الاثنين، 7 ديسمبر 2015

فصل في من تخلف معذورا من البكائين وغيرهم .== ذكر مروره صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحجر == ذكر الصلاة على معاوية بن معاوية== ذكر مصالحته عليه الصلاة والسلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح ====إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بتبوك ==== ذكر أقوام تخلفوا من العصاة === قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع ======= غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم==================

قال الله تعالى : وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( التوبة : 86 - 93 ) قد تكلمنا على تفسير هذا كله في " التفسير " بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة .

[ ص: 151 ] والمقصود ذكر البكائين الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم ، حتى يصحبوه في غزوته هذه ، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه ، فرجعوا وهم يبكون ; تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله ، والنفقة فيه .

قال ابن إسحاق : وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ; فمن بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار ، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة ، وعبد الله بن المغفل المزني وبعض الناس يقولون : بل هو عبد الله بن عمرو المزني . وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف ، وعرباض بن سارية الفزاري .

قال ابن إسحاق : فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان ، فقال : ما يبكيكما ؟ قالا : جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا ، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه ، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه . فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه ، وزودهما شيئا من تمر ، فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم . زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق أما علبة بن زيد فخرج من الليل ، فصلى من ليلته ما شاء الله ، ثم بكى وقال : اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ، ولم تجعل في يد رسولك صلى الله عليه وسلم ما يحملني عليه ، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها ; في مال أو جسد أو عرض . ثم أصبح مع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين [ ص: 152 ] المتصدق هذه الليلة ؟ " فلم يقم أحد ثم قال : " أين المتصدق ؟ فليقم " . فقام إليه فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبشر ، فوالذي نفسي بيده ، لقد كتبت في الزكاة المتقبلة " .

وقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا حديث أبي موسى الأشعري فقال : حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال : أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان ، إذ هم معه في جيش العسرة ، وهو في غزوة تبوك فقلت : يا نبي الله ، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم . فقال : " والله لا أحملكم على شيء " . ووافقته وهو غضبان ولا أشعر ، فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي : أين عبد الله بن قيس ؟ فأجبته فقال : أجب ، رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك . فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين " . لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال : " انطلق بهن إلى أصحابك ، فقل : [ ص: 153 ] إن الله - أو قال : إن رسول الله - يحملكم على هؤلاء فاركبوهم " . فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته لكم ، ومنعه لي في أول مرة ، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك ، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله . فقالوا لي : والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت . قال : فانطلق أبو موسى بنفر منهم ، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ، ثم إعطائه بعد ، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء وأخرجه البخاري ومسلم جميعا ، عن أبي كريب عن أبي أسامة . وفي رواية لهما ، عن أبي موسى قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين ليحملنا ، فقال : " والله ما أحملكم ، وما عندي ما أحملكم عليه " . قال ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل ، فأمر لنا بست ذود غر الذرى ، فأخذناها ، ثم قلنا : تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا . فرجعنا له فقال : " ما أنا حملتكم ، ولكن الله حملكم " . ثم قال : " إني والله ، إن شاء الله ، لا أحلف [ ص: 154 ] على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " . .

قال ابن إسحاق : وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب ; منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة ، ومرارة بن ربيع أخو بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية أخو بني واقف ، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف ، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم .

قلت : أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا ، إن شاء الله تعالى ، وهم الذين أنزل الله فيهم : وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ( التوبة : 118 ) وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما سيأتي=============================ذكر مروره صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحجر .

قال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها ، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تشربوا من مياهها شيئا ، ولا تتوضئوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئا هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال : " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، أن يصيبكم ما أصابهم " . وتقنع بردائه وهو على الرحل . ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه .

وقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين [ ص: 164 ] فلا تدخلوا عليهم ، أن يصيبكم مثل ما أصابهم " . ورواه البخاري من حديث مالك ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار . ورواه مسلم من وجه آخر ، عن عبد الله بن دينار نحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال : " نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود ، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور ، وعلفوا العجين الإبل ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال : إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم " وهذا الحديث إسناده على شرط " الصحيحين " من هذا الوجه ، ولم يخرجوه ، وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض أبي ضمرة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به . قال البخاري : وتابعه أسامة عن نافع . ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به .

[ ص: 165 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال : لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : " لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج ، وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما ، فعقروها ، فأخذتهم صيحة ، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم ، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " قيل : من هو يا رسول الله ؟ قال : " هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " إسناده صحيح ، ولم يخرجوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال : لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنودي في الناس : الصلاة جامعة . قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول : " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم ؟ " فناداه رجل منهم : نعجب منهم يا رسول الله . قال : " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم ، فاستقيموا وسددوا ، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا ، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " . إسناده حسن ولم يخرجوه .

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن [ ص: 166 ] حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس عن سهل بن سعد الشك مني - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها ، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : " لا تشربوا من مائها شيئا ، ولا تتوضئوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له " . ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة ، خرج أحدهما لحاجته ، وخرج الآخر في طلب بعير له ; فأما الذي ذهب لحاجته ، فإنه خنق على مذهبه ، وأما الذي ذهب في طلب بعيره ، فاحتملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له ؟ " ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي ، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من تبوك - وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة - قال ابن إسحاق : وقد حدثني عبد الله بن أبي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين ، لكنه استكتمه إياهما ، فلم يحدثني بهما .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد الساعدي قال : [ ص: 167 ] خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادي القرى ، فإذا امرأة في حديقة لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " اخرصوا " . فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة : " أحصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله " . قال : فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة ، فلا يقومن فيها رجل ، فمن كان له بعير فليوثق عقاله " . قال أبو حميد فعقلناها ، فلما كان من الليل ، هبت علينا ريح شديدة ، فقام فيها رجل فألقته في جبل طيئ ، ثم جاء رسول الله ملك أيلة ، فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء ، وكساه رسول الله بردا ، وكتب له ببحرهم ، ثم أقبل وأقبلنا معه ، حتى جئنا وادي القرى ، فقال للمرأة : " كم جاءت حديقتك ؟ " قالت : عشرة أوسق ، خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني متعجل ، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " . قال : فخرج رسول الله وخرجنا معه ، حتى إذا أوفى على المدينة قال : " هذه طابة " . فلما رأى أحدا قال : " هذا أحد يحبنا ونحبه ألا أخبركم بخير دور الأنصار ؟ " قلنا : بلى يا رسول الله . قال : " خير دور الأنصار بنو النجار ، ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني ساعدة ثم في كل دور الأنصار خير " . وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه .

[ ص: 168 ] وقال الإمام مالك رحمه الله عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء . قال : فأخر الصلاة يوما ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ، ثم قال : " إنكم ستأتون غدا ، إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي " قال : فجئناها وقد سبق إليها رجلان ، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل مسستما من مائها شيئا ؟ " قالا : نعم . فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه ، ثم أعاده فيها ، فجرت العين بماء كثير ، فاستقى الناس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا " . وأخرجه مسلم من حديث مالك ب====================================ذكر الصلاة على معاوية بن معاوية إن صح الخبر في ذلك .

روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال : سمعت أنس بن مالك قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك ، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى ، فأتى جبريل رسول الله ، فقال : " يا جبريل ، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى ؟ " قال : ذلك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم ، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه . قال : " ومم ذاك ؟ " قال : بكثرة قراءته قل هو الله أحد بالليل [ ص: 173 ] والنهار ، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه ؟ قال : " نعم " . قال : فصلى عليه ثم رجع . وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة والناس يسندون أمره إلى العلاء بن زيد هذا ، وقد تكلموا فيه .

ثم قال البيهقي : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا هاشم بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم حدثنا محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال : جاء جبريل فقال : يا محمد ، مات معاوية بن معاوية المزني أفتحب أن تصلي عليه ؟ قال : " نعم " . فضرب بجناحه ، فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له . قال : فصلى وخلفه صفان من الملائكة ، في كل صف سبعون ألف ملك . قال : قلت : " يا جبريل ، بما نال هذه المنزلة من الله ؟ " قال : بحبه قل هو الله أحد يقرؤها قائما وقاعدا ، وذاهبا وجائيا ، وعلى كل حال . قال عثمان : فسألت أبي : أين كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بغزوة تبوك بالشام ، ومات معاوية بالمدينة ، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه . وهذا أيضا منكر من هذا الوجه==================================ذكر مصالحته ، عليه الصلاة والسلام ، ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وهو مخيم على تبوك قبل رجوعه .

قال ابن إسحاق : ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة ، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية ، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم ، فكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة : " بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر ، لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، [ ص: 178 ] فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوه ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر " . زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا . وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله .

قال يونس عن ابن إسحاق وكتب لأهل جرباء وأذرح : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل جرباء وأذرح ، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب ، ومائة أوقية طيبة وأن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين ، ومن لجأ إليهم من المسلمين " . قال : وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم . قال : فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار===================================فصل ( إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بتبوك ) .

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة بتبوك لم يجاوزها ، ثم انصرف قافلا إلى المدينة . قال وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ، يروي الراكب والراكبين والثلاثة ، بواد يقال له : وادي المشقق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه " . قال : فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه ، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال : " من سبقنا إلى هذا الماء ؟ " فقيل له : يا رسول الله فلان وفلان . فقال : " أولم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه ؟ " ثم لعنهم ودعا عليهم ، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل ، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ، ثم نضحه به ومسحه بيده ، ودعا بما شاء الله أن يدعو ، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق ، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه " .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال : قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر ، فاتبعتها أنظر إليها . قال : فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلموأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم ، [ ص: 182 ] قد حفروا له ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه ، وإذا هو يقول : " أدنيا إلي أخاكما " . فدلياه إليه ، فلما هيأه لشقه قال : " اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه " . قال : يقول ابن مسعود : يا ليتني كنت صاحب الحفرة .

قال ابن هشام إنما سمي ذا البجادين ; لأنه كان يريد الإسلام ، فمنعه قومه وضيقوا عليه ، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد ، وهو الكساء الغليظ فشقه باثنتين ، فائتزر بواحدة وارتدى بالأخرى ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين .

قال ابن إسحاق : وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين وكان من أصحاب الشجرة يقول : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك ، فسرت ذات ليلة معه ونحن بالأخضر ، وألقى الله علي النعاس ، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيفزعني دنوها منه ; مخافة أن أصيب رجله في الغرز فطفقت أحوز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز ، فلم أستيقظ إلا بقوله : " حس " . فقلت : يا رسول الله استغفر لي . قال : " سر " . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني [ ص: 183 ] عمن تخلف عنه من بني غفار ، فأخبره به ، فقال وهو يسألني : " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط الذين لا شعر في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم قال : " فما فعل النفر السود الجعاد القصار ؟ " قال : قلت : والله ما أعرف هؤلاء منا . قال : " بلى ، الذين لهم نعم بشبكة شدخ " . فتذكرتهم في بني غفار ، فلم أذكرهم ، حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا ، فقلت : يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل الله ؟ إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني ; المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم " . .

وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة ، هم جماعة من المنافقين بالفتك به ، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق ، فأخبر بخبرهم ، فأمر الناس بالمسير من الوادي ، وصعد هو العقبة ، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها ، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبصر حذيفة غضبه ، فرجع إليهم ومعه محجن ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم ، فأسرعوا حتى خالطوا الناس ، وأقبل حذيفة حتى أدرك [ ص: 184 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ، ووقفوا ينتظرون الناس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة : " هل عرفت هؤلاء القوم ؟ " قال : ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم . ثم قال : " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ " قالا : لا . فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه ، وسماهم لهما واستكتمهما ذلك فقالا : يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم ؟ فقال : " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " . .

وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة ، إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده ، وهذا هو الأشبه . والله أعلم . ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود : أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد ؟ - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ؟ - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ؟ - يعني عمارا . وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة : أقسمت عليك بالله أنا منهم ؟ قال : لا ولا أبرئ بعدك أحدا . يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم .

قلت : وقد كانوا أربعة عشر رجلا وقيل : كانوا اثني عشر رجلا .

وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه . ثم سرد ابن [ ص: 185 ] إسحاق أسماءهم ، قال : وفيهم أنزل الله عز وجل : وهموا بما لم ينالوا ( التوبة : 74 ) .

وروى البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها . قال : فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصرخ بهم فولوا مدبرين ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل عرفتم القوم ؟ " . قلنا : لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ، ولكنا قد عرفنا الركاب . قال : " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا ؟ " . قلنا : لا . قال : " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها " . قلنا : يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال : " لا ، أكره أن تحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم ، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم " . ثم قال : " اللهم ارمهم بالدبيلة " . قلنا : يا رسول الله ، وما الدبيلة ؟ قال : " شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك " . .

[ ص: 186 ] وفي " صحيح مسلم " من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد قال : قلت لعمار : أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي ; أرأيا رأيتموه أم شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة ، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " في أصحابي اثنا عشر منافقا ، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " .

وفي رواية له من وجه آخر عن قتادة : إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة ; سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم " . .

قال الحافظ البيهقي : وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر ، أو خمسة عشر ، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر ثلاثة أنهم قالوا : ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد .

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في " مسنده " قال : حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بالعقبة ، [ ص: 187 ] فلا يأخذها أحد . فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل ، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة : " قد قد " . حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما هبط نزل ورجع عمار قال : " يا عمار هل عرفت القوم ؟ " قال : قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلثمون . قال : " هل تدري ما أرادوا ؟ " قال : الله ورسوله أعلم . قال : " أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه " . قال : فسار عمار رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : نشدتك بالله ، كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر . فقال : إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر . قال : فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما علمنا ما أراد القوم . فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . .=====================================ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء .

قال علي بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ( التوبة : 102 ) قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 199 ] في غزوة تبوك فلما حضر رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد ، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من المسجد عليهم ، فلما مر بهم رسول الله قال : " من هؤلاء ؟ " قالوا : أبو لبابة وأصحاب له ، تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال : " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله ، عز وجل ، هو الذي يطلقهم ، رغبوا عني ، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " . فلما أن بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا ، فأنزل الله عز وجل : وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية . " وعسى " من الله واجب فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم فجاءوا بأموالهم وقالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا ، فقال : " ما أمرت أن آخذ أموالكم " . فأنزل الله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم إلى قوله وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ( التوبة : 103 ، 106 ) . وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا إلى آخرها ( التوبة : 117 ، 118 ) . وكذا رواه عطية بن سعد العوفي عن ابن عباس بنحوه .

وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة [ ص: 200 ] وما كان من أمره يوم بني قريظة ، وربطه نفسه حتى تيب عليه ، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه ، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يكفيك من ذلك الثلث " . قال مجاهد وابن إسحاق : وفيه نزل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية . قال سعيد بن المسيب : ثم لم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خير ، رضي الله عنه وأرضاه .

قلت : ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه ، واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم ، كما دل عليه سياق ابن عباس . والله أعلم .

وروى الحافظ البيهقي من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه ، عن أبي مسعود قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان " . حتى عد ستة وثلاثين ، ثم قال : " إن فيكم - أو إن منكم - منافقين فسلوا الله العافية " . قال : فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال : ما شأنك ؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : بعدا لك سائر اليوم . .

قلت : كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام ; مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم ، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون وهم البكاءون ، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة وأبو لبابة وأصحابه المذكورون ، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون==============================قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع .

تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية ، وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم مالك بن عوف النصري أنعم عليه وأعطاه ، وجعله أميرا على من أسلم من قومه ، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم ، حتى ألجأهم إلى الدخول في الإسلام ، وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك .

قال ابن إسحاق : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان ، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف ، وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم ، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم ، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه - : " إنهم قاتلوك " . وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع ; للذي كان منهم ، فقال عروة : يا رسول الله ، أنا أحب إليهم من أبكارهم . وكان فيهم [ ص: 205 ] كذلك محببا مطاعا ، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام ، رجاء أن لا يخالفوه ; لمنزلته فيهم ، فلما أشرف على علية له ، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه ، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله ، فيزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له : أوس بن عوف . أخو بني سالم بن مالك ، وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له : وهب بن جابر . فقيل لعروة : ما ترى في دمك ؟ قال : كرامة أكرمني الله بها ، وشهادة ساقها الله إلي ، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم ، فادفنوني معهم . فدفنوه معهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه : " إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه " وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد ، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم .

قال ابن إسحاق : ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا ، ثم إنهم ائتمروا بينهم ، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، وقد بايعوا وأسلموا ، فائتمروا فيما بينهم ، وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج ، فائتمروا بينهم ، ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم ، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن [ ص: 206 ] عمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك ، وهم ; الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف أخو بني سالم ، ونمير بن خرشة بن ربيعة .

وقال موسى بن عقبة كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رئيسهم ، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد .

قال ابن إسحاق : فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم ، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أنهم قدموا يريدون البيعة والإسلام بأن يشرط لهم رسول الله شروطا ، ويكتتبوا كتابا في قومهم ، فقال أبو بكر للمغيرة : أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه . ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم ، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم ، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية ، ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد ، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم ، وهو الذي كتب لهم كتابهم . قال : وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية - وهي اللات - ثلاث سنين ، فما برحوا [ ص: 207 ] يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم ، حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم ، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها ، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم ، فقال : " أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك ، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه " . فقالوا : سنؤتيكها وإن كانت دناءة .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم ولا خير في دين لا ركوع فيه " . وقال عثمان بن أبي العاص : يا رسول الله ، علمني القرآن واجعلني إمام قومي . وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد به .

[ ص: 208 ] وقال أبو داود : حدثنا الحسن بن الصباح ثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم بن معقل بن منبه عن أبيه ، عن وهب قال : سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت ، قال : اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد ، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك : " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " . .

قال ابن إسحاق : فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان أحدثهم سنا - لأن الصديق قال : يا رسول الله ، إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن .

وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم ، فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن ، فإن وجده نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام ، وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا .

قال ابن إسحاق : حدثني سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال : كان من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ثقيف أن قال : " يا عثمان تجوز في الصلاة ، واقدر [ ص: 209 ] الناس بأضعفهم ، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة " . .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبي العاص قال : قلت : يا رسول الله اجعلني إمام قومي . قال : " أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم ، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " . رواه أبو داود والنسائي من حديث حماد بن سلمة به . ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق كما تقدم .

وروى أحمد عن عفان عن وهيب وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن داود بن أبي عاصم عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال : " إذا صليت بقوم فخفف بهم " . حتى وقت لي اقرأ باسم ربك الذي خلق ( العلق : 1 ) وأشباهها من القرآن .

وقال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب قال : حدث عثمان بن أبي العاص قال : آخر ما عهد [ ص: 210 ] إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة " . ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر غندر به .

وقال أحمد : حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول : استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ، فكان آخر ما عهده إلي أن قال : " خفف عن الناس الصلاة " . تفرد به من هذا الوجه .

وقال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبي العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ، ثم قال : " من أم قوما فليخفف بهم ، فإن فيهم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة ، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء " . ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به .

وقال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أشياخا من ثقيف قالوا : حدثنا عثمان بن أبي العاص أنه قال : قال [ ص: 211 ] لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أم قومك ، وإذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة ; فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة " . .

وقال أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير أن عثمان قال : يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي . قال : ذاك شيطان يقال له : خنزب . فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا " . قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به .

وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق ، عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده ، فقال له : " ضع يدك على الذي تألم من جسدك ، وقل : بسم الله . ثلاثا ، وقل سبع مرات : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " . وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي ، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم . .

وقال أبو عبد الله بن ماجه : حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن [ ص: 212 ] عبد الله الأنصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن - وهو ابن جوشن - حدثني أبي ، عن عثمان بن أبي العاص قال : لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي ، حتى ما أدري ما أصلي ، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ابن أبي العاص ؟ " قلت : نعم يا رسول الله . قال : " ما جاء بك ؟ " قلت : يا رسول الله ، عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي . قال : " ذاك الشيطان ، ادنه " . فدنوت منه فجلست على صدور قدمي . قال : فضرب صدري بيده وتفل في فمي ، وقال : " اخرج عدو الله " . ففعل ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : " الحق بعملك " . قال : فقال عثمان : فلعمري ما أحسبه خالطني بعد . تفرد به ابن ماجه .

قال ابن إسحاق : وحدثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال : كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا ، فيأتينا بالسحور ، فإنا لنقول : إنا لنرى الفجر قد طلع . فيقول : قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور . ويأتينا بفطرنا ، وإنا لنقول : ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد . فيقول : ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها .

وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أوس بن [ ص: 213 ] حذيفة قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف . قال : فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له ، كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه ، حتى يراوح بين رجليه من طول القيام ، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ، ثم يقول : " لا أنسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة ، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ، ندال عليهم ويدالون علينا " . فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا : لقد أبطأت عنا الليلة . فقال : " إنه طرأ علي حزبي من القرآن ، فكرهت أن أجيء حتى أتمه " . قال أوس : سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن ؟ فقالوا : ثلاث ، وخمس ، وسبع ، وتسع ، وإحدى عشرة ، وثلاث عشرة ، وحزب المفصل وحده . لفظ أبي داود .

قال ابن إسحاق : فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين ، [ ص: 214 ] بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية ، فخرجا مع القوم ، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال : ادخل أنت على قومك . وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم ، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول ، وقام قومه بنو معتب دونه ; خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود . قال : وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ، ويقلن : لتبكين دفاع ، أسلمها الرضاع ، لم يحسنوا المصاع .

قال ابن إسحاق : ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس : واها لك إهلاكك . فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان وقال له : إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية . فقضى ذلك عنهما .

قلت : كان الأسود قد مات مشركا ، ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الأسود رضي الله عنه .

وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا ، فلما قدموا [ ص: 215 ] أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن ، فسألوه عن الربا والزنا والخمر ، فحرم عليهم ذلك كله ، فسألوه عن الربة ما هو صانع بها . قال : " اهدموها " . قالوا : هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها . فقال عمر بن الخطاب ويحك يا بن عبد ياليل ! ما أجهلك ! إنما الربة حجر . فقالوا : إنا لم نأتك يا بن الخطاب . ثم قالوا : يا رسول الله ، تول أنت هدمها ، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا . فقال : " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " . فكاتبوه على ذلك ، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم ، فلما جاءوا قومهم تلقوهم ، فسألوهم ما وراءكم ؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ ، قد ظهر بالسيف ، يحكم ما يريد وقد دوخ العرب ، قد حرم الربا والزنا والخمر ، وأمر بهدم الربة ، فنفرت ثقيف وقالوا : لا نطيع لهذا أبدا . قال : فأهبوا للقتال وأعدوا السلاح . فمكثوا على ذلك يومين أو ثلاثة ، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب ، فرجعوا وأنابوا ، وقالوا : ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه . قالوا : فإنا قد فعلنا ذلك ، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه ، فافهموا ما في القضية واقبلوا عافية الله . قالوا : فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا : أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان . فأسلموا مكانهم ، ومكثوا أياما ، ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فعمدوا إلى اللات ، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساؤها والصبيان ، [ ص: 216 ] حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لأصحابه : والله لأضحكنكم من ثقيف .

فضرب بالكرزين ، ثم سقط يركض برجله ، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا : أبعد الله المغيرة قتلته الربة . وقالوا لأولئك : من شاء منكم فليقترب فقام المغيرة فقال : والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر ، فاقبلوا عافية الله واعبدوه . ثم إنه ضرب الباب فكسره ثم علا سورها ، وعلا الرجال معه ، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض ، وجعل سادنها يقول : ليغضبن الأساس فليخسفن بهم . فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد : دعني أحفر أساسها . فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها ، وبهتت عند ذلك ثقيف ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسم أموالها من يومه ، وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله .

قال ابن إسحاق : وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين ; إن عضاة وج وصيده لا يعضد ، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه ، وإن [ ص: 217 ] تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا ، وإن هذا أمر النبي محمد . وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه ، عن عروة بن الزبير عن أبيه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن الأسود حذوها ، فاستقبل نخبا ببصره ، يعني واديا ، ووقف حتى اتقف الناس كلهم ، ثم قال : " إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله " . وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا . وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في " ثقاته " . وقال ابن معين : ليس به بأس . تكلم فيه بعضهم ، وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث ، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه . والله أعلم======================================في كون غزوة تبوك آخر غزوة وقصيدة حسان بن ثابت ) .

قال ابن إسحاق : وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال حسان بن ثابت ، رضي الله عنه ، يعدد أيام الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه - قال ابن هشام وتروى لابنه عبد [ ص: 221 ] الرحمن بن حسان - :


ألست خير معد كلها نفرا ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا     قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم
مع الرسول فما ألوا وما خذلوا     وبايعوه فلم ينكث به أحد
منهم ولم يك في إيمانهم دخل     ويوم صبحهم في الشعب من أحد
ضرب رصين كحر النار مشتعل     ويوم ذي قرد يوم استثار بهم
على الجياد فما خاموا ولا نكلوا     وذا العشيرة جاسوها بخيلهم
مع الرسول عليها البيض والأسل     ويوم ودان أجلوا أهله رقصا
بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل     وليلة طلبوا فيها عدوهم
لله والله يجزيهم بما عملوا     وليلة بحنين جالدوا معه
فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا     وغزوة يوم نجد ثم كان لهم
مع الرسول بها الأسلاب والنفل     وغزوة القاع فرقنا العدو به
كما تفرق دون المشرب الرسل [ ص: 222 ]     ويوم بويع كانوا أهل بيعته
على الجلاد فآسوه وما عدلوا     وغزوة الفتح كانوا في سريته
مرابطين فما طاشوا ولا عجلوا     ويوم خيبر كانوا في كتيبته
يمشون كلهم مستبسل بطل     بالبيض ترعش في الأيمان عارية
تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل     ويوم سار رسول الله محتسبا
إلى تبوك وهم راياته الأول     وساسة الحرب إن حرب بدت لهم
حتى بدا لهم الإقبال فالقفل     أولئك القوم أنصار النبي وهم
قومي أصير إليهم حين أتصل     ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم
وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا=====================فصل ( الأمور الحادثة سنة تسع ) .

كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الأمور الحادثة غزوة تبوك في [ ص: 230 ] رجب منها كما تقدم بيانه . قال الواقدي : وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس . وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغسلتها أسماء بنت عميس ، وصفية بنت عبد المطلب ، وقيل : غسلها نسوة من الأنصار فيهم أم عطية .

قلت : وهذا ثابت في " الصحيحين " ، وثبت في الحديث أيضا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما صلى عليها وأراد دفنها قال : " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " . فامتنع زوجها عثمان لذلك ، ودفنها أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه ، ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم فقال : " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء " . إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا بعيد والله أعلم .

وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه . وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد ، وهو دار حرب في الباطن فأمر به ، عليه الصلاة والسلام ، [ ص: 231 ] فحرق . وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالأمان ، وكسرت اللات كما تقدم ، وفيها توفي عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، لعنه الله ، في أواخرها ، وقبله بأشهر توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك ، وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه ، بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك ، وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ، ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود ، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغير======فصل ( الأمور الحادثة سنة تسع ) .

كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الأمور الحادثة غزوة تبوك في [ ص: 230 ] رجب منها كما تقدم بيانه . قال الواقدي : وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس . وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغسلتها أسماء بنت عميس ، وصفية بنت عبد المطلب ، وقيل : غسلها نسوة من الأنصار فيهم أم عطية .

قلت : وهذا ثابت في " الصحيحين " ، وثبت في الحديث أيضا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما صلى عليها وأراد دفنها قال : " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " . فامتنع زوجها عثمان لذلك ، ودفنها أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه ، ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم فقال : " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء " . إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا بعيد والله أعلم .

وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه . وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد ، وهو دار حرب في الباطن فأمر به ، عليه الصلاة والسلام ، [ ص: 231 ] فحرق . وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالأمان ، وكسرت اللات كما تقدم ، وفيها توفي عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، لعنه الله ، في أواخرها ، وقبله بأشهر توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك ، وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه ، بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك ، وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ، ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود ، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق