السبت، 26 ديسمبر 2015

ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية من مصر وغيرها في شوال من هذه السنة)صفة قتله ، رضي الله عنه)مدة حصاره رضي الله عنه)=كلام الصحابة في مقتل عثمان رضي الله عنه =يفية قتل عثمان بالمدينة وبها جماعة من كبار الصحابة
==خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وسبب ذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان وغضب علي على عثمان بسببه ، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ، وتكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا ، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان علي وطلحة والزبير ، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين ، وأنه أكبر الجهاد اليوم .

وقال سيف بن عمر التميمي ، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان - وقاله غيرهم أيضا - قالوا : لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين ، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء ؛ المقلل لهم يقول : ستمائة . والمكثر يقول : ألف . على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن [ ص: 278 ] بشر التجيبي ، وعروة بن شييم الليثي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة السكوني ، وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي ، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا ، ومعهم ابن السوداء ، وكان أصله ذميا ، فأظهر الإسلام وأحدث بدعا قولية وفعلية - قبحه الله - وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق ، وأمراؤهم زيد بن صوحان ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم ، وعلى الجميع عمرو بن الأصم ، وخرج أهل البصرة أيضا في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي ، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي ، وذريح بن عباد العبدي ، وابن محرش الحنفي ، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي . وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب ، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير ، وأهل البصرة [ ص: 279 ] مصممون على تولية طلحة . لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم ، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة - كما تواعدوا في كتبهم - في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب ، وطائفة بالأعوص ، والجمهور بذي المروة ، وهم على وجل من أهل المدينة ، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم ؛ ليختبروا الناس ويخبروهم أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره ، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله ، ما جئنا إلا لذلك ، واستأذنوا في الدخول ، فكل الناس أبى دخولهم ، ونهى عنه ، فتجاسروا واقتربوا من المدينة . وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت ، عليه حلة أفواف ، معتم بشقيقة حمراء يمانية ، متقلدا السيف ، وليس عليه قميص ، وقد سرح ابنه الحسن إلى عثمان في من اجتمع إليه ، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وأطردهم وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فارجعوا لا صبحكم الله . قالوا : نعم . وانصرفوا من عنده على ذلك ، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه ، فصاح بهم وأطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر ، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة . فرجع كل فريق منهم إلى قومهم وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم ، وساروا أياما راجعين ، ثم [ ص: 280 ] كروا عائدين إلى المدينة ، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير ، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها ، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان ، وقالوا للناس : من كف يده فهو آمن . فكف الناس ولزموا بيوتهم ، وأقام الناس على ذلك أياما . هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون ، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس ، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون ، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم ، حتى قال علي لأهل مصر : ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا : وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا . وكذلك قال البصريون لطلحة ، والكوفيون للزبير . وقال أهل كل مصر : إنما جئنا لننصر أصحابنا . فقال لهم الصحابة : كيف علمتم بذلك من أصحابكم وقد افترقتم وصار بينكم مراحل ؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه . فقالوا : ضعوه على ما أردتم ، لا حاجة لنا في هذا الرجل ، ليعتزلنا ونحن نعتزله . يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا .

وكان المصريون - فيما ذكر - لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير ، فأخذوه ، ففتشوه ، فإذا معه في إدواة كتاب على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم ، وبصلب آخرين ، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم . وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان والبريد أحد غلمان عثمان ، وعلى جمل عثمان ، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس ، فكلم الناس أمير [ ص: 281 ] المؤمنين في ذلك ، فقال : بينة علي بذلك ، وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت ، ولا دريت بشيء من ذلك ، والخاتم قد يزور على الخاتم . فصدقه الصادقون في ذلك ، وكذبه الكاذبون . ويقال : إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سرح ويولي محمد بن أبي بكر ، فأجابهم إلى ذلك فلما رجعوا وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه ، فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقا شديدا ، وطافوا بالكتاب على الناس فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس .

وروى ابن جرير ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عمه عبد الرحمن بن يسار ، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي على جمل لعثمان . وذكر ابن جرير ، من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه . وهذا كذب على الصحابة ، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم ، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها ، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا ، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا .

واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الأيام كلها ، وهم أحقر في عينه من التراب ، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر ، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في خطبته ، وكذلك أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، من بعده ، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه ، وأنزله عن المنبر ، [ ص: 282 ] فطمع الناس فيه من يومئذ ، كما قال الواقدي : حدثني أسامة بن زيد ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه قال : بينا أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر ، فقال له جهجاه : قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر . وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها ، فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة فرأيتها تدود ، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها ، فكانت مضببة ، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين ، حتى حصر فقتل .

قال ابن جرير : حدثني أحمد بن إبراهيم ، ثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع أن جهجاها الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته ، فرمي في ذلك المكان بأكلة .

وقال الواقدي : وحدثني ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي حبيبة قال : خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين ، إنك قد ركبت نهابير وركبناها معك ، فتب نتب . فاستقبل عثمان [ ص: 283 ] القبلة وشهر يديه قال أبو حبيبة : فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ . ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح : يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة ، فانزل فلندرجك في العباءة ، ولنطرحك في الجامعة ، ولنحملك على الشارف ، ثم نطرحك في جبل الدخان . فقال عثمان : قبحك الله وقبح ما جئت به . ثم نزل عثمان . قال أبو حبيبة : وكان آخر يوم رأيته فيه .

وقال الواقدي : حدثني أبو بكر بن إسماعيل ، عن أبيه ، عن عامر بن سعد قال : كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيئ جبلة بن عمرو الساعدي ، مر به عثمان وهو في نادي قومه ، وفي يد جبلة جامعة ، فلما مر عثمان سلم فرد القوم ، فقال جبلة لم تردون عليه ؟ رجل قال كذا وكذا . ثم أقبل على عثمان فقال : والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه . فقال عثمان : أي بطانة ؟ فوالله إني لأتخير الناس . فقال : مروان تخيرته ؟! ومعاوية تخيرته ؟! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته ؟! وعبد الله بن سعد [ ص: 284 ] بن أبي سرح تخيرته ؟! منهم من نزل القرآن بدمه ، وأباح رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، دمه . قال : فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم .

قال الواقدي : وحدثني محمد بن صالح ، عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة ، عن عثمان بن الشريد قال : مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ، ومعه جامعة فقال : يا نعثل ، والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ، ولأخرجنك إلى حرة النار . ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه .

وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا ، فقال في خطبته : يا هؤلاء العدا الله الله ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فامحوا الخطأ بالصواب ، فإن الله لا يمحو السيئ إلا بالحسن . فقام محمد بن مسلمة فقال : أنا أشهد بذلك . فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده ، فقام زيد بن ثابت فقال : إنه في الكتاب . فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع ، وثار القوم [ ص: 285 ] بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه ، فاحتمل وأدخل داره ، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن جعفر ، وعمار بن ياسر . وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس ، ثم رجعوا إلى منازلهم ، واستقتل جماعة من الصحابة ؛ منهم أبو هريرة ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، في المحاربة عن عثمان ، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء===============================صفة قتله ، رضي الله عنه

قال خليفة بن خياط : حدثنا ابن علية ، ثنا ابن عون عن الحسن قال : أنبأني وثاب قال : بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال : ما يريد الناس ؟ قال : ثلاث ليس من إحداهن بد . قال : ما هن ؟ قال : يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول : هذا أمركم فاختاروا من شئتم ، وبين أن تقص من نفسك ، فإن أبيت فإن القوم قاتلوك . فقال : أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله ، وأما أن أقص لهم من نفسي ، فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يدي قد كانا يعاقبان ، وما يقوم بدني بالقصاص ، وأما أن يقتلوني ، فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي أبدا ، ولا تصلون بعدي جميعا أبدا ، [ ص: 306 ] ولا تقاتلون بعدي عدوا جميعا أبدا . قال : وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع ، ========= فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه ، فقال : ما أغنى عنك معاوية ، وما أغنى عنك ابن عامر ، وما أغنت عنك كتبك . قال : أرسل لحيتي يا ابن أخي . قال : فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه - يعني أشار إليه - فقام إليه بمشقص فوجأ به رأسه . قلت : ثم مه ؟ قال : ثم تعاوروا عليه والله حتى قتلوه .

وقال سيف بن عمر التميمي ، رحمه الله ، عن الغصن بن القاسم ، عن رجل ، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد - وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان - أ==========، فوالله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به . فتركه وانصرف مستحييا نادما ، فاستقبله القوم على باب الصفة ، فردهم طويلا حتى غلبوه فدخلوا ، وخرج محمد راجعا ، فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان ، فضرب بها رأسه فشجه ، [ ص: 307 ] فقطر دمه على المصحف حتى لطخه ، ثم تغاووا عليه ، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف ، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه ، وقالت : يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين ! وأخذت السيف فقطع الرجل يدها ، وانتهبوا متاع الدار ، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف ، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال : ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ، ولا مضجع كافر أكرم . فلا والله ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به .

وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ، ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار ، وأحرقوا الباب ودخلوا عليه ، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم إلا محمد بن أبي بكر ، وسبقه بعضهم فضربوه حتى غشي عليه وصاح النسوة فانذعروا وخرجوا ، و=== ولكني أمير المؤمنين . فقال : غيرت كتاب الله . فقال : كتاب الله بيني وبينكم . ف           وقال : إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول : [ ص: 308 ] ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [ الأحزاب : 67 ] . وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول : يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي . وجاء رجل من كندة من أهل مصر - يلقب حمارا ويكنى ، بأبي رومان . وقال قتادة : اسمه رومان . وقال غيره : كان أزرق أشقر . وقيل : كان اسمه سودان بن رومان المرادي . وعن ابن عمر قال : كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة - وبيده السيف صلتا فقال : أفرجوا . ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه ، ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكأ عليه وتحامل حتى قتله ، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها ، رضي الله عنها .

ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت حلقه . والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره ، وأنه استحيى ورجع حين قال له عثمان : لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها . فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وجاحف دونه فلم يفد ، وكان أمر الله قدرا مقدورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا .

[ ص: 309 ] وروى ابن عساكر ، عن ابن عون ، أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد ، فخر لجنبه ، وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله ، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق ، فطعنه تسع طعنات وقال : أما ثلاث منهن فلله ، وست لما كان في صدري عليه .

وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي وإسحاق بن داود الصواف التستري ، قالا : ثنا محمد بن خالد بن خداش ، ثنا سلم بن قتيبة ، ثنا مبارك ، عن الحسن قال : حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال : ارجع يا ابن أخي فلست بقاتلي . قال : وكيف علمت ذاك ؟ قال : لأنه أتي بك النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة . ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء . ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال : أنت قاتلي . قال : وما يدريك يا نعثل ؟ قال : لأنه أتي بك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة ، فخريت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قال : فوثب على صدره وقبض على لحيته ، ووجأه بمشاقص كانت في يده . هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة .

[ ص: 310 ] وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [ البقرة : 137 ] . ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه . وليس ببعيد ، فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن .

وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال : بسم الله توكلت على الله فلما قطر الدم قال : سبحان الله العظيم .

وقد ذكر ابن جرير في " تاريخه " بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر ، فيه الأمر بقتل بعضهم ، وصلب بعضهم ، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم ، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان متأولا قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ المائدة : 33 ] . وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ، رضي الله عنه ، من جملة المفسدين في الأرض ، ولا شك أنهم كذلك ، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه ، ويزور على خطه وخاتمه ، ويبعث غلامه على بعيره بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر ، بخلاف ذلك كله ، ولهذا لما [ ص: 311 ] وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه ، وظنوا أنه من عثمان ، أعظموا ذلك ، مع ما هم مشتملون عليه من الشر ، فرجعوا إلى المدينة ، فطافوا به على رءوس الصحابة ، وأعانهم على ذلك قوم آخرون ، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان ، رضي الله عنه ، فلما قيل لعثمان ، رضي الله عنه ، في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين ، حلف بالله العظيم - وهو الصادق البار الراشد - أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه ، ولا علم به فقالوا له : فإن عليه خاتمك . فقال : إن الرجل قد يزور على خطه وخاتمه . قالوا : فإنه مع غلامك وعلى جملك . فقال : والله لم أشعر بشيء من ذلك . فقالوا له بعد كل مقاله : إن كنت قد كتبته فقد خنت ، وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت ، ومثلك لا يصلح للخلافة ; إما لخيانتك ، وإما لعجزك .

وهذا الذي قالوا باطل على كل تقدير ، فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب - وهو لم يكتبه في نفس الأمر - لا يضره ذلك ; لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الإمام ، وأما إذا لم يكن قد علم به فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه ؟ ! وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه ، رضي الله عنه ، وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة ظلمة مفترون ، ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد ، وتهددوه بالقتل ، ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه ، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها ، ومن أنه سمع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث ; النفس بالنفس والثيب [ ص: 312 ] الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة وذكر أنه لم يقتل نفسا ، ولا ارتد بعد إيمانه ، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام ، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل . ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منهم ، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان . ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده ، حتى اشتد عليه الحال ، وضاق المجال ، ونفد ما عنده من الماء ، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ ، وتنفير لدابته ، وإخراق عظيم بليغ ، وكان قد زجرهم أتم الزجر ، حتى قال لهم فيما قال : والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل ، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون . فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار ، وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها ، فقالوا : ما جاء بك ؟ فقالت : إن عنده وصايا بني أمية لأيتام وأرامل ، فأحببت أن أذكره بها . فكذبوها في ذلك ، ونالها منهم شدة عظيمة ، وقطعوا حزام البغلة وندت بها ، وكادت أو سقطت عنها ، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها ، ووقع أمر كبير جدا ، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

[ ص: 313 ] ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا ، ولزم أكثر الناس بيوتهم ، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج ، فقيل لها : إنك لو أقمت كان أصلح ، لعل هؤلاء القوم يهابونك . فقالت : إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة . فعزمت على الخروج .

واستخلف عثمان ، رضي الله عنه ، في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس ، فقال له عبد الله بن عباس : إن مقامي على بابك أجاحف عنك أفضل من الحج . فعزم عليه فخرج بالناس إلى الحج ، واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع البشير من الحج ، فأخبر بسلامة الناس ، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين . وبلغهم أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة ، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن حديج ، وأن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع بن عمرو في جيش ، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش ، فعند ذلك صمموا على أمرهم وبالغوا فيه وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج ، وأحاطوا بالدار ، وجدوا في الحصار ، وأحرقوا الباب ، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار ; كدار عمرو بن حزم وغيرها ، وجاحف الناس عن عثمان أشد المجاحفة ، واقتتلوا على الباب قتالا شديدا ، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم ، وجعل أبو هريرة يقول : هذا يوم طاب امضراب . وقتل طائفة من [ ص: 314 ] أهل الدار ، وآخرون من أولئك الفجار ، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة ، وكذلك جرح الحسن بن علي ، ومروان بن الحكم فقطع إحدى علباويه ، فعاش أوقص حتى مات .

ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان ، زياد بن نعيم الفهري ، والمغيرة بن الأخنس بن شريق ، ونيار بن عبد الله الأسلمي ، في أناس وقت المعركة .

ويقال : إنه انهزم أصحاب عثمان ثم تراجعوا . ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم ، فانصرفوا - كما تقدم - فلم يبق عنده أحد سوى أهله ، فدخلوا عليه من الباب ومن الجدران ، وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه - وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة ، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده ، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال ، ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف ، وجعل يتلو هذه الآية : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : 173 ] فكان أول من دخل عليه [ ص: 315 ] رجل يقال له : الموت الأسود . فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه ، وجعلت نفسه تتردد في حلقه ، فتركه وهو يظن أنه قد قتله ، ثم دخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ، ثم ندم وخرج ، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها . فقيل : إنه أبانها . وقيل : بل قطعها ولم يبنها . إلا أن عثمان قال : والله إنها لأول يد كتبت المفصل . فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية : فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [ البقرة : 137 ] . ثم جاء آخر شاهرا سيفه ، فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه ، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها ، ثم إنه تقدم إليه ، فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه ، رضي الله عن عثمان وأرضاه .

وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في يده ، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله ، فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان ، رضي الله عنه ، وسالت عليه الدماء ، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فمانعته نائلة ، فقطع أصابعها ، فولت فضرب عجيزتها بيده ، وقال : إنها لكبيرة العجيزة . وضرب عثمان فقتله ، فجاء غلام عثمان فضرب [ ص: 316 ] سودان فقتله ، فضرب الغلام رجل يقال له : قتيرة . فقتله .

وروى ابن جرير أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله ، فصاح النساء وضربن وجوههن ; فيهن امرأتاه نائلة وأم البنين وبناته ، فقال ابن عديس : اتركوه ! فتركوه . ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه ، وذلك أنه نادى مناديهم : أيحل لنا دمه ولا يحل لنا ماله ! فانتهبوه ، ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه ، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قتيرة فقتله ، وجعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه ، حتى استلب رجل يقال له : كلثوم التجيبي ، ملاءة نائلة ، فضربه غلام لعثمان فقتله ، وقتل الغلام أيضا ، ثم تنادى القوم : أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه . فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا : يا قوم النجاء النجاء ! فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله ، وكذبوا إنما قصدهم الدنيا . فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا .

[ ص: 317 ] وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سهم بن خنبس أبي خنبش أو خنيس الأزدي - وكان قد شهد الدار - ورواه محمد بن عائذ ، عن إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن يزيد الرحبي ، عنه وكان قد استدعاه عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان ، فسأله عن مقتل عثمان ، فذكر ما ملخصه أن وفد الأشقياء وهم وفد مصر كانوا قد قدموا على عثمان فأجازهم وأرضاهم ، فانصرفوا راجعين ، ثم كروا إلى المدينة ، فوافقوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر ، فحصبوه بالحصا والنعال والخفاف ، فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في أناس ، وأطاف وفد مصر بداره ، فاستشار الناس ، فقال عبد الله بن الزبير : يا أمير المؤمنين إني أشير بإحدى ثلاث خصال ; إما أن تحرم بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا ، وإما أن نركب معك إلى معاوية بالشام ، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم ، فإنا على الحق وهم على الباطل . فقال عثمان : أما ما ذكرت من الإحرام بعمرة فتحرم دماؤنا فإنهم يرونا حلالا الآن وحال الإحرام وبعد الإحرام ، وأما الذهاب إلى الشام فإني أستحيي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام وتسمع الأعداء من الكفار ذلك ، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة دم . قال : ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال : إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة [ ص: 318 ] فقالا لي : صم يا عثمان فإنك تفطر عندنا . وإني أشهدكم أني قد أصبحت صائما ، وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالما مسلوما منه . فقلنا : يا أمير المؤمنين ، إن خرجنا لم نأمن منهم علينا ، فائذن لنا أن نكون في بيت من الدار تكون لنا فيه جماعة ومنعة . ثم أمر بباب الدار ففتح ، ودعا بالمصحف فأكب عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة الكلبية وابنة شيبة ، فكان أول من دخل عليه =========== ،  فقال للقوم : قد أشعرته لكم . وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه ، ثم دخل رومان بن سودان ، رجل أزرق قصير مخدد ، عداده من مراد معه جرز من حديد ، فاستقبله فقال : على أي ملة أنت يا نعثل ؟ فقال عثمان : لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان ، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين . فقال : كذبت . وضربه بالجرز على صدغه الأيسر فقتله فخر ، فأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها - وكانت امرأة جسيمة ضليعة - فألقت نفسها عليه ، وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقي من [ ص: 319 ] جسده ودخل رجل من أهل مصر بالسيف مصلتا فقال : والله لأقطعن أنفه . فعالج المرأة عنه ، فغلبته ، فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها ، فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها ، فقبضت على السيف فقطع أناملها ، فقالت يا رباح - لغلام عثمان أسود - يا غلام ادفع عني هذا الرجل . فمشى إليه الغلام فضربه فقتله ، وخرج أهل البيت يقاتلون عن أنفسهم ، فقتل المغيرة بن الأخنس وجرح مروان . قال : فلما أمسينا قلنا : إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به . فاحتملناه إلى بقيع الغرقد في جوف الليل ، وغشينا سواد من خلفنا فهبناهم وكدنا أن نتفرق عنه ، فنادى مناديهم : أن لا روع عليكم ، اثبتوا إنما جئنا لنشهده معكم - وكان أبو خنيس يقول : هم ملائكة الله - فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا ، فلقينا الجيش بوادي القرى عليهم حبيب بن مسلمة                 ======================================فصل ( مدة حصاره رضي الله عنه )

كانت مدة حصر عثمان ، رضي الله عنه ، في داره أربعين يوما على [ ص: 322 ] المشهور . وقيل : كانت بضعا وأربعين يوما . وقال الشعبي : كانت ثنتين وعشرين ليلة . ثم كان قتله ، رضي الله عنه ، في يوم الجمعة بلا خلاف . قال سيف بن عمر عن مشايخه : في آخر ساعة منها . ونص عليه مصعب الزبيري وآخرون . وقال آخرون : ضحوة . وهذا أشبه . وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور . وقيل : في أيام التشريق . رواه ابن جرير : حدثني أحمد بن زهير ، ثنا أبو خيثمة ، ثنا وهب بن جرير قال : سمعت أبي قال : سمعت يونس بن يزيد ، عن الزهري قال : قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق - ورواه عبد الله بن أحمد ، عن عبيد الله بن معاذ ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان قال : قتل عثمان في أوسط أيام التشريق - وقال بعضهم : قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة . وقيل : قتل يوم النحر . حكاه [ ص: 323 ] ابن عساكر . ويستشهد له بقول الشاعر :


ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
قلت : والأول هو الأشهر . وهو أنه قتل يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ، على الصحيح المشهور . وقيل : سنة ست وثلاثين . قاله مصعب الزبيري وطائفة . وهو غريب . فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما ; لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين .

فأما عمره ، رضي الله عنه ، فإنه جاوز الثمانين على المشهور . فقيل : إحدى وثمانين سنة . وقال الواقدي وغير واحد : توفي عن ثنتين وثمانين سنة . وقال صالح بن كيسان : وأشهر . وقيل : أربع وثمانين سنة . وقال [ ص: 324 ] أحمد ، عن حسن بن موسى ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة : توفي عثمان عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة . وفي رواية عنه : توفي عن ست وثمانين سنة . وعن هشام بن الكلبي : توفي عن خمس وسبعين سنة . وهذا غريب جدا . وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه ; وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا : قتل عثمان ، رضي الله عنه عن ثلاث وستين سنة .

وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب - شرقي البقيع - وقد بني عليه زمان بني أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم . قال الإمام مالك : بلغني أن عثمان ، رضي الله عنه ، كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول : إنه سيدفن هاهنا رجل صالح

. وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ، رضي الله عنه ، بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن . قلت : وكأنه اشتغل الناس عنه بمبايعة علي ، رضي الله عنه حتى تمت . وقيل : إنه مكث ليلتين . وقيل : بل دفن من ليلته . ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج . وقيل : بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم . [ ص: 325 ] فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة ; منهم حكيم بن حزام ، وحويطب بن عبد العزى ، وأبو الجهم بن حذيفة ، ونيار بن مكرم الأسلمي ، وجبير بن مطعم ، وزيد بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وطلحة ، والزبير ، وعلي بن أبي طالب ، وجماعة من أصحابه ونسائه ; منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عيينة بن حصن ، وصبيان . وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي .

قال أحمد : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : صلى الزبير على عثمان ودفنه وكان أوصى إليه . وروى عبد الله من طريق إبراهيم بن عبد الله بن فروخ ، عن أبيه : شهدت عثمان دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسل .

وحمله جماعة من خدمه بعد ما غسلوه وكفنوه . وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن . والصحيح الأول . وصلى عليه جبير بن مطعم . وقيل : الزبير بن العوام . وقيل : حكيم بن حزام . وقيل : مروان بن الحكم . وقيل : المسور بن مخرمة . وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه وإلقاءه عن سريره ، [ ص: 326 ] وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع ، حتى بلغ علي بن أبي طالب ، فبعث إليهم من نهاهم عن ذلك ، وحمل جنازته حكيم بن حزام ، وأبو جهم بن حذيفة ، ونيار بن مكرم ، وجبير بن مطعم .

وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلى عليه - عند مصلى الجنائز - أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك ، فقال أبو جهم بن حذيفة : ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته . ثم قالوا : لا يدفن في البقيع ، ولكن ادفنوه وراء الحائط . فدفنوه شرقي البقيع تحت نخلات هناك .

وذكر الواقدي أن عمير بن ضابئ نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه ، فكسر ضلعا من أضلاعه ، وقال : أحبست ضابئا حتى مات في السجن ؟ وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا .

وقال البخاري في " التاريخ " : حدثنا موسى بن إسماعيل ، عن عيسى بن منهال ، ثنا غالب ، عن محمد بن سيرين قال : كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول : اللهم اغفر لي . وما أظن أن تغفر لي . فقلت : يا عبد الله ما سمعت أحدا [ ص: 327 ] يقول ما تقول . قال : كنت أعطيت الله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته ، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون فيصلون عليه ، فدخلت كأني أصلي عليه فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته ، وسجيته ، وقد يبست يميني . قال ابن سيرين : فرأيتها يابسة كأنها عود .

ثم خرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار ; وهما صبيح ونجيح ، رضي الله عنهما ، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب . وقيل : إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما ، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب .

وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان ، ورفع الجدار بينه وبين البقيع ، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين================================فصل ( كلام الصحابة في مقتل عثمان رضي الله عنه )

قال الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة أنه قال : أول الفتن قتل عثمان ، وآخر الفتن الدجال .

وروى الحافظ بن عساكر ، من طريق شبابة ، عن حفص بن مورق [ ص: 331 ] الباهلي ، عن حجاج بن أبي عثمان الصواف ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة . قال : أول الفتن قتل عثمان ، وآخر الفتن خروج الدجال ، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره : أنا محمد بن سعد ، أنا عمرو بن عاصم الكلابي ، ثنا أبو الأشهب ، حدثني عوف ، عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال : اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا فليس لي فيه نصيب ، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء ، والله لئن كان قتله خيرا لتحلبنه لبنا ، ولئن كان قتله شرا لتمتصن به دما . وقد ذكره البخاري في " صحيحه " .

طريق أخرى عنه :

قال محمد بن عائذ : ذكر يحيى بن حمزة ، حدثني أبو عبد الله النجراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه ، كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته ، ففتح عينيه فسألهما فقالا : خير . فقال : [ ص: 332 ] إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير . قال : قتل الرجل . يعني عثمان . قال : فاسترجع ، ثم قال : اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزل ، فإن كان خيرا فهو لمن حضره ، وأنا منه بريء ، وإن كان شرا فهو لمن حضره ، وأنا منه بريء ، اليوم نفرت القلوب بأنفارها ، الحمد لله الذي سبق بي الفتن ، قادتها وعلوجها ، الحظي من تردى بعيره ، فشبع شحما وقل عمله .

وقال الحسن بن عرفة : ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن أبي موسى الأشعري قال : لو كان قتل عثمان هدى ، لاحتلبت به الأمة لبنا ، ولكنه كان ضلالا ، فاحتلبت به الأمة دما . وهذا منقطع .

وقال محمد بن سعد : أنا عارم بن الفضل ، أنا الصعق بن حزن ، ثنا قتادة ، عن زهدم الجرمي قال : خطب ابن عباس فقال : لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء . وقد روي من غير هذا الوجه عنه .

وقال الأعمش وغيره ، عن ثابت بن عبيد ، عن أبي جعفر الأنصاري [ ص: 333 ] قال : لما قتل عثمان جئت عليا وهو جالس في المسجد وعليه عمامة سوداء فقلت له : قتل عثمان . فقال : تبا لهم آخر الدهر . وفي رواية : خيبة لهم .

وقال أبو القاسم البغوي أنبأنا علي بن الجعد ، أنا شريك ، عن عبد الله بن عيسى ، عن ابن أبي ليلى قال : سمعت عليا وهو بباب المسجد ، أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان . وقال أبو هلال : عن قتادة عن الحسن قال : قتل عثمان وعلي غائب في أرض له ، فلما بلغه قال : اللهم إني لم أرض ولم أمالئ .

وروى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة ، عن أبي العالية أن عليا دخل على عثمان ، فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به .

وقال الثوري وغيره ، عن ليث ، عن طاوس .

، عن ابن عباس قال : قال علي يوم قتل عثمان : والله ما قتلت ، ولا أمرت ، ولكني غلبت . ورواه غير ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن علي نحوه .

وقال حبيب بن أبي العالية ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال علي : إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله ، ما قتلت عثمان ، ولا أمرت بقتله ، ولقد نهيتهم فعصوني . وقد روي من غير وجه عن علي بنحوه .

[ ص: 334 ] وقال محمد بن يونس الكديمي : ثنا هارون بن إسماعيل ، ثنا قرة بن خالد ، عن الحسن ، عن قيس بن عباد قال : سمعت عليا يوم الجمل يقول : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان ، وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة فقلت : والله إني لأستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة . وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد . فانصرفوا ، فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت : اللهم إني لمشفق مما أقدم عليه ، ثم جاءت عزمة فبايعت ، فلما قالوا : أمير المؤمنين ، فكأنما صدع قلبي وانسكبت بعبرة .

وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي ، أنه تبرأ من دم عثمان ، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ، ولا أمر بقتله ، ولا مالأ ، ولا رضي به ، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه . ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث . ولله الحمد والمنة . وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين [ ص: 335 ] [ الحجر : 47 ] . وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال : كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا . وفي رواية أنه قال : كان عثمان ، رضي الله عنه ، خيرنا ، وأوصلنا للرحم ، وأشدنا حياء ، وأحسننا طهورا ، وأتقانا للرب ، عز وجل .

وروى يعقوب بن سفيان ، عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد ، عن مجالد ، عن عمير بن زوذي أبي كثير قال : خطب علي فقطع الخوارج عليه خطبته ، فنزل فقال : إن مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة ; أحمر وأبيض وأسود ، ومعهم في أجمة أسد ، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران ، فقال للأسود والأحمر : إن هذا الأبيض قد فضحنا في هذه الأجمة فخليا عنه حتى آكله . فخليا عنه فأكله ، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر ، فقال للأحمر : إن هذا الأسود قد فضحنا في هذه الأجمة ، وإن لوني على لونك ، فلو خليت عنه أكلته . فخلى عنه الأحمر فأكله ، ثم قال للأحمر : إني آكلك . فقال : دعني حتى أصيح ثلاث صيحات . فقال : دونك . فقال : ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض . ثلاثا ، ثم قال علي : وإنما أنا وهنت يوم قتل عثمان . قالها ثلاثا .

[ ص: 336 ] وروى ابن عساكر ، من طريق محمد بن هارون الحضرمي ، عن سوار بن عبد الله العنبري القاضي ، عن ابن مهدي ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : كانت المرأة تجيء في زمان عثمان إلى بيت المال ، فتحمل وقرها وتقول : اللهم بدل ، اللهم غير . فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان ، رضي الله عنه :


قلتم بدل فقد بدلكم سنة حرى وحربا كاللهب     ما نقمتم من ثياب خلفة
وعبيد وإماء وذهب
قال : وقال أبو حميد أخو بني ساعدة - وكان ممن شهد بدرا ، وكان في من جانب عثمان - فلما قتل قال : والله ما أردنا قتله ، ولا كنا نرى أن يبلغ منه القتل ، اللهم إن لك علي أن لا أفعل كذا وكذا ، ولا أضحك حتى ألقاك .

وقال محمد بن سعد : أنا عبد الله بن إدريس ، أنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، قال : لقد رأيتني وإن عمر موثقي وأخته على الإسلام ، ولو ارفض أحد فيما صنعتم بابن عفان ، [ ص: 337 ] لكان حقيقا . وهكذا رواه البخاري في " صحيحه " .

وروى محمد بن عائذ ، عن إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير قال : سمع عبد الله بن سلام رجلا يقول لآخر : قتل عثمان بن عفان ، فلم ينتطح فيه عنزان . فقال ابن سلام : أجل إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة ، ولكن تنتطح فيه الرجال بالسلاح ، والله ليقتلن به أقوام ، إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد .

وقال ليث عن طاوس قال : قال ابن سلام : يحكم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل .

وقال أبو عبد الله المحاملي : ثنا أبو الأشعث ، ثنا حزم بن أبي حزم ، سمعت أبا الأسود يقول : سمعت أبا بكرة يقول : لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أشرك في دم عثمان .

وقال أبو يعلى : ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ، ثنا محمد بن عباد الهنائي ، ثنا البراء بن أبي فضالة ، ثنا الحضرمي ، عن أبي مريم رضيع [ ص: 338 ] الجارود قال : كنت بالكوفة فقام الحسن بن علي خطيبا فقال : أيها الناس ، رأيت البارحة في منامي عجبا ; رأيت الرب تبارك وتعالى فوق عرشه ، فجاء رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى قام عند قائمة من قوائم العرش ، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبي بكر ، ثم جاء عثمان فكان نبذة ، فقال : رب سل عبادك فيم قتلوني ؟ فانبعث من السماء ميزابان من دم في الأرض . قال : فقيل لعلي : ألا ترى ما يحدث به الحسن ؟ فقال : حدث بما رأى .

ورواه أبو يعلى أيضا ، عن سفيان بن وكيع ، عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن بن مجالد ، عن طحرب العجلي : سمعت الحسن بن علي يقول : ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها ; رأيت العرش ، ورأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، متعلقا بالعرش ، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر واضعا يده على منكب أبي بكر ، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب [ ص: 339 ] عمر ، ورأيت دما دونهم فقلت : ما هذا ؟ فقيل : هذا دم عثمان يطلب الله به .

وقال مسلم بن إبراهيم : ثنا سلام بن مسكين ، عن وهب بن شبيب ، عن زيد بن صوحان أنه قال يوم قتل عثمان : نفرت القلوب منافرها ، والذي نفسي بيده ، لا تتآلف إلى يوم القيامة .

وقال محمد بن سيرين : قالت عائشة : مصتموه موص الإناء ثم قتلتموه .

وقال خليفة بن خياط : ثنا أبو قتيبة ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن عون بن عبد الله بن عتبة : قال : قالت عائشة : غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف ! استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقلب المصفى قتلتموه .

وقال أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن مسروق قال : قالت عائشة حين قتل عثمان : تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه . وفي [ ص: 340 ] رواية : ثم قربتموه فذبحتموه كما يذبح الكبش . فقال لها مسروق : هذا عملك ، أنت كتبت إلى الناس تأمرينهم أن يخرجوا إليه . فقالت : لا والذي آمن به المؤمنون ، وكفر به الكافرون ، ما كتبت إليهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا . قال الأعمش : فكانوا يرون أنه كتب على لسانها . وهذا إسناد صحيح إليها . وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج ، قبحهم الله ، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق ، يحرضونهم على قتال عثمان ، كما قدمنا بيانه . ولله الحمد والمنة .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا حزم القطعي ، ثنا أبو الأسود بن سوادة ، أخبرني طلق بن خشاف . قال : قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد ، صلى الله عليه وسلم ، نسألهم عن قتله ، فسمعت عائشة تقول : قتل مظلوما لعن الله قتلته .

وروى محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه ، عن ثمامة ، عن أنس قال : قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان : رحمه الله ، أما إنهم لن [ ص: 341 ] يحتلبوا بعده إلا دما .

وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له ، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله : أما مررتم ببلاد ثمود ؟ قالوا : نعم . قال : أشهد أنكم مثلهم ، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته . وقال ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا ، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما . وقال أبو جعفر الباقر : كان قتل عثمان على غير وجه الحق===================================فصل ( كيفية قتل عثمان بالمدينة وبها جماعة من كبار الصحابة )

إن قال قائل : كيف وقع قتل عثمان ، رضي الله عنه ، بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ، رضي الله عنهم ؟ فجوابه من وجوه :

أحدها ، أن كثيرا منهم ، بل أكثرهم أو كلهم ، لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله ، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا ، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة ; إما أن يعزل نفسه ، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم ، أو يقتلوه ، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان ، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة . وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع ، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده ، حتى وقع ما وقع . والله أعلم .

الثاني ، أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ، ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا ، فتمكن أولئك مما أرادوا ، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية .

الثالث ، أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة ، بل لما اقترب مجيئهم ، انتهزوا فرصتهم ، قبحهم الله ، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم .

الرابع ، أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الأبطال ، وربما لم [ ص: 345 ] يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة ; لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة وفي الحج .

ومع هذا كان كثير من الصحابة قد اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم ، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف يضعه على حبوته إذا احتبى ، والخوارج محدقون بدار عثمان ، رضي الله عنه . وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكن ذلك .

ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يجاحفون عن عثمان ، رضي الله عنه ، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته ، فما فجأ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها ، وأحرقوا بابها ، وتسوروا عليه حتى قتلوه .

وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله ، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان ، رضي الله عنه ، بل كلهم كرهه ، ومقته ، وسب من فعله ، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر ; كعمار بن ياسر ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمرو بن الحمق وغيرهم .

قال أبو عمر بن عبد البر : دفنوا عثمان ، رضي الله عنه بحش كوكب ، وكان قد اشتراه وزاده في البقيع .

ولقد أحسن بعض السلف حيث يقول وقد سئل عن عثمان : هو أمير البررة ، وقتيل الفجرة ، مخذول من خذله ، منصور من نصره .

[ ص: 346 ] وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله ، بعد حكايته هذا الكلام : قلت : الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته ، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم ، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وابنيه ، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته ، استطالوا حياته وملوه مع فضله وسوابقه ، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعا وثمانين سنة ، فالحكم لله العلي الكبير . وهذا لفظه بحروفه .
===================================] خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه

ولنذكر شيئا من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك .

هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - واسمه عبد مناف - بن عبد المطلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، أبو الحسن والحسين ، ويكنى بأبي تراب وأبي القضم ، الهاشمي ، ابن عم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وختنه على ابنته فاطمة الزهراء . وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي . ويقال : إنها أول هاشمية ولدت هاشميا . وكان له من الإخوة طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وكانوا أكبر منه ، بين كل واحد [ ص: 412 ] منهم وبين الآخر عشر سنين ، وله أختان ; أم هانئ وجمانة ، وكلهم من فاطمة بنت أسد ، وقد أسلمت وهاجرت .

1 . كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى ، وكان ممن توفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو راض عنهم ، وكان رابع الخلفاء الراشدين ، وكان رجلا آدم شديد الأدمة شكل العينين عظيمهما ، فيهما خفش ، ذو بطن ، أصلع ، وهو إلى القصر أقرب ، وكان عظيم اللحية ، قد ملأت صدره ومنكبيه ، أبيضها كثير ، وكان كثير شعر الصدر والكتفين ، حسن الوجه ، ضحوك السن ، خفيف المشي على الأرض .

أسلم علي قديما وهو ابن سبع ، وقيل : ابن ثمان . وقيل : تسع . وقيل : عشر . وقيل : إحدى عشرة . وقيل : اثني عشرة . وقيل : ثلاث عشرة . وقيل : أربع عشرة . وقيل : ابن خمس عشرة ، أو ست عشرة سنة . قاله عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن . ويقال : إنه أول من [ ص: 413 ] أسلم . والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان ، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء ، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي ، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار . وكان سبب إسلام علي صغيرا أنه كان في كفالة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ; لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة فأخذوه من أبيه ، فكان في كفالته ، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ، ومن جملتهم علي ، وكان الإيمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصديق ، رضي الله عنه . وقد ورد عن علي أنه قال : أنا أول من أسلم . ولا يصح إسناده إليه . وقد روي في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر ، كثيرة منكرة لا يصح شيء منها . والله أعلم . وقد روى الإمام أحمد ، من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة : سمعت أبا حمزة - رجلا من موالي الأنصار - قال : سمعت زيد بن أرقم يقول : أول من أسلم مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، علي . وفي رواية : أول من صلى . قال عمرو : فذكرت ذلك للنخعي فأنكره وقال : أبو بكر أول من أسلم . وقال محمد بن كعب القرظي : أول من آمن خديجة ، وأول رجلين آمنا أبو بكر وعلي ، ولكن كان أبو بكر يظهر إيمانه وعلي يكتم إيمانه . قلت : يعني خوفا من أبيه ، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه ونصرته . [ ص: 414 ] وهاجر علي بعد خروج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من مكة ، وكان قد أمره بقضاء ديونه ورد ودائعه ، ثم يلحق به ، فامتثل ما أمره به ، ثم هاجر ، وآخى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بينه وبين سهل بن حنيف . وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، آخى بينه وبين نفسه . ولا يصح ، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شيء منها ; لضعف أسانيدها ، وركة بعض متونها ، فإن في بعضها : " أنت أخي ووارثي وخليفتي وخير من أمر بعدي " . وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في " الصحاح " وغيرهما . والله أعلم .

وقد شهد علي بدرا وكانت له اليد البيضاء فيها ، بارز يومئذ فغلب وظهر ، وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيدة بن الحارث وخصومهم الثلاثة - عتبة وشيبة والوليد بن عتبة - نزل قوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم الآية [ الحج : 19 ] . وقال الحكم وغيره ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : دفع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة . وقال الحسن بن عرفة : حدثني عمار بن محمد ، عن سعيد بن محمد الحنظلي ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : نادى مناد في السماء يوم بدر - يقال له : رضوان - : لا سيف إلا ذو [ ص: 415 ] الفقار ولا فتى إلا علي . قال ابن عساكر : وهذا مرسل ، وإنما تنفل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سيفه ذا الفقار يوم بدر ، ثم وهبه من علي بعد ذلك . وقال يونس بن بكير ، عن مسعر ، عن أبي عون ، عن أبي صالح ، عن علي قال : قيل لي يوم بدر ولأبي بكر قيل لأحدنا : معك جبريل ، ومع الآخر ميكائيل . قال : وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ويكون في الصف .

وشهد علي أحدا ، وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير ، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري ، وحمزة بن عبد المطلب على القلب ، وعلى الرجالة الزبير بن العوام ، وقيل : المقداد بن الأسود . وقد قاتل علي يومئذ قتالا شديدا وقتل خلقا كثيرا من المشركين وغسل عن وجه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الدم حين شج في رأسه وكسرت رباعيته .

وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب وأحد شجعانهم المشاهير ، عمرو بن عبد ود العامري كما قدمنا ذلك .

وشهد الحديبية وبيعة الرضوان ، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة ، [ ص: 416 ] ومشاهد طائلة ; منها أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله . فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها ، فدعا عليا - وكان أرمد - فدعا له ، وبصق في عينه فلم يرمد بعدها ، فبرأ وأعطاه الراية ، ففتح الله على يديه ، وقتل مرحبا اليهودي . وذكر محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن حسن ، عن بعض أهله ، عن أبي رافع أن يهوديا ضرب عليا فطرح ترسه ، فتناول بابا عند الحصن فتترس به ، فلم يزل في يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده . قال أبو رافع : فلقد رأيتني أنا وسبعة معي نجهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع . وقال ليث ، عن أبي جعفر ، عن جابر أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها ، فلم يحمله إلا أربعون رجلا . ومنها أنه قتل مرحبا فارس يهود وشجاعهم .

وشهد علي ، رضي الله عنه ، عمرة القضاء ، وفيها قال له النبي ، صلى الله عليه وسلم : أنت [ ص: 417 ] مني وأنا منك . وما يذكره كثير من القصاص في مقاتلته الجن في بئر ذات العلم - وهو بئر قريب من الجحفة - فلا أصل له ، وهو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به .

وشهد الفتح وحنينا والطائف ، وقاتل في هذه المشاهد قتالا كثيرا ، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولما خرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى تبوك واستخلفه على المدينة قال : يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي .

وبعثه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أميرا وحاكما على اليمن ، ومعه خالد بن الوليد ، ثم وافى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عام حجة الوداع إلى مكة ، وساق معه هديا ، وأهل كإهلال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأشركه في هديه ، واستمر على إحرامه ، ونحرا هديهما بعد فراغ نسكهما ، كما تقدم .

ولما مرض رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال له العباس : سل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في من الأمر بعده ؟ فقال : والله لا أسأله ، فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا . والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة ، بل لوح بذكر الصديق ، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جدا إليه ، [ ص: 418 ] كما قدمنا ذلك ، ولله الحمد . وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء ، من أنه أوصى إلى علي بالخلافة ، فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير ; من جور الصحابة وتمالئهم بعده ، عليه السلام ، على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه ، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب ، وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق ، يعلم بطلان هذا الافتراء ; لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء ، وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة ، ولله الحمد .

وما يقصه بعض القصاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها ، من الوصية لعلي بآداب وأخلاق في المأكل والمشرب والملبس ، مثل ما يقولون : يا علي لا تعتم وأنت قاعد ، يا علي لا تلبس سراويلك وأنت قائم ، يا علي لا تمسك عضادتي الباب ، ولا تجلس على أسكفة الباب ، ولا تخط ثوبك وهو عليك . ونحو ذلك ، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل له ، بل هو اختلاق وكذب وزور .

ثم لما مات رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه ، [ ص: 419 ] كما تقدم ذلك مفصلا . ولله الحمد والمنة .

وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويجه بفاطمة بعد وقعة بدر ، فولد له منها حسن وحسين ومحسن ، كما قدمنا . وقد وردت أحاديث في ذلك لا يصح كثير منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص .

ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد ، كما قدمنا . وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه ، وأحب الأشياء إليه ، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر ، وكانت قد تغضبت بعض التغضب على أبي بكر ، بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها ، عليه السلام ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء ، وأنهم لا يورثون ، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة ، فأبى ذلك عليها ، فبقي في نفسها شيء ، كما قدمنا ، واحتاج علي أن يداريها بعض المداراة ، فلما توفيت جدد علي البيعة مع الصديق ، رضي الله عنهما ، فلما توفي أبو بكر ، وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر إليه بذلك ، كان علي من جملة من بايعه ، وكان معه يشاوره في الأمور ، ويقال : إنه استقضاه في أيام خلافته ، وقدم معه في جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام ، وشهد خطبته بالجابية ، فلما طعن [ ص: 420 ] عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم علي ، ثم خلص منهم بعثمان وعلي - كما قدمنا - فقدم عثمان على علي ، سمع وأطاع . فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين ، على المشهور عدل الناس إلى علي فبايعوه قبل أن يدفن عثمان ، وقيل : بعد دفنه . كما تقدم ، وقد امتنع علي من مبايعتهم ، وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول ، وأغلق بابه وامتنع من قبول الإمارة حتى تكرر قولهم ، فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه ، وجاءوا معهم بطلحة والزبير ، فقالوا له : إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير ، ولم يزالوا به حتى أجاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق