الاثنين، 9 مايو 2016


» ثم دخلت سنة خمس وثمانينالأحداث التي وقعت فيهاعبد العزيز بن مروان رحمه الله تعالىذكر بيعة عبد الملك لولده الوليد ثم من بعده لأخيه سليمان بن عبد الملكإظهار التشكيل|إخفاء التشكيلمسألة: الجزء الثاني عشر التحليل الموضوعي[ ص: 359 ] ثم دخلت سنة خمس وثمانين
فيها - كما ذكر ابن جرير - كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث الكندي فالله أعلم . وفيها عزل الحجاج عن إمرة خراسان يزيد بن المهلب ، وولى عليها أخاه المفضل بن المهلب ، وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد مرة على عبد الملك فلما انصرف مر بدير ، فقيل له : إن فيه شيخا كبيرا من أهل الكتاب عالما . فدعي له فقال : يا شيخ ، هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه وما نحن فيه؟ قال : نعم . قال له : فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال : نجده ملكا أقرع من يقم بسبيله يصرع . قال : ثم من؟ قال : ثم رجل يقال له : الوليد . قال : ثم ماذا؟ قال : ثم رجل اسمه اسم نبي ، يفتح به على الناس . قال : أفتعرفني؟ قال : قد أخبرت بك . قال : أفتعرف ما ألي؟ قال : نعم . قال : فمن يلي العراق بعدي؟ قال : رجل يقال له : يزيد . قال : أفي حياتي أو بعد موتي؟ قال : لا أدري . قال : أفتعرف صفته؟ قال : يغدر غدرة لا أعرف غيرها .
[ ص: 360 ] قال : فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب ، وسار سبعا وهو وجل من كلام الشيخ ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ; ليعلم مكانته عنده ، فجاء الكتاب بالتقريع والتأنيب والتوبيخ ، والأمر بالثبات والاستمرار على ما هو عليه ، ثم إن الحجاج جلس يوما مفكرا ، واستدعى بعبيد بن موهب ، فدخل عليه وهو ينكت في الأرض ، فرفع رأسه إليه ، فقال : ويحك يا عبيد ، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يدي سيليه رجل يقال له : يزيد . وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ، ويزيد بن دينار ، فليسوا هناك وما هو - إن كان - إلا يزيد بن المهلب ، فقال عبيد : لقد شرفتهم ، وعظمت ولايتهم ، وإن لهم لعددا وجلدا وحظا فأخلق به . فأجمع رأي الحجاج على عزل يزيد بن المهلب ، فكتب إلى عبد الملك يذمه ويخوفه غدره ، ويخبره بما أخبره به ذلك الشيخ ، وكتب إليه عبد الملك : قد أكثرت في شأن يزيد ، فسم رجلا يصلح لخراسان ، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب ، فولاه قليلا تسعة أشهر ، فغزا باذغيس وغيرها ، وغنم مغانم كثيرة ، وامتدحه الشعراء ثم عزله بقتيبة بن مسلم .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ . [ ص: 361 ] ثم ذكر سبب ذلك ، وملخصه : أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بيده بلد يلجأ إليه بمن معه من أصحابه ، فجعل كلما اقترب من بلدة خرج إليه ملكها فقاتله ، فلم يزل ذلك دأبه حتى نزل قريبا من ترمذ ، وكان ملكها فيه ضعف ، فجعل يهادنه ويبعث إليه بالألطاف والتحف ، حتى جعل يتصيد هو وهو ، ثم عن للملك فعمل له طعاما ، وبعث إلى موسى بن عبد الله بن خازم : أن ائتني في مائة من أصحابك ، فاختار موسى من جيشه مائة من شجعانهم ، ثم دخل البلد ، فأكل من طعام الملك ، فلما فرغت الضيافة اضطجع موسى على جنبه في دار الملك ، وقال : والله لا أقوم من هنا حتى يكون هذا المنزل منزلي ، أو يكون قبري ، فثار أهل القصر إليه فحاجف عنه أصحابه ، ثم وقعت الحرب بينهم وبين أهل ترمذ ، فاقتتلوا ، فقتل من أهل ترمذ خلق كثير ، وهرب بقيتهم ، واستدعى موسى بقية جيشه إليه ، واستحوذ موسى على البلد فحصنها ومنعها من الأعداء ، وخرج منها ملكها هاربا ، فلجأ إلى إخوانه من الأتراك فاستنصرهم ، فقالوا له : هؤلاء قوم في نحو من مائة رجل أخرجوكم من بلدكم لا طاقة لنا بقتال هؤلاء . ثم ذهب ملك ترمذ إلى طائفة أخرى من الترك فاستصرخهم ، فبعثوا معه قصادا نحو موسى ; ليسمعوا كلامه ، فلما أحس بقدومهم - وكان ذلك في شدة الحر - أمر أصحابه أن يؤججوا نارا ، ويلبسوا ثياب الشتاء ، ويدنوا أيديهم من النار كأنهم يصطلون بها ، فلما وصلت إليهم الرسل ، رأوا أصحابه وما يصنعون [ ص: 362 ] في شدة الحر ، فقالوا لهم : ما هذا الذي تفعلونه ؟ فقالوا لهم : إنا نجد البرد في الصيف والكرب في الشتاء ، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا : ما هؤلاء بشر ، ما هؤلاء إلا جن . ثم عادوا إلى ملكهم فأخبروه بما رأوا ، فقالوا : لا طاقة لنا بقتال هؤلاء . ثم ذهب صاحب ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى ، فجاءوا فحاصروهم بترمذ ، وجاء الخزاعي فحاصرهم أيضا ، فجعل يقاتل الخزاعي أول النهار ، ويقاتل آخره العجم ، ثم إن موسى بيتهم ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وأفزع ذلك عمر الخزاعي فصالحه ، وكان معه ، فدخل يوما عليه وليس عنده أحد ، وليس يرى معه سلاحا ، فقال على وجه النصح : أصلح الله الأمير ، إن مثلك لا ينبغي أن يكون بلا سلاح . فقال : إن عندي سلاحا . ثم رفع صدر فراشه فإذا سيفه منتضى ، فأخذه عمر ، فضربه به حتى برد ، وخرج هاربا ، ثم تفرق أصحاب موسى بن عبد الله بن خازم .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان عن إمرة الديار المصرية ، وحسن له ذلك روح بن زنباع الجذامي ، فبينما هما في ذلك إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب في الليل ، وكان لا يحجب عنه أي ساعة جاء من ليل أو نهار ، فعزاه في أخيه عبد العزيز ، فندم على ما كان منه من العزم على عزله ، وإنما حمله على إرادة عزله أنه أراد أن يعهد بالأمر من بعده لأولاده ; الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام ، وذلك عن رأي الحجاج وترتيبه ذلك لعبد الملك ، وكان أبوه مروان [ ص: 363 ] عهد بالأمر إلى عبد الملك ، ثم من بعده إلى عبد العزيز ، فأراد عبد الملك أن ينحيه عن الإمرة من بعده بالكلية ، ويجعل الأمر في أولاده وعقبه ، وأن تكون الخلافة باقية فيهم ، والله أعلم====عبد العزيز بن مروان ، رحمه الله تعالى
هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، أبو الأصبغ ، القرشي الأموي ، ولد بالمدينة ، ثم دخل الشام مع أبيه مروان ، وكان ولي عهده من بعد أخيه عبد الملك ، وولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس وستين ، فكان واليا عليها إلى هذه السنة ، وشهد قتل عمرو بن سعيد بن العاص ، كما قدمنا ، وكانت له دار بدمشق ، وهي الدار التي للصوفية اليوم ، المعروفة بالخانقاه السميساطية ، ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاه للصوفية .
وقد روى عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه ، وعبد الله بن الزبير ، وعقبة بن عامر ، وأبي هريرة . وحديثه عنه في " مسند أحمد " ، و " سنن أبي داود " ، أن [ ص: 364 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع . وعنه ابنه عمر ، والزهري ، وعلي بن رباح ، وجماعة .
قال محمد بن سعد : كان ثقة قليل الحديث ، وقال غيره : كان يلحن في الحديث وفي كلامه ، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها ، فكان من أفصح الناس ، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو ختنه - وهو زوج ابنته - فقال له عبد العزيز من ختنك ؟ فقال الرجل : ختنني الخاتن الذي يختن الناس . فقال لكاتبه : ويحك ، بماذا أجابني ؟ فقال الكاتب : يا أمير المؤمنين ، كان ينبغي أن تقول من ختنك ؟ فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية ، فمكث جمعة واحدة فتعلمها ، فخرج وهو من أفصح الناس ، وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه ، وينقص عطاء من يلحن فيه ; فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية ، قال عبد العزيز يوما لرجل : ممن أنت ؟ قال من بنو عبد الدار . فقال : تجدها في جائزتك ، فنقصه مائة دينار .
وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا مجاهد بن موسى ، ثنا إسحاق بن [ ص: 365 ] يوسف ، أنبأنا سفيان ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، قال : كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر : ارفع إلي حاجتك ، فكتب إليه ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول . ولست أسألك شيئا ، ولا أرد رزقا رزقنيه الله عز وجل منك .
وقال ابن وهب : حدثنا يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، قال : بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر . قال : فجئته ، فدفعت إليه الكتاب . فقال : أين المال ؟ فقلت : لا أستطيعه الليلة حتى أصبح . قال : لا والله ، لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار . قال : فدفع إلي الكتاب حتى جئته بها ، ففرقها رضي الله عنه .
ومن كلامه رحمه الله : عجبا لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه ، كيف يحبس مالا عن عظيم أجر وحسن سماع . ولما حضرته الوفاة أحضر له مال يخصه ، وإذا هو ثلاثمائة مدي من ذهب ، فقال : والله لوددت أنه بعر حائل بنجد . وقال : والله لوددت أني لم أكن شيئا مذكورا ، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري ، أو نباتة بأرض الحجاز . [ ص: 366 ] وقال : ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه . فجعل يقول : أف لك ما أقصر طويلك ، وأقل كثيرك !
قال يعقوب بن سفيان ، عن ابن بكير ، عن الليث : كانت وفاته ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين . قال ابن عساكر : وهذا وهم من يعقوب ، والصواب سنة خمس وثمانين ; فإنه مات قبل عبد الملك أخيه ، ومات عبد الملك سنة ست وثمانين .
وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء ، كريما جوادا ممدحا ، وهو والد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه ، وزاد عليه بأمور كثيرة ، وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر : عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل ، فحزن عليه حزنا كثيرا ، ومرض بعده ومات - وسهيل ، وكان له عدة بنات : أم محمد ، وأم عثمان ، وأم الحكم ، وأم البنين ، وهن من أمهات شتى ، وله من الأولاد غير هؤلاء ، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر ، وحمل إلى مصر في النيل ، ودفن بها ، وقد ترك عبد العزيز بن مروان من الأموال والأثاث والدواب ; من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف ، من جملة ذلك : ثلاثمائة مد ذهب غير الورق ، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة ; فإنه كان من أعطى الناس للجزيل ، [ ص: 367 ] رحمه الله تعالى .
وقد ذكر ابن جرير أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز ، وهو بالديار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد ، أو يكون ولي العهد من بعده ، فإنه أعز الخلق علي ، فكتب إليه عبد العزيز يقول : إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد . فكتب إليه عبد الملك يأمره بحمل خراج مصر ، وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئا من الخراج ولا غيره ، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز ; مغانمها وخراجها وحملها ، فكتب عبد العزيز إلى أخيه عبد الملك : إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا ، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولا ; فإن رأيت أن لا تغثث علي بقية عمري فافعل . فرق له عبد الملك ، وقال : لعمري لا أغثث عليك بقية عمرك .
وقال عبد الملك لابنه الوليد : إن يرد الله أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك . وقال لابنيه الوليد وسليمان : هل قارفتما [ ص: 368 ] محرما أو حراما قط ؟ قالا : لا والله . فقال : الله أكبر ، نلتماها ورب الكعبة .
ويقال : إن عبد الملك لما امتنع أخوه عبد العزيز من إجابته إلى ما طلب منه من بيعته لولده الوليد دعا عليه ، وقال : اللهم إنه قطعني فاقطعه . فمات في هذه السنة كما ذكرنا ، فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلا حزن وبكى ، وبكى أهله بكاء كثيرا على عبد العزيز ، ولكن سره ذلك من جهة ابنيه الوليد وسليمان ; فإنه نال فيهما ما كان يؤمله لهما من ولايته إياهما العهد من بعده .
وقد كان الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له ولاية الوليد من بعده ، وأوفد إليه وفدا في ذلك ، عليهم عمران بن عصام العنزي ، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيبا فتكلم ، وتكلم الوفد في ذلك ، وحثوا عبد الملك على ذلك ، وأنشد عمران بن عصام في ذلك :
[ ص: 369 ] أمير المؤمنين إليك نهدي على النأي التحية والسلاما أجبني في بنيك يكن جوابي لهم عادية ولنا قواما فلو أن الوليد أطاع فيه جعلت له الخلافة والذماما شبيهك حول قبته قريش به يستمطر الناس الغماما ومثلك في التقى لم يصب يوما لدن خلع القلائد والتماما فإن تؤثر أخاك بها فإنا وجدك لا نطيق لها اتهاما ولكنا نحاذر من بنيه بني العلات مأثرة سماما ونخشى إن جعلت الملك فيهم سحابا أن تعود لهم جهاما فلا يك ما حلبت غدا لقوم وبعد غد بنوك هم العياما فأقسم لو تخطأني عصام بذلك ما عذرت به عصاما ولو أني حبوت أخا بفضل أريد به المقالة والمقاما لعقب في بني على بنيه كذلك أو لرمت له مراما فمن يك في أقاربه صدوع فصدع الملك أبطؤه التئاما[ ص: 370 ] فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله عن الخلافة للوليد ، فأبى عليه ، وقدر الله سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد ، فتمكن حينئذ مما أراد من بيعة الوليد وسليمان ، والله سبحانه وتعالى أعلم =======ذكر بيعة عبد الملك لولده الوليد ، ثم من بعده لأخيه سليمان بن عبد الملك
وكان ذلك في هذه السنة بعد موت عبد العزيز بن مروان ، بويع له بدمشق ، ثم في سائر الأقاليم ، ثم لسليمان من بعده ، ثم لما انتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع في حياة عبد الملك لأحد ، فأمر به هشام بن إسماعيل نائب المدينة ، فضرب ستين سوطا ، وألبسه ثيابا من شعر ، وأركبه جملا ، وطاف به في المدينة ، ثم أمر به ، فذهبوا به إلى ثنية ذباب - وهي الثنية التي كانوا يصلبون عندها ، ويقتلون - فلما وصلوا إليها ردوه إلى المدينة فأودعوه السجن ، فقال لهم : والله لو أعلم أنكم لا تقتلونني لم ألبس هذا التبان .
[ ص: 371 ] ثم كتب هشام بن إسماعيل المخزومي إلى عبد الملك يعلمه بمخالفة سعيد في ذلك ، فكتب إليه يعنفه في ذلك ، ويأمره بإخراجه ، ويقول له : إن سعيدا كان أحق منك بصلة الرحم مما فعلت به ، وإنا لنعلم أن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف .
ويروى أنه قال له : ما ينبغي إلا أن يبايع ، فإن لم يبايع ضربت عنقه ، أو خليت سبيله .
وذكر الواقدي أن سعيدا رحمه الله لما جاءت بيعة عبد الله بن الزبير إلى المدينة امتنع من البيعة ، فضربه نائبها في ذلك الوقت - وهو جابر بن الأسود بن عوف - ستين سوطا أيضا ، وسجنه ، فالله أعلم .
قال أبو مخنف ، وأبو معشر ، والواقدي : وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي نائب المدينة ، وكان على العراق والمشرق بكماله الحجاج .
قال شيخنا الحافظ الذهبي : وتوفي في هذه السنة
أبان بن عثمان بن عفان
[ ص: 372 ] أمير المدينة ، كان من فقهاء المدينة العشرة . قاله يحيى بن القطان ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة ، وكان به صمم ، ووضح كثير ، وأصابه الفالج قبل أن يموت .
وعبد الله بن عامر بن ربيعة
وعمرو بن حريث
وعمرو بن سلمة
وواثلة بن الأسقع
قال الواقدي ، ويحيى بن معين : كان يسكن الصفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الواقدي : أسلم واثلة والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى تبوك في آخر الأمر .
قال واثلة : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أنتم بعدي إذا شبعتم من [ ص: 373 ] خبز البر والزيت ، فأكلتم ألوان الطعام ، ولبستم أنواع الثياب ، فأنتم اليوم خير أم ذلك اليوم ؟ قال : قلنا : ذلك اليوم . قال : بل أنتم اليوم خير .
قال واثلة : فما ذهبت عنا الأيام حتى أكلنا ألوان الطعام ، ولبسنا أنواع الثياب ، وركبنا المراكب .
شهد واثلة تبوك ، ثم شهد فتح دمشق ونزلها ، ومسجده بها عند حبس باب الصغير من القبلة . وهو آخر من توفي بدمشق من الصحابة ، قاله سعيد بن بشير . وقد قال البخاري وغيره : إنه توفي سنة ثلاث وثمانين . والله أعلم .
خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية
كان أعلم قريش بفنون العلم ، وله يد طولى في الطب ، وكلام كثير في الكيمياء وكان قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانس ، وكان خالد فصيحا بليغا شاعرا مطبقا كأبيه ، دخل يوما على عبد الملك بن مروان بحضرة الحكم بن أبي العاص ، فشكا إليه أن ابنه الوليد يحتقر أخاه عبد الله بن يزيد ، فقال عبد الملك : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ( النمل : 34 ) فقال له خالد : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ( الإسراء : 16 ) . فقال عبد الملك : والله لقد [ ص: 374 ] دخل علي أخوك عبد الله ، فإذا هو لا يقيم اللحن . فقال خالد : والوليد لا يقيم اللحن . فقال عبد الملك : إن أخاه سليمان لا يلحن . فقال خالد : وأنا أخو عبد الله لا ألحن . فقال الوليد - وكان حاضرا - لخالد بن يزيد : اسكت ، فوالله ما تعد في العير ولا في النفير . فقال خالد : اسمع يا أمير المؤمنين . ثم أقبل خالد على الوليد فقال : ويحك ، وما هو العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير ، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير ، ولكن لو قلت : غنيمات وحبيلات والطائف ، ورحم الله عثمان . لقلنا : صدقت . - يعني أن الحكم كان منفيا بالطائف يرعى غنما ، ويأوي إلى حبلة الكرم ، حتى آواه عثمان بن عفان حين ولي ، فسكت الوليد وأبوه ، ولم يحيرا جوابا . والله سبحانه وتعالى أعلم =====ثم دخلت سنة ست وثمانين
ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان ، بلادا كثيرة من أرض الترك ، وغيرهم من الكفار ، وسبى وغنم وسلم وتسلم قلاعا وحصونا وممالك ، ثم قفل فسبق الجيش فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له : إذا كنت قاصدا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش ، وإذا قفلت راجعا فكن في ساقة الجيش ، يعني لتكون ردءا لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد ، وهذا رأي حسن ، وعليه جاءت السنة .
وكان في جملة السبي امرأة برمك - والد خالد بن برمك - فأعطاها قتيبة أخاه عبد الله بن مسلم ، فوطئها ، فحملت منه ، ثم إن قتيبة من على السبي ، وردت تلك المرأة على زوجها برمك ، وهي حبلى من عبد الله بن مسلم ، وكان ولدها عندهم حتى أسلموا ، فقدموا به معهم أيام بني العباس ، كما سيأتي .
ولما رجع قتيبة إلى خراسان تلقاه دهاقين بلغار وصاغان بهدايا عظيمة ، ومفتاح من ذهب بلغار .
وفيها كان طاعون بالشام والبصرة وواسط ، ويسمى طاعون الفتيات ; لأنه [ ص: 376 ] أول ما بدأ بالنساء فسمي بذلك .
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم ، فقتل وسبى وغنم وسلم ، وافتتح حصن بولق ، وحصن الأخرم من أرض الروم .
وفيها عقد عبد الملك لابنه عبد الله على مصر ، وذلك بعد موت أخيه عبد العزيز ، فدخلها في جمادى الآخرة ، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة .
وفيها هلك ملك الروم الأخرم بورى ، لا رحمه الله .
وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب . وحج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي======وفي هذه السنة توفي أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي ، وعبد الله بن أبي أوفى .
وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي
في قول شهد فتح مصر وسكنها ، وهو آخر من مات من الصحابة بمصر ، وله أحاديث .
وفيها ، في النصف من شوالها ، توفي أمير المؤمنين ======= عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ، أبو الوليد الأموي أمير المؤمنين ، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية .
سمع عثمان بن عفان ، وشهد الدار مع أبيه ، وله عشر سنين ، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين ، وكان أميرا على أهل المدينة وله ست عشرة سنة ، ولاه إياها معاوية ، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء .
وروى الحديث عن أبيه ، وجابر ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، ومعاوية ، وأم سلمة ، وبريرة مولاة عائشة .
وروى عنه جماعة منهم : خالد بن معدان ، وعروة ، والزهري ، وعمرو بن الحارث ، ورجاء بن حيوة ، وجرير بن عثمان .
ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم ، فكان يكنى بأبي القاسم ، فلما بلغه النهي عن التكني بأبي القاسم ، غير اسمه ; فسماه عبد الملك .
[ ص: 378 ] قال ابن أبي خيثمة ، عن مصعب بن الزبير وكان أول من سمي في الإسلام بعبد الملك .
قال ابن أبي خيثمة : وأول من سمي في الإسلام بأحمد ، والد الخليل بن أحمد العروضي .
وبويع له بالخلافة في سنة خمس وستين في حياة أبيه ، في خلافة ابن الزبير ، وبقي على الشام ومصر مدة سبع سنين ، وابن الزبير على باقي البلاد ثم ، استقل بالخلافة على سائر البلاد والأقاليم ، بعد مقتل ابن الزبير ، وذلك في سنة ثلاث وسبعين إلى هذه السنة ، كما ذكرنا ذلك .
وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين ، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء ، الملازمين للمسجد ، التالين للقرآن ، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر .
وكانت أسنانه مشبكة بالذهب ، وكان أفوه مفتوح الفم ، فربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب ; ولهذا كان يقال له : أبو الذبان ، وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن ، مقرون الحاجبين ، أشهل كبير العينين ، دقيق الأنف ، مشرق الوجه ، أبيض الرأس واللحية ، حسن الوجه ، لم يخضب ، [ ص: 379 ] ويقال : إنه خضب بعد ذلك .
وقد قال نافع : لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرا ، ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان .
وقال الأعمش عن أبي الزناد : كان فقهاء المدينة أربعة : سعيد بن المسيب ، وعروة ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الملك بن مروان ; قبل أن يدخل في الإمارة .
وعن ابن عمر أنه قال : ولد الناس أبناء ، وولد مروان أبا - يعني عبد الملك - ورآه يوما وقد ذكر اختلاف الناس ، فقال : لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه . وقال عبد الملك : كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر ، فكانت تقول : يا عبد الملك إن فيك خصالا ، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة ، فاحذر الدماء ; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرجل ليدفع عن باب الجنة أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق .
[ ص: 380 ] وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة .
وقال سعيد بن داود الزنبري ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد قال : كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه ، فقال سعيد بن المسيب : ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم ، إنما العبادة التفكر في أمر الله ، والورع عن محارم الله .
وقال الشعبي : ما جالست أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان ; فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه ، ولا شعرا إلا زادني فيه .
وذكر خليفة بن خياط ، أن معاوية كتب إلى مروان ، وهو نائبه على المدينة سنة خمسين : أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن خديج . فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئا كثيرا ، ولم يزل عبد الملك مقيما بالمدينة حتى كانت وقعة الحرة ، واستولى ابن [ ص: 381 ] الزبير على بلاد الحجاز ، وأجلى بني أمية من هنالك ، فقدم مع أبيه الشام ، ثم لما صارت الإمارة مع أبيه وبايعه أهل الشام كما تقدم ، أقام في الإمارة تسعة أشهر ، ثم عهد إليه بالإمارة من بعده ، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين ، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة .
وقال ثعلب عن ابن الأعرابي : لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف ، فأطبقه ، وقال : هذا فراق بيني وبينك .
وقال أبو الطفيل : صنع لعبد الملك مجلس توسع فيه ، وقد كان بني له فيه قبة قبل ذلك فدخله ، وقال : لقد كان ابن حنتمة الأحوزي - يعني عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام .
وقيل : إنه لما وضع المصحف من حجره قال : هذا آخر العهد منك . وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء ، وكان عماله على مذهبه ; منهم الحجاج والمهلب ، وغيرهم ، وكان حازما فهما فطنا ، سائسا لأمور الدنيا ، [ ص: 382 ] لا يكل أمر دنياه إلى غيره ، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد .
وقال سعيد بن عبد العزيز : لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير ، خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي ، فلما التقوا قال : اللهم احجز بين هذين الجبلين ، وول الأمر أحبهما إليك . فظفر عبد الملك ، وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبا ، ودخوله الكوفة ، ووضعه رأس مصعب بين يديه ، وقد كان من أعز الناس عليه ، وأحبهم إليه .
وقال سعيد بن عبد العزيز : لما بويع لعبد الملك بالخلافة ، كتب إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإنك راع ، وكل راع مسئول عن رعيته الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ؟ لا أحد ، والسلام .
وبعث به مع سالم ، فوجدوا عليه ; إذ قدم اسمه على اسم أمير المؤمنين ، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك ، فاحتملوا ذلك منه .
[ ص: 383 ] وقال الواقدي : حدثني ابن أبي سبرة ، عن أبي موسى الحناط ، عن ابن كعب قال : سمعت عبد الملك بن مروان يقول : يا أهل المدينة ، إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لأنتم ، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها ، ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن ، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم ، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله ، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ، ونعم المشير كان للإسلام رحمه الله ، فأحكما ما أحكما وأسقطا ما شذ عنهما .
وقال ابن جريج عن أبيه : حج علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين ، فخطبنا فقال : أما بعد ، فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ، ويؤكلون ، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف ، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - أيها الناس ، إنا نحتمل منكم كل اللغوبة ما لم يكن عقد راية ، أو وثوب على منبر .
هذا عمرو بن سعيد ، حقه حقه ، وقرابته قرابته ، قال برأسه هكذا ، فقلنا [ ص: 384 ] بسيفنا هكذا ، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي ، وقد أعطيت الله عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء ، فليبلغ الشاهد الغائب .
وقال الأصمعي : ثنا عباد بن سلم بن عثمان بن زياد ، عن أبيه عن جده ، قال : ركب عبد الملك بن مروان بكرا ، فأنشأ قائده يقول :

يا أيها البكر الذي أراكا عليك سهل الأرض في ممشاكا ويحك هل تعلم من علاكا خليفة الله الذي امتطاكا لم يحب بكرا مثل ما حباكا فلما سمعه عبد الملك قال : إيها يا هناه ، قد أمرت لك بعشرة آلاف .
وقال الأصمعي : خطب عبد الملك فحصر فقال : إن اللسان بضعة من الإنسان ، وإنا نسكت حصرا ، ولا ننطق هذرا ، ونحن أمراء الكلام ، فينا رسخت عروقه ، وعلينا تدلت أغصانه ، وبعد مقامنا هذا مقام ، وبعد عينا هذا مقال ، وبعد يومنا هذا أيام ، يعرف فيها فصل الخطاب ، وموضع الصواب .
قال الأصمعي : قيل لعبد الملك : أسرع إليك الشيب . فقال : وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين !
[ ص: 385 ] وقال غيره : قيل لعبد الملك : أسرع إليك الشيب . فقال : شيبني كثرة ارتقاء المنبر ، ومخافة اللحن . ولحن رجل عند عبد الملك ، فقال له آخر : زد ألف . فقال له عبد الملك : وأنت فزد ألفا .
وقال الزهري : سمعت عبد الملك يقول في خطبته : إن العلم سيقبض قبضا سريعا ، فمن كان عنده علم فليظهره ، غير غال فيه ولا جاف عنه .
وروى ابن أبي الدنيا ، أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة : سبحوا بنا حتى نأتي تلك الشجرة ، وكبروا بنا حتى نأتي تلك الحجر ، ونحو ذلك .
وروى البيهقي أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة ، فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه منها ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنه كان عليه اسم الله عز وجل .
وقال غير واحد : كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس ، يقوم السيافون على رأسه بالسيوف ، فينشد - وقال بعضهم : يأمر من ينشد [ ص: 386 ] فيقول :

إنا إذا نالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل واصطرع الناس بألبابهم نقضي بحكم عادل فاصل لا نجعل الباطل حقا ولا نلط دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا فنخمل الدهر مع الخامل وقال الأعمش : أخبرني محمد بن الزبير ، أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ، ويقول في كتابه : لو أن رجلا خدم عيسى ليلة واحدة ، أو خدمه فعرفته النصارى لنزل عندهم ، ولعرفوا له ذلك ، ولو أن رجلا خدم موسى أو رآه فعرفته اليهود فذكر نحوه ، وإني خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل . قال : فأخبرني من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي ، وبلغ به الغضب ما شاء الله ، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ ، فجاء إلى الحجاج ، فقرأه فتغير وجهه ، ثم قال إلى [ ص: 387 ] حامل الكتاب : انطلق بنا إليه نترضاه .
وقال أبو بكر بن دريد : كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث : إنك أعز ما تكون بالله أحوج ما تكون إليه ، وإذا عززت بالله فاعف له ، فإنك به تعز وإليه ترجع .
قال بعضهم : سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به ، فأمر من عنده بالانصراف ، فلما تهيأ الرجل ليتكلم ، قال له عبد الملك : إياك أن تمدحني ; فإني أعلم بنفسي منك ، أو تكذبني ; فإنه لا رأي لكذوب ، أو تسعى إلي بأحد ، وإن شئت أقلتك . فقال الرجل : أقلني . فأقاله .
وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق : اعفني من أربع ، وقل ما شئت ; لا تطرني ، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه ، ولا تكذبني ، ولا تحملني على الرعية ; فإنهم إلى رأفتي ومعدلتي أحوج .
وقال الأصمعي ، عن أبيه ، قال : أتي عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه ، فقال : اضربوا عنقه . فقال : يا أمير المؤمنين ، ما كان هذا جزائي [ ص: 388 ] منك! فقال : وما جزاؤك؟ فقال : والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك ، وذلك أني رجل مشئوم ، ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم ، وقد بان لك صحة ما ادعيت ، وكنت عليك خيرا من مائة ألف معك . فضحك وخلى سبيله .
وقيل لعبد الملك : أي الرجال أفضل؟ قال : من تواضع عن رفعة ، وزهد عن قدرة ، وترك النصرة عن قوة .
وقال أيضا : لا طمأنينة قبل الخبرة ، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم .
وقال : خير المال ما أفاد حمدا ودفع ذما ، ولا يقولن أحدكم : ابدأ بمن تعول ، فإن الخلق كلهم عيال الله . وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث .
وقال المدائني : قال عبد الملك لمؤدب أولاده - وهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - : علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن ، وجنبهم السفلة ; فإنهم [ ص: 389 ] أسوأ الناس رعة ، وأقلهم أدبا ، وجنبهم الحشم ; فإنهم لهم مفسدة ، وأحف شعورهم ، تغلظ رقابهم ، وأطعمهم اللحم يقووا ، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا ، ومرهم أن يستاكوا عرضا ، ويمصوا الماء مصا ، ولا يعبوا عبا ، وإذا احتجت أن تتناولهم بأدب ; فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الغاشية ، فيهونوا عليهم .
وقال الهيثم بن عدي : أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنا خاصا ، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس ، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة ، وخرج فلم يدر أين ذهب ، وإذا فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم ، يا أيها الإنسان إن الله قد جعلك بينه وبين عباده ; فاحكم بينهم بالحق ، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ( ص : 26 ) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ( المطففين : 4 - 6 ) . ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود ( هود : 103 ، 104 ) إن الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك ، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ( النمل : 52 ) [ ص: 390 ] وإني أحذرك يوم ينادي المنادي احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ( الصافات : 22 ) ، أن لعنة الله على الظالمين ( الأعراف : 44 ) قال : فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ، ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما .
وكتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتابا ، وفي آخره : ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك من صحتك ، فأنت أعلم بنفسك ، واذكر ما تكلم به الأولون :

إذا الرجال ولدت أولادها وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها تلك زروع قد دنا حصادها فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بل طرف ثوبه ، ثم قال : صدق زر ، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق .
وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب ، فقال : إيها عن ذكر عمر ؛ فإنه إزراء على الولاة ، مفسدة للرعية .
وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه ، عن جده ، قال : كان [ ص: 391 ] عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق ، فقالت له : بلغني أنك شربت الطلاء بعد العبادة والنسك . فقال : إي والله ، والدماء أيضا قد شربتها ، ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة ، فقال : ما حبسك ، لعنك الله ؟ فقالت أم الدرداء : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإني سمعت أبا الدرداء يقول : سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول : لا يدخل الجنة لعان .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : ثنا الحسين بن عبد الرحمن ، قال : قيل لسعيد بن المسيب : إن عبد الملك بن مروان قال : قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها ، ولا أحزن على السيئة أرتكبها . فقال سعيد : الآن تكامل موت قلبه .
وقال الأصمعي عن أبيه قال : خطب عبد الملك يوما خطبة بليغة ، ثم قطعها وبكى بكاء شديدا ، ثم قال : يا رب إن ذنوبي عظيمة ، وإن قليل عفوك أعظم منها ، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي . قال : فبلغ ذلك الحسن فبكى ، وقال : لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام . وقد روي عن غير واحد نحو ذلك .
وقال أبو مسهر الدمشقي : وضع سماط عبد الملك يوما بين يديه [ ص: 392 ] فقال لحاجبه : ائذن لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد . فقال : مات يا أمير المؤمنين . قال : فأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد . قال : مات . قال : فلخالد بن يزيد بن معاوية . قال : مات . قال : فلفلان وفلان لأقوام قد ماتوا - وهو يعلم ذلك - فبكى ، وأمر برفع السماط ، وأنشأ يقول :

ذهبت لداتي وانقضت أيامهم وغيرت بعدهم ولست بخالد وقيل : إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى ، فقال له عبد الملك : ما هذا ؟ أتحن حنين الجارية والأمة ؟ إذا أنا مت فشمر واتزر والبس جلد النمر ، وضع الأمور عند أقرانها ، واحذر قريشا ، ثم قال له : يا وليد ، اتق الله فيما أستخلفك فيه ، واحفظ وصيتي ، وانظر إلى أخي معاوية فصل رحمه ، واحفظني فيه ، وانظر إلى أخي محمد فأقره على الجزيرة ، ولا تعزله عنها ، وانظر ابن عمنا علي بن عبد الله بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودته ونصيحته ، وله نسب وحق ، فصل رحمه واعرف حقه ، وانظر الحجاج بن يوسف فأكرمه ; فإنه هو الذي مهد لكم البلاد ، وقهر الأعداء ، وأخلص لكم الملك ، وشتت الخوارج ، وأنهاك وإخوتك عن الفرقة ، وكونوا أولاد أم واحدة ، وكونوا في [ ص: 393 ] الحرب أحرارا ، وللمعروف منارا ; فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها ، وإن المعروف يشيد ذكر صاحبه ، ويميل القلوب بالمحبة ، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل ، ولله در القائل :

إن الأمور إذا اجتمعن فرامها بالكسر ذو حنق وبطش باليد عزت فلم تكسر وإن هي بددت فالكسر والتوهين للمتبدد ثم قال : إذا أنا مت فادع الناس إلى بيعتك ، فمن أبى فالسيف ، وعليك بالإحسان إلى إخوانك فأكرمهن ، وأحبهن إلي فاطمة - وكان قد أعطاها قرطي مارية والدرة اليتيمة - ثم قال : اللهم احفظني فيها ، فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها .
ولما احتضر سمع غسالا يغسل الثياب ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : غسال . فقال : يا ليتني كنت غسالا ، أكسب ما أعيش به يوما بيوم ، ولم أل الخلافة ، ثم تمثل فقال :
[ ص: 394 ] لعمري لقد عمرت في الملك برهة ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت جم المال والحكم والنهى ودان قماقيم الملوك الجبابر فأضحى الذي قد كان مما يسرني كحلم مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة ولم أسع في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة من العيش حتى زار ضيق المقابر وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبي سفيان عند موته .
وقال أبو مسهر : قيل لعبد الملك في مرض موته : كيف تجدك ؟ فقال : أجدني كما قال الله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم الآية .
وقال سعيد بن عبد العزيز : لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من [ ص: 395 ] قصره ، فسمع قصارا ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : قصار . فقال : يا ليتني كنت قصارا . فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله ، قال : الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم .
وقال غيره : لما حضره الموت جعل يندم ويضرب بيده على رأسه ، ويقول : وددت أني أكسب قوتي يوما بيوم ، واشتغلت بطاعة الله .
وقال غيره : لما حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ، ثم قال : الحمد لله الذي لا ينسى أحدا من خلقه صغيرا أو كبيرا ، ثم ينشد :

فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت يا للناس عار ويروى أنه قال : ارفعوني ، فرفعوه حتى شم الهواء ، وقال : يا دنيا ، ما أطيبك ! إن طويلك لقصير ، وإن كثيرك لحقير ، وإن كنا بك لفي غرور . ثم تمثل بهذين البيتين ، ويروى أن معاوية قالهما في هذه الحال :
[ ص: 396 ] إن تناقش يكن نقاشك يا رب عذابا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت رب صفوح عن مسيء ذنوبه كالتراب قالوا : وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة . وقيل : يوم الأربعاء . وقيل : الخميس في النصف من شوال . وقيل : لخمس مضين منه سنة ست وثمانين ، وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده من بعده ، وكان عمره يوم مات ستين سنة ، قاله : أبو معشر ، وصححه الواقدي . وقيل : ثلاثا وستين سنة ، قاله المدائني . وقيل : ثمان وخمسين . ودفن بباب الجابية الصغير .
قال ابن جرير : ذكر أولاده وأزواجه : منهم الوليد ، وسليمان ، ومروان الأكبر - درج - وعائشة ، وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض .
ويزيد ، ومروان الأصغر ، ومعاوية - درج - وأم كلثوم ، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان . وهشام ، وأمه أم هشام عائشة - فيما قاله [ ص: 397 ] المدائني - بنت هشام بن إسماعيل المخزومي . وأبو بكر ، واسمه بكار ، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي ، والحكم - درج - وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي ، وفاطمة ، وأمها المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي . وعبد الله ، ومسلمة ، والمنذر ، وعنبسة ، ومحمد ، وسعد الخير ، والحجاج لأمهات أولاد شتى .
فكان جملة أولاده تسعة عشر ; ذكورا وإناثا ، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة منها تسع سنين مشاركالابن الزبير ، وثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصف مستقلا بالخلافة وحده .
وكان قاضيه أبو إدريس الخولاني ، وكاتبه روح بن زنباع ، وحاجبه يوسف مولاه ، وصاحب بيت المال والخاتم قبيصة بن ذؤيب ، وعلى شرطته أبو الزعيزعة ، وقد ذكرنا عماله فيما مضى .
قال المدائني : وكان له زوجات أخر شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي ، وابنة لعلي بن أبي طالب ، وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر====وممن يذكر أنه توفي في هذه السنة تقريبا
أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك بن شداد بن ضمرة بن [ ص: 398 ] عقفان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، أبو الوليد المري
ويعرف بابن سهية ، وهي أمه بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن خديج بن أبي جشم بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف ، سبية من كلب ، وكانت عند ضرار بن الأزور ، ثم صارت إلى زفر - وهي حامل - فأتت بأرطاة على فراشه ، وقد عمر أرطاة دهرا طويلا حتى جاوز المائة بثلاثين سنة ، وقد كان سيدا شريفا مطاعا ممدحا شاعرا مطبقا .
قال المدائني : ويقال : إن بني عقفان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن دعبس ، دخلوا في بني مرة بن نشبة ، فقالوا : بني عقفان بن أبي حارثة بن مرة .
وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زفر هذا على عبد الملك بن مروان ، فأنشده [ ص: 399 ] أبياتا :

رأيت المرء تأكله الليالي كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبقي المنية حين تأتي على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكر حتى توفي نذرها بأبي الوليدقال : فارتاع عبد الملك ، وظن أنه عناه بذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما عنيت نفسي ، فقال عبد الملك : وأنا والله سيمر بي الذي يمر بك . وزاد بعضهم هذه الأبيات :

خلقنا أنفسا وبني نفوس ولسنا بالسلام ولا الحديد لئن فجعت بالقرناء يوما لقد متعت بالأمل البعيد وهو القائل :

وإني لقوام لدى الضيف موهنا إذا أسبل الستر البخيل المواكل دعا فأجابته كلاب كثيرة على ثقة مني بأني فاعل وما دون ضيفي من تلاد تحوزه لي النفس إلا أن تصان الحلائل [ ص: 400 ] يونس بن عطية الحضرمي
قاضي مصر ، وصاحب الشرطة في أيام عبد العزيز بن مروان ، ثم تولى بعده القضاء ابن أخيه أوس بن عبد الله .
مطرف بن عبد الله بن الشخير
كان من كبار التابعين ، وكان من أصحاب عمران بن حصين ، وكان مجاب الدعوة ، وكان يقول : ما أوتي أحد أفضل من العقل ، وعقول الناس على قدر زمانهم ، وقال : إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله : هذا عبدي حقا . وقال : إذا دخلتم على مريض فإن استطعتم أن يدعو لكم ، فإنه قد حرك - أي : قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه - فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقة قلبه ، وقال : إن أقبح ما طلبت به الدنيا عمل الآخرة .
وقال لبعض إخوانه : إذا كانت لك إلي حاجة ، فلا تكلمني فيها ; فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك ، ولكن اكتبها في رقعة وارفعها . وكان يقول : إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعم نعيمهم ، فاطلبوا نعيما لا موت فيه .
وقال : لو علمت متى أجلي ، لخشيت على ذهاب عقلي ، ولكن الله من على عباده بالغفلة عن الموت ، ولولا الغفلة لما تهنوا بعيش ، ولا قامت بينهم الأسواق .
وكان مطرف إذا دخل بيته ، سبحت معه آنية بيته .
وكان يسكن البادية ، ويجيء منها إلى الجمعة مبكرا ، فمر مرة بمقبرة ، فنعس [ ص: 401 ] فنام عند القبور ، فرأى في منامه أهل القبور على أفواه قبورهم ، فقالوا : هذا مطرف يذهب إلى الجمعة . قال : فقلت لهم : وتعرفون الجمعة من غيرها ؟ قالوا : نعم ، ونعرف ما يقول الطير في جو السماء .
قال : فقلت : وما تقول ؟ قالوا : تقول : سلام سلام ليوم صالح .
وكان يقول : يا إخوتاه ، اجتهدوا في الأعمال الصالحة ; فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله ، كان لنا درجات في الجنة ، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف لم نقل : ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل نقول : قد عملنا فلم ينفعنا .
وكان يدعو : اللهم ارض عنا ، فإن لم ترض عنا ، فاعف عنا ، فإن المولى قد يعفو عن العبد ، وهو عنه غير راض .
وكان مطرف قد حفر في داره قبرا ، كان كل يوم ينزل إليه ، فيصلي فيه ، ويقرأ القرآن .
توفي مطرف بالبصرة ، وكان له منزلة عند الخلفاء والملوك والأمراء ، وكان هو من أرشد الناس فيهم ، وكان مجاب الدعوة ; كذب عليه رجل عند بعض الأمراء ، فقال مطرف : يا هذا ، إن كنت كاذبا عجل الله حتفك . فوقع الرجل ميتا مكانه . والله سبحانه أعلم======خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق
لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس ، وقيل : الجمعة . للنصف من شوال من هذه السنة - أعني سنة ست وثمانين - لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر - منبر المسجد الأعظم بدمشق - فخطب الناس ، فكان مما قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين ، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة ، قوموا فبايعوا ، فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول :

الله أعطاك التي لا فوقها وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها إليك حتى قلدوك طوقهاثم بايعه ، وبايعه الناس بعده .
وذكر الواقدي : أنه حمد الله وأثنى بما هو أهله عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنه لا مقدم لما أخر الله ، ولا مؤخر لما قدم الله ، وقد كان من قضاء الله وسابقته ، وما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت ، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقى في هذه الأمة - يعني بالذي يحق لله عليه - من الشدة [ ص: 403 ] على المريب ، واللين لأهل الحق والفضل ، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام ، وإعلائه من حج هذا البيت ، وغزو هذه الثغور ، وشن هذه الغارات على أعداء الله عز وجل ، فلم يكن عاجزا ولا مفرطا ، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة ; فإن الشيطان مع الفرد ، أيها الناس ، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه ، ثم نزل فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة ، فحازها وكان جبارا عنيدا .
وقد ورد في تولية الوليد حديث غريب ، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي بيانه ، وكما تقدم تقريره في كتاب دلائل النبوة ، في باب الإخبار عن الغيوب المستقبلة ، فيما يتعلق بدولة بني أمية .
وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه ، حازما في رأيه ، يقال : إنه لا تعرف له صبوة . ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال : لولا أن الله قص علينا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننت أن ذكرا يأتي ذكرا كما تؤتى النساء . كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته في سنة ست وتسعين ، إن شاء الله تعالى وهو باني جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه ، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة ، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته ، وهي عشر سنين فلما أنهاه انتهت أيام خلافته ، كما سيأتي بيان [ ص: 404 ] ذلك مفصلا ، وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها : كنيسة يوحنا ، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة ، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا ، وبقي الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة ، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة منهم ، وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف ، وقيل : عوضهم عنها كنيسة توما ، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة ، وجعل الجميع مسجدا واحدا ، على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان والديارات والآثار والعمارات ، والله سبحانه وتعالى أعلم .=======ثم دخلت سنة سبع وثمانين
ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة ، وولى عليها ابن عمه وزوج أخته - فاطمة بنت عبد الملك - عمر بن عبد العزيز فدخلها في ثلاثين بعيرا في ربيع الأول منها ، فنزل دار مروان وجاء الناس للسلام عليه - وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة - فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم : عروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وأخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، فدخلوا عليه فجلسوا ، فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون فيه أعوانا على الحق ، إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم ، أو برأي من حضر منكم ، فإن رأيتم أحدا يتعدى ، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة ، فأحرج على من بلغه [ ص: 406 ] ذلك إلا أبلغني ، فخرجوا من عنده يجزونه خيرا ، وافترقوا على ذلك .
وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان ، وكان سيئ الرأي فيه ; لأنه أساء إلى الناس بالمدينة في مدة ولايته عليهم ، وكانت نحوا من أربع سنين ، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب ، وإلى علي بن الحسين وأهل بيته ، فلما أوقف للناس قال هشام : ما أخاف إلا من سعيد وعلي بن الحسين . فقال سعيد بن المسيب لابنه ومواليه : لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل ، فإني تركت ذلك لله وللرحم ، وأما كلامه فلا أكلمه أبدا . وأما علي بن الحسين فإنه مر به وهو موقوف عند دار مروان فلم يتعرض له ، وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض له أحد منهم ، فلما اجتاز به علي بن الحسين وتجاوزه ، ناداه هشام بن إسماعيل فقال : " الله أعلم حيث يجعل رسالاته " .
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا ، وفتح حصونا كثيرة ، وغنم غنائم جمة ، ويقال : إن الذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ، ففتح حصن بولق ، وحصن الأخرم ، وبحيرة الفرسان ، وحصن بولس وقميقم ، وقتل من المستعربة نحوا من ألف ، وسبى ذراريهم ، وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك ، وصالحه ملكهم نيزك على [ ص: 407 ] مال جزيل ، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين .
وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير ، وهي من أعمال بخارى فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك ، فأتوهم في جمع عظيم ، فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق ، فتواقف هو وهم قريبا من شهرين ، وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولا ، ولا يأتيه من جهتهم رسول ، وأبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه ، وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك ، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد ، وكتب بذلك إلى الأمصار .
وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم ، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له : تندر ، فأعطاه أهل بخارى مالا جزيلا على أن يأتي قتيبة فيخذله عنهم ، فجاء إليه فقال له : أخلني ، فأخلاه ، فلم يبق عنده سوى رجل يقال له : ضرار بن حصين ، فقال له تندر : هذا عامل يقدم عليك سريعا بعزل الحجاج ، فلو انصرفت بالناس إلى مرو . فقال قتيبة لمولاه سياه : اضرب عنقه ، فقتله ، ثم قال قتيبة لضرار : لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك ، وإني أعطي الله عهدا إن ظهر هذا الخبر حتى ينقضي حربنا لألحقنك به ، فاملك عليك لسانك ، فإن انتشار هذا يفت في أعضاد الناس ، ثم نهض قتيبة فحرض الناس على الحرب ، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم ، فاقتتل الناس قتالا شديدا ، وأنزل الله على المسلمين الصبر ، فما انتصف النهار [ ص: 408 ] حتى أنزل الله عليهم النصر ، فهزمت الترك هزيمة عظيمة ، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ، ويأسرون ما شاءوا ، واعتصم من بقي منهم بالمدينة ، فأمر قتيبة الفعلة بهدمها ، فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم ، وجعل عليهم رجلا من أهله ، وعنده طائفة من الجيش ، ثم سار راجعا ، فلما كان منهم على خمس مراحل نقضوا العهد ، وقتلوا الأمير ، وجدعوا أنوف من كان معه ، فرجع إليهم وحاصرها شهرا ، وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب ، وهو يريد أن يضرم النار فيها ، فسقط السور ، فقتل من الفعلة أربعين نفسا ، فسألوه الصلح فأبى ، ولم يزل حتى افتتحها ، فقتل المقاتلة ، وسبى الذرية وغنم الأموال .
وكان الذي ألب على المسلمين رجل أعور منهم ، فأسر فقال : أنا أفتدي نفسي بخمسة أثواب صينية ، قيمتها ألف ألف ، فأشار الأمراء على قتيبة بقبول ذلك منه ، فقال قتيبة : لا والله لا أروع بك مسلما مرة ثانية ، وأمر به فضربت عنقه ، وقد غنم المسلمون من بيكند شيئا كثيرا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب ، وكان فيها صنم سبك فخرج منه مائة ألف وخمسون ألف دينار من الذهب ، ووجدوا في خزائن الملك أموالا كثيرة وسلاحا كثيرا وعددا متنوعة ، وجواهر نفيسة ، وأخذوا من السبي شيئا كثيرا ، فكتب قتيبة إلى الحجاج في أن يعطي ذلك للجند ، فأذن له فتمول المسلمون مالا كثيرا جدا ، وصارت لهم [ ص: 409 ] أسلحة وعدد ، وتقووا على الأعداء قوة عظيمة ، ولله الحمد والمنة .
وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة ، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج بن يوسف الثقفي ، ونائبه على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي ، وقاضيه بها عبد الله بن أذينة ، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله البجلي ، وقاضيه بها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري ، ونائبه على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم . ========عتبة بن عبد السلمي
صحابي جليل ، نزل حمص ، يروى أنه شهد بني قريظة ، وعن العرباض أنه كان يقول : هو خير مني ; أسلم قبلي بسنة .
قال الواقدي وغيره : توفي في هذه السنة . وقال غيره : بعد التسعين . والله أعلم .
قال أبو سعيد بن الأعرابي : كان عتبة بن عبد السلمي من أهل الصفة ، وروى بقية عن بجير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن عتبة بن عبد السلمي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى [ ص: 410 ] يوم يموت هرما في مرضاة الله لحقره يوم القيامة . وقال إسماعيل بن عياش ، عن عقيل بن مدرك ، عن لقمان بن عامر ، عن عتبة بن عبد السلمي قال : اشتكيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العري ، فكساني خيشتين ، فلقد رأيتني ألبسهما ، وأنا أكسى أصحابي .
المقدام بن معد يكرب
صحابي جليل ، نزل حمص أيضا ، له أحاديث ، وروى عنه غير واحد من التابعين ، قال محمد بن سعد والفلاس وأبو عبيد : توفي في هذه السنة ، وقال غيرهم : توفي بعد التسعين ، فالله أعلم .
أبو أمامة الباهلي
واسمه صدي بن عجلان ، صحابي جليل ، نزل حمص ، وهو راوي حديث تلقين الميت بعد الدفن . رواه الطبراني في الدعاء ، وقد تقدم له ذكر في الوفيات .
قبيصة بن ذؤيب أبو سفيان الخزاعي المدني
ولد عام الفتح ، وأتي به [ ص: 411 ] النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له . روى عن جماعة كثيرة من الصحابة ، وأصيبت عينه يوم الحرة ، وكان من فقهاء المدينة ، وكانت له منزلة عند عبد الملك ، ويدخل عليه بغير إذن ، وكان يقرأ الكتب إذا وردت من البلاد ، ثم يدخل على عبد الملك فيخبره بما ورد من البلاد فيها ، وكان صاحب سره ، وكان له دار بدمشق بباب البريد ، وتوفي بدمشق .
عروة بن المغيرة بن شعبة
ولي إمرة الكوفة للحجاج ، وكان شريفا لبيبا مطاعا في الناس ، وكان أحول ، توفي بالكوفة .
يحيى بن يعمر
كان قاضي مرو ، وهو أول من نقط المصاحف ، وكان من فضلاء الناس وعلمائهم ، وله أحوال ومعاملات ، وله روايات ، وكان أحد الفصحاء ، أخذ العربية عن أبي الأسود الدؤلي .
شريح بن الحارث بن قيس القاضي
أدرك الجاهلية ، واستقضاه عمر على الكوفة ، فمكث بها قاضيا خمسا وستين سنة ، وكان عالما عادلا كثير الخير ، حسن الأخلاق ، فيه دعابة كثيرة ، وكان كوسجا لا شعر بوجهه وكذلك كان عبد الله بن الزبير ، والأحنف بن قيس ، وقيس بن عبادة .
وقد ترجمناه في " التكميل " بما فيه كفاية ، وقد اختلف في نسبه وسنه [ ص: 412 ] وعام وفاته على أقوال ، ورجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة . والله أعلم .==========ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك ، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانة في جمادى من هذه السنة ، وكان حصنا منيعا اقتتل الناس عنده قتالا عظيما ، ثم حمل المسلمون على النصارى ، فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة ، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين ، فانهزم المسلمون ، ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد ، ومعه ابن محيريز الجمحي ، فقال العباس لابن محيريز : أين قراء القرآن الذين يريدون وجه الله عز وجل؟ فقال : نادهم يأتوك . فنادى : يا أهل القرآن . فتراجع الناس ، فحملوا على النصارى فكسروهم ، ولجأوا إلى الحصن ، فحاصروهم حتى فتحوه .
وذكر ابن جرير أن في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز بالمدينة ، يأمره بهدم المسجد النبوي ، وإضافة حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه ، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ، فمن باعك ملكه فاشتر منه ، وإلا فقومه له قيمة عدل ، ثم اهدم ، وادفع إليهم أثمان بيوتهم ، فإن لك في ذلك سلف صدق; عمر وعثمان .
فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس ، والفقهاء العشرة أهل المدينة ، [ ص: 414 ] وقرأ عليهم كتاب الوليد ، فشق عليهم ذلك وقالوا : هذه حجر قصيرة السقوف ، وسقوفها من جريد النخل ، وحيطانها من اللبن ، وعلى أبوابها المسوح ، وتركها على حالها أولى; لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون ، وإلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فينتفعوا بذلك ويعتبروا به ، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا ، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة ، وهو ما يستر ويكن ، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة ، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها .
فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم ، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر ، وأن يعلي سقوفه ، فلم يجد عمر بدا من هدمها ، ولما شرعوا في الهدم صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم ، وتباكوا مثل يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجاب من له ملك متاخم للمسجد للبيع فاشترى منهم ، وشرع في بنائه ، وشمر عن إزاره ، واجتهد في ذلك ، وجاءته فعول كثيرة من قبل الوليد ، فأدخل فيه الحجرة النبوية ، حجرة عائشة ، فدخل القبر في المسجد ، وكانت حده من الشرق ، وسائر حجر أمهات المؤمنين ، كما أمر الوليد .
وروينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم ، فخشوا أن تكون قدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى تحققوا أنها قدم عمر بن الخطاب [ ص: 415 ] رضي الله عنه . ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد ، كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا ، والله أعلم .
وذكر ابن جرير أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صناعا للبناء ، فبعث إليه بمائة صانع ، وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي نحو خمسين حملا ، ومائة ألف دينار والمشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق . فالله أعلم .
وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يحفر الفوارة بالمدينة ، وأن يجري ماءها ، ففعل ، وأمره أن يحفر الآبار ، وأن يسهل الطرق والثنايا ، وساق إلى الفوارة الماء من ظاهر المدينة ، والفوارة بنيت في ظاهر المسجد ، عند بقعة رآها فأعجبته .
وفيها غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كورمغانون ابن أخت ملك الصين ، ومعه مائتا ألف مقاتل من أهل الصغد وفرغانة وغيرهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا وكان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورا ، فكسرهم قتيبة بن مسلم ، وغنم من أموالهم شيئا كثيرا ، وقتل منهم خلقا وسبى وأسر .
وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز ومعه جماعات من أشراف قريش ، فلما كان بالتنعيم لقيه طائفة من أهل مكة ، فأخبروه عن قلة الماء بمكة لقلة المطر ، [ ص: 416 ] فقال لأصحابه : ألا نستمطر؟ فدعا ودعا الناس ، فما زالوا يدعون حتى سقوا ، ودخلوا مكة ومعهم المطر ، وجاء سيل عظيم حتى خاف أهل مكة من شدة المطر ، ومطرت عرفة ومزدلفة ومنى ، وأخصبت الأرض هذه السنة خصبا عظيما بمكة وما حولها ، وذلك ببركة دعاء عمر بن عبد العزيز ومن كان معه من الصالحين . وكان النواب على البلدان في هذه السنة هم الذين كانوا قبلها .========وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الله بن بسر بن أبي بسر المازني
صحابي كأبيه ، سكن حمص ، وروى عنه جماعة من التابعين . قال الواقدي : توفي في سنة ثمان وثمانين ، عن أربع وتسعين سنة . زاد غيره : وهو آخر من توفي من الصحابة بالشام . وقد جاء في الحديث أنه يعيش قرنا . فعاش مائة سنة .
عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الخزاعي ثم الأسلمي
صحابي جليل ، وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة ، وكانت وفاته فيما قاله البخاري سنة تسع أو ثمان وثمانين . وقال الواقدي وغير [ ص: 417 ] واحد : سنة ست وثمانين ، وقد جاوز المائة ، وقيل : قاربها . رضي الله عنه .
وفيها توفي هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد المخزومي المدني
وكان حما عبد الملك بن مروان ونائبه على المدينة ، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب كما تقدم ، ثم قدم دمشق فمات بها ، وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق ، فمات بها في السبع .
حكيم بن عمير العنسي الشامي

له رواية ، ولم يكن أحد في الشام يستطيع أن يعيب الحجاج علانية إلا هو وابن محيريز أبو الأحوص ، قتل في غزوة طوانة من بلاد الروم في هذه السنة ======