماء بن حارثة بن سعيد بن عبد الله بن غياث بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى الأسلمي . وكان من أهل الصفة ، قاله محمد بن سعد . وهو أخو هند بن حارثة ، وكانا [ ص: 304 ] يخدمان النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا عبد الرحمن بن حرملة ، عن يحيى بن هند بن حارثة ، وكان هند من أصحاب الحديبية وكان أخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء ، وهو أسماء بن حارثة . فحدثني يحيى بن هند ، عن أسماء بن حارثة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال : مر قومك بصيام هذا اليوم قال : أرأيت إن وجدتهم قد طعموا ؟ قال فليتموا آخر يومهم وقد رواه أحمد بن خالد الوهبي عن محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي ، عن أبيه هند قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم من أسلم فقال : مر قومك فليصوموا هذا اليوم ، ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره .
وقال محمد بن سعد ، عن الواقدي : أنبأنا محمد بن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبيه قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما كنت أظن أن هندا وأسماء ابني حارثة إلا مملوكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الواقدي : كانا يخدمانه لا يبرحان بابه هما وأنس بن مالك . قال محمد بن سعد : وقد توفي أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، بلال بن رباح الحبشي . ولد بمكة ، وكان مولى [ ص: 305 ] لأمية بن خلف ، فاشتراه أبو بكر بمال جزيل ; لأنه كان أمية يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الإسلام ، فيأبى إلا الإسلام رضي الله عنه ، فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله ، وهاجر حين هاجر الناس ، وشهد بدرا ، وأحدا وما بعدهما من المشاهد رضي الله عنه . وكان يعرف ببلال بن حمامة ، وهي أمه ، وكان من أفصح الناس لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا ، حتى إن بعض الناس يروي حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن سين بلال عند الله شين . وهو أحد المؤذنين الأربعة كما سيأتي ، وهو أول من أذن كما قدمنا . وكان يلي أمر النفقة على العيال ، ومعه حاصل ما يكون من المال . ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خرج إلى الشام للغزو ، ويقال : إنه أقام يؤذن لأبي بكر أيام خلافته . والأول أشهر . قال الواقدي : مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة . وقال الفلاس : قبره بدمشق ، ويقال : بداريا . وقيل : إنه مات بحلب . والصحيح أن الذي مات بحلب أخوه خالد . قال مكحول : حدثني من رأى بلالا قال : كان شديد الأدمة نحيفا أجنأ ، له شعر كثير ، وكان لا يغير شيبه رضي الله عنه .
[ ص: 306 ] ومنهم رضي الله عنهم ، بكير بن الشداخ الليثي . ذكر ابن منده من طريق أبي بكر الهذلي ، عن عبد الملك بن يعلى الليثي ، أن بكير بن شداخ الليثي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فاحتلم ، فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : إني كنت أدخل على أهلك ، وقد احتلمت الآن يا رسول الله . فقال : اللهم صدق قوله ، ولقه الظفر . فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود ، فقام عمر خطيبا فقال : أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم ؟ فقام بكير فقال : أنا قتلته يا أمير المؤمنين . فقال عمر : بؤت بدمه ، فأين المخرج ؟ فقال يا أمير المؤمنين ، إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله ، فجئت فإذا هذا اليهودي عند امرأته ، وهو يقول :
وأشعث غره الإسلام مني خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسي على قود الأعنة والحزام
كأن مجامع الربلات منها فئام ينهضون إلى فئام
قال : فصدق عمر قوله ، وأبطل دم اليهودي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لبكير ، بما تقدم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، حبة وسواء ابنا خالد رضي الله عنهما . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية . قال : وثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن سلام بن شرحبيل ، عن حبة وسواء ابنى خالد قالا : دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا [ ص: 307 ] فأعناه فقال : لا تيئسا من الرزق ما تهزهزت رءوسكما ، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله عز وجل .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، ذو مخمر . ويقال ذو مخبر . وهو ابن أخي النجاشي ملك الحبشة ، ويقال ابن أخته . والصحيح الأول . كان بعثه ليخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عنه . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ثنا حريز ، عن يزيد بن صليح ، عن ذي مخمر ، وكان رجلا من الحبشة يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف ، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد ، فقال له قائل : يا رسول الله ، قد انقطع الناس . قال : فحبس ، وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه فقال لهم : هل لكم أن نهجع هجعة ؟ أو قال له قائل ، فنزل ونزلوا ، فقال : من يكلؤنا الليلة ؟ فقلت : أنا ، جعلني الله فداءك . فأعطاني خطام ناقته ، فقال : هاك ، لا تكونن لكعا قال : فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخطام ناقتي فتنحيت غير بعيد فخليت سبيلهما ترعيان ، فإني في ذلك أنظر إليهما حتى أخذني النوم ، فلم أشعر بشيء [ ص: 308 ] حتى وجدت حر الشمس على وجهي ، فاستيقظت فنظرت يمينا وشمالا ، فإذا أنا بالراحلتين مني غير بعيد ، فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخطام ناقتي ، فأتيت أدنى القوم فأيقظته ، فقلت : أصليت ؟ قال : لا . فأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا بلال هل في الميضأة ماء ؟ يعني الإداوة ، فقال : نعم ، جعلني الله فداءك . فأتاه بوضوء ، فتوضأ وضوءا لم يلت منه التراب ، فأمر بلالا فأذن ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل ، ثم أمره فأقام الصلاة ، فصلى وهو غير عجل ، فقال له قائل : يا رسول الله أفرطنا ؟ قال : لا ، قبض الله عز وجل ، أرواحنا وردها إلينا ، وقد صلينا .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، ربيعة بن كعب الأسلمي ، أبو فراس . قال الأوزاعي : حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن ربيعة بن كعب قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته ، فكان يقوم من الليل فيقول سبحان ربي وبحمده ، سبحان ربي وبحمده ، سبحان رب العالمين ، سبحان رب العالمين الهوي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لك حاجة ؟ قلت : يا رسول الله ، مرافقتك في الجنة . قال : فأعني على نفسك [ ص: 309 ] بكثرة السجود .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا أبي ، ثنا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن عمرو بن عطاء ، عن نعيم بن مجمر ، عن ربيعة بن كعب قال : كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع ، حتى يصلي العشاء الآخرة ، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول : لعلها أن تحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة ، فما أزال أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سبحان الله سبحان الله وبحمده . حتى أمل فأرجع ، أو تغلبني عيناي فأرقد . قال : فقال لي يوما لما يرى من خفتي له ، وخدمتي إياه : يا ربيعة بن كعب ، سلني أعطك قال : فقلت : أنظر في أمري يا رسول الله ، ثم أعلمك ذلك . قال : ففكرت في نفسي ، فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة ، وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني . قال : فقلت : أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي ; فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به . قال : فجئته فقال : ما فعلت يا ربيعة ؟ قال : فقلت : نعم يا رسول الله ، أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار . قال : فقال : من أمرك بهذا يا ربيعة ؟ قال : فقلت : لا والله الذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ، ولكنك لما قلت : " سلني أعطك " . وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به ، نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة ، وأن لي [ ص: 310 ] فيها رزقا سيأتيني ، فقلت : أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي . قال : فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ، ثم قال لي : إني فاعل ، فأعني على نفسك بكثرة السجود .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، أنبأنا يزيد بن هارون ، ثنا مبارك بن فضالة ، ثنا أبو عمران الجوني ، عن ربيعة الأسلمي ، وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم قال : فقال لي ذات يوم : يا ربيعة ، ألا تزوج؟ قال : قلت : يا رسول الله ، ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء . قال : فسكت ، فلما كان بعد قال لي : ياربيعة ، ألا تزوج؟ قلت : يا رسول الله ، ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء ، وما عندي ما أعطي المرأة . قال : فقلت بعد ذلك : رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عندي حتى يدعوني إلى التزويج ، لئن دعاني هذه المرة لأجيبنه . قال : فقال لي : يا ربيعة ، ألا تزوج؟ فقلت : يا رسول الله ، ومن يزوجني؟ ما عندي ما أعطي المرأة . قال : فقال لي : انطلق إلى بني فلان فقل لهم : إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة . قال : فأتيتهم فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة . قالوا : فلانة؟! قال : نعم . قالوا : مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومرحبا برسوله . فزوجوني ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أتيتك من خير أهل بيت ، صدقوني وزوجوني ، فمن أين لي ما أعطي صداقي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريدة الأسلمي : اجمعوا لربيعة في صداقه في وزن نواة من ذهب قال : فجمعوها فأعطوني ، فأتيتهم فقبلوها ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، قد قبلوا ، فمن أين لي ما أولم؟ [ ص: 311 ] قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريدة : اجمعوا لربيعة في ثمن كبش قال : فجمعوا ، وقال لي : انطلق إلى عائشة ، فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير قال : فأتيتها فدفعت إلي ، فانطلقت بالكبش والشعير ، فقالوا : أما الشعير فنحن نكفيك ، وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه . وعملوا الشعير ، فأصبح والله عندنا خبز ولحم ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع أبا بكر أرضا له ، فاختلفنا في عذق ، فقلت : هو في أرضي . وقال أبو بكر : هو في أرضي . فتنازعنا ، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها ، فندم فأخبرني فقال لي : قل لي كما قلت لك . قال : فقلت : لا والله لا أقول لك كما قلت لي . قال : إذا آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعته ، فجاءني قومي يتبعونني ، فقالوا : هو الذي قال لك وهو يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشكو؟! قال : فالتفت إليهم فقلت : تدرون من هذا؟! هذا الصديق وذو شيبة المسلمين ، ارجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب ، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره فيهلك ربيعة . قال : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قلت لربيعة كلمة كرهها ، فقلت له يقول لي مثل ما قلت له فأبى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . يا ربيعة ، وما لك وللصديق؟ قال : فقلت : يا رسول الله ، لا والله لا أقول له كما قال لي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقل له كما قال لك ، ولكن قل : غفر الله لك يا أبا بكر .
ومنهم رضي الله عنهم سعد مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه . [ ص: 312 ] ويقال : مولى النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو داود الطيالسي : ثنا أبو عامر ، عن الحسن ، عن سعد مولى أبي بكر الصديق ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر - وكان سعد مملوكا لأبي بكر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه خدمته - : أعتق سعدا فقال : يا رسول الله ، ما لنا خادم هاهنا غيره . فقال : أعتق سعدا أتتك الرجال أتتك الرجال وهكذا رواه أحمد عن أبي داود الطيالسي .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا أبو عامر ، عن الحسن ، عن سعد قال : قربت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا ، فجعلوا يقرنون ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القران . ورواه ابن ماجه عن بندار ، عن أبي داود به .
ومنهم رضي الله عنهم ، عبد الله بن رواحة دخل يوم عمرة القضاء مكة وهو يقود بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويشغل الخليل عن خليله
كما قدمنا ذلك بطوله . وقد قتل عبد الله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم [ ص: 313 ] مؤتة كما تقدم أيضا .
ومنهم رضي الله عنهم ، عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلي . أحد أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها ، كان يلي حمل نعلي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويلي طهوره ، ويرحل دابته إذا أراد الركوب ، وكانت له اليد الطولى في تفسير كلام الله تعالى ، وله العلم الجم والفضل والحلم ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ، وقد جعلوا يعجبون من دقة ساقيه ، فقال : والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد ، وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود : هو كنيف ملئ علما . وذكروا أنه نحيف الخلق حسن الخلق ، يقال : إنه كان إذا مشى يسامت الجالس وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته ، يعني أنه يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وكلامه ، ويتشبه بما استطاع من عبادته . توفي ، رضي الله عنه ، في أيام عثمان بن عفان ، رضي الله عنه سنة ثنتين أو ثلاث وثلاثين بالمدينة عن ثلاث وستين سنة ، وقيل : إنه توفي بالكوفة . والأول أصح .
ومنهم رضي الله عنهم عقبة بن عامر الجهني قال الإمام أحمد : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ابن جابر ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة بن عامر [ ص: 314 ] قال : بينما أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب من تلك النقاب ، إذ قال لي : يا عقبة ألا تركب؟ قال : فأجللت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أركب مركبه ، ثم قال : يا عقيب ، ألا تركب؟ قال : فأشفقت أن تكون معصية . قال : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبت هنيهة ، ثم ركب ، ثم قال : يا عقبة ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قلت : بلى يا رسول الله . فأقرأني : قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم أقيمت الصلاة ، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما ، ثم مر بي فقال : كيف رأيت يا عقيب؟ اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت وهكذا رواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك ، عن ابن جابر . ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة به .
ومنهم رضي الله عنهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي . روى البخاري عن أنس قال : كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير . وقد كان قيس هذا رضي الله عنه من أطول الرجال ، وكان كوسجا ، ويقال : إن سراويله كان يضعه على أنفه من [ ص: 315 ] يكون من أطول الرجال ، فتصل رجلاه الأرض ، وقد بعث معاوية بن أبي سفيان سراويله إلى ملك الروم يقول له : هل عندكم رجل تجيء سراويله على طوله؟ فعجب ملك الروم من ذلك . وذكروا أنه كان كريما ممدحا ذا رأي ودهاء ، وكان مع علي بن أبي طالب أيام صفين . وقال مسعر ، عن معبد بن خالد : كان قيس بن سعد لا يزال رافعا أصبعه المسبحة يدعو رضي الله عنه وأرضاه . وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما : توفي بالمدينة في آخر أيام معاوية .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا عمر بن الخطاب السجستاني ، ثنا علي بن يزيد الحنفي ، ثنا سعد بن الصلت ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس قال : كان عشرون شابا من الأنصار يلزمون رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوائجه ، فإذا أراد أمرا بعثهم فيه .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، المغيرة بن شعبة الثقفي ، رضي الله عنه . كان بمنزلة السلحدار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان رافعا السيف في يده ، [ ص: 316 ] وهو واقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم في الخيمة يوم الحديبية فجعل كلما أهوى عمه عروة بن مسعود الثقفي حين قدم في الرسيلة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم - على ما جرت به عادة العرب في مخاطباتها - يقرع يده بقائمة السيف ، ويقول : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك . الحديث كما قدمناه .
قال محمد بن سعد وغيره : شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وولاه مع أبي سفيان الإمرة حين ذهبا فخربا طاغوت أهل الطائف وهي المدعوة بالربة ، وهي اللات ، وكان داهية من دهاة العرب . قال الشعبي : سمعته يقول : ما غلبني أحد قط . وقال الشعبي : سمعت قبيصة بن جابر يقول : صحبت المغيرة بن شعبة ، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها . وقال الشعبي : القضاة أربعة; علي وعمر وابن مسعود وأبو موسى ، والدهاة أربعة; معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد . وقال الزهري : الدهاة خمسة; معاوية وعمرو والمغيرة واثنان مع علي ، وهما قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقاء .
وقال الإمام مالك : كان المغيرة بن شعبة رجلا نكاحا للنساء ، وكان يقول : صاحب الواحدة إن حاضت حاض معها ، وإن مرضت مرض معها ، [ ص: 317 ] وصاحب الثنتين بين نارين تشتعلان . قال : فكان ينكح أربعا جميعا ويطلقهن جميعا . وقال غيره : تزوج ثمانين امرأة . وقيل : ثلاثمائة امرأة . وقيل : أحصن ألف امرأة . وقد اختلف في وفاته على أقوال أشهرها وأصحها ، وهو الذي حكى عليه الخطيب البغدادي الإجماع ، أنه توفي سنة خمسين .
ومنهم رضي الله عنهم المقداد بن الأسود أبو معبد الكندي ، حليف بني زهرة . قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن المقداد بن الأسود قال : قدمت المدينة أنا وصاحبان لي فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ، فذهب بنا إلى منزله ، وعنده أربع أعنز ، فقال : احلبهن يا مقداد ، وجزئهن أربعة أجزاء ، وأعط كل إنسان جزءا فكنت أفعل ذلك ، فرفعت للنبي صلى الله عليه وسلم جزأه ذات ليلة ، فاحتبس واضطجعت على فراشي ، فقالت لي نفسي : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الأنصار ، فلو قمت فشربت هذه الشربة . فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزأه ، فلما دخل في بطني وتقار أخذني ما قدم وما حدث ، فقلت : يجيء الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآن ، فلا يرى في القدح شيئا ، فسجيت ثوبا على وجهي ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليما يسمع اليقظان ولا [ ص: 318 ] يوقظ النائم ، فكشف عنه فلم ير شيئا ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم اسق من سقاني ، وأطعم من أطعمني فاغتنمت دعوته ، وقمت فأخذت الشفرة ، فدنوت إلى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لأذبحها ، فوقعت يدي على ضرع إحداهن ، فإذا هي حافل ، ونظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل ، فنظرت فإذا هن كلهن حفل ، فحلبت في الإناء فأتيته به فقلت : اشرب . فقال : ما الخبر يا مقداد؟ فقلت : اشرب ثم الخبر . فقال : بعض سوآتك يا مقداد فشرب ثم قال : " اشرب " . فقلت : اشرب يا نبي الله . فشرب حتى تضلع ، ثم أخذته فشربته ، ثم أخبرته الخبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هيه " . فقلت : كان كذا وكذا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذه بركة منزلة من السماء ، أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك فقلت : إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت . وقد رواه الإمام أحمد أيضا ، عن أبي النضر ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن المقداد . فذكر ما تقدم ، وفيه أنه حلب في الإناء الذي كانوا لا يطمعون أن يحلبوا فيه ، فحلب حتى علته الرغوة ، ولما جاء به قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد؟ فقلت : اشرب يا رسول الله . فشرب ثم ناولني ، فقلت : اشرب يا رسول الله . فشرب ثم ناولني ، فأخذت ما بقي ثم شربت ، فلما عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد روى فأصابتني دعوته ، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إحدى سوآتك يا مقداد فقلت : يا رسول الله ، كان [ ص: 319 ] من أمري كذا ، صنعت كذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كانت هذه إلا رحمة الله ، ألا كنت آذنتني توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها قال : قلت : والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس . وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به .
ومنهم رضي الله عنهم مهاجر مولى أم سلمة . قال الطبراني : حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني إبراهيم بن عبد الله ، سمعت بكيرا يقول : سمعت مهاجرا مولى أم سلمة يقول : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين ، فلم يقل لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته؟ وفي رواية : خدمته عشر سنين أو خمس سنين .
ومنهم رضي الله عنهم أبو السمح . قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي : ثنا مجاهد بن موسى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا يحيى بن الوليد ، حدثني محل بن خليفة ، حدثني أبو السمح قال : كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، . قال : كان إذا أراد أن يغتسل قال : ناولني إداوتي قال : فأناوله وأستره ، فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره ، فجئت لأغسله فقال : يغسل من بول الجارية ، ويرش من بول الغلام وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن مجاهد بن موسى .
[ ص: 320 ] ومنهم ، رضي الله عنهم ، أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه . تولى خدمته بنفسه في سفرة الهجرة ، لا سيما في الغار وبعد خروجهم منه ، حتى وصلوا إلى المدينة كما تقدم ذلك مبسوطا ، ولله الحمد والمن================================وقد ذكر ابن عساكر من أمنائه أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري أحد العشرة ، رضي الله عنه ، وعبد الرحمن بن عوف الزهري .
قلت : أما أبو عبيدة فقد روى البخاري من حديث أبي قلابة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وفي لفظ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد نجران لأبعثن معكم أمينا حق أمين فبعث معهم أبا عبيدة .
قال : ومنهم معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي مولى بني عبد شمس ، كان على خاتمه ، ويقال : كان خازنه . وقال غيره : أسلم قديما ، وهاجر إلى الحبشة في الثانية ، ثم إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها ، وكان على الخاتم ، واستعمله الشيخان على بيت المال . قالوا : وكان قد أصابه الجذام ، فأمر عمر بن الخطاب ، فدووي بالحنظل فتوقف المرض ، وكانت وفاته في خلافة عثمان ، [ ص: 358 ] وقيل : سنة أربعين . فالله أعلم .
قال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، حدثني معيقب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد ، قال : إن كنت لا بد فاعلا فواحدة وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شيبان النحوي ، زاد مسلم : وهشام الدستوائي . زاد الترمذي والنسائي وابن ماجه : والأوزاعي . ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد : ثنا خلف بن الوليد ، ثنا أيوب بن عتبة ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن معيقب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويل للأعقاب من النار تفرد به الإمام أحمد .
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عتاب سهل بن حماد الدلال ، عن أبي مكين نوح بن ربيعة ، عن إياس بن الحارث بن المعيقب ، عن جده - وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم - قال : كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي عليه فضة . قال فربما كان في يدي .
[ ص: 359 ] قلت : أما خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فالصحيح أنه كان من فضة ، فصه منه ، كما سيأتي في " الصحيحين " ، وكان قد اتخذ قبله خاتم ذهب ، فلبسه حينا ، ثم رمى به ، وقال : والله لا ألبسه . ثم اتخذ هذا الخاتم من فضة ، فصه منه ، ونقشه : محمد رسول الله . " محمد " سطر ، و " رسول " سطر ، و " الله " سطر ، فكان في يده عليه الصلاة والسلام ، ثم كان في يد أبي بكر من بعده ، ثم في يد عمر ، ثم كان في يد عثمان ، فلبث في يده ست سنين ، ثم سقط منه في بئر أريس ، فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه . وقد صنف أبو داود ، رحمة الله عليه ، كتابا مستقلا في " سننه " في الخاتم وحده ، وسنورد منه إن شاء الله قريبا ما نحتاج إليه . وبالله المستعان . وأما لبس معيقب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام ، كما ذكره ابن عبد البر وغيره ، لكنه مشهور ، فلعله أصابه ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم أو كان به وكان مما لا يعدى منه ، أو كان ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم; لقوة توكله ، كما قال لذلك المجذوم - ووضع يده في القصعة - كل ثقة بالله ، وتوكلا عليه رواه أبو داود . وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فر من المجذوم فرارك من الأسد والله أعلم .
وأما أمراؤه عليه الصلاة والسلام فقد ذكرناهم عند بعث [ ص: 360 ] السرايا منصوصا على أسمائهم ، ولله الحمد ، والمنة .
وأما جملة الصحابة ، فقد اختلف الناس في عدتهم ، فنقل عن أبي زرعة أنه قال : يبلغون مائة ألف وعشرين ألفا . وعن الشافعي رحمه الله ، أنه قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء ستين ألفا . وقال الحاكم أبو عبد الله : يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي .
قلت : والذي روى عنهم الإمام أحمد ، مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته ، من الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا ، ووقع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابي أيضا ، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ ، رحمهم الله ، بضبط أسمائهم ، وذكر أيامهم ، ووفياتهم ، من أجلهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه " الاستيعاب " ، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده ، وأبو موسى المديني ، ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير ، صنف كتابه " الغابة " في ذلك ، فأجاد وأفاد ، وجمع وحصل ، ونال ما رام وأمل ، فرحمه الله وأثابه ، وجمعه والصحابة آمين يا رب العالمين ==================================== فصل فيما روي من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته ، عليه الصلاة والسلام
قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنت باليمن ، فلقيت رجلين من أهل اليمن ; ذا كلاع وذا عمرو ، فجعلت أحدثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فقالا لي : إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث . قال : فأقبلت وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة ، فسألناهم فقالوا : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخلف أبو بكر ، والناس صالحون . قال : فقالا لي : أخبر صاحبك أنا قد جئنا ، ولعلنا سنعود ، إن شاء الله ، عز وجل . قال : ورجعا إلى اليمن ، فلما أتيت أخبرت أبا بكر بحديثهم ، قال : أفلا جئت بهم . فلما كان بعد قال : لي ذو عمرو : يا جرير ، إن بك علي كرامة ، وإني مخبرك خبرا ، إنكم ، معشر العرب ، لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر ، وإذا كانت [ ص: 170 ] بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك ، وترضون رضا الملوك . هكذا رواه الإمام أحمد والبخاري ، عن أبي بكر بن أبي شيبة . وهكذا رواه البيهقي ، عن الحاكم عن عبد الله بن جعفر ، عن يعقوب بن سفيان عنه .
وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا علي بن المؤمل ثنا محمد بن يونس ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، ثنا زائدة ، عن زياد بن علاقة ، عن جرير قال : لقيني حبر باليمن ، وقال لي : إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين . هكذا رواه البيهقي .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، ثنا زائدة ، ثنا زياد بن علاقة ، عن جرير قال : قال لي حبر باليمن : إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم . قال جرير فمات يوم الاثنين صلى الله عليه وسلم .
[ ص: 171 ] وقال البيهقي : أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد ، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو ، ثنا محمد بن الهيثم ، ثنا سعيد بن كثير بن عفير ، حدثني عبد الحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي ، عن عمرو بن الحارث ، عن ناعم بن أجيل ، عن كعب بن عدي قال : أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ، ثم انصرفنا إلى الحيرة فلم نلبث أن جاءتنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فارتاب أصحابي ، وقالوا : لو كان نبيا لم يمت . فقلت : قد مات الأنبياء قبله . وثبت على إسلامي ، ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه ، فقلت له : أخبرني عن أمر أردته لقح في صدري منه شيء . فقال : ائت باسم من الأسماء . فأتيته بكعب ، فقال : ألقه في هذا السفر . لسفر أخرجه ، فألقيت الكعب فيه فصفح فيه ، فإذا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيته ، وإذا هو يموت في الحين الذي مات فيه ، قال : فاشتدت بصيرتي في إيماني ، وقدمت على أبي بكر رضي الله عنه ، فأعلمته وأقمت عنده فوجهني إلى المقوقس فرجعت ، ووجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه ، فأتيته وقعة اليرموك ولم أعلم بها ، فقال [ ص: 172 ] لي : أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم ؟ فقلت : كلا . قال : ولم ؟ قلت : إن الله وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهره على الدين كله ، وليس بمخلف الميعاد . قال فإن نبيكم قد صدقكم ; قتلت الروم والله قتل عاد . قال : ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأهدى إلى عمر وإليهم . وكان ممن أهدى إليه علي وعبد الرحمن والزبير . وأحسبه ذكر العباس ، قال كعب : وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية ، فلما أن فرض الديوان فرض لي في بني عدي بن كعب . وهذا أثر غريب ، وفيه نبأ عجيب وهو صحيح================================وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت رضي الله عنه ، في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أجل ذلك وأفصحه وأعظمه ، ما رواه عبد الملك بن هشام ، رحمه الله عن أبي زيد الأنصاري أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ، قال يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد [ ص: 174 ] ولا تمتحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آيات وباقي معالم وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها
أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده وقبرا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكرن آلاء الرسول ولا أرى لها محصيا نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد
فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيره ولكن لنفسي بعد ما قد توجد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد [ ص: 175 ] وبورك لحد منك ضمن طيبا
عليه بناء من صفيح منضد تهيل عليه الترب أيد وأعين عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكي السماوات يومه
ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد وهل عدلت يوما رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدل على الرحمن من يقتدي به وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم في نعمة الله بينهم دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثني جناحه إلى كنف يحنو عليهم ويمهد
[ ص: 176 ] فبيناهم في ذلك النور إذ غدا إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا يبكيه حق المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها فقيد يبكيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت ديار وعرصات وربع ومولد
فبكي رسول الله يا عين عبرة ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولي لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالد إذا ضن معطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى وأكرم جدا أبطحيا يسود
[ ص: 177 ] وأمنع ذروات وأثبت في العلا دعائم عز شاهقات تشيد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند
أقول ولا يلفى لما قلت عائب من الناس إلا عازب القول مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في آخر كتابه " الروض " : وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت
عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرئيل
[ ص: 178 ] وذاك أحق ما سالت عليه نفوس الناس أو كربت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا
بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا
فلا نخشى ضلالا علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر
وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر
وفيه سيد الناس الرسول ==================================== باب ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه ، ورضي عنهن ، وأولاده عليهم السلام
قال الله تعالى : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا [ الأحزاب : 32 - 34 ] . لا خلاف أنه ، عليه الصلاة والسلام ، توفي عن تسع وهن ; عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية ، وحفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية ، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وسودة بنت زمعة العامرية ، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية ، وصفية بنت حيي بن أخطب النضرية الإسرائيلية الهارونية ، رضي الله عنهن وأرضاهن . وكانت له سريتان ; وهما مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة أنصنا ، وهي أم ولده [ ص: 202 ] إبراهيم ، عليه السلام ، وريحانة بنت شمعون القرظية ، أسلمت ثم أعتقها ، فلحقت بأهلها ، ومن الناس من يزعم أنها حجبت . والله أعلم .
وأما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع أولا فأولا مجموعا من كلام الأئمة ، رحمهم الله ، فنقول وبالله المستعان : روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة امرأة ، دخل منهن بثلاث عشرة ، واجتمع عنده إحدى عشرة ، ومات عن تسع . ثم ذكر هؤلاء التسع اللاتي ذكرناهن ، رضي الله عنهن . ورواه بحر بن كنيز عن قتادة ، عن أنس . والأول أصح . ورواه سيف بن عمر التميمي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، وابن عباس مثله . وروى سيف عن سعيد بن عبد الله ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة مثله ; قالت : فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما ; عمرة بنت يزيد الغفارية ، والشنباء ; فأما عمرة فإنه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا ، فردها وأوجب لها الصداق ، [ ص: 203 ] وحرمت على غيره ، وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة ، فتركها ينتظر بها اليسر ، فلما مات ابنه إبراهيم على تفئة ذلك ، قالت : لو كان نبيا لم يمت ابنه . فطلقها وأوجب لها الصداق ، وحرمت على غيره . قالت : فاللاتي اجتمعن عنده ; عائشة ، وسودة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وزينب بنت جحش ، وزينب بنت خزيمة ، وجويرية ، وصفية ، وميمونة ، وأم شريك .
قلت : وفي " صحيح البخاري " عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة . والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها ، كما سيأتي بيانه ، ولكن المراد بالإحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهن التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة .
وروى يعقوب بن سفيان الفسوي ، عن الحجاج بن أبي منيع ، عن جده عبيد الله بن أبي زياد الرصافي ، عن الزهري - وقد علقه البخاري [ ص: 204 ] في " صحيحه " عن الحجاج هذا ، وأورد له الحافظ ابن عساكر طرقا عنه - أن أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، زوجه إياها أبوها قبل البعثة - وفي رواية قال الزهري : وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة ، وقيل : خمسا وعشرين سنة . زمان بنيت الكعبة . وقاله الواقدي ، وزاد : ولها خمس وأربعون سنة . وقال آخرون من أهل العلم : كان عمره ، عليه الصلاة والسلام ، يومئذ ثلاثين سنة . وعن حكيم بن حزام قال : كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة ، وعمرها أربعون سنة . وعن ابن عباس : كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة . رواهما ابن عساكر . وقال ابن جريج كان عليه الصلاة والسلام ابن سبع وثلاثين سنة - فولدت له القاسم ، وبه كان يكنى ، والطيب ، والطاهر ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة .
قلت : وهي أم أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية ، كما سيأتي بيانه . ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تزوجها ، وحاصله : أن زينب تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن [ ص: 205 ] عبد مناف ، وهو ابن أخت خديجة ، أمه هالة بنت خويلد ، فولدت له ابنا اسمه علي ، وبنتا اسمها أمامة بنت زينب ، وقد تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ، ومات وهي عنده ، ثم تزوجت بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب . وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان ، فولدت له ابنه عبد الله وبه كان يكنى أولا ، ثم اكتنى بابنه عمرو ، وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها ، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها ، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، ثم زوجه بأختها أم كلثوم ، ولهذا كان يقال له : ذو النورين . فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ، فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا ، فولدت له حسنا ، وبه كان يكنى ، وحسينا ، وهو المقتول شهيدا بأرض العراق . قلت : ويقال : ومحسنا . قال : وزينب وأم كلثوم ، وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبد الله بن جعفر ، فولدت له عليا وعونا ، وماتت عنده ، وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فولدت له زيدا ومات عنها ، فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحدا بعد واحد ; تزوجت بعون بن جعفر فمات عنها ، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها ، فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر ، فماتت عنده . قال الزهري : وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين ; الأول منهما عتيق بن عائذ بن مخزوم ، فولدت منه جارية وهي أم محمد بن [ ص: 206 ] صيفي ، والثاني أبو هالة التميمي فولدت له هند ابن هند ، وقد سماه ابن إسحاق ، فقال : ثم خلف عليها بعد هلاك عتيق بن عائذ أبو هالة النباش بن زرارة ، أحد بني عمرو بن تميم ، حليف بني عبد الدار ، فولدت له رجلا وامرأة ، ثم هلك عنها ، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فولدت له بناته الأربع ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر ، فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون .
قلت : ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتها امرأة ، كذلك رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت ذلك . وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها .
قال الزهري : ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، ولم يتزوج بكرا غيرها .
قلت : ولم يولد له منها ولد ، وقيل : بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ، ولهذا كانت تكنى بأم عبد الله . وقيل إنما كانت تكنى بعبد الله ابن أختها أسماء من الزبير بن العوام رضي الله عنهم .
قلت : وقد قيل : إنه صلى الله عليه وسلم تزوج سودة قبل عائشة . قاله ابن إسحاق وغيره كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك . فالله أعلم . وقد قدمنا صفة [ ص: 207 ] تزويجه عليه الصلاة والسلام ، بهما قبل الهجرة ، وتأخر دخوله بعائشة إلى ما بعد الهجرة .
قال : وتزوج صلى الله عليه وسلم ، حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي مات عنها مؤمنا .
قال : وتزوج صلى الله عليه وسلم أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وكانت قبله تحت ابن عمها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
قال : وتزوج صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو بن عبد شمس ، مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من أرض الحبشة إلى مكة رضي الله عنهما .
قال : وتزوج صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش بن رئاب ، من بني أسد بن خزيمة ، مات بأرض الحبشة نصرانيا ، بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى أرض الحبشة فخطبها عليه ، فزوجها منه عثمان بن عفان كذا قال ، والصواب خالد بن سعيد بن العاص ، [ ص: 208 ] وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار ، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة ، وقد قدمنا ذلك كله مطولا . ولله الحمد والمنة
قال : وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة ، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه ، عليه الصلاة والسلام ، وهي أول نسائه لحوقا به ، وأول من عمل عليها النعش ، صنعته أسماء بنت عميس عليها كما رأت ذلك بأرض الحبشة . قال : وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة ، وهي من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ، ويقال لها : أم المساكين . وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد فلم تلبث عنده ، عليه الصلاة والسلام ، إلا يسيرا حتى توفيت ، رضي الله عنها .
وقال يونس عن محمد بن إسحاق : كانت قبله عند الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف ، أو عند أخيه الطفيل بن الحارث .
قال الزهري : وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة قال : وهي التي وهبت نفسها .
قلت : الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم خطبها ، وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه ، كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء . قال الزهري : وقد تزوجت قبله رجلين ، أولهما [ ص: 209 ] ابن عبد ياليل - وقال سيف بن عمر في روايته : كانت تحت عمير بن عمرو أحد بني عقدة من ثقيف بن عمرو الثقفي ، مات عنها - ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي .
قال : وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن عائذ بن مالك بن المصطلق من خزاعة ، يوم المريسيع فأعتقها وتزوجها . ويقال : بل قدم أبوها الحارث ، وكان ملك خزاعة فأسلم ، ثم تزوجها منه صلى الله عليه وسلم ، وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبي الشفر . قاله قتادة عن سعيد بن المسيب ، والشعبي ، ومحمد بن إسحاق وغيرهم قالوا : وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لأبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم; ولهذا يقول حسان :
وحلف الحارث بن أبي ضرار وحلف قريظة فيكم سواء
وقال سيف بن عمر في روايته ، عن سعيد بن عبد الله ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن [ ص: 210 ] تولب ذي الشفر بن أبي السرح بن مالك بن المصطلق .
قال : وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة بن أبي الحقيق . وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم ، فالله أعلم . قال : فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن . قال : وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا ، وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف ، ستة آلاف ، بسبب أنهما سبيتا . قال الزهري : وقد حجبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقسم لهما .
قلت : وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه عليه الصلاة والسلام ، كل واحدة من هذه النسوة رضي الله عنهن في موضعه .
قال الزهري : وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان بن عمرو من بني أبي بكر بن كلاب ، ودخل بها ، وطلقها صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : كذا في كتابي . وفي رواية غيره : ولم يدخل بها فطلقها .
وقد قال محمد بن سعد ، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، حدثني رجل من بني أبي بكر بن كلاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب ، فمكثت عنده دهرا ثم طلقها .
[ ص: 211 ] وقد روى يعقوب بن سفيان ، عن حجاج بن أبي منيع ، عن جده ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ، وأنا أسمع من وراء الحجاب ، قال : يا رسول الله ، هل لك في أخت أم شبيب ؟ وأم شبيب امرأة الضحاك . وبه قال الزهري : وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني عمرو بن كلاب ، فأنبئ أن بها بياضا ، فطلقها ولم يدخل بها . قلت : الظاهر أن هذه هي التي قبلها . والله أعلم .
قال : وتزوج أخت بني الجون الكندي ، وهم حلفاء بني فزارة ، فاستعاذت منه ، فقال : " لقد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك " فطلقها ولم يدخل بها . قال : وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرية يقال لها مارية . فولدت له غلاما اسمه إبراهيم ، فتوفي وقد ملأ المهد . وكانت له وليدة يقال لها : ريحانة بنت شمعون ، من أهل الكتاب من خنافة ، وهم بطن من بني قريظة ، أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويزعمون أنها قد احتجبت .
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده ، عن علي بن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي ، وأمها خرنق بنت خليفة ، أخت دحية بن خليفة ، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق ، فتزوج خالتها شراف بنت فضالة بن خليفة ، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق أيضا .
وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 212 ] تزوج أسماء بنت كعب الجونية ، فلم يدخل بها حتى طلقها ، وتزوج عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني كلاب ثم من بني الوحيد ، وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب ، فطلقها ولم يدخل بها . قال البيهقي : فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري ، ولم يسمهما ، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر العالية .
وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي قال : وهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أنفسهن ، فدخل ببعضهن ، وأرجى بعضهن ، فلم يقربهن حتى توفي ، ولم ينكحن بعده ، منهن أم شريك ، فذلك قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك [ الأحزاب : 51 ] قال البيهقي : وقد روينا عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : كانت خولة - يعني بنت حكيم - ممن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال البيهقي : وروينا في حديث أبي أسيد الساعدي في قصة الجونية التي استعاذت فألحقها بأهلها ، أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل . كذا قال .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري ، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه ، وعباس بن سهل عن أبيه ، [ ص: 213 ] قالا : مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب له ، فخرجنا معه حتى انطلقنا إلى حائط يقال له : الشوط . حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجلسوا " . ودخل هو وقد أتي بالجونية ، فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ، ومعها داية لها ، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هبي لي نفسك " قالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ؟ ! وقالت : إني أعوذ بالله منك . قال : " لقد عذت بمعاذ " ثم خرج علينا فقال : " يا أبا أسيد اكسها رازقيتين ، وألحقها بأهلها " وقال غير أبي أحمد : امرأة من بني الجون يقال لها أمينة .
وقال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبي أسيد قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انطلقنا إلى حائط يقال له : الشوط . حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما ، فقال صلى الله عليه وسلم " اجلسوا هاهنا " . فدخل وقد أتي بالجونية ، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ، ومعها دايتها حاضنة لها ، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هبي نفسك لي " قالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ؟ ! قال : فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن ، فقالت : " أعوذ بالله منك " . فقال : قد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال : " يا أبا أسيد [ ص: 214 ] اكسها رازقيتين ، وألحقها بأهلها " .
قال البخاري : وقال الحسين بن الوليد ، عن عبد الرحمن بن الغسيل ، عن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه وأبي أسيد ، قالا : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل ، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها ، فكأنها كرهت ذلك ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين . ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ، ثنا عبد الرحمن ، عن حمزة ، عن أبيه ، وعن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه بهذا . انفرد البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب .
وقال البخاري : ثنا الحميدي ، ثنا الوليد ، ثنا الأوزاعي ، سألت الزهري : أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه ؟ فقال : أخبرني عروة ، عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : أعوذ بالله منك . فقال " لقد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك " وقال : ورواه حجاج بن أبي منيع ، عن جده ، عن الزهري أن عروة أخبره أن عائشة قالت . . . انفرد به دون مسلم .
قال البيهقي : ورأيت في كتاب " المعرفة " لابن منده ، أن اسم التي استعاذت منه أميمة بنت النعمان بن شراحيل ، ويقال : فاطمة بنت الضحاك . [ ص: 215 ] والصحيح أنها أميمة ، والله أعلم ، وزعموا أن الكلابية اسمها عمرة ، وهي التي وصفها أبوها بأنها لم تمرض قط ، فرغب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روى محمد بن سعد ، عن محمد بن عبد الله ، عن الزهري قال : هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان ، استعاذت منه فطلقها ، فكانت تلقط البعر وتقول : أنا الشقية . قال : وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة ثمان ، وماتت سنة ستين .
وذكر يونس ، عن ابن إسحاق فيمن تزوجها عليه الصلاة والسلام ، ولم يدخل بها ، أسماء بنت كعب الجونية ، وعمرة بنت يزيد الكلابية . وقال ابن عباس وقتادة : أسماء بنت النعمان بن أبي الجون . فالله أعلم . قال ابن عباس : لما استعاذت منه خرج من عندها مغضبا ، فقال له الأشعث : لا يسؤك ذلك يا رسول الله ، فعندي أجمل منها . فزوجه أخته قتيلة . وقال غيره : كان ذلك في ربيع سنة تسع .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة . فذكر منهن أم شريك الأنصارية النجارية ، قال : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأحب أن أتزوج من الأنصار ، ولكني أكره غيرتهن " ولم يدخل بها . قال : وتزوج أسماء بنت الصلت من بني حرام ، ثم من بني [ ص: 216 ] سليم ، ولم يدخل بها ، وخطب جمرة بنت الحارث المزنية .
وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة امرأة . فذكر منهن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس ، فزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهرين ، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه . قال : ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ولا دخل بها . قال : وزعم آخرون أنه عليه الصلاة والسلام أوصى أن تخير قتيلة ، فإن شاءت يضرب عليها الحجاب ، وتحرم على المؤمنين ، وإن شاءت ، فلتنكح من شاءت ، فاختارت النكاح ، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فقال : لقد هممت أن أحرق عليهما . فقال عمر بن الخطاب : ما هي من أمهات المؤمنين ، ولا دخل بها ، ولا ضرب عليها الحجاب . قال أبو عبيدة : وزعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص فيها بشيء ، وأنها ارتدت بعده ، فاحتج عمر على أبي بكر بارتدادها ; أنها ليست من أمهات المؤمنين . وذكر ابن منده أن التي ارتدت هي البرصاء من بني عوف بن سعد بن ذبيان .
وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج قتيلة أخت الأشعث بن قيس ، فمات قبل أن يخيرها ، فبرأها الله منه .
وروى حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، أن عكرمة [ ص: 217 ] بن أبي جهل لما تزوج قتيلة أراد أبو بكر أن يضرب عنقه ، فراجعه عمر بن الخطاب فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها ، وإنها ارتدت مع أخيها ، فبرئت من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . فلم يزل به حتى كف عنه .
قال الحاكم : وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح ، وسنا بنت أسماء بن الصلت السلمية . هكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن منده بسنده ، عن قتادة ، فذكره . وقال محمد بن سعد ، عن ابن الكلبي مثل ذلك . قال ابن سعد : وهي سبا .
قال ابن عساكر : ويقال سنا بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف السلمي .
قال ابن سعد : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، حدثني العرزمي ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب .
وقال ابن عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا أسيد يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها : عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب ، فتزوجها ، فبلغه أن بها بياضا فطلقها .
[ ص: 218 ] وقال محمد بن سعد ، عن الواقدي ، حدثني أبو معشر قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت كعب ، وكانت تذكر بجمال بارع . فدخلت عليها عائشة ، فقالت : ألا تستحين أن تنكحي قاتل أبيك ؟ فاستعاذت منه فطلقها ، فجاء قومها فقالوا : يا رسول الله ، إنها صغيرة ولا رأي لها ، وإنها خدعت ، فارتجعها ، فأبى ، فاستأذنوه أن يزوجوها بقريب لها من بني عذرة ، فأذن لهم . قال : وكان أبوها قد قتله خالد بن الوليد يوم الفتح .
قال الواقدي : وحدثني عبد العزيز الجندعي ، عن أبيه ، عن عطاء بن يزيد قال : دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان ، وماتت عنده . قال الواقدي : وأصحابنا ينكرون ذلك .
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر : أنبأنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد الماهاني ، أنبأنا شجاع بن علي بن شجاع ، أنبأنا أبو عبد الله بن منده ، أنبأنا الحسن بن محمد بن حليم المروزي ، ثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري ، أنبأنا عبد الله بن عثمان ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب الزهري قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة ، وكانت قبله تحت عتيق بن عائذ المخزومي ، ثم تزوج بمكة عائشة بنت أبي بكر ، ثم تزوج بالمدينة حفصة بنت عمر ، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي ، ثم تزوج سودة بنت زمعة ، وكانت قبله تحت [ ص: 219 ] السكران بن عمرو ، أخي بني عامر بن لؤي ، ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش الأسدي ، أحد بني خزيمة ، ثم تزوج أم سلمة بنت أبي أمية ، وكان اسمها هند ، وكانت قبله تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد العزى ثم تزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية ، وتزوج صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان ، من بني بكر بن عمرو بن كلاب ، وتزوج صلى الله عليه وسلم امرأة من بني الجون من كندة ، وسبى جويرية - في الغزوة التي هدم فيها مناة غزوة المريسيع - ابنة الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق من خزاعة ، وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير ، وكانتا مما أفاء الله عليه فقسم لهما ، واستسر مارية جاريته القبطية ، فولدت له إبراهيم ، واستسر ريحانة من بني قريظة ، ثم أعتقها فلحقت بأهلها ، واحتجبت وهي عند أهلها ، وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان ، وفارق أخت بني عمرو بن كلاب ، وفارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض كان بها ، وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ، وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التي طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء ، فنكحت ابن عم لها من قومها ، وولدت فيهم . سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة ، والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة ، كما قدمناه . والله أعلم .
قال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق قال : فماتت خديجة بنت [ ص: 220 ] خويلد قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين ، لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة ، فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة سودة بنت زمعة ، ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبي بكر لم يتزوج بكرا غيرها ، ولم يصب منها ولدا حتى مات ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر ، ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ، ثم تزوج بعدها أم حبيبة بنت أبي سفيان ، ثم تزوج بعدها أم سلمة هند بنت أبي أمية ، ثم تزوج بعدها زينب بنت جحش ، ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار . قال : ثم تزوج بعد جويرية صفية بنت حيي بن أخطب ، ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية . فهذا الترتيب أحسن وأقرب مما رتبه الزهري . والله أعلم .
وقال يونس بن بكير ، عن أبي يحيى عن جميل بن زيد الطائي ، عن سهل بن زيد الأنصاري قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني غفار ، فدخل بها ، فأمرها فنزعت ثوبها ، فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها ، فانماز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال " خذي ثوبك " . وأصبح فقال لها : " الحقي بأهلك " . فأكمل لها صداقها .
وقد رواه أبو نعيم ، من حديث جميل بن زيد ، عن سهل بن زيد [ ص: 221 ] الأنصاري ، وكان ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من غفار ، فذكر مثله .
قلت : وممن تزوجها صلى الله عليه وسلم ، ولم يدخل بها أم شريك الأزدية . قال الواقدي : والمثبت أنها دوسية . وقيل الأنصارية . ويقال عامرية ، وأنها خولة بنت حكيم السلمي . وقال الواقدي : اسمها غزية بنت جابر بن حكيم .
قال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه قال : كان جميع ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة ، منهن أم شريك الأنصارية وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : وتزوج أم شريك الأنصارية من بني النجار ، وقال : " إني أحب أن أتزوج من الأنصار ، ولكني أكره غيرتهن " ولم يدخل بها .
وقال ابن إسحاق ، عن حكيم ، عن محمد بن علي ، عن أبيه قال : تزوج صلى الله عليه وسلم ليلى بنت الخطيم الأنصارية ، وكانت غيورا فخافت نفسها عليه ، فاستقالته فأقاله==================================فصل في ذكر سراريه عليه الصلاة والسلام
كانت له عليه الصلاة والسلام سريتان إحداهما ، مارية بنت شمعون القبطية ، أهداها له صاحب إسكندرية ، واسمه جريج بن مينا ، وأهدى معها أختها سيرين - وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جوار . والله أعلم - [ ص: 228 ] وغلاما خصيا اسمه مأبور ، وبغلة يقال لها : الدلدل . فقبل هديته واختار لنفسه مارية ، وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها : حفن . من كورة أنصنا ، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبي سفيان في أيام إمارته الخراج ; إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد ذكر ، وهو إبراهيم عليه السلام . قالوا : وكانت مارية جميلة بيضاء أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحبها وحظيت عنده ، ولا سيما بعد ما وضعت إبراهيم ولده . وأما أختها سيرين فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان ، وأما الغلام الخصي ، وهو مأبور ، فقد كان يدخل على مارية وسيرين بلا إذن كما جرت به عادته بمصر ، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك ، ولم يشعروا أنه خصي حتى انكشف الحال ، على ما سنبينه قريبا ، إن شاء الله تعالى . وأما البغلة فكان عليه الصلاة والسلام يركبها ، والظاهر ، والله أعلم ، أنها التي كان راكبها يوم حنين . وقد تأخرت هذه البغلة ، وطالت مدتها حتى كانت عند علي بن أبي طالب في أيام إمارته ، ومات ، فصارت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وكبرت حتى كان يجش لها الشعير لتأكله .
قال أبو بكر بن خزيمة : حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب ، عن أبيه قال : أهدى أمير القبط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين ، وبغلة فكان يركب [ ص: 229 ] البغلة بالمدينة ، واتخذ إحدى الجاريتين ، فولدت له إبراهيم ابنه ، ووهب الأخرى .
وقال الواقدي : حدثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب بمارية القبطية ، وكانت بيضاء جعدة جميلة فأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا هناك ، فوطئ مارية بالملك ، وحولها إلى مال له بالعالية كان من أموال بني النضير ، فكانت فيه في الصيف ، وفي خرافة النخل ، فكان يأتيها هناك ، وكانت حسنة الدين ، ووهب أختها سيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن ، وولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما سماه إبراهيم ، وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة يوم سابعه ، وحلق رأسه ، وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين ، وأمر بشعره فدفن في الأرض ، وسماه إبراهيم ، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما ، فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره ، فوهب له عبدا ، وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليهن حين رزق منها الولد .
وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني ، عن أبي عبيد القاسم بن إسماعيل ، [ ص: 230 ] عن زياد بن أيوب ، عن سعيد بن زكريا المدائني ، عن ابن أبي سارة ، عن ابن أبي الحسين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعتقها ولدها " ثم قال الدارقطني : تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة . وقد رواه ابن ماجه من حديث حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس بمثله . ورويناه من وجه آخر . وقد أفردنا لهذه المسألة ، وهي بيع أمهات الأولاد ، مصنفا مفردا على حدته ، وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال ، وذكرنا مستند كل قول ، ولله الحمد والمنة .
وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده علي بن أبي طالب قال : أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطي ابن عم لها يزورها ويختلف إليها فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله " قال : قلت : يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالشكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " فأقبلت متوشحا السيف ، فوجدته [ ص: 231 ] عندها ، فاخترطت السيف فلما رآني عرف أني أريده ، فأتى نخلة فرقي فيها ، ثم رمى بنفسه على قفاه ، ثم شال رجليه ، فإذا به أجب أمسح ما له مما للرجال قليل ولا كثير ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال " الحمد لله الذي صرف عنا أهل البيت " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، ثنا سفيان ، حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن علي قال : قلت : يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسكة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ قال " الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " هكذا رواه مختصرا . وهو أصل الحديث الذي أوردناه ، وإسناده رجال ثقات .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، وعقيل ، عن الزهري ، عن أنس قال : لما ولدت مارية إبراهيم ، كاد أن يقع في النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء حتى نزل جبريل عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا أبا إبراهيم .
وقال أبو نعيم : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم ، حدثنا محمد بن يحيى الباهلي ، حدثنا يعقوب بن محمد ، عن رجل سماه ، [ ص: 232 ] عن الليث بن سعد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له : المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وأهدى معها ابن عم لها شابا ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ذات يوم مدخل خلوة فأصابها فحملت بإبراهيم . قالت عائشة : فلما استبان حملها جزعت من ذلك ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لها لبن ، فاشترى لها ضأنة لبونا تغذي منها الصبي ، فصلح عليه جسمه وحسن لونه ، وصفا لونه ، فجاء به ذات يوم يحمله على عنقه فقال : " يا عائشة كيف ترين الشبه ؟ " فقلت وأنا غيرى : ما أرى شبها . فقال : " ولا اللحم " فقلت : لعمري ، من تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه .
قال الواقدي : ماتت مارية في المحرم سنة ست عشرة ، فصلى عليها [ ص: 233 ] عمر ، ودفنها في البقيع . وكذا قال المفضل بن غسان الغلابي . وقال خليفة وأبو عبيد ويعقوب بن سفيان : ماتت سنة ست عشرة رحمها الله .
ومنهن ريحانة بنت زيد ، من بني النضير ، ويقال : من بني قريظة . قال الواقدي : كانت ريحانة بنت زيد من بني النضير ، وكانت مزوجة في بني قريظة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا ، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم ، فأبت إلا اليهودية ، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجد في نفسه ، فأرسل إلى ابن سعية ، فذكر له ذلك ، فقال ابن سعية : فداك أبي وأمي ، هي تسلم . فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها : لا تتبعي قومك ، فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب ، فأسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه . فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال : " إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة " فجاءه فقال : يا رسول الله ، قد أسلمت [ ص: 234 ] ريحانة . فسر بذلك .
وقال محمد ابن إسحاق لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة ، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه ، وكان عرض عليها الإسلام ويتزوجها ، فأبت إلا اليهودية . ثم ذكر من إسلامها ما تقدم .
قال الواقدي : فحدثني عبد الملك بن سليمان ، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أيوب بن بشير المعاوي قال : فأرسل بها رسول الله إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر ، فكانت عندها حتى حاضت حيضة ، ثم طهرت من حيضها ، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر ، فقال لها : " إن أحببت أن أعتقك ، وأتزوجك فعلت ، وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت " فقالت : يا رسول الله إنه أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك . فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت .
قال الواقدي : وحدثني ابن أبي ذئب قال : سألت الزهري عن ريحانة فقال : كانت أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها ، فكانت تحتجب في أهلها ، وتقول : لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي : وهذا أثبت الحديثين عندنا ، وكان زوجها قبله عليه الصلاة والسلام الحكم .
[ ص: 235 ] وقال الواقدي : ثنا عاصم بن عبد الله بن الحكم ، عن عمر بن الحكم قال : أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة ، وكانت عند زوج لها ، وكان محبا لها مكرما فقالت : لا أستخلف بعده أحدا أبدا . وكانت ذات جمال فلما سبيتبنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : فكنت فيمن عرض عليه ، فأمر بي فعزلت ، وكان يكون له صفي في كل غنيمة ، فلما عزلت خار الله لي ، فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الأسرى وفرق السبي ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحييت منه حياء ، فدعاني فأجلسني بين يديه ، فقال : " إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه " فقلت إني أختار الله ورسوله . فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتزوجني ، وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا ، كما كان يصدق نساءه ، وأعرس بي في بيت أم المنذر ، وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه ، وضرب علي الحجاب . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبا بها ، وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها فقيل لها : لو كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة لأعتقهم . وكانت تقول : لم يخل بي حتى فرق السبي . ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها ، فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع ، فدفنها بالبقيع ، وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة .
وقال ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري قال : واستسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة من بني قريظة ، ثم أعتقها فلحقت بأهلها .
[ ص: 236 ] وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بني النضير ، وقال بعضهم : من بني قريظة ، وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها أحيانا ، وكان سباها في شوال سنة أربع .
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا أحمد ابن المقدام ، ثنا زهير ، عن سعيد ، عن قتادة قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليدتان مارية القبطية ، وربيحة أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بني عمرو بن قريظة ، كانت عند ابن عم لها يقال له : عبد الحكم فيما بلغني ، وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولائد ; مارية القبطية ، وريحانة القرظية ، وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه ، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش ، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفرا ، فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه عليه الصلاة والسلام ، رضي عن زينب ودخل عليها ، فقالت : ما أدري ما أجزيك ؟ فوهبتها له صلى الله عليه وسلم .
وقد روى سيف بن عمر ، عن سعيد بن عبد الله ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يقسم لمارية وريحانة مرة ، ويتركهما مرفصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ===================================================فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكيف ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه الذي مات فيه
قال الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون [ الزمر : 30 ، 31 ] . وقال تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [ الأنبياء 34 ، 35 ] . وقال تعالى : كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [ آل عمران : 185 ] . وقال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين [ آل عمران : 144 ] وهذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل ذلك . وقال تعالى : [ ص: 25 ] إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قال عمر بن الخطاب وابن عباس : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه .
وقال ابن عمر : نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع ، فعرف رسول الله أنه الوداع ، فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم . الخطبة المشهورة كما تقدم .
وقال جابر : رأيت رسول الله يرمي الجمار ، فوقف وقال " لتأخذوا عني مناسككم ، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا " .
وقال عليه الصلاة والسلام لابنته فاطمة ، كما سيأتي " إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ، وإنه عارضني العام مرتين ، وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي " .
وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام ، فلما كان من العام الذي توفي فيه اعتكف عشرين يوما ، وكان يعرض عليه القرآن كل رمضان مرة ، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه القرآن مرتين .
وقال محمد بن إسحاق : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في ذي [ ص: 26 ] الحجة ، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرا ، وبعث أسامة بن زيد ، فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكوه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراده الله من رحمته وكرامته ، في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول ، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، فيما ذكر لي ، أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل ، فاستغفر لهم ، ثم رجع إلى أهله ، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك .
قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن عمر ، عن عبيد بن جبير مولى الحكم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثني رسول الله من جوف الليل ، فقال : " يا أبا مويهبة ، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي " . فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم قال : " السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى " . ثم أقبل علي فقال " يا أبا مويهبة ، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة " . قال : قلت : بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة . قال : " لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة " . ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف ، فبدئ برسول الله وجعه الذي قبضه الله فيه . لم يخرجه أحد من أصحاب [ ص: 27 ] الكتب ، وإنما رواه أحمد ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق به .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ، ثنا الحكم بن فضيل ، ثنا يعلى بن عطاء ، عن عبيد بن جبير ، عن أبي مويهبة قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرات ، فلما كانت الليلة الثالثة قال : يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي قال : فركب ومشيت ، حتى انتهى إليهم ، فنزل عن دابته ، وأمسكت الدابة فوقف - أو قال : قام - عليهم ، فقال : ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس ، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا ، الآخرة أشد من الأولى ، فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس ) ثم رجع فقال : يا أبا مويهبة ، إني أعطيت - أو قال : خيرت بين - مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي " . قال : فقلت بأبي أنت وأمي فاخترنا . قال : " لأن ترد على عقبها ما شاء الله ، فاخترت لقاء ربي " فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض .
[ ص: 28 ] وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نصرت بالرعب ، وأعطيت الخزائن ، وخيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل ، فاخترت التعجيل " قال البيهقي : وهذا مرسل ، وهو شاهد لحديث أبي مويهبة .
قال ابن إسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عائشة قالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي ، وأنا أقول : وارأساه . فقال : بل أنا والله يا عائشة وارأساه ) قالت : ثم قال : وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك ، وصليت عليك ودفنتك قالت : قلت : والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك . قالت : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه ، حتى استعز به في بيت ميمونة ، فدعا نساءه ، فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له . قالت : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين من أهله ; أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر ، عاصبا رأسه ، تخط قدماه ، حتى دخل بيتي . قال عبيد الله : فحدثت به ابن عباس ، فقال : أتدري من الرجل الآخر ؟ هو علي بن أبي طالب وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبا .
[ ص: 29 ] وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله وهو يصدع ، وأنا أشتكي رأسي ، فقلت : وارأساه . فقال : " بل أنا والله يا عائشة وارأساه " . ثم قال : " وما عليك لو مت قبلي فوليت أمرك ، وصليت عليك وواريتك " فقلت : والله إني لأحسب لو كان ذلك لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي من آخر النهار . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تمادى به وجعه فاستعز به وهو يدور على نسائه ، في بيت ميمونة ، فاجتمع إليه أهله ، فقال العباس : إنا لنرى برسول الله ذات الجنب ، فهلموا فلنلده . فلدوه ، فأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من فعل هذا ؟ فقالوا : عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها من الشيطان ، وما كان الله ليسلطه علي ، لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمي العباس " فلد أهل البيت كلهم حتى ميمونة وإنها لصائمة ، وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ، فأذن له . فخرج وهو بين العباس ورجل آخر لم تسمه ، تخط قدماه بالأرض . قال عبيد الله : قال ابن عباس : الرجل الآخر علي بن أبي طالب
وقال البخاري : حدثنا سعيد بن عفير ، ثنا الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن [ ص: 30 ] شهاب ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه ، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ، فأذن له ، فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر . قال عبيد الله : فأخبرت عبد الله - يعني ابن عباس - بالذي قالت عائشة ، فقال لي عبد الله بن عباس : هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة ؟ قال : قلت : لا . قال ابن عباس : هو علي . فكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدث أن رسول الله لما دخل بيتي واشتد به وجعه ، قال : " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، لعلي أعهد إلى الناس " فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب ، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن . قالت عائشة : ثم خرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم . وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر من " صحيحه " ومسلم من طرق ، عن الزهري به .
وقال البخاري : حدثنا إسماعيل ، ثنا سليمان بن بلال ، قال هشام بن عروة : أخبرني أبي ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه أين أنا غدا أين أنا غدا ؟ يريد يوم عائشة ، فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء ، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها . قالت عائشة ، رضي الله عنها : فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي ، وقبضه الله وإن [ ص: 31 ] رأسه لبين سحري ونحري ، وخالط ريقه ريقي . قالت : ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به . فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن ، فأعطانيه فقضمته ، ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستن به وهو مستند إلى صدري . انفرد به البخاري من هذا الوجه
وقال البخاري : ثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، حدثني ابن الهاد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : مات النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي ، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال البخاري : حدثنا حبان ، أنبأنا عبد الله ، أنبأنا يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ، ومسح عنه بيده ، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث ، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه . ورواه مسلم من حديث ابن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به .
[ ص: 32 ] وثبت في " الصحيحين " من حديث أبي عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن امرأة ، فجاءت فاطمة تمشي ، ما تخطئ مشيتها مشية أبيها ، فقال : " مرحبا بابنتي " فأقعدها عن يمينه أو شماله ، ثم سارها بشيء فبكت ، ثم سارها فضحكت ، فقلت لها : خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرار وأنت تبكين ؟ ! فلما أن قام قلت لها : أخبريني ما سارك ؟ فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما توفي قلت لها : أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني . قالت : أما الآن فنعم . قالت : سارني في الأولى ، قال لي إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي فاتقي الله واصبري ، فنعم السلف أنا لك " فبكيت ، ثم سارني فقال " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ؟ " أو " سيدة نساء هذه الأمة ؟ " فضحكت . وله طرق عن عائشة .
وقد روى البخاري عن علي بن عبد الله والفلاس ومسدد ، ومسلم عن محمد بن حاتم ، كلهم عن يحيى بن سعيد القطان ، عن سفيان الثوري ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة قالت : لددنا [ ص: 33 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني . فقلنا : كراهية المريض للدواء . فلما أفاق قال ألم أنهكم أن لا تلدوني ؟ ! قلنا : كراهية المريض للدواء . فقال " لا يبقى أحد في البيت إلا لد - وأنا أنظر - إلا العباس ; فإنه لم يشهدكم " قال البخاري : ورواه ابن أبي الزناد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال البخاري : وقال يونس ، عن الزهري ، قال عروة : قالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه : " يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم " هكذا ذكره البخاري معلقا . وقد أسنده الحافظ البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر ، عن يوسف بن موسى ، عن أحمد بن صالح ، عن عنبسة ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن الزهري به .
وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : لأن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل ، وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا .
[ ص: 34 ] وقال البخاري : ثنا إسحاق ، أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة ، حدثني أبي ، عن الزهري قال : أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ، وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ، أن عبد الله بن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه ، فقال الناس : يا أبا الحسن ، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أصبح بحمد الله بارئا . فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له : أنت والله بعد ثلاث عبد العصا ، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا ، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت ، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر ؟ إن كان فينا علمنا ذلك ، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا . فقال علي : إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده ، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم . انفرد به البخاري .
وقال البخاري : ثنا قتيبة ، ثنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ، فقال : " ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده [ ص: 35 ] أبدا " فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه يهجر ؟ استفهموه . فذهبوا يردون عنه ، فقال : " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " فأوصاهم بثلاث ; قال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " وسكت عن الثالثة أو قال : فنسيتها . ورواه البخاري في موضع آخر ، ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به .
ثم قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " فقال بعضهم : إن رسول الله قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . ومنهم من يقول غير ذلك ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قوموا " . قال عبيد الله : قال ابن عباس : إن [ ص: 36 ] الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم . ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه . وقد أخرجه البخاري في مواضع من " صحيحه " من حديث معمر ويونس ، عن الزهري به . وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الأغبياء من أهل البدع من الشيعة وغيرهم ، كل يدعي أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمزون إليه من مقالاتهم ، وهذا هو التمسك بالمتشابه وترك المحكم ، وأهل السنة يأخذون بالمحكم ويردون ما تشابه إليه ، وهذه طريقة الراسخين في العلم ، كما وصفهم الله ، عز وجل ، في كتابه ، وهذا الموضع مما زل فيه أقدام كثير من أهل الضلالات ، وأما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار ، وهذا الذي كان يريد عليه الصلاة والسلام أن يكتبه قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه ; فإنه قد قال الإمام أحمد : حدثنا مؤمل ، ثنا نافع بن عمر ، ثنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : لما كان وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قبض فيه قال : " ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب ; لكي لا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن " ثم قال يأبى الله ذلك والمؤمنون مرتين . قالت عائشة : [ ص: 37 ] فأبى الله ذلك والمؤمنون . انفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن أبي بكر " ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه " فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا .
وروى البخاري ، عن يحيى بن يحيى ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد ; أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون ، فقلت : يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون .
وفي " صحيح البخاري " و " مسلم " من حديث إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه . فقالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول : الموت . قال : " إن لم تجديني فأتي أبا بكر " والظاهر ، والله أعلم ، أنها إنما قالت ذلك له ، عليه الصلاة والسلام ، في مرضه الذي مات فيه ، صلوات الله وسلامه عليه .
[ ص: 38 ] وقد خطب عليه الصلاة والسلام في يوم الخميس قبل أن يقبض ، عليه الصلاة والسلام ، بخمسة أيام خطبة عظيمة ، بين فيها فضل الصديق من بين سائر الصحابة ، مع ما كان قد نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين ، كما سيأتي بيانه مع حضورهم كلهم ، ولعل خطبته هذه كانت عوضا عما أراد أن يكتبه في الكتاب ، وقد اغتسل عليه الصلاة والسلام ، بين يدي هذه الخطبة الكريمة ، فصبوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، وهذا من باب الاستشفاء بالسبع ، كما وردت بها الأحاديث في غير هذا الموضع ، والمقصود أنه ، عليه الصلاة والسلام ، اغتسل ثم خرج فصلى بالناس ، ثم خطبهم ، كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنه====================================================================فصل في كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
قال الإمام أحمد : ثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد ، عن عبد الله ، هو ابن مسعود قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك ، فمسسته ، فقلت : يا رسول الله ، إنك لتوعك وعكا شديدا ! قال : " أجل ، إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم " قلت : إن لك أجرين ؟ قال : " نعم ، والذي نفسي بيده ، ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض ، فما سواه إلا حط الله عنه به خطاياه ، كما تحط الشجرة ورقها " وقد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة ، عن سليمان بن مهران الأعمش به .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ، في " مسنده " : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن رجل ، عن أبي [ ص: 62 ] سعيد الخدري قال : وضعت يدي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله ، وإن كان الرجل ليبتلى بالعري حتى يأخذ العباءة ، فيجوبها ، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء " . فيه رجل مبهم ، لا يعرف بالكلية . فالله أعلم .
وقد روى البخاري ومسلم من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ، زاد مسلم : وجرير ، ثلاثتهم ، عن الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي " صحيح البخاري " من حديث يزيد بن الهاد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حاقنتي وذاقنتي ، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي الحديث الآخر الذي رواه ، في " صحيحه " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 63 ] " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل ، فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان ، في دينه صلابة شدد عليه ، في البلاء . .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، ثنا أبي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني سعيد بن عبيد بن السباق ، عن محمد بن أسامة بن زيد ، عن أبيه أسامة بن زيد قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أصمت ، فلا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصبها علي ، أعرف أنه يدعو لي . ورواه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، وقال : حسن غريب .
وقال الإمام مالك ، في " موطئه " عن إسماعيل بن أبي حكيم ، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول : كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : " قاتل الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا يبقين دينان بأرض العرب " هكذا رواه مرسلا ، عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله .
وقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري ، عن عبيد الله بن [ ص: 64 ] عبد الله بن عتبة ، عن عائشة وابن عباس ، قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم كشفها عن وجهه ، فقال وهو كذلك : " لعنة الله على اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو بكر بن أبي رجاء الأديب ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث : " أحسنوا الظن بالله " .
وفي بعض الأحاديث كما رواه مسلم من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى " وفي الحديث الآخر : يقول الله تعالى " أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي خيرا " .
وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، حدثنا الأصم ، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ، ثنا جرير عن سليمان التيمي ، عن قتادة ، عن أنس قال : كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " حتى جعل يغرغر بها في صدره ، وما [ ص: 65 ] يفيض بها لسانه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط بن محمد ، ثنا التيمي ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره ، وما يكاد يفيض بها لسانه . وقد رواه النسائي وابن ماجه من حديث سليمان بن طرخان ، وهو التيمي ، عن قتادة ، عن أنس به . وفي رواية للنسائي ، عن قتادة ، عن صاحب له ، عن أنس به .
وقال أحمد : ثنا بكر بن عيسى الراسبي ، ثنا عمر بن الفضل ، عن نعيم بن يزيد ، عن علي بن أبي طالب قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده . قال : فخشيت أن تفوتني نفسه . قال : قلت : إني أحفظ وأعي . قال : " أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم " تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ، ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن سفينة ، عن أم سلمة قالت : كان عامة وصية [ ص: 66 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته : " الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم " حتى جعل يلجلجها في صدره ، وما يفيض بها لسانه . وهكذا رواه النسائي ، عن حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة أن سفينة حدث عن أم سلمة به . قال البيهقي : والصحيح ما رواه عفان ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن سفينة ، عن أم سلمة به . وهكذا رواه النسائي أيضا ، وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون ، عن همام ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن سفينة ، عن أم سلمة به .
وقال أحمد : ثنا يونس ، ثنا الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن موسى بن سرجس ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت ، وعنده قدح فيه ماء ، فيدخل يده في القدح ، ثم يمسح وجهه بالماء ، ثم يقول " اللهم أعني على سكرات الموت " ورواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث الليث به ، وقال الترمذي : غريب
[ ص: 67 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل ، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنه ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة ، في الجنة " تفرد به أحمد ، وإسناده لا بأس به ، وهذا دليل على شدة محبته ، عليه الصلاة والسلام ، لعائشة ، رضي الله عنها . وقد ذكر الناس معاني كثيرة في كثرة المحبة ، ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ ، وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له ، وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه .
وقال حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة قال : قالت عائشة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في بيتي ، وتوفي بين سحري ونحري ، وكان جبريل يعوذه بدعاء إذا مرض ، فذهبت أدعو به ، فرفع بصره إلى السماء ، وقال : " في الرفيق الأعلى ، في الرفيق الأعلى " ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جريدة رطبة ، فنظر إليها ، فظننت أن له بها حاجة . قالت ، فأخذتها فنفضتها فدفعتها إليه ، فاستن بها أحسن ما كان مستنا ، ثم ذهب يتناولها ، فسقطت من يده . قالت : فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة . ورواه البخاري ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد به .
وقال البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو نصر أحمد بن سهل [ ص: 68 ] الفقيه ببخارى ، ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي ، ثنا داود بن عمرو بن زهير الضبي ، ثنا عيسى بن يونس ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين ، أنا ابن أبي مليكة أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة ، أخبره أن عائشة كانت تقول : إن من نعمة الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في يومي ، وفي بيتي ، وبين سحري ونحري ، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت . قالت دخل علي أخي بسواك معه وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدري فرأيته ينظر إليه ، وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه ، فقلت : آخذه لك ؟ فأشار برأسه ; أي نعم . فلينته له ، فأمره على فيه . قالت : وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء ، فجعل يدخل يده في الماء ، فيمسح بها وجهه ، ثم يقول : " لا إله إلا الله ، إن للموت لسكرات " ثم نصب أصبعه اليسرى ، وجعل يقول : " في الرفيق الأعلى ، في الرفيق الأعلى " حتى قبض ، ومالت يده في الماء . ورواه البخاري عن محمد ، عن عيسى بن يونس .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، سمعت عروة يحدث ، عن عائشة قالت : كنا نحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة . قالت : فلما كان مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه عرضت [ ص: 69 ] له بحة . فسمعته يقول : " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " قالت عائشة : فظننا أنه كان يخير . وأخرجاه من حديث شعبة به .
وقال الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم ، أن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح : " إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ، ثم يخير " قالت عائشة : فلما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ، ثم أفاق ، فأشخص بصره إلى سقف البيت ، وقال " اللهم الرفيق الأعلى " فعرفت أنه الحديث الذي كان حدثناه وهو صحيح : " إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير " قالت عائشة : فقلت : إذا لا تختارنا . قالت عائشة : كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرفيق الأعلى " . أخرجاه من غير وجه ، عن الزهري به .
وقال سفيان ، هو الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي بردة ، عن عائشة قالت : أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجري ، فجعلت أمسح وجهه ، وأدعو له بالشفاء ، فقال : " لا ، بل أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل " رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به .
وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره ، قالوا : ثنا أبو العباس [ ص: 70 ] الأصم ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ثنا أنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، أن عائشة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها يقول " اللهم اغفر لي وارحمني ، وألحقني بالرفيق " أخرجاه من حديث هشام بن عروة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال : سمعت عائشة تقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دولتي ، ولم أظلم فيه أحدا ، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء ، وأضرب وجهي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، ثنا كثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد الله قال : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من نبي إلا تقبض نفسه ، ثم يرى الثواب ، ثم ترد إليه ، فيخير بين أن ترد إليه وبين أن يلحق " فكنت قد حفظت ذلك منه ، فإني لمسندته إلى صدري ، فنظرت إليه حين مالت عنقه ، فقلت : قد قضى ، فعرفت الذي قال ، فنظرت إليه [ ص: 71 ] حين ارتفع فنظر . قالت : قلت : إذا والله لا يختارنا ، فقال : " مع الرفيق الأعلى ، في الجنة " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " تفرد به أحمد ، ولم يخرجوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، أنبأنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه بين سحري ونحري . قالت : فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها . وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة . ورواه البيهقي من حديث حنبل بن إسحاق ، عن عفان .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس بن أبي عروة ، عن أم سلمة قالت : وضعت يدي على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ، فمرت بي جمع آكل وأتوضأ ، وما يذهب ريح المسك من يدي .
وقال أحمد : حدثنا عفان وبهز ، قالا : ثنا سليمان بن المغيرة ، ثنا حميد بن هلال ، عن أبي بردة قال : دخلت على عائشة ، فأخرجت إلينا إزارا غليظا [ ص: 72 ] مما صنع باليمن ، وكساء من التي يدعون الملبدة ، فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض في هذين الثوبين . وقد رواه الجماعة إلا النسائي من طرق ، عن حميد بن هلال به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، ثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا أبو عمران الجوني ، عن يزيد بن بابنوس قال : ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة ، فاستأذنا عليها ، فألقت لنا وسادة ، وجذبت إليها الحجاب ، فقال صاحبي : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في العراك ؟ قالت : وما العراك ؟ فضربت منكب صاحبي ، فقالت : مه آذيت أخاك . ثم قالت : ما العراك ! المحيض ، قولوا : ما قال الله ، عز وجل المحيض . ثم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوشحني وينال من رأسي ، وبيني وبينه ثوب وأنا حائض . ثم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر ببابي مما يلقي الكلمة ينفعني الله بها ، فمر ذات يوم ، فلم يقل شيئا ، ثم مر فلم يقل شيئا مرتين أو ثلاثا ، فقلت : يا جارية ، ضعي لي وسادة على الباب ، وعصبت رأسي فمر بي ، فقال : " يا عائشة ما شأنك ؟ " فقلت : أشتكي رأسي ، فقال " أنا ، وارأساه ! " فذهب فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء ، فدخل علي ، وبعث إلى النساء ، فقال " إني قد اشتكيت ، [ ص: 73 ] وإني لا أستطيع أن أدور بينكن ، فأذن لي ، فلأكن عند عائشة " فكنت أمرضه ، ولم أمرض أحدا قبله ، فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي ، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة ، فخرجت من فيه نقطة باردة ، فوقعت على ثغرة نحري ، فاقشعر لها جلدي ، فظننت أنه غشي عليه ، فسجيته ثوبا ، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة ، فاستأذنا ، فأذنت لهما وجذبت إلي الحجاب ، فنظر عمر إليه ، فقال : واغشياه ! ما أشد غشي رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قاما ، فلما دنوا من الباب قال المغيرة : يا عمر ، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة ; إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفني الله المنافقين . قالت : ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب ، فنظر إليه ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أتاه من قبل رأسه ، فحدر فاه ، فقبل جبهته ثم قال : وانبياه ! ثم رفع رأسه ثم حدر فاه ، وقبل جبهته ، ثم قال : واصفياه ! ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته ، وقال : واخليلاه ! مات رسول الله صلى الله عليه وسلم . فخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ، ويتكلم ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفني الله المنافقين . فتكلم أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله تعالى يقول إنك ميت وإنهم ميتون [ الزمر : 30 ] . حتى فرغ من الآية . وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [ آل عمران : 144 ] . حتى فرغ من الآية ، ثم قال : [ ص: 74 ] فمن كان يعبد الله ، عز وجل ، فإن الله حي ، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، فقال عمر : وإنها لفي كتاب الله ؟ ! ما شعرت أنها في كتاب الله . ثم قال عمر : يا أيها الناس ، هذا أبو بكر ، وهو ذو شيبة المسلمين ، فبايعوه ، فبايعوه . وقد رواه أبو داود ، والترمذي ، في " الشمائل " من حديث مرحوم بن عبد العزيز العطار ، عن أبي عمران الجوني به ببعضه .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق ، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن عائشة أخبرته أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح ، حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ، فيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكب عليه فقبله ، ثم بكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها .
قال الزهري : وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر [ ص: 75 ] يكلم الناس . فقال : اجلس يا عمر . فأبى عمر أن يجلس ، فقال : اجلس يا عمر ، فأبى عمر أن يجلس ، فتشهد أبو بكر ، فأقبل الناس إليه ، فقال : أما بعد ، فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، قال الله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية . قال : فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية ، حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم ، فما سمع بشر من الناس إلا يتلوها .
قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعرفت أنه الحق ، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى هويت إلى الأرض ، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات . ورواه البخاري عن يحيى بن بكير به .
وروى الحافظ البيهقي من طريق ابن لهيعة ، ثنا أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير في ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وقام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال : مات . بالقتل والقطع ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غشيته لو قد قام قتل وقطع . وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن أم مكتوم في مؤخر المسجد يقرأ : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية . [ ص: 76 ] والناس في المسجد يبكون ، ويموجون لا يسمعون ، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس ، فقال : يا أيها الناس ، هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في وفاته فليحدثنا ؟ قالوا : لا . قال : هل عندك يا عمر من علم ؟ قال : لا . فقال العباس : أشهد أيها الناس ، أن أحدا لا يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهد عهده إليه في وفاته ، والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت . قال : وأقبل أبو بكر ، رضي الله عنه ، من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد ، وأقبل مكروبا حزينا ، فاستأذن في بيت ابنته عائشة ، فأذنت له فدخل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي على الفراش والنسوة حوله ، فخمرن وجوههن ، واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة ، فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحنى عليه يقبله ، ويبكي ويقول : ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا ، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ، رحمة الله عليك يا رسول الله ، ما أطيبك حيا وميتا . ثم غشاه بالثوب ، ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس ، حتى أتى المنبر ، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه ، وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ، ونادى الناس فجلسوا وأنصتوا ، فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد ، وقال : إن الله ، عز وجل ، نعى نبيه إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ، ونعاكم إلى أنفسكم ، وهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله ، عز وجل ، قال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية . فقال عمر هذه الآية في القرآن ؟ ! والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم . [ ص: 77 ] وقد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم إنك ميت وإنهم ميتون وقال الله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون [ القصص : 88 ] وقال تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [ الرحمن : 27 ، 26 ] وقال كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة [ آل عمران : 185 ] ثم قال : إن الله عمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأبقاه حتى أقام دين الله ، وأظهر أمر الله ، وبلغ رسالة الله وجاهد في سبيل الله ، ثم توفاه الله على ذلك ، وقد ترككم على الطريقة ، فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء ، فمن كان الله ربه ، فإن الله حي لا يموت ، ومن كان يعبد محمدا وينزله إلها فقد هلك إلهه ، فاتقوا الله أيها الناس ، واعتصموا بدينكم ، وتوكلوا على ربكم ، فإن دين الله قائم ، وإن كلمة الله تامة ، وإن الله ناصر من نصره ، ومعز دينه ، وإن كتاب الله بين أظهرنا ، وهو النور والشفاء ، وبه هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وفيه حلال الله وحرامه ، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله ، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد ، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يبقين أحد إلا على نفسه . ثم انصرف ، وانصرف معه المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر الحديث في غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .
قلت : كما سنذكره مفصلا بدلائله وشواهده . إن شاء الله تعالى .
وذكر الواقدي عن شيوخه ، قالوا : ولما شك في موت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال [ ص: 78 ] بعضهم : مات . وقال بعضهم : لم يمت . وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : قد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد رفع الخاتم من بين كتفيه . فكان هذا الذي قد عرف به موته . هكذا رواه الحافظ البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " من طريق الواقدي ، وهو ضعيف ، وشيوخه لم يسموا ، ثم هو منقطع بكل حال ، ومخالف لما صح ، وفيه غرابة شديدة ، وهو رفع الخاتم . فالله أعلم بالصواب . وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة ، أضربنا عن أكثرها صفحا ; لضعف أسانيدها ونكارة متونها ، ولا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين وغيرهم ، فكثير منه موضوع لا محالة ، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة والمروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده . والله أعلم===================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق