اب إخباره ، عليه الصلاة والسلام ، عن الغيوب المستقبلة) إخباره صلى الله عليه وسلم عن خروج الخوارج
) إخباره صلى الله عليه وسلم بمنزلة الحسن بن علي وسيادته
)إخباره صلى الله عليه وسلم عن غزوة الهند ) خبر عبد الله بن سلام )خباره صلى الله عليه وسلم عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه ) إخباره عليه الصلاة والسلام بما وقع من الفتن بعد معاوية ) إخباره صلى الله عليه وسلم عن وقعة الحرة = إخباره صلى الله عليه وسلم عن الحجاج فتى ثقيف == مدح النبي وهب بن منبه وذمه لغيلان == ذكر الإخبار بانخرام قرنه صلى الله عليه وسلم بعد مائة سنة
=ذكر الإخبار عن خلفاء بني أمية جملة من جملة ، والإشارة إلى مدة دولتهم=ذكر الإخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش ==حديث آخر فيه إشارة إلى مالك بن أنس الإمام ، رحمه الله
فمن ذلك ما ثبت في " الصحيحين " من حديث إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه قد كان في الأمم محدثون ، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب "
وقد قال يعقوب بن سفيان : ثنا عبيد الله بن موسى ، أنا أبو إسرائيل ، كوفي ، عن الوليد بن العيزار ، عن عمرو بن ميمون ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : ما كنا ننكر ونحن متوافرون - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - أن السكينة تنطق على لسان عمر . قال البيهقي : تابعه زر بن حبيش والشعبي عن علي .
قال يعقوب بن سفيان : ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك ، وقد ذكرنا في " سيرة عمر بن الخطاب " ، رضي الله عنه ، أشياء كثيرة ، من مكاشفاته وما كان يخبر به من المغيبات ، كقصة سارية بن زنيم ، [ ص: 162 ] وما شاكلها ولله الحمد والمنة .
ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده ، فقلن يوما : يا رسول الله ، أينا أسرع بك لحوقا؟ فقال : " أطولكن يدا " . وكانت سودة أطولنا ذراعا ، فكانت أسرعنا به لحوقا . هكذا وقع في " الصحيح " عند البخاري أنها سودة ، وقد رواه يونس بن بكير ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، فذكر الحديث مرسلا ، وقال : فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة . والذي رواه مسلم ، عن محمود بن غيلان ، عن الفضل بن موسى ، عن طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، فذكرت الحديث ، وفيه : فكانت زينب أطولنا يدا; لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق . وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاة . قال الواقدي : توفيت سنة عشرين ، وصلى عليها عمر بن الخطاب . قلت : وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا . قاله ابن أبي خيثمة .
ومن ذلك ما رواه مسلم من حديث أسير بن جابر ، عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني ، وإخباره ، عليه الصلاة والسلام ، عنه بأنه خير التابعين [ ص: 163 ] وأنه كان به برص ، فدعا الله فأذهبه عنه ، إلا موضعا قدر الدرهم من جسده ، وأنه بار بأمه ، وأمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له ، وقد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة والنعت الذي ذكره في الحديث سواء ، وقد ذكرت طرق هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطولا في الذي جمعته من " مسند عمر بن الخطاب " ، رضي الله عنه ، ولله الحمد والمنة .
ومن ذلك ما رواه أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري ، عن أم ورقة بنت نوفل ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت : يا رسول الله ، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم ، لعل الله يرزقني الشهادة . فقال لها : " قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة " فكانت تسمى الشهيدة ، وكانت قد قرأت القرآن ، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في بيتها مؤذنا ، فأذن لها ، وكانت دبرت غلاما لها وجارية ، فقاما إليها بالليل ، فغماها في قطيفة لها حتى ماتت وذهبا ، فأصبح عمر ، فقام في الناس ، وقال : من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجيء بهما - يعني فجيء بهما - [ ص: 164 ] فأمر بهما فصلبا ، وكانا أول مصلوبين بالمدينة . وقد رواه البيهقي من حديث أبي نعيم ، ثنا الوليد بن جميع ، حدثتني جدتي ، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة . فذكر الحديث وفي آخره : فقال عمر : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " انطلقوا بنا نزور الشهيدة
ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، عن عوف بن مالك في حديثه ، عنه في الآيات الست بعد موته ، وفيه : " ثم موتان يأخذكم كقعاص الغنم وهذا قد وقع في أيام عمر ، وهو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة ، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة ، منهم ، معاذ بن جبل ، وأبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وأبو جندل سهل بن عمر ، وأبوه ، والفضل بن العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنهم أجمعين .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا النهاس بن قهم ، ثنا شداد أبو [ ص: 165 ] عمار ، عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ست من أشراط الساعة; موتي ، وفتح بيت المقدس ، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم ، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم ، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها ، وأن يغدر الروم فيسيرون إليكم بثمانين بندا ، تحت كل بند اثنا عشر ألفا "
وقد قال الحافظ البيهقي : أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا بحر بن نصر ، ثنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن حيان ، أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة ، فقام عمرو بن العاص فقال يا أيها الناس ، إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه . فقام شرحبيل بن حسنة فقال : يا أيها الناس ، إني قد سمعت قول صاحبكم ، وإني والله لقد أسلمت وصليت وإن عمرا لأضل من بعير أهله ، وإنما هو بلاء أنزله الله عز وجل ، فاصبروا . فقام معاذ بن جبل فقال : يا أيها الناس ، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين ، وإن هذا الطاعون رحمة بكم ، ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وإني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها : أرض عموسة . فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل ، يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ، ويزكي به [ ص: 166 ] أموالكم " . اللهم إن كنت تعلم أني قد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فارزق معاذا وآل معاذ منه الحظ الأوفى ، ولا تعافه منه . قال : فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها ويقول : اللهم بارك فيها ، فإنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا . ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال : الحق من ربك فلا تكونن من الممترين [ يونس : 94 ] . فقال ستجدني إن شاء الله من الصابرين [ الصافات : 102 ] .
وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش وجامع بن أبي راشد ، عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال : كنا جلوسا عند عمر فقال : أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت : أنا . قال : هات إنك لجريء . فقلت : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره ، يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال ليس هذا أعني ، إنما أعني التي تموج موج البحر . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا . قال : ويحك ، أيفتح الباب أم يكسر؟ قلت بل يكسر . قال : إذا لا يغلق أبدا . قلت : أجل . فقلنا لحذيفة : فكان عمر يعلم من الباب؟ قال نعم ، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط . قال : فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب ، فقلنا لمسروق فسأله ، فقال : عمر . وهكذا وقع من بعد مقتل عمر وقعت الفتن في الناس وتأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان ، رضي الله عنهما .
وقد قال يعلى بن عبيد عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عزرة بن قيس [ ص: 167 ] قال : خطبنا خالد بن الوليد فقال : إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام ، فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند . فقال رجل من تحته : اصبر أيها الأمير ، فإن الفتن قد ظهرت . فقال خالد : أما وابن الخطاب حي فلا ، وإنما ذاك بعده .
وقد روى الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبا فقال : " أجديد ثوبك أم غسيل؟ " قال : بل غسيل . قال " البس جديدا ، وعش حميدا ، ومت شهيدا " وأظنه قال : " ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة " . وهكذا رواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق به ، ثم قال النسائي : هذا حديث منكر ، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق ، وقد روي عن الزهري من وجه آخر مرسلا . قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ : لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر ، وما أحسبه بالصحيح ، والله أعلم . قلت رجال إسناده واتصاله على شرط " الصحيحين " ، وقد قبل الشيخان تفرد معمر عن الزهري في غيرما حديث ، ثم قد روى البزار هذا الحديث من طريق جابر الجعفي ، وهو ضعيف ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر بن عبد الله ، [ ص: 168 ] مرفوعا مثله سواء ، وقد وقع ما أخبر به في هذا الحديث; فإنه ، رضي الله عنه ، قتل شهيدا وهو قائم يصلي الفجر في محرابه من المسجد النبوي ، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام . وقد تقدم حديث أبي ذر في تسبيح الحصا في يد أبي بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، وقوله ، عليه الصلاة والسلام : " هذه خلافة النبوة "
وقال نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك ، أنا حشرج بن نباتة ، عن سعيد بن جمهان ، عن سفينة قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه ، ثم جاء عمر بحجر فوضعه ، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء يكونون الخلفاء بعدي وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة قوله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من نجا منهن فقد نجا; موتي ، وقتل خليفة مصطبر ، والدجال " وفي حديثه الآخر الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة .
وثبت في " الصحيحين " من حديث سليمان بن بلال ، عن شريك بن أبي نمير ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي موسى قال : توضأت في بيتي ، ثم خرجت فقلت : لأكونن اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا : خرج وتوجه هاهنا . فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس ، [ ص: 169 ] وبابها من جريد ، فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى حاجته وجلس ، فجئته فسلمت عليه ، فإذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه ، ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه ، فرجعت إلى الباب وقلت : لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلم أنشب أن دق الباب ، فقلت : من هذا؟ قال : أبو بكر . قلت : على رسلك . وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، هذا أبو بكر يستأذن . فقال : " ائذن له وبشره بالجنة " . قال : فخرجت مسرعا حتى قلت لأبي بكر : ادخل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة . قال : فدخل حتى جلس إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في القف على يمينه ، ودلى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم . قال : ثم رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضأ ، وقد كان قال لي : أنا على إثرك . فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا يأت به . قال : فسمعت تحريك الباب ، فقلت : من هذا؟ قال : عمر . قلت : على رسلك قال : وجئت النبي صلى الله عليه وسلم ، فسلمت عليه وأخبرته ، فقال : " ائذن له وبشره بالجنة " . قال : فجئت وأذنت له ، وقلت له : رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة . قال : فدخل حتى جلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره ، وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر . قال : ثم رجعت فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا يأت به - يريد أخاه - فإذا تحريك الباب ، فقلت : من هذا؟ قال : عثمان بن عفان . قلت : على رسلك . وذهبت إلى رسول الله فقلت : هذا عثمان يستأذن . فقال : " ائذن [ ص: 170 ] له وبشره بالجنة مع بلوى أو بلاء يصيبه " . قال : فجئت فقلت : رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك . فدخل وهو يقول : الله المستعان . فلم يجد في القف مجلسا فجلس وجاههم من شق البئر ، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان .
وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن إبراهيم بن محمد بن حاطب ، عن عبد الرحمن بن بجير ، عن زيد بن أرقم قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " انطلق حتى تأتي أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول : أبشر بالجنة . ثم انطلق حتى تأتي الثنية ، فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته ، فقل : إن رسول الله يقرأ عليك السلام ويقول : أبشر بالجنة . ثم انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع ، فقل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول : أبشر بالجنة بعد بلاء شديد " . فذكر الحديث في ذهابه إليهم ، فوجد كلا منهم كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلا منهم يقول : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول : في مكان كذا وكذا . فيذهب إليه ، وأن عثمان لما رجع قال : يا رسول الله ، وأي بلاء يصيبني؟ والذي [ ص: 171 ] بعثك بالحق ما تغيبت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك ، فأي بلاء يصيبني؟ فقال : " هو ذاك " ثم قال البيهقي : عبد الأعلى ضعيف ، فإن كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم زيد بن أرقم ، فجاءوا وأبو موسى جالس على الباب كما تقدم . وهذا البلاء الذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الأمصار بلا علم ، فوقع ما سنذكره في دولته ، إن شاء الله من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أياما لا يصلى عليه ولا يلتفت إليه ، حتى غسل بعد ذلك وصلي عليه ودفن بحش كوكب - بستان في طرف البقيع - رضي الله عنه وأرضاه ، وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه .
كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن إسماعيل بن قيس ، عن أبي سهلة مولى عثمان ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادعوا لي بعض أصحابي " . قلت : أبو بكر؟ قال " لا " . قلت عمر؟ قال : " لا " . قلت ابن عمك علي؟ قال : " لا " . قلت : عثمان؟ قال : " نعم " . فلما جاء عثمان قال : " تنحى " . فجعل يساره ولون عثمان يتغير . قال أبو سهلة : فلما كان يوم الدار وحصر فيها ، قلنا : يا أمير المؤمنين ، ألا تقاتل؟ قال : لا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا ، وإني صابر نفسي عليه تفرد به أحمد ، ثم قد رواه أحمد عن وكيع ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن عائشة ، فذكر مثله ، [ ص: 172 ] وأخرجه ابن ماجه من حديث وكيع .
وقال نعيم بن حماد في كتابه " الفتن والملاحم " : حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان بين يديه يناجيه ، فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان : أظلما وعدوانا يا رسول الله؟! فما دريت ما هو حتى قتل عثمان ، فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عنى قتله . قالت عائشة : وما أحببت أن يصل إلى عثمان شيء إلا وصل إلي مثله ، غير أن الله علم أني لم أحب قتله ، ولو أحببت قتله لقتلت . وذلك لما رمي هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عمرو بن أبي عمرو ، مولى المطلب ، عن المطلب ، عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم ، وتجتلدوا بأسيافكم ، ويرث دنياكم شراركم "
وقال البيهقي : أنا أبو الحسين بن بشران ، أنا علي بن محمد المصري ، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي ، ثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال ، عن ربيعة بن سيف ، أنه حدثه أنه جلس [ ص: 173 ] يوما مع شفي الأصبحي ، فقال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيكون فيكم اثنا عشر خليفة; أبو بكر الصديق ، لا يلبث خلفي إلا قليلا ، وصاحب دارة رحى العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا " . فقال رجل : ومن هو يا رسول الله؟ قال : " عمر بن الخطاب " . ثم التفت إلى عثمان فقال : " وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله ، والذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط "
ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة : حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها ، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا " . فقال له قائل من الناس : فمن لنا يا رسول الله؟ أو : ما تأمرنا؟ فقال : " عليكم بالأمين وأصحابه " . وهو يشير إلى عثمان بذلك وقد رواه الإمام أحمد عن عفان ، عن وهيب ، عن موسى بن عقبة به . وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة شاهدان له بالصحة . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن منصور ، عن [ ص: 174 ] ربعي ، عن البراء بن ناجية ، عن عبد الله هو ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين ، أو ست وثلاثين ، أو سبع وثلاثين ، فإن يهلكوا فسبيل من قد هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما " . قال : قلت : أبما مضى أو بما بقي؟ قال : وبما " بقي ورواه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن عبد الرحمن بن مهدي به ، ثم رواه أحمد عن إسحاق وحجاج ، عن سفيان ، عن منصور ، عن ربعي ، عن البراء بن ناجية الكاهلي ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن رحى الإسلام ستزول بخمس وثلاثين ، أو ست وثلاثين ، أو سبع وثلاثين ، فإن تهلك فسبيل ما هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما " . قال : قال عمر : يا رسول الله ، أبما مضى أو بما بقي؟ قال : " بل بما بقي " وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن منصور به . فقال له عمر ، فذكره . قال البيهقي : وقد تابع إسرائيل الأعمش وسفيان الثوري ، عن منصور . قال : وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان فيها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين ، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام علي ، وأراد بالسبعين ملك بني أمية ، فإنه بقي بين ما بين أن استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة [ ص: 175 ] بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه ، نحوا من سبعين سنة .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه ، عن أم ذر قالت : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت ، فقال : ما يبكيك؟ فقلت : ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يد لي بدفنك ، وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه . قال : فلا تبكي وأبشري ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين " . وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة ، وإني أنا الذي أموت بالفلاة ، والله ما كذبت ولا كذبت تفرد به أحمد رحمه الله ، وقد رواه البيهقي من حديث علي بن المديني ، عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا والحديث مشهور في موته ، رضي الله عنه ، بالربذة سنة ثنتين وثلاثين ، في خلافة عثمان بن عفان ، وكان في النفر الذين قدموا عليه وهو في السياق عبد الله بن مسعود ، وهو الذي صلى عليه ، ثم قدم المدينة ، فأقام بها عشر ليال ، ومات رضي الله عنه .
حديث آخر : قال البيهقي : أنا الحاكم ، أنا الأصم ، ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني ، ثنا عمر بن سعيد الدمشقي ، ثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن إسماعيل [ ص: 176 ] بن عبيد الله ، عن أبي عبد الله الأشعري ، عن أبي الدرداء قال : قلت : يا رسول الله ، بلغني أنك تقول : " ليرتدن أقوام بعد إيمانهم " . قال : " أجل ، ولست منهم " . قال : فتوفيأبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا صفوان ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا عبد الله ، أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبد الله ، عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال : سمعت أبا الدرداء يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني فرطكم على الحوض ، أنتظر من يرد علي منكم ، فلا ألفين أنازع أحدكم فأقول : إنه من أمتي . فيقال : هل تدري ما أحدثوا بعدك؟ " قال أبو الدرداء : فتخوفت أن أكون منهم ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له . فقال : " إنك لست منهم " . قال : فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان ، وقبل أن تقع الفتن . قال البيهقي : تابعه يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم ، عن أبي الدرداء إلى قوله : " لست منهم " . قلت : قال سعيد بن عبد العزيز : توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد : توفي سنة ثنتين وثلاثين . رضي الله عنه================================ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم عن خروج الخوارج وقتالهم وعلاماتهم بالرجل المخدج ذي الثدية ، فوجد ذلك في خلافة علي بن أبي طالب
قال البخاري : ثنا أبو اليمان ، ثنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما ، أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم ، فقال : يا رسول الله ، اعدل . فقال : " ويلك ، ومن يعدل إذ لم أعدل ، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل " . فقال عمر : يا رسول الله ، ائذن لي فيه فأضرب عنقه . فقال " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه ، وهو قدحه ، فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا [ ص: 199 ] يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود ، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ، ويخرجون على حين فرقة من الناس " قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به ، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته . وهكذا رواه مسلم من حديث أبي سعيد . ورواه البخاري أيضا من حديث الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة والضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد ، وأخرجه البخاري أيضا من حديث سفيان بن سعيد الثوري ، عن أبيه ، ومسلم عن هناد ، عن أبي الأحوص سلام بن سليم ، عن سعيد بن مسروق ، عن عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري به .
وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث داود بن أبي هند والقاسم بن الفضل وقتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تمرق [ ص: 200 ] مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق ورواه أيضا من حديث أبي إسحاق الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن الضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد مرفوعا .
وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن ابن مسهر ، عن الشيباني ، عن يسير بن عمرو قال : سألت سهل بن حنيف : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر هؤلاء الخوارج؟ فقال : سمعته . وأشار بيده نحو المشرق ، وفي رواية : نحو العراق " يخرج قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، محلقة رءوسهم " وروى مسلم من حديث حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر نحوه ، وقال : " شر الخلق والخليقة " . وكذلك رواه محمد بن كثير المصيصي ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك مرفوعا ، وقال : " سيماهم التحليق ، شر الخلق والخليقة " .
[ ص: 201 ] وفي " الصحيحين " من حديث الأعمش ، عن خيثمة ، عن سويد بن غفلة ، عن علي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة " وقد روى مسلم عن قتيبة ، عن حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي في خبر مودن اليد ، وهو ذو الثدية . وأسنده من وجه آخر ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، وفيه أنه حلف عليا على ذلك ، فحلف له أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه مسلم عن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سلمة ، عن زيد بن وهب ، عن علي بالقصة مطولة ، وفيه قصة ذي الثدية . ورواه من حديث عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي ورواه أبو داود الطيالسي ، عن حماد بن زيد ، عن جميل [ ص: 202 ] بن مرة ، عن أبي الوضئ السحتني ، عن علي ، في قصة ذي الثدية . ورواه الثوري عن محمد بن قيس ، عن أبي موسى رجل من قومه ، عن علي بالقصة .
وقال يعقوب بن سفيان : ثنا الحميدي ، ثنا سفيان ، حدثني العلاء بن أبي العباس ، أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرواش ، عن سعد بن أبي وقاص قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الثدية فقال : " شيطان الردهة كراعي الخيل ، يحتدره رجل من بجيلة يقال له : الأشهب . أو ابن الأشهب . علامة في قوم ظلمة " قال سفيان : فأخبرني عمار الدهني أنه جاء به رجل منهم يقال له : الأشهب . أو ابن الأشهب .
قال يعقوب بن سفيان : وحدثنا عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن [ ص: 203 ] شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حامد الهمداني ، سمعت سعد بن مالك يقول : قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة . يعني المخدج . يريد ، والله أعلم ، قتله أصحاب علي .
وقال علي بن عياش ، عن حبيب ، عن سلمة قال : قال علي : لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عياش : جيش المروة قتله عثمان . رواه البيهقي .
ثم قال البيهقي : أنا الحاكم ، أنا الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " . فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله؟ قال : " لا " . فقال عمر : أنا هو يا رسول الله؟ قال : " لا ، ولكن خاصف النعل " . يعني عليا .
وقال يعقوب بن سفيان ، عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن عمران بن حدير ، عن لاحق قال : كان الذين خرجوا على علي بالنهروان أربعة آلاف في [ ص: 204 ] الحديد ، فركبهم المسلمون فقتلوهم ، ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط ، وإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فإنه قد شهد ذلك .
قلت : الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم; لأن ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن ، ووقوع ذلك في زمان علي معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة ، وأما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عباس لهم في ذلك ورجوع كثير منهم إليه ، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى =====================================ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك ، وسيادة ولده الحسن بن علي في تركه الأمر من بعده ، وإعطائه ذلك الأمر معاوية ، وتقليده إياه ما كان يتولاه ويقوم بأعبائه
قال البخاري في دلائل النبوة : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا حسين الجعفي ، عن أبي موسى ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : أخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم الحسن بن علي ، فصعد به على المنبر فقال : " إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين "
وقال في كتاب الصلح : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا سفيان ، عن أبي موسى قال : سمعت الحسن يقول : استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال ، فقال عمرو بن العاص : إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها . فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين - أي عمرو ، إن [ ص: 209 ] قتل هؤلاء هؤلاء ، وهؤلاء هؤلاء ، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس; عبد الرحمن بن سمرة ، وعبد الله بن عامر بن كريز ، فقال : اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه ، وقولا له واطلبا إليه . فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له ، وطلبا إليه ، فقال لهما الحسن بن علي : إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال ، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها . قالا : فإنه يعرض عليك كذا وكذا ، ويطلب إليك ويسألك . قال : فمن لي بهذا؟ قالا : نحن لك به . فما سألهما شيئا إلا قالا : نحن لك به . فصالحه ، فقال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه ، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ، ويقول : " إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " . وقال البخاري : قال لي علي بن عبد الله : إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث .
وقد رواه البخاري أيضا في فضل الحسن وفي كتاب الفتن ، عن علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي موسى ، وهو إسرائيل بن موسى . ورواه أبو داود والترمذي من حديث أشعث ، وأبو داود أيضا والنسائي من حديث علي [ ص: 210 ] بن زيد بن جدعان ، كلهم عن الحسن البصري عن أبي بكرة به ، وقال الترمذي : صحيح . وله طرق عن الحسن مرسلا ، وعن الحسن وعن أم سلمة به . وهكذا وقع الأمر كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم سواء; فإن الحسن بن علي لما صار إليه الأمر بعد أبيه وركب في جيوش أهل العراق ، وسار إليه معاوية ، فتصافا بصفين على ما ذكره الحسن البصري ، ، فمال الحسن بن علي إلى الصلح ، وخطب الناس ، وخلع نفسه من الأمر ، وسلمه إلى معاوية ، وذلك سنة أربعين ، فبايعه الأمراء من الجيشين ، واستقل بأعباء الأمة ، فسمي ذلك العام عام الجماعة ، لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد ، وسنورد ذلك مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى . وقد شهد الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم للفرقتين بالإسلام ، فمن كفرهم أو واحدا منهم لمجرد ما وقع ، فقد أخطأ وخالف النص النبوي المحمدي الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، وقد تكمل بهذه السنة المدة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها مدة الخلافة المتتابعة بعده ، كما تقدم في حديث سفينة مولاه أنه قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " . وفي رواية " عضوضا " . وفي رواية عن معاوية أنه قال رضينا بها ملكا
وقد قال نعيم بن حماد في كتابه " الفتن والملاحم " سمعت محمد بن [ ص: 211 ] فضيل ، عن السري بن إسماعيل ، عن عامر الشعبي ، عن سفيان بن الليل قال : سمعت الحسن بن علي يقول : سمعت عليا يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم ، ضخم البلعم ، يأكل ولا يشبع وهو معاوية " هكذا وقع في هذه الرواية . وفي رواية بهذا الإسناد : " لا تذهب الأيام والليالي حتى تجتمع هذه الأمة على معاوية "
وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، وهو ضعيف ، عن عبد الملك بن عمير قال : قال معاوية : والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي : " يا معاوية ، إن ملكت فأحسن "
ثم قال البيهقي : وله شواهد ، من ذلك حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص ، عن جده سعيد ، أن معاوية أخذ الإداوة فتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر إليه فقال : " يا معاوية ، إن وليت أمرا فاتق الله واعدل " قال معاوية : فما زلت أظن أني مبتلى بعمل ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[ ص: 212 ] ومنها حديث الثوري ، عن ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد الداري ، عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم ، أو كدت أن تفسدهم " ثم يقول أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفعه الله بها . رواه أبو داود .
وروى البيهقي من طريق هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن سليمان بن أبي سليمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الخلافة بالمدينة ، والملك بالشام "
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، ثنا يحيى بن حمزة ، عن زيد بن واقد ، حدثني بسر بن عبيد الله ، حدثني أبو إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي ، فظننت أنه مذهوب به ، فأتبعته بصري ، فعمد به إلى الشام ، ألا وإن الإيمان ، حين تقع الفتن ، بالشام "
وهاهنا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان ، عن عبد الله بن يوسف ، عن يحيى بن حمزة البتلهي به . قال البيهقي : وهذا إسناد صحيح ، وروي [ ص: 213 ] من وجه آخر .
ثم ساقه من طريق عقبة بن علقمة ، عن سعيد بن عبد العزيز الدمشقي ، عن عطية بن قيس ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي ، فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ، ألا إن الإيمان ، إذا وقعت الفتن ، بالشام "
ثم أورده البيهقي من طريق الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن يونس بن ميسرة ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر نحوه ، إلا أنه قال : " فأتبعته بصري حتى ظننت أنه مذهوب به " . قال : " وإني أولت أن الفتن إذا وقعت ، أن الإيمان بالشام قال الوليد : وحدثني عفير بن معدان ، أنه سمع سليم بن عامر يحدث عن أبي أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك .
وقال يعقوب بن سفيان : حدثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصي ، ثنا أبي أبو ضمرة محمد بن سليمان السلمي ، حدثني عبد الله بن أبي قيس ، سمعت عمر بن الخطاب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام " وقال عبد الرزاق : أنا معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن صفوان قال : [ ص: 114 ] قال رجل يوم صفين : اللهم العن أهل الشام . فقال له علي : لا تسب أهل الشام جما غفيرا ، فإن بها الأبدال ، فإن بها الأبدال ، فإن بها الأبدال .
وقد روي من وجه آخر ، عن علي ، قال الإمام أحمد : ثنا أبو المغيرة ، ثنا صفوان ، حدثني شريح ، يعني ابن عبيد الحضرمي ، قال : ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب وهو بالعراق ، فقالوا : العنهم يا أمير المؤمنين . قال : لا ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الأبدال يكونون بالشام ، وهم أربعون رجلا ، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ، يسقى بهم الغيث ، وينتصر بهم على الأعداء ، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب . تفرد به أحمد ، وفيه انقطاع ، فقد نص أبو حاتم الرازي على أن شريح بن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الأشعري ، وأن روايته عنهما مرسلة . فما ظنك بروايته عن علي بن أبي طالب ، وهو أقدم وفاة منهما========== الإخبار عن غزوة الهند
قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم عن سيار ، عن جبر بن عبيدة ، عن أبي هريرة قال وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند ، فإن استشهدت كنت من خير الشهداء ، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر . رواه النسائي من حديث هشيم وزيد بن أنيسة ، عن سيار ، عن جبر - ويقال : جبير عن أبي هريرة قال : وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند . وذكره .
وقال أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، ثنا البراء عن الحسن ، عن أبي هريرة قال : حدثني خليلي الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند " فإن أنا أدركته فاستشهدت فذاك ، وإن أنا - فذكر كلمة - رجعت فأنا أبو هريرة المحرر; قد أعتقني من النار . تفرد به أحمد ، وقد غزا المسلمون الهند في أيام معاوية سنة أربع وأربعين ، وكانت هنالك أمور سيأتي بسطها في موضعها ، وقد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن [ ص: 219 ] سبكتكين صاحب غزنة في حدود أربعمائة بلاد الهند ، فوغل فيها وقتل وأسر وسبى وغنم ودخل السومنات ، وكسر البد الأعظم الذي يعبدونه ، واستلب شنوفه وقلائده ، ثم رجع سالما مؤيدا منصورا ، كما سيأتي==================================خبر عبد الله بن سلام
قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، ثنا ابن عون عن محمد ، هو ابن سيرين ، عن قيس بن عباد قال : كنت في المسجد ، فجاء رجل في وجهه أثر خشوع ، فدخل فصلى ركعتين فأوجز فيهما ، فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة . فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله ، فدخلت معه فحدثته ، فلما استأنس قلت له : إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا ، وكذا قال : سبحان الله ، والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك [ ص: 223 ] أني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه; رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون : فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد ، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء ، في أعلاه عروة . فقيل لي : اصعد عليه . فقلت : لا أستطيع . فجاء منصف - قال ابن عون : وهو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال : اصعد عليه . فصعدت حتى أخذت بالعروة ، فقال : استمسك بالعروة . فاستيقظت وإنها لفي يدي . قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه ، فقال : " أما الروضة فروضة الإسلام ، وأما العمود فعمود الإسلام ، وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت " . قال : وهو عبد الله بن سلام ورواه البخاري من حديث ابن عون .
ثم قد رواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، عن المسيب بن رافع ، عن خرشة بن الحر ، عن عبد الله بن سلام ، فذكره مطولا ، وفيه قال : حتى انتهيت إلى جبل زلق ، فأخذ بيدي فدحاني ، فإذا أنا على ذروته ، فلم أتقار ولم أتماسك ، وإذا عمود حديد في ذروته حلقة ذهب ، فأخذ بيدي فدحاني حتى أخذت بالعروة . وذكر تمام الحديث . وأخرجه مسلم في " صحيحه " من حديث الأعمش ، عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر ، عن عبد الله بن سلام ، فذكره وقال : حتى أتى بي جبلا ، فقال لي : [ ص: 224 ] اصعد . فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استي ، حتى فعلت ذلك مرارا . وأن رسول الله قال له حين ذكر رؤياه : " وأما الجبل فهو منزل الشهداء ، ولن تناله قال البيهقي : وهذه معجزة ثانية ، حيث أخبر أنه لا ينال الشهادة . وهكذا وقع; فإنه مات سنة ثلاث وأربعين ، فيما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره =====================================ما روي في إخباره صلى الله عليه وسلم عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه
قال يعقوب بن سفيان : ثنا ابن بكير ، ثنا ابن لهيعة ، حدثني الحارث بن يزيد ، عن عبد الله بن زرير الغافقي قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : يا أهل العراق ، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء ، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود . فقتل حجر بن عدي وأصحابه . وقال يعقوب بن سفيان : قال أبو نعيم : ذكر زياد بن سمية علي بن أبي طالب على المنبر ، فقبض حجر على الحصباء ثم أرسلها ، وحصب من حوله زيادا ، فكتب إلى معاوية يقول : إن حجرا حصبني وأنا على المنبر . فكتب إليه معاوية أن يحمل إليه حجرا ، فلما قرب من دمشق بعث من يتلقاهم ، فالتقى معهم بعذراء فقتلهم قال البيهقي : لا يقول علي مثل هذا إلا أن يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا حرملة ، ثنا ابن وهب ، أخبرني ابن [ ص: 226 ] لهيعة ، عن أبي الأسود قال : دخل معاوية على عائشة فقالت : ما حملك على قتل أهل عذراء حجر وأصحابه؟ فقال : يا أم المؤمنين ، إني رأيت قتلهم صلاحا للأمة ، وأن بقاءهم فساد . فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء " وقال يعقوب بن سفيان : ثنا عمرو بن عاصم ، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن مروان بن الحكم قال : دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، فقالت : يا معاوية ، قتلت حجرا وأصحابه ، وفعلت الذي فعلت ، أما خشيت أن أخبئ لك رجلا فيقتلك؟ قال : لا ، إني في بيت أمان; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن " . يا أم المؤمنين ، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك؟ قالت : صالح . قال : فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا ، عز وجل
حديث آخر : قال يعقوب بن سفيان : ثنا عبيد الله بن معاذ ، ثنا أبي ، ثنا شعبة عن أبي سلمة ، عن أبي نضرة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعشرة من أصحابه : " آخركم موتا في النار " . فيهم سمرة بن جندب . قال أبو نضرة : فكان سمرة آخرهم موتا قال البيهقي : رواته ثقات; إلا أن أبا نضرة [ ص: 227 ] العبدي لم يثبت له من أبي هريرة سماع ، والله أعلم .
ثم روى من طريق إسماعيل بن حكيم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن أنس بن حكيم قال : كنت أمر بالمدينة فألقى أبا هريرة ، فلا يبدأ بشيء حتى يسألني عن سمرة ، فلو أخبرته بحياته وصحته فرح وقال : إنا كنا عشرة في بيت ، وإن رسول الله قام علينا ، ونظر في وجوهنا وأخذ بعضادتي الباب وقال : " آخركم موتا في النار " . فقد مات منا ثمانية ولم يبق غيري وغيره ، فليس شيء أحب إلي من أن أكون قد ذقت الموت وله شاهد من وجه آخر; وقال يعقوب بن سفيان : ثنا حجاج بن منهال ، ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أوس بن خالد قال : كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة ، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة ، فقلت لأبي محذورة : مالك إذا قدمت عليك تسألني عن سمرة ، وإذا قدمت على سمرة سألني عنك؟ فقال : إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " آخركم موتا في النار " . قال : فمات أبو هريرة ، ثم مات أبو محذورة ، ثم مات سمرة
وقال عبد الرزاق : أنا معمر ، سمعت ابن طاوس وغيره يقولون : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة ولسمرة بن جندب ولرجل آخر : " آخركم موتا في النار " . [ ص: 228 ] فمات الرجل قبلهما . وبقي أبو هريرة وسمرة ، فكان الرجل إذا أراد أن يغيظ أبا هريرة يقول : مات سمرة . فإذا سمعه غشي عليه وصعق ، ثم مات أبو هريرة قبل سمرة ، فقتل سمرة بشرا كثيرا . وقد ضعف البيهقي عامة هذه الروايات; لانقطاع بعضها وإرساله ، ثم قال : وقد قال بعض أهل العلم : إن سمرة مات في الحريق . ثم قال : ويحتمل أن يورد النار بذنوبه ، ثم ينجو منها بإيمانه ، فيخرج منها بشفاعة الشافعين ، والله أعلم .
ثم أورد من طريق هلال بن العلاء الرقي أن عبد الله بن معاوية حدثهم عن رجل قد سماه ، أن سمرة استجمر فغفل عن نفسه وغفل أهله عنه حتى أخذته النار . قلت : وذكر غيره أن سمرة بن جندب ، رضي الله عنه ، أصابه كزاز شديد ، فكان يوقد له على قدر مملوءة ماءا حارا ، فيجلس فوقها; ليتدفأ ببخارها ، فسقط يوما فيها فمات رضي الله عنه ، وكان موته سنة تسع وخمسين بعد أبي هريرة بسنة ، وقد كان ينوب عن زياد بن سمية في البصرة إذا سار إلى الكوفة ، وفي الكوفة إذا سار إلى البصرة ، فكان يقيم في كل منهما ستة أشهر من السنة ، وكان شديدا على الخوارج ، يكثر القتل فيهم ، ويقول : هم شر قتلى تحت أديم السماء . وقد كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما من [ ص: 229 ] علماء البصرة يثنون عليه ، رضي الله عنه===================================ذكر إخباره ، عليه الصلاة والسلام ، بما وقع من الفتن بعد معاوية من أغيلمة بني هاشم وغير ذلك
قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرني سفيان ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون أثرة وأمور تنكرونها " . قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال : " تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم "
وقال البخاري : ثنا محمد بن عبد الرحيم ، ثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا أبو أسامة ، ثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يهلك الناس هذا الحي من قريش " . قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : " لو أن الناس اعتزلوهم " ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة .
وقال البخاري : قال محمود : ثنا أبو داود ، أخبرنا شعبة ، عن أبي التياح قال : سمعت أبا زرعة ، وحدثنا أحمد بن محمد المكي ، ثنا عمرو بن يحيى [ ص: 231 ] بن سعيد الأموي ، عن جده قال : كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول : سمعت الصادق المصدوق يقول : " هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش فقال مروان : غلمة؟! قال أبو هريرة : إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان . تفرد به البخاري .
وقال الإمام أحمد : ثنا روح ، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ، أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هلكة أمتي على يدي غلمة " . قال مروان وهو معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا : فلعنة الله عليهم غلمة . قال : أما والله لو أشاء أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت . قال : فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان بعد ما ملكوا ، فإذا هم يبايعون الصبيان ، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة . قال لنا : هل عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر؟ إن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا
وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن سماك ، حدثني عبد الله بن ظالم قال : سمعت أبا هريرة قال : سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم [ ص: 232 ] يقول : " إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش " . ثم رواه أحمد ، عن زيد بن الحباب ، عن سفيان ، وهو الثوري ، عن سماك ، عن مالك بن ظالم ، عن أبي هريرة ، فذكره . ثم روى عن غندر وروح بن عبادة ، عن شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن مالك بن ظالم قال : سمعت أبا هريرة - زاد روح : يحدث مروان بن الحكم - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول : " هلاك أمتي على رءوس غلمة أمراء سفهاء من قريش "
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، حدثني بشر بن أبي عمرو الخولاني ، أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون خلف من بعد الستين سنة أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، فسوف يلقون غيا ، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم ، ويقرأ القرآن ثلاثة; مؤمن ، ومنافق ، وفاجر . وقال بشير : فقلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة؟ قال : المنافق كافر به ، والفاجر يتأكل به ، والمؤمن يؤمن به . تفرد به أحمد ، وإسناده جيد قوي على شرط السنن .
وقد روى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن أبي أسامة ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : لما رجع علي من [ ص: 233 ] صفين قال : يا أيها الناس ، لا تكرهوا إمارة معاوية; فإنه لو فقدتموه لقد رأيتم الرءوس تنزو من كواهلها كالحنظل . ثم روى عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن العباس بن الوليد بن مزيد ، عن أبيه ، عن جابر ، عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال : كان أبو هريرة يمشي في سوق المدينة وهو يقول : اللهم لا تدركني سنة الستين ويحكم تمسكوا بصدغي معاوية ، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان . قال البيهقي : وعلي وأبو هريرة إنما يقولان هذا الشيء سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال يعقوب بن سفيان : أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي ، ثنا محمد بن سليمان ، عن ابن غنيم البعلبكي عن هشام بن الغار ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني ، عن أبي عبيدة بن الجراح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية "
وروى البيهقي ، من طريق عوف الأعرابي ، عن أبي خلدة ، عن أبي العالية ، عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول من يبدل سنتي [ ص: 234 ] رجل من بني أمية " . وهذا منقطع بين أبي العالية وأبي ذر ، وقد رجحه البيهقي بحديث أبي عبيدة المتقدم . قال : ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان . والله أعلم .
قلت : الناس في يزيد بن معاوية أقسام; فمنهم من يحبه ويتولاه ، وهم طائفة من أهل الشام من النواصب ، وأما الروافض فيشغبون عليه ، ويشنعون ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ، ويتهمه كثير منهم أو أكثرهم بالزندقة ، ولم يكن كذلك ، وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه; لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة ، ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة ، والأمور المستنكرة البشيعة الشنيعة ، فمن أنكرها قتل الحسين بن علي بكربلاء ، ولكن لم يكن ذلك من علم منه ، ولعله لم يرض به ولم يسؤه ، وكذلك من الأمور المنكرة جدا وقعة الحرة وما كان من الأمور القبيحة بالمدينة النبوية ، على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى ===================================ذكر إخباره ، عليه الصلاة والسلام ، بما وقع من الفتن بعد معاوية من أغيلمة بني هاشم وغير ذلك
قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرني سفيان ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون أثرة وأمور تنكرونها " . قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال : " تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم "
وقال البخاري : ثنا محمد بن عبد الرحيم ، ثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا أبو أسامة ، ثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يهلك الناس هذا الحي من قريش " . قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : " لو أن الناس اعتزلوهم " ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة .
وقال البخاري : قال محمود : ثنا أبو داود ، أخبرنا شعبة ، عن أبي التياح قال : سمعت أبا زرعة ، وحدثنا أحمد بن محمد المكي ، ثنا عمرو بن يحيى [ ص: 231 ] بن سعيد الأموي ، عن جده قال : كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول : سمعت الصادق المصدوق يقول : " هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش فقال مروان : غلمة؟! قال أبو هريرة : إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان . تفرد به البخاري .
وقال الإمام أحمد : ثنا روح ، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ، أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هلكة أمتي على يدي غلمة " . قال مروان وهو معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا : فلعنة الله عليهم غلمة . قال : أما والله لو أشاء أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت . قال : فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان بعد ما ملكوا ، فإذا هم يبايعون الصبيان ، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة . قال لنا : هل عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر؟ إن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا
وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن سماك ، حدثني عبد الله بن ظالم قال : سمعت أبا هريرة قال : سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم [ ص: 232 ] يقول : " إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش " . ثم رواه أحمد ، عن زيد بن الحباب ، عن سفيان ، وهو الثوري ، عن سماك ، عن مالك بن ظالم ، عن أبي هريرة ، فذكره . ثم روى عن غندر وروح بن عبادة ، عن شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن مالك بن ظالم قال : سمعت أبا هريرة - زاد روح : يحدث مروان بن الحكم - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول : " هلاك أمتي على رءوس غلمة أمراء سفهاء من قريش "
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، حدثني بشر بن أبي عمرو الخولاني ، أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون خلف من بعد الستين سنة أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، فسوف يلقون غيا ، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم ، ويقرأ القرآن ثلاثة; مؤمن ، ومنافق ، وفاجر . وقال بشير : فقلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة؟ قال : المنافق كافر به ، والفاجر يتأكل به ، والمؤمن يؤمن به . تفرد به أحمد ، وإسناده جيد قوي على شرط السنن .
وقد روى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن أبي أسامة ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : لما رجع علي من [ ص: 233 ] صفين قال : يا أيها الناس ، لا تكرهوا إمارة معاوية; فإنه لو فقدتموه لقد رأيتم الرءوس تنزو من كواهلها كالحنظل . ثم روى عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن العباس بن الوليد بن مزيد ، عن أبيه ، عن جابر ، عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال : كان أبو هريرة يمشي في سوق المدينة وهو يقول : اللهم لا تدركني سنة الستين ويحكم تمسكوا بصدغي معاوية ، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان . قال البيهقي : وعلي وأبو هريرة إنما يقولان هذا الشيء سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال يعقوب بن سفيان : أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي ، ثنا محمد بن سليمان ، عن ابن غنيم البعلبكي عن هشام بن الغار ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني ، عن أبي عبيدة بن الجراح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية "
وروى البيهقي ، من طريق عوف الأعرابي ، عن أبي خلدة ، عن أبي العالية ، عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول من يبدل سنتي [ ص: 234 ] رجل من بني أمية " . وهذا منقطع بين أبي العالية وأبي ذر ، وقد رجحه البيهقي بحديث أبي عبيدة المتقدم . قال : ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان . والله أعلم .
قلت : الناس في يزيد بن معاوية أقسام; فمنهم من يحبه ويتولاه ، وهم طائفة من أهل الشام من النواصب ، وأما الروافض فيشغبون عليه ، ويشنعون ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ، ويتهمه كثير منهم أو أكثرهم بالزندقة ، ولم يكن كذلك ، وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه; لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة ، ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة ، والأمور المستنكرة البشيعة الشنيعة ، فمن أنكرها قتل الحسين بن علي بكربلاء ، ولكن لم يكن ذلك من علم منه ، ولعله لم يرض به ولم يسؤه ، وكذلك من الأمور المنكرة جدا وقعة الحرة وما كان من الأمور القبيحة بالمدينة النبوية ، على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى ======================================فصل إخباره صلى الله عليه وسلم عن الحجاج فتى ثقيف
وقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي هريرة ، وعند مسلم عن جابر بن سمرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا ، كلهم يزعم أنه نبي
وقال البيهقي ، عن الماليني ، عن ابن عدي ، عن أبي يعلى الموصلي ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن الحسن الأسدي ، ثنا شريك ، عن أبي [ ص: 251 ] إسحاق ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا ، منهم; مسيلمة ، والعنسي ، والمختار ، وشر قبائل العرب بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف . قال ابن عدي : محمد بن الحسن له إفرادات ، وقد حدث عنه الثقات ، ولم أر بحديثه بأسا .
وقال البيهقي : لحديثه في المختار شواهد صحيحة . ثم أورد من طريق أبي داود الطيالسي ، حدثنا الأسود بن شيبان ، عن أبي نوفل بن أبي عقرب ، عن أسماء بنت أبي بكر ، أنها قالت للحجاج بن يوسف : أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا ، فأما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه . قال : ورواه مسلم من حديث الأسود بن شيبان . وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه .
وقال البيهقي : أنا الحاكم وأبو سعيد ، عن الأصم ، عن عباس الدوري ، عن عبد الله بن الزبير الحميدي ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي المحياة ، عن أبيه قال : لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير دخل الحجاج على أسماء بنت أبي [ ص: 252 ] بكر فقال : يا أمه ، إن أمير المؤمنين أوصاني بك ، فهل لك من حاجة؟ فقالت : لست لك بأم ، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية ، وما لي من حاجة ، ولكن انتظر حتى أحدثك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " يخرج من ثقيف كذاب ومبير فأما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير فأنت . فقال الحجاج : مبير المنافقين .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شريك ، عن أبي علوان عبد الله بن عصمة ، عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن في ثقيف كذابا ومبيرا " . وقد تواتر خبر المختار بن أبي عبيد الكذاب الذي كان نائبا على العراق وكان يزعم أنه نبي ، وأن جبريل كان يأتيه بالوحي ، وقد قيل لابن عمر ، وكان زوج أخت المختار صفية : إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه . فقال : صدق ، قال الله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم [ الأنعام : 121 ]
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا قرة بن خالد ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رفاعة بن شداد قال : كنت أبطن شيء بالمختار الكذاب . قال : فدخلت عليه ذات يوم فقال : دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي . قال : فأهويت إلى قائم السيف - يعني لأضربه - حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق الخزاعي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله ، رفع [ ص: 253 ] له لواء الغدر يوم القيامة " . فكففت عنه وقد رواه أسباط بن نصر وزائدة والثوري ، عن إسماعيل السدي ، عن رفاعة بن شداد الفتياني فذكر نحوه .
وقال يعقوب بن سفيان ، ثنا أبو بكر الحميدي ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : فأخرت أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة ، والأحنف ساكت لا يتكلم ، فلما رآني غلبتهم أرسل غلاما له فجاء بكتاب فقال : هاك اقرأ فقرأته فإذا فيه من المختار إليه ، يذكر أنه نبي . قال : يقول الأحنف : أنى فينا مثل هذا؟! .
وأما الحجاج بن يوسف فقد تقدم الحديث أنه الغلام المبير الثقفي ، وسنذكر ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه ، فإنه كان نائبا على العراق لعبد الملك بن مروان ، ثم لابنه الوليد بن عبد الملك ، ، وكان من جبابرة الملوك ، على ما كان فيه من الكرم والفصاحة ، على ما سنذكره .
وقد قال البيهقي : ثنا الحاكم عن أبي نصر الفقيه ، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي قال عبد الله بن صالح المصري ، أن معاوية بن صالح حدثه ، عن [ ص: 254 ] شريح بن عبيد ، عن أبي عذبة قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم ، فخرج غضبان ، فصلى لنا الصلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون : سبحان الله ، سبحان الله . فلما سلم أقبل على الناس فقال : من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل ، ثم قام آخر ، ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا ، فقال : يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق ، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم ، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية ، لا يقبل من محسنهم ، ولا يتجاوز عن مسيئهم قال عبد الله : وحدثني ابن لهيعة بمثله . قال : وما ولد الحجاج يومئذ . ورواه الدارمي أيضا عن أبي اليمان ، عن جرير بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي عذبة الحمصي ، عن عمر فذكر مثله . قال أبو اليمان : علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة ، فلما أغضبوه استعجل لهم العقوبة . قلت : فإن كان هذا نقله عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تقدم له شاهد عن غيره ، وإن كان عن تحديث فكرامة الولي معجزة لنبيه .
وقال عبد الرزاق : أنا جعفر ، يعني ابن سليمان ، عن مالك بن دينار ، عن الحسن قال : قال علي لأهل الكوفة : اللهم كما ائتمنتهم فخانوني ، ونصحت لهم فغشوني ، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال ، يأكل خضرتها ، ويلبس [ ص: 255 ] فروتها ، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية . قال : يقول الحسن : وما خلق الحجاج يومئذ . وهذا منقطع .
وقد رواه البيهقي أيضا ، من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه ، عن أيوب عن مالك بن أوس بن الحدثان ، عن علي بن أبي طالب أنه قال : الشاب الذيال أمير المصرين ، يلبس فروتها ، ويأكل خضرتها ، ويقتل أشراف أهلها ، يشتد منه الفرق ويكثر منه الأرق ، ويسلطه الله على شيعته .
وله من حديث يزيد بن هارون ، أنا العوام بن حوشب ، حدثني حبيب بن أبي ثابت قال : قال علي لرجل : لا مت حتى تدرك فتى ثقيف . فقيل : يا أمير المؤمنين ، وما فتى ثقيف؟ فقال : ليقالن له يوم القيامة : اكفنا زاوية من زوايا جهنم . رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة ، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها ، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها ، يقتل بمن أطاعه من عصاه . وهذا معضل ، وفي صحته عن علي نظر . والله أعلم .
[ ص: 256 ] وقال البيهقي ، عن الحاكم ، عن الحسين بن الحسن بن أيوب ، عن أبي حاتم الرازي ، عن عبد الله بن يوسف التنيسي ، ثنا هشام بن يحيى الغساني قال : قال عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كل أمة بخبيثها ، وجئناهم بالحجاج لغلبناهم . وقال أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود : ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج . وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس أن أباه لما تحقق موت الحجاج تلا قوله تعالى : فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [ الأنعام : 45 ] قلت : وقد توفي الحجاج سنة خمس وتسعين ================ حديث آخر - في صحته نظر - في ذكر وهب بن منبه بالمدح ، وذكر غيلان بالذم
روى البيهقي من حديث هشام بن عمار وغيره ، عن الوليد بن مسلم ، [ ص: 262 ] عن مروان بن سالم القرقساني ، عن الأحوص بن حكيم ، عن خالد بن معدان ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون في أمتي رجل يقال له : وهب . يهب الله له الحكمة ، ورجل يقال له غيلان . هو أضر على أمتي من إبليس وهذا لا يصح; لأن مروان بن سالم هذا متروك .
وبه إلى الوليد ، حدثنا ابن لهيعة ، عن موسى بن وردان عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر قال البيهقي : وفي هذا إن صح إشارة إلى غيلان ، وما ظهر بالشام بسببه من التكذيب بالقدر حتى قتل===================== ذكر الإخبار بانخرام قرنه صلى الله عليه وسلم بعد مائة سنة من ليلة إخباره فكان كما أخبر
ثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، عن عبد الله بن عمر قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ليلة في آخر عمره ، فلما سلم قام فقال : " أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد قال [ ص: 264 ] ابن عمر : فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة ، وإنما يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن . وفي رواية : إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام قرنه .
وفي " صحيح مسلم " من حديث ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بشهر : " تسألون عن الساعة ، وإنما علمها عند الله ، فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهذا الحديث وأمثاله مما يحتج به من ذهب من الأئمة إلى أن الخضر ليس بموجود الآن ، كما قدمنا ذلك في ترجمته من قصص الأنبياء ، عليهم السلام ، وهو نص على أن جميع الأحياء في الأرض يموتون إلى تمام مائة سنة من إخباره ، عليه الصلاة والسلام ، وكذا وقع سواء; فإنه لم يتأخر أحد من أصحابه إلى ما يجاوز هذه المدة ، وكذلك جميع الناس ، ثم قد طرد بعض العلماء هذا الحكم في كل مائة سنة ، وليس في الحديث تعرض لهذا . والله أعلم .
حديث آخر : قال محمد بن عمر الواقدي : حدثني شريح بن يزيد ، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني ، عن أبيه ، عن عبد الله بن بسر قال : وضع [ ص: 265 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي ، وقال : هذا الغلام يعيش قرنا " . قال : فعاش مائة سنة وقد رواه البخاري في " التاريخ " عن أبي حيوة شريح بن يزيد به ، فذكره . قال وزاد غيره وكان في وجهه ثؤلول . فقال : " ولا يموت حتى يذهب الثؤلول من وجهه " . فلم يمت حتى ذهب الثؤلول من وجهه . وهذا إسناد على شرط السنن ، ولم يخرجوه .
ورواه البيهقي عن الحاكم ، عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى ، عن الفضل بن محمد الشعراني ، ثنا حيوة بن شريح ، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني ، عن أبيه ، عن عبد الله بن بسر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " يعيش هذا الغلام قرنا " . فعاش مائة سنة . قال الواقدي وغير واحد : توفي عبد الله بن بسر بحمص سنة ثمان وثمانين ، عن أربع وتسعين ، وهو آخر ما بقي من الصحابة بالشام .========================= ذكر الإخبار عن خلفاء بني أمية جملة من جملة ، والإشارة إلى مدة دولتهم
قال يعقوب بن سفيان : ثنا أحمد بن محمد أبو محمد الأزرقي ، ثنا الزنجي - يعني مسلم بن خالد - عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت في النوم بني الحكم - أو بني أبي العاص - ينزون على منبري كما تنزو القردة " قال فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفي .
وقال الثوري ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على منبره ، فساءه ذلك ، فأوحي إليه : إنما هي دنيا أعطوها . فقرت عينه . وهي قوله وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [ الإسراء : 60 ] . يعني بلاء للناس . علي بن زيد بن جدعان [ ص: 271 ] ضعيف ، والحديث مرسل أيضا .
وقال أبو داود الطيالسي : ثنا القاسم بن الفضل - هو الحداني - ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال : قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية ، فقال يا مسود وجوه المؤمنين . فقال الحسن : لا تؤنبني ، رحمك الله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا فرجلا ، فساءه ذلك فنزلت : إنا أعطيناك الكوثر [ الكوثر : 1 ] . يعني نهرا في الجنة . ونزلت : إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر [ القدر : 1 - 3 ] . تملكه بنو أمية . قال القاسم : فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص . وقد رواه الترمذي ، و ابن جرير الطبري ، والحاكم في " مستدركه " ، والبيهقي في " دلائل النبوة " ، كلهم من حديث القاسم بن الفضل الحداني - وقد وثقه يحيى بن سعيد القطان ، وابن مهدي - عن يوسف بن سعد ، ويقال : يوسف بن مازن [ ص: 272 ] الراسبي ، وفي رواية ابن جرير : عيسى بن مازن ، قال الترمذي : وهو رجل مجهول ، وهذا الحديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . فقوله : إن يوسف هذا مجهول . مشكل; والظاهر أنه أراد أنه مجهول الحال ، فإنه قد روى عنه جماعة ، منهم : حماد بن سلمة ، وخالد الحذاء ، ويونس بن عبيد . وقال يحيى بن معين هو مشهور . وفي رواية عنه قال : هو ثقة . فارتفعت الجهالة عنه مطلقا .
قلت : ولكن في شهوده قضية الحسن ومعاوية نظر ، وقد يكون أرسلها عمن لا يعتمد عليه . والله أعلم . وقد سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ، رحمه الله ، عن هذا الحديث فقال : هو حديث منكر .
وأما قول القاسم بن الفضل ، رحمه الله : إنه حسب دولة بني أمية ، فوجدها ألف شهر ، لا تزيد يوما ولا تنقصه . فهو غريب جدا ، وفيه نظر; وذلك لأنه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وكانت ثنتي عشرة سنة ، في هذه المدة ، لا من حيث الصورة ، ولا من حيث المعنى; وذلك أنها ممدوحة; لأنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ، الذين قضوا بالحق ، وبه كانوا يعدلون ، وهذا الحديث إنما سيق لذم دولتهم ، وفي دلالة الحديث على الذم نظر ، وذلك أنه دل على أن ليلة القدر خير من ألف شهر التي هي دولتهم ، وليلة القدر ليلة خيرة ، عظيمة المقدار والبركة ، كما وصفها الله تعالى به ، فما يلزم من تفضيلها على دولتهم ذم دولتهم ، فليتأمل هذا; فإنه دقيق يدل على أن الحديث [ ص: 273 ] في صحته نظر; لأنه إنما سيق لذم أيامهم . والله تعالى أعلم . وأما إذا أراد أن ابتداء دولتهم منذ ولي معاوية حين تسلمها من الحسن بن علي ، فقد كان ذلك سنة أربعين ، أو إحدى وأربعين . وكان يقال له : عام الجماعة . لأن الناس كلهم اجتمعوا على إمام واحد . وقد تقدم الحديث في " صحيح البخاري " ، عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للحسن بن علي : إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين . فكان هذا في هذا العام ، ولله الحمد والمنة ، واستمر الأمر في أيدي بني أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين وثلاثين ومائة ، حتى انتقل إلى بني العباس ، كما سنذكره ، ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة ، وهذا لا يطابق ألف شهر; لأن معدل ألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، فإن قال : أنا أخرج منها ولاية ابن الزبير . وكانت تسع سنين ، فحينئذ يبقى ثلاث وثمانون سنة .
فالجواب أنه وإن خرجت ولاية ابن الزبير ، فإنه لا يكون ما بقي مطابقا لألف شهر تحديدا ، بحيث لا ينقص يوما ولا يزيده ، كما قاله ، بل يكون ذلك تقريبا ، هذا وجه . الثاني : أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز والأهواز والعراق في بعض أيامه ، وفي مصر في قول ، ولم تنسلب يد بني أمية من الشام أصلا ، ولا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين . الثالث : أن هذا يقتضي دخول دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بني أمية ، ومقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة ، وهذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام ، وإنهم مصرحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين حتى قرنوا أيامه تابعة لأيام الأربعة ، وحتى اختلفوا في أيهما أفضل; هو أم معاوية بن أبي سفيان أحد الصحابة؟ وقد قال أحمد بن حنبل : لا أرى قول أحد من [ ص: 274 ] التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز . فإذا علم هذا ، فإن أخرج أيامه من حسابه انخرم حسابه ، وإن أدخلها فيه مذمومة خالف الأئمة ، وهذا ما لا محيد عنه ، وكل هذا مما يدل على نكارة هذا الحديث . والله أعلم .
وقال نعيم بن حماد حدثنا سفيان ، عن العلاء بن أبي العباس ، سمع أبا الطفيل ، سمع عليا يقول : لا يزال هذا الأمر في بني أمية ما لم يختلفوا بينهم . حدثنا ابن وهب ، عن حرملة بن عمران ، عن سعيد بن سالم ، عن أبي سالم الجيشاني ، سمع عليا يقول : الأمر لهم حتى يقتلوا قتيلهم ، ويتنافسوا بينهم ، فإذا كان ذلك بعث الله عليهم أقواما من المشرق ، فقتلوهم بددا وأحصوهم عددا ، والله لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين ، ولا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعا .
وقال نعيم بن حماد : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن حصين بن الوليد ، عن الأزهر بن الوليد : سمعت أم الدرداء تقول : سمعت أبا الدرداء يقول : إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلوما ، لم تزل طاعة [ ص: 275 ] يستخف بها ، ودم مسفوك بغير حق . يعني الوليد بن يزيد . ومثل هذه الأشياء إنما تقال عن توقيف =====================================ذكر الإخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش
وليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة; فإن هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمور الناس منهم إلا علي بن أبي طالب وابنه الحسن ، وآخرهم ، في زعمهم ، المهدي المنتظر ، في زعمهم ، بسرداب سامراء وليس له وجود ، ولا عين ، ولا أثر ، بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث ، الأئمة الأربعة ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، رضي الله عنهم ، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني [ ص: 284 ] عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث .
ثبت في " صحيح البخاري " من حديث شعبة ، و " مسلم " من حديث سفيان بن عيينة ، كلاهما عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون اثنا عشر خليفة " . ثم قال كلمة لم أسمعها فقلت لأبي : ما قال؟ قال : قال : " كلهم من قريش
وقال نعيم بن حماد في كتاب " الفتن والملاحم " : حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى وقد روي مثل هذا الحديث عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس وكعب الأحبار من قولهم .
وقال أبو داود : حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبيه ، عن جابر بن سمرة قال سمعت : رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليهم اثنا عشر خليفة - أو : أميرا - كلهم تجتمع عليهم الأمة وسمعت كلاما من النبي صلى الله عليه وسلم لم أفهمه ، فقلت لأبي : ما يقول؟ قال : يقول : " كلهم من قريش " .
[ ص: 285 ] وقال أبو داود أيضا : حدثنا ابن نفيل ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا زياد بن خيثمة ، حدثنا الأسود بن سعيد الهمداني ، عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها ، ظاهرة على عدوها ، حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش قال : فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا؟ قال : " ثم يكون الهرج " . قال البيهقي : ففي الرواية الأولى بيان العدد ، وفي الثانية بيان المراد بالعدد ، وفي الثالثة بيان وقوع الهرج وهو القتل بعدهم ، وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة ، كما أخبر في هذه الرواية ، ثم ظهر ملك العباسية ، كما أشار إليه في الباب قبله ، وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر إذا تركت الصفة المذكورة فيه ، أو عد معهم من كان بعد الهرج المذكور فيه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان " . ثم ساقه من حديث عاصم بن محمد ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره .
وفي " صحيح البخاري " من طريق الزهري ، عن محمد بن جبير بن [ ص: 286 ] مطعم ، عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " . قال البيهقي : أي أقاموا معالمه ، وإن قصروا هم في أعمال أنفسهم . ثم ساق أحاديث تقتضي ما ذكره في هذا . والله أعلم . فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق ، الذي قدمنا الحديث فيه بالذم والوعيد ، فإنه مسلك فيه نظر; وبيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن يزيد هذا أكثر من اثني عشر على كل تقدير نفرضه ، وبرهانه أن الخلفاء الأربعة; أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، خلافتهم محققة بنص حديث سفينة : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " . ثم بعدهم الحسن بن علي ، كما وقع ، لأن عليا أوصى إليه ، وبايعه أهل العراق ، وركب وركبوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو ومعاوية وسلمها إليه ، كما دل عليه حديث أبي بكرة في " صحيح البخاري " ، ثم معاوية ، ثم ابنه يزيد بن معاوية ، ثم ابنه معاوية بن يزيد ، ثم مروان بن الحكم ، ثم ابنه عبد الملك بن مروان ، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك ، ثم سليمان بن عبد الملك ، ثم عمر بن عبد العزيز ، ثم يزيد بن عبد الملك ، ثم هشام بن عبد الملك ، فهؤلاء خمسة عشر ، ثم الوليد بن يزيد بن [ ص: 287 ] عبد الملك ، فإن اعتبرنا ولاية ابن الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر ، وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز ، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية ، ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز ، الذي أطبق الأئمة على شكره وعلى مدحه ، وعدوه من الخلفاء الراشدين ، وأجمع الناس قاطبة على عدله ، وأن أيامه كانت من أعدل الأيام ، حتى إن الرافضة يعترفون بذلك ، فإن قال : أنا لا أعتبر في هذا إلا من اجتمعت الأمة عليه . لزمه على هذا القول أن لا يعد علي بن أبي طالب ولا ابنه; لأن الناس لم يجتمعوا عليهما; وذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما ، وعد حينئذ معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد ، ولم يعتد بأيام مروان ولا ابن الزبير; لأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما ، فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عادا للخلفاء; أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية ثم يزيد ثم معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ، ثم هشام ، فهؤلاء اثنا عشر ، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق ، ولكن هذا لا يمكن أن يسلك; لأنه يلزم منه إخراج علي وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر ، وهو خلاف ما نص عليه أئمة السنة بل والشيعة ، ثم هو خلاف ما دل عليه نصا [ ص: 288 ] حديث سفينة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا عضوضا وقد ذكر سفينة تفصيل هذه الثلاثين سنة . فجمعها من خلافة الأربعة ، وقد بينا دخول خلافة الحسن - وكانت نحوا من ستة أشهر - فيها أيضا ، ثم صار الملك إلى معاوية لما سلم الأمر إليه الحسن بن علي ، وهذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة ، وبيان أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة ، لا مطلقا ، بل انقطع تتابعها ، ولا ينفي وجود خلفاء راشدين بعد ذلك ، كما دل عليه حديث جابر بن سمرة .
وقال نعيم بن حماد : حدثنا رشدين بن سعد ، عن ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن حذيفة بن اليمان قال : يكون بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بني أمية . قيل له : خلفاء؟ قال : لا ، بل ملوك .
وقد روى البيهقي من حديث حاتم بن أبي صغيرة ، عن أبي بحر قال : كان أبو الجلد جارا لي ، فسمعته يقول ، يحلف عليه : إن هذه الأمة لن تهلك حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة ، كلهم يعمل بالهدى ودين الحق ، منهم رجلان من أهل البيت; أحدهما يعيش أربعين سنة ، والآخر ثلاثين سنة . ثم شرع البيهقي في رد ما قاله أبو الجلد بما لا يحصل به الرد ، وهذا عجيب منه ، وقد وافق أبا الجلد طائفة من العلماء ، ولعل قوله أرجح; لما ذكرنا ، وقد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدمة .
[ ص: 289 ] وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه : إن الله تعالى بشر إبراهيم بإسماعيل ، وأنه ينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثنى عشر عظيما . قال شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية : وهؤلاء هم المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة . وقرر أنهم يكونون مفرقين في الأمة ، ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا . قال : وغلط كثير ممن تشرف بالإسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة ، فاتبعوهم=============================حديث آخر فيه إشارة إلى مالك بن أنس الإمام ، رحمه الله
روى الترمذي من حديث ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رواية : يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم ، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ثم قال : هذا حديث حسن ، وهو حديث ابن عيينة ، وقد روى عنه أنه قال : هو مالك بن أنس . وكذا قال عبد الرزاق .
[ ص: 292 ] قلت وقد توفي مالك رحمه الله ، سنة تسع وسبعين ومائة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق