ذكر رفع أهل الشام المصاحف مكرا منهم بأهل العراق وخديعة
قصة التحكيم
ذكر خروج الخوارج
مناظرة علي رضي الله عنه للخوارج
صفة اجتماع الحكمين وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل
ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة
ما ورد في الخوارج من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج
ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج
قتال علي الخوارج يوم النهروان كان سنة سبع وثلاثين
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
==)===================================
ذكر رفع أهل الشام المصاحف مكرا منهم بأهل العراق وخديعة
فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح ، وقالوا : هذا بيننا وبينكم ، قد فني الناس فمن للثغور ؟ ومن لجهاد المشركين والكفار ؟
وذكر ابن جرير وغيره من أهل التاريخ ، أن الذي أشار برفع المصاحف هو عمرو بن العاص ، وذلك لما رأى أن أهل العراق قد ظهروا وانتصروا ، أحب أن ينفصل الحال ، وأن يتأخر الأمر ، فإن كلا من الفريقين صابر للآخر ، والناس [ ص: 544 ] يتفانون ، فقال لمعاوية : إني قد رأيت أمرا لا يزيدنا إلا اجتماعا ، ولا يزيد أهل العراق إلا تفرقا واختلافا ، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها ، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال هذه الساعة ، وإن اختلفوا فيما بينهم - بأن يقول بعضهم : نجيبهم . وبعضهم : لا نجيبهم . فشلوا وذهبت ريحهم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعلى بن عبيد ، عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهروان ، فيم استجابوا له وفيم فارقوه ، وفيم استحل قتالهم ؟ فقال : كنا بصفين ، فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : أرسل إلى علي بمصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك . فجاء به رجل فقال : بيننا وبينكم كتاب الله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون [ آل عمران : 544 ] فقال علي : نعم ، أنا أولى بذلك ، بيننا وبينكم كتاب الله . قال فجاءته الخوارج - ونحن ندعوهم يومئذ القراء - وسيوفهم على عواتقهم ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ما تنتظر بهؤلاء القوم الذين [ ص: 545 ] على التل ، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فتكلم سهل بن حنيف ، فقال : يا أيها الناس اتهموا أنفسكم ، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يوم الصلح الذي كان بين رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وبين المشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا ، فجاء عمر إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على باطل ؟ وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه .
فلما رفعت المصاحف ، قال أهل العراق : نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه . قال أبو مخنف : حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي ، عن أبيه أن عليا قال : عباد الله ، امضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم ; فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، وقد صحبتهم أطفالا ، وصحبتهم رجالا ، فكانوا شر أطفال ، وشر رجال ، ويحكم ! والله إنهم ما رفعوها رفع من يقرأها ويعمل بما فيها وإنما رفعوها خديعة [ ص: 546 ] ودهاء ومكيدة ومكرا وتخذيلا لكم ، وكسرا لحدتكم وقتالكم ، ولم يبق إلا هزيمتهم وفرارهم ونصركم عليهم . فقالوا له : ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله ونجيب إليه . فقال لهم : إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب ; فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم به ، وتركوا عهده ، ونبذوا كتابه . فقال له مسعر بن فدكي التميمي ، وزيد بن حصن الطائي ثم السنبسي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج : يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم ، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان ، إنه لما ترك العمل بكتاب الله قتلناه ، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك . قال : فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي ، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا ، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم . قالوا : فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال . فبعث إليه علي ليكف عن القتال .
وقد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه الذي صنفه في الخوارج ، فقال : قال ابن عباس : فحدثني محمد بن المنتشر الهمداني ، عن من شهد صفين ، وعن ناس من رءوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب ، أن عمار بن ياسر كره ذلك وأبى ، [ ص: 547 ] وقال في علي بعض ما أكره ذكره ، ثم قال عمار : من رائح إلى الله قبل أن يبتغي غير الله حكما ؟ فحمل فقاتل حتى قتل ، رضي الله عنه . وكان ممن دعا إلى ذلك في ذلك اليوم من سادات الشاميين عبد الله بن عمرو بن العاص ; قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة والكف وترك القتال والائتمار بما في القرآن ، وذلك عن أمر معاوية له في ذلك ، رضي الله عنهما ، وكان ممن أشار على علي بالقبول والدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي ، رضي الله عنه ، فروى أبو مخنف من وجه آخر أن عليا لما بعث إلى الأشتر قال : قل له : إن هذه ساعة ليس ينبغي أن تزيلني عن موقفي فيها ، إني قد رجوت أن يفتح الله علي فلا تعجلني . فرجع الرسول - وهو يزيد بن هانئ - إلى علي فأخبره بما قال الأشتر ، وصمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة ، فارتفع الهرج وعلت الأصوات ، فقال أولئك القوم لعلي : والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل . فقال علي : أرأيتموني ساررت الرسول ، ألم أبعث إليه جهرة وأنتم تسمعون ؟ فقالوا : فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك . فقال علي ليزيد بن هانئ : ويحك ! قل له : أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت . فلما رجع إليه يزيد بن هانئ وأبلغه ما قال علي أنه يقبل إليه ، جعل [ ص: 548 ] الأشتر يتململ ويقول : ويحك ! ألا ترى ما نحن فيه من النصر ، ولم يبق إلا القليل ؟ فقلت : أيما أحب إليك ; أن ترجع أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان ؟ ثم ماذا تغني عنك نصرتك هاهنا ؟ قال : فأقبل الأشتر إلى علي وترك القتال ، فقال الأشتر : يا أهل العراق ، يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم ، وظهرتم وظنوا أنكم لهم قاهرون ; رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها ، وسنة من أنزل عليه القرآن ، فلا تجيبوهم ، أمهلوني فإني قد أحسست بالفتح . قالوا : لا . قال : أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر . قالوا : إذا ندخل معك في خطيئتك . ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام بما حاصله : إن كان أول قتالكم لهؤلاء حقا فاستمروا عليه ، وإن كان باطلا فاشهدوا لقتلاكم بالنار . فقالوا : دعنا منك فإنا لا نطيعك ولا صاحبك أبدا ، ونحن قاتلنا هؤلاء في الله وتركنا قتالهم لله . فقال لهم الأشتر : خدعتم والله فانخدعتم ، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب السوء ، كنا نظن صلاتكم زهادة في [ ص: 549 ] الدنيا وشوقا إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ، يا أشباه النيب الجلالة ، ما أنتم بربانيين بعدها ، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون . فسبوه وسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم ، وجرت بينهم أمور طويلة ، ورغب أكثر الناس من العراقيين والشاميين بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعلهم يتفقون على أمر يكون فيه مصلحة لحقن دماء المسلمين ، فإن الناس قد تفانوا في هذه المدة ، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي كان آخرها ليلة الجمعة ، وهي ليلة الهرير . وقد صبر كل من الجيشين للآخر صبرا لم ير مثله لما كان فيهم من الشجعان والأبطال ما ليس يوجد مثلهم في الدنيا ، ولهذا لم يفر أحد عن أحد بل صبروا حتى قتل من الفريقين - فيما ذكره غير واحد - سبعون ألفا ; خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق . قاله غير واحد ; منهم محمد بن سيرين ، وسيف وغيره . وزاد أبو الحسن بن البراء : وكان في أهل العراق خمسة وعشرون [ ص: 550 ] بدريا . قال : وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفا . واختلفا في مدة المقام بصفين ; فقال سيف : سبعة أشهر أو تسعة أشهر . وقال أبو الحسن بن البراء : مائة وعشرة أيام . قلت : ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر ، وذلك ثلاثة وسبعون يوما . فالله أعلم . وقال الزهري : بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسا . هذا كله ملخص من كلام ابن جرير ، وابن الجوزي في كتابه " المنتظم " .
وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان ، عن أبي اليمان ، عن صفوان بن عمرو قال : كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا ، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا فقتل منهم أربعون ألفا . وحمل البيهقي هذه الوقعة على الحديث الذي أخرجاه في " الصحيحين " عن أبي [ ص: 551 ] هريرة . ورواه البخاري من طريق أخرى ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة . ورواه مجالد ، عن أبي الحواري ، عن أبي سعيد مرفوعا مثله . ورواه الثوري ، عن ابن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة ; فبينما هم كذلك إذ مرقت منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق . وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد ، عن ابن مهدي وإسحاق ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن البراء بن ناجية الكاهلي ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إن رحى الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين ، فإن يهلكوا فسبيل من هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما . فقال عمر : يا رسول الله أمما مضى أم مما بقي ؟ [ ص: 552 ] قال : بل مما بقي .
وقد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في سيرة علي ; رواه عن إبراهيم ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن شريك ، عن منصور به مثله . وقال أيضا : حدثنا أبو نعيم ، ثنا شريك بن عبد الله النخعي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : قال لنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة ; فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا ، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم . وقال ابن ديزيل : حدثنا عبد الله بن عمر ، ثنا عبد الله بن خراش الشيباني ، عن العوام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : تدور رحى الإسلام عند قتل رجل من بني أمية يعني عثمان ، رضي الله عنه . وهذا مرسل . وقال أيضا : حدثنا الحكم ، عن نافع ، عن صفوان بن عمرو ، عن الأشياخ أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، دعي إلى جنازة رجل من الأنصار فقال وهو قاعد ينتظرها : " كيف أنتم إذا رأيتم خيلين في الإسلام ؟ " . [ ص: 553 ] قالوا : أو يكون ذلك في أمة إلهها واحد ونبيها واحد ؟ قال : " نعم " . قال أبو بكر : أفأدرك ذلك يا رسول الله ؟ قال : " لا " . قال عمر : أفأدرك ذلك يا رسول الله ؟ قال : " لا " . قال عثمان : أفأدرك ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ! بك ينشئون الحرب . وقال عمر بن الخطاب لابن عباس : كيف يختلفون وإلههم واحد وقبيلتهم واحدة ؟ فقال : إنه سيجيئ قوم لا يفهمون القرآن كما نفهم فيختلفون فيه ، فإذا اختلفوا اقتتلوا . فأقر عمر بذلك . وقال أيضا : حدثنا أبو نعيم ، ثنا سعيد بن عبد الرحمن - أخو أبي حمزة - ثنا محمد بن سيرين قال : لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم : لا ينتطح في قتله عنزان . فلما كان يوم صفين فقئت عينه ، فقيل : لا ينتطح في قتله عنزان ! فقال : بلى ، وتفقأ عيون كثيرة . وروي عن كعب الأحبار أنه مر بصفين ، فرأى حجارتها فقال : لقد اقتتل في هذا الموضع بنو إسرائيل تسع مرات ، وإن العرب ستقتتل فيها العاشرة ، حتى يتقاذفوا بالحجارة التي تقاذف بها بنو إسرائيل ، ويتفانوا كما تفانوا .
وقد ثبت في الحديث أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : سألت ربي أن لا [ ص: 554 ] يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم ، فيستبيح بيضتهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط بعضهم على بعض فمنعنيها . ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض [ الأنعام : 65 ] . قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، هذا أهون . ======================================
ذكر خروج الخوارج
وذلك أن الأشعث بن قيس مر على ملأ من بني تميم ، فقرأ عليهم الكتاب ، [ ص: 560 ] فقام إليه عروة ابن أدية - وهي أمه ، وهو عروة بن حدير من بني ربيعة بن حنظلة ، وهو أخو أبي بلال مرداس بن حدير - فقال : أتحكمون في دين الله الرجال ؟ ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث ، فغضب الأشعث وقومه ، وجاء الأحنف بن قيس وجماعة من رؤساء بني تميم يعتذرون إلى الأشعث من ذلك . قال الهيثم بن عدي والخوارج يزعمون أن أول من حكم عبد الله بن وهب الراسبي ، والصحيح الأول . وقد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل طوائف من أصحاب علي من القراء وقالوا : إن الحكم إلا لله . فسموا المحكمية . وتفرق الناس إلى بلادهم من صفين ، فرجع علي إلى الكوفة على طريق هيت ، ورجع معاوية إلى الشام بأصحابه ، فلما دخل علي الكوفة سمع رجلا يقول : ذهب علي ورجع في غير شيء . فقال علي : للذين فارقناهم آنفا خير من هؤلاء . ثم أنشأ يقول :
[ ص: 561 ]
أخوك الذي إن أجرضتك ملمة من الدهر لم يبرح لبثك واجما وليس أخوك بالذي إن تشعبت
عليك الأمور ظل يلحاك لائما
ثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الإمارة من الكوفة ، ولما كان قد قرب من دخول الكوفة انخزل من جيشه قريب من اثني عشر ألفا وهم الخوارج ، وأبوا أن يساكنوه في بلده ، ونزلوا بمكان يقال له : حروراء . وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون أنه ارتكبها ، فبعث إليهم علي ، رضي الله عنه ، عبد الله بن عباس فناظرهم ، فرجع أكثرهم وبقي بقيتهم ، فقاتلهم علي وأصحابه ، كما سيأتي بيانه وتفصيله قريبا إن شاء الله تعالى . والمقصود أن هؤلاء الخوارج هم المشار إليهم في الحديث المتفق عليه أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : تمرق مارقة على حين فرقة من الناس - وفي رواية : " من المسلمين " . وفي رواية : " من أمتي " - " فيقتلها أولى الطائفتين بالحق " . [ ص: 562 ] وهذا الحديث له طرق متعددة وألفاظ كثيرة .
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع وعفان ، ثنا القاسم بن الفضل ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق . ورواه مسلم ، عن شيبان بن فروخ ، عن القاسم به .
وقال أحمد : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : تكون أمتي فرقتين ، تخرج بينهما مارقة ، يلي قتلها أولاهما بالحق . ورواه مسلم ، من حديث قتادة وداود بن أبي هند عن أبي نضرة به .
وقال أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن سليمان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس ، سيماهم التحليق ، هم شر الخلق - أو من شر الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق . قال أبو سعيد : وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق .
[ ص: 563 ] وقال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا عوف ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : تفترق أمتي فرقتين ، فتمرق بينهما مارقة ، فيقتلها أولى الطائفتين بالحق . ورواه أيضا ، عن يحيى القطان ، عن عوف ; وهو الأعرابي ، به مثله . فهذه طرق متعددة عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي ، وهو أحد الثقات الرفعاء . ورواه مسلم أيضا ، من حديث سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن الضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد بنحوه .
فهذا الحديث من دلائل النبوة ; لأنه قد وقع الأمر طبق ما أخبر الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين ; أهل الشام وأهل العراق ، لا كما يزعمه فرقة الرافضة ، أهل الجهل والجور ، من تكفيرهم أهل الشام . وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة ، أن عليا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدا في قتاله له وقد أخطأ ، وهو مأجور إن شاء الله ، ولكن عليا هو الإمام المصيب إن شاء الله تعالى ، فله أجران كما ثبت في " صحيح البخاري " ، من حديث عمرو بن العاص ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر . وسيأتي بيان كيفية قتال علي ، رضي الله عنه ، للخوارج ، وصفة [ ص: 564 ] المخدج الذي أخبر به الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، فوجد كما أخبر ، ففرح بذلك علي ، رضي الله عنه ، وسجد شكرا لله عز وجل . ======================================إظهار التشكيل|إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء العاشر التحليل الموضوعي
صفة اجتماع الحكمين وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ، رضي الله عنهما ، بدومة الجندل
وكان ذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين . وقال الواقدي : اجتمعوا في شعبان . وذلك أن عليا ، رضي الله عنه ، لما كان مجيء رمضان ، بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ ، ومعهم أبو موسى ، وعبد الله بن عباس ، وإليه الصلاة ، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام ومعه عبد الله بن عمرو ، ابنه فتوافوا بدومة [ ص: 571 ] الجندل بأذرح - وهي نصف بين الشام والكوفة ، بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد ذلك معهم جماعة من رءوس الناس ; كعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير ، والمغيرة بن شعبة ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري ، وأبي جهم بن حذيفة . وزعم بعض الناس أن سعد بن أبي وقاص شهدهم أيضا ، وأنكر حضوره آخرون . وقد ذكر ابن جرير أن عمر بن سعد بن أبي وقاص خرج إلى أبيه وهو بماء لبني سليم معتزل بالبادية ، فقال : يا أبه ، قد بلغك ما كان من الناس بصفين ، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص ، وقد شهدهم نفر من قريش ، فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأحد أصحاب الشورى ، ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة ، فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة . فقال : لا أفعل ، إني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إنه ستكون فتنة ، خير الناس فيها الخفي التقي . والله لا أشهد شيئا من هذا الأمر أبدا .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد ، ثنا بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق [ ص: 572 ] إلى سعد في غنم له خارجا من المدينة ، فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فلما أتاه قال : يا أبه ، أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة ؟ فضرب سعد صدر عمر وقال : اسكت فإني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي . وهكذا رواه مسلم في " صحيحه " .
وقال أحمد أيضا : حدثنا عبد الملك بن عمرو ، ثنا كثير بن زيد الأسلمي ، عن المطلب ، عن عمر بن سعد ، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال : يا بني ، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله حتى أعطى سيفا إن ضربت به مؤمنا نبا عنه ، وإن ضربت به كافرا قتلته ، سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن الله يحب الغني الخفي التقي
وهذا السياق كأنه عكس الأول ، والظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ، ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن علي ومعاوية ويولونه ، فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الإباء وقنع بما هو فيه من الكفاية والخفاء ، كما ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : قد أفلح [ ص: 573 ] من أسلم ورزق كفافا ، وقنعه الله بما آتاه . وكان عمر بن سعد هذا يحب الدنيا والإمارة ، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو من السرية التي قتلت الحسين بن علي ، رضي الله عنه ، كما سيأتي بيانه في موضعه ولو قنع بما كان عليه أبوه لم يكن شيء من ذلك . والله أعلم .
والمقصود أن سعدا لم يحضر أمر التحكيم ولا أراد ذلك ولا هم به ، وإنما حضره من ذكرنا ، فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين بعلم ونظر في تقدير أمور ، ثم اتفقا على أن يعزلا عليا ومعاوية ، ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما ، وقد أشار أبو موسى بتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فقال له عمرو بن العاص : فول ابني عبد الله ، فإنه يقاربه في العلم والعمل والزهد . فقال له أبو موسى : إنك قد غمست ابنك في الفتن والدنيا معك ، وهو مع ذلك رجل صدق .
قال أبو مخنف : فحدثني محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمرو بن العاص : إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم . وكان ابن عمر فيه غفلة ، فقال له ابن الزبير : يا عبد الله افطن وانتبه . [ ص: 574 ] فقال ابن عمر : لا والله لا أرشو عليها شيئا أبدا . ثم قال : يا ابن العاص ، إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف وتشاكت بالرماح ، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشد منها . ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه ، ثم حاوله ليكون ابنه عبد الله بن عمرو هو الخليفة ، فأبى أيضا ، وطلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فأبى عمرو أيضا ، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية وعليا ويتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم ، ثم جاءا إلى المجمع الذي فيه الناس - وكان عمرو لا يتقدم بين يدي أبي موسى بل يقدمه في كل الأمور أدبا وإجلالا - فقال له : يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه .
فخطب أبو موسى الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على رسول الله صلى لله عليه وسلم ، ثم قال : أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرا أصلح لها ولا ألم لشعثها من رأي قد اتفقت أنا وعمرو عليه ، وهو أنا نخلع عليا ومعاوية ونترك الأمر شورى ، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه واختاروه ، وإني قد خلعت عليا ومعاوية . ثم تنحى وجاء عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن هذا قال ما قد سمعتم ، وإنه قد خلع صاحبه ، وإني قد خلعته أيضا كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولي عثمان بن عفان ، والطالب بدمه ، وهو أحق الناس بمقامه . وكان عمرو رأى [ ص: 575 ] من المصلحة أن ترك الناس بلا إمام - والحالة هذه - يؤدي إلى مفسدة طويلة عريضة أعظم مما الناس فيه من الاختلاف ، فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة فاجتهد ، والاجتهاد يخطئ ويصيب . ويقال : إن أبا موسى تكلم مع عمرو بكلام فيه غلظة ، ورد عليه عمرو بن العاص مثله .
وذكر ابن جرير أن شريح بن هانئ - مقدم جيش علي - وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط ، وقام إليه ابن لعمرو فضربه بالسوط ، وتفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم ، فأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية ، فسلموا عليه بتحية الخلافة ، وأما أبو موسى فاستحيى من علي فذهب إلى مكة ، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي ، فأخبراه بما فعل أبو موسى وعمرو ، فاستضعفوا رأي أبي موسى ، وعرفوا أنه لا يوازن عمرا . فذكر أبو مخنف ، عن أبي جناب الكلبي أن عليا لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية ، وعمرو بن العاص ، وأبا الأعور السلمي ، وحبيب بن مسلمة ، والضحاك بن قيس ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، والوليد بن عتبة ، فلما بلغ ذلك معاوية أيضا ، كان يلعن في قنوته عليا وحسنا وحسينا وابن عباس والأشتر النخعي . ولا [ ص: 576 ] يصح هذا عنهم ، رضي الله عنهم . والله أعلم . فأما الحديث الذي قال البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا إسماعيل بن الفضل ، ثنا قتيبة بن سعيد ، عن جرير ، عن زكريا بن يحيى ، عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن يسار ، عن سويد بن غفلة قال : إني لأمشي مع علي بشط الفرات فقال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إن بني إسرائيل اختلفوا فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين فضلا وأضلا ، وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ، فيضلان ويضلان من اتبعهما . فإنه حديث منكر ورفعه موضوع ، والله أعلم - إذ لو كان هذا معلوما عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سببا لإضلال الناس ، كما في هذا الحديث . وآفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى ، وهو الكندي الحميري الأعمى . قال ابن معين : ليس بشيء .=====================================ولنذكر الآن ما ورد فيهم من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،
الحديث الأول عن علي ، رضي الله عنه ، رواه عنه زيد بن وهب ، وسويد بن غفلة ، وطارق بن زياد ، وعبد الله بن شداد ، وعبيد الله بن أبي رافع ، وعبيدة بن عمرو السلماني ، وكليب أبو عاصم ، وأبو كثير ، وأبو مريم ، وأبو موسى ، وأبو وائل ، وأبو الوضيء ، فهذه اثنا عشرة طريقا إليه ، ستراها بأسانيدها وألفاظها ، ومثل هذا يبلغ حد التواتر .
الطريق الأولى : قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل : ثنا أبو يوسف ، أنا يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سلمة بن كهيل ، عن زيد بن وهب قال : لما خرجت الخوارج بالنهروان ، قام علي في أصحابه فقال : إن هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا على سرح الناس ، وهم أقرب العدو إليكم ، فإن تسيروا إلى عدوكم ، فإنا نخاف أن يخلفكم هؤلاء في أعقابكم ، إني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : تخرج خارجة من أمتي ليس صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ، ولا قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ، يقرأون [ ص: 593 ] القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية . وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس لها ذراع ، عليها مثل حلمة الثدي ، عليها شعرات بيض ، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما لهم على لسان نبيهم لاتكلوا على العمل ، فسيروا على اسم الله . وذكر الحديث بطوله . هكذا رواه عبد الله بن أحمد إلى هنا .
قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه " : حدثنا عبد بن حميد ، ثنا عبد الرزاق بن همام ، ثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، ثنا سلمة بن كهيل ، حدثني زيد بن وهب الجهني ، أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ، رضي الله عنه ، الذين ساروا إلى الخوارج ، فقال علي ، رضي الله عنه : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ، صلى الله عليه وسلم ، لاتكلوا على العمل ، وآية [ ص: 594 ] ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع ، على رأس عضده مثل حلمة الثدي ، عليه شعرات بيض ، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم ، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا في سرح الناس ، فسيروا على اسم الله .
قال سلمة : فنزلني زيد بن وهب منزلا منزلا ، حتى قال : مررنا على قنطرة . فلما التقينا ، وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي ، فقال لهم : ألقوا الرماح ، وسلوا سيوفكم من جفونها ، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء . فرجعوا فوحشوا برماحهم ، وسلوا السيوف ، فشجرهم الناس برماحهم . قال : وقتل بعضهم على بعض ، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان ، قال علي ، رضي الله عنه : التمسوا فيهم المخدج . فالتمسوه فلم يجدوه ، فقام علي ، رضي الله عنه ، بنفسه حتى أتى ناسا [ ص: 595 ] قد قتل بعضهم على بعض ، فقال : أخروهم . فوجدوه مما يلي الأرض ، فكبر ، قال : صدق الله ، وبلغ رسوله . قال : فقام إليه عبيدة السلماني فقال : يا أمير المؤمنين ، آلله الذي لا إله إلا هو ، لسمعت هذا من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إي والله الذي لا إله إلا هو ، فاستحلفه ثلاثا ، وهو يحلف له . هذا لفظ مسلم . وقد رواه أبو داود ، عن الحسن بن علي الخلال ، عن عبد الرزاق ، بنحوه .
طريق أخرى عن علي : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا الأعمش وعبد الرحمن ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن سويد بن غفلة قال : قال علي ، رضي الله عنه ، إذا حدثتكم عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه ، وإذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة ، سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : يخرج قوم في آخر الزمان [ ص: 596 ] أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من قول خير البرية ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، قال عبد الرحمن : لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ; فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله ، عز وجل ، يوم القيامة . وأخرجاه في " الصحيحين " من طرق ، عن الأعمش به .
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، وحدثنا الوليد بن القاسم الهمداني ، ثنا إسرائيل ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن طارق بن زياد قال : سار علي إلى النهروان - قال الوليد في روايته : وخرجنا معه - فقتل الخوارج ، فقال : اطلبوا المخدج ; فإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : سيجيء قوم يتكلمون بكلمة الحق لا تجاوز حلوقهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، سيماهم ، أو فيهم ، رجل أسود مخدج اليد ، في يده شعرات سود . إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس ، وإن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس . قال الوليد في روايته : فبكينا . قال : ثم إنا وجدنا المخدج . قال : فخررنا سجودا ، وخر علي ساجدا معنا . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
[ ص: 597 ] طريق أخرى : رواه عبد الله بن شداد ، عن علي ، كما تقدم قريبا إيراده بطوله .
طريق أخرى : عن علي ، رضي الله عنه : قال مسلم : حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى ، قالا : أنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، عن بشر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع ; مولى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن الحرورية لما خرجت ، وهو مع علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قالوا : لا حكم إلا لله . قال علي : كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله ، صلى الله وعليه وسلم ، وصف ناسا ، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء " يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم ، وأشار إلى حلقه ، من أبغض خلق الله إليه ، منهم أسود إحدى يديه طبي شاة ، أو حلمة ثدي " . فلما قتلهم علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : انظروا . فنظروا فلم يجدوا شيئا ، فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت . مرتين أو ثلاثا ، ثم وجدوه في خربة ، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه ، قال عبيد الله : وأنا حاضر ذلك من أمرهم ، [ ص: 598 ] وقول علي فيهم . زاد يونس في روايته : قال بكير : وحدثني رجل ، عن ابن حنين ، أنه قال : رأيت ذلك الأسود . تفرد به مسلم .
طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا إسماعيل ، ثنا أيوب ، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي قال : ذكر الخوارج ، فقال : فيهم مخدج اليد ، أو مثدون اليد ، أو قال : مودن اليد ، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم . قال عبيدة : قلت : أنت سمعته من محمد ، صلى الله عليه وسلم . قال : إي ورب الكعبة ، إي ورب الكعبة ، إي ورب الكعبة .
وقال أحمد : ثنا وكيع ، ثنا جرير بن حازم وأبو عمرو بن العلاء ، عن ابن سيرين ، سمعاه عن عبيدة ، عن علي قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد ، أو مثدون اليد ، أو مخدج اليد ، ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم . قال عبيدة : قلت لعلي : أنت سمعته من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة ، إي ورب الكعبة .
وقال أحمد : ثنا يزيد ، ثنا هشام ، عن محمد ، عن عبيدة قال : قال علي [ ص: 599 ] لأهل النهروان : فيهم رجل مثدون اليد ، أو مودن اليد ، أو مخدج اليد ، ولولا أن تبطروا لأخبرتكم ما قضى الله على لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، لمن قتلهم . قال عبيدة : فقلت لعلي : أنت سمعته ؟ قال : إي ورب الكعبة . يحلف عليها ثلاثا .
وقال أحمد : ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن محمد قال : قال عبيدة : لا أحدثك إلا ما سمعت منه . قال محمد : فحلف لنا عبيدة ثلاث مرات ، وحلف له علي ، قال : قال : لولا أن تبطروا لأنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم . قال : قلت : أنت سمعته ؟ قال : إي ورب الكعبة ، إي ورب الكعبة ، إي ورب الكعبة ، فيهم رجل مخدج اليد ، أو مثدون اليد ، أحسبه قال : أو مودن اليد .
وقد رواه مسلم ، من حديث إسماعيل بن علية ، وحماد بن زيد ، كلاهما عن أيوب ، وعن محمد بن المثنى ، عن ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، كلاهما عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي .
وقد ذكرناه من طرق متعددة تفيد القطع عند كثيرين ، عن محمد بن [ ص: 600 ] سيرين ، وقد حلف أنه سمعه من عبيدة ، وحلف عبيدة أنه سمعه من علي ، وحلف علي أنه سمعه من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقد قال علي : لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
طريق أخرى : قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل : حدثني إسماعيل أبو معمر ، ثنا عبد الله بن إدريس ، ثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه قال : كنت جالسا عند علي ، إذ دخل رجل عليه ثياب السفر ، فاستأذن على علي وهو يكلم الناس ، فشغل عنه فقال علي : إني دخلت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعنده عائشة فقال لي : " كيف أنت وقوم كذا وكذا ؟ " . فقلت : الله ورسوله أعلم . قال : فقال : " قوم يخرجون من قبل المشرق ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فيهم رجل مخدج اليد ، كأن يده ثدي حبشية " . أنشدكم بالله ، هل أخبرتكم أنه فيهم ؟ فذكر الحديث بطوله .
ثم رواه عبد الله بن أحمد ، عن أبي خيثمة زهير بن حرب ، عن القاسم بن مالك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن علي فذكر نحوه ، وإسناده [ ص: 601 ] جيد ، ولم يخرجوه .
طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : أخبرنا أبو القاسم الأزهري ، أنا علي بن عبد الرحمن البكائي ، أنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ، أنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، أنا خالد بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن ميسرة قال : قال أبو جحيفة : قال علي حين فرغنا من الحرورية : إن فيهم رجلا مخدجا ليس في عضده عظم ، ثم عضده كحلمة الثدي ; عليها شعرات - طوال عقف . فالتمسوه فلم يجدوه ، قال : فما رأيت عليا جزع جزعا أشد من جزعه يومئذ . فقالوا : ما نجده يا أمير المؤمنين . فقال : ويلكم ، ما اسم هذا المكان ؟ قالوا :النهروان . قال : كذبتم إنه لفيهم . فثورنا القتلى فلم نجده ، فعدنا إليه ، فقلنا : يا أمير المؤمنين ، ما وجدناه . قال : ما اسم هذا المكان ؟ قلنا : النهروان . قال : صدق الله ورسوله وكذبتم ، إنه لفيهم ، فالتمسوه . فالتمسناه فوجدناه في ساقية ، فجئنا به فنظرت إلى عضده ; ليس فيها عظم ، وعليها كحلمة ثدي المرأة ، عليها شعرات طوال عقف .
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، ثنا [ ص: 602 ] إسماعيل بن مسلم العبدي ، ثنا أبو كثير مولى الأنصار قال : كنت مع سيدي مع علي بن أبي طالب حيث قتل أهل النهروان ، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم ، فقال علي : يا أيها الناس ، إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه أبدا ، حتى يرجع السهم على فوقه ، وإن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد ، إحدى يديه كثدي المرأة ، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه فإني أراه فيهم . فالتمسوه ، فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى ، فأخرجوه فكبر علي ، فقال : الله أكبر صدق الله ورسوله . وإنه لمتقلد قوسا له عربية ، فأخذها بيده ، فجعل يطعن بها في مخدجته ويقول : صدق الله ورسوله . وكبر الناس حين رأوه واستبشروا ، وذهب عنهم ما كانوا يجدون . تفرد به أحمد .
طريق أخرى : قال عبد الله بن أحمد : حدثنا أبو خيثمة ، ثنا شبابة بن سوار ، حدثني نعيم بن حكيم ، حدثني أبو مريم ، ثنا علي بن أبي طالب أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إن قوما يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، علامتهم رجل مخدج اليد .
وقال أبو داود في " سننه " : حدثنا بشر بن خالد ، ثنا شبابة بن سوار ، عن [ ص: 603 ] نعيم بن حكيم ، عن أبي مريم قال : إن كان ذاك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد ، نجالسه بالليل والنهار ، وكان فقيرا ، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي مع الناس ، وقد كسوته برنسا لي . قال أبو مريم : وكان المخدج يسمى نافعا ذا الثدية ، وكان في يده مثل ثدي المرأة ، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي ، عليه شعرات مثل سبالة السنور .
طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا أبو علي الروذباري ، أنا أبو محمد عبد الله بن عمرو بن شوذب المقرئ الواسطي بها ، ثنا شعيب بن أيوب ، ثنا أبو نعيم - الفضل بن دكين - عن سفيان ; هو الثوري ، عن محمد بن قيس ، عن أبي موسى ; رجل من قومه ، قال : كنت مع علي فجعل يقول : التمسوا المخدج ، فالتمسوه فلم يجدوه . قال : فأخذ يعرق ويقول : والله ما كذبت ولا كذبت . فوجدوه في نهر أو دالية ، فسجد .
طريق أخرى : قال أبو بكر البزار : حدثني محمد بن مثنى ، ومحمد بن [ ص: 604 ] معمر ، ثنا عبد الصمد ، ثنا سويد بن عبيد العجلي ، ثنا أبو مؤمن ، قال : شهدت علي بن أبي طالب يوم قتل الحرورية وأنا مع مولاي ، فقال : انظروا فإن فيهم رجلا إحدى يديه مثل ثدي المرأة ، وأخبرني النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أني صاحبه . فقلبوا القتلى فلم يجدوه ، وقالوا : سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد . فقال : ويلكم انظروا . قال أبو مؤمن : فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه ، فخر علي ساجدا وقال : أبشروا ، قتلاكم في الجنة ، وقتلاهم في النار . ثم قال البزار : لا نعلم روى أبو مؤمن عن علي غير هذا الحديث .
طريق أخرى : قال البزار : حدثنا يوسف بن موسى ، ثنا إسحاق بن سليمان الرازي ، سمعت أبا سنان ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : قلت لشقيق بن سلمة - يعني أبا وائل : حدثني عن ذي الثدية . قال : لما قاتلناهم قال علي : اطلبوا رجلا علامته كذا وكذا . فطلبناه فلم نجده ، فبكى علي وقال : اطلبوه ، فوالله ما كذبت ولا كذبت . قال : فطلبناه فلم نجده ، فبكى وقال : اطلبوه فوالله ما كذبت ولا كذبت . قال : فطلبناه فلم نجده قال : وركب بغلته الشهباء ، فطلبناه فوجدناه تحت بردي ، فلما رآه سجد . ثم قال البزار : لا نعلم روى [ ص: 605 ] حبيب عن شقيق ، عن علي إلا هذا الحديث .
طريق أخرى : قال عبد الله بن أحمد : حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا جميل بن مرة ، عن أبي الوضيء قال : شهدت عليا حيث قتل أهل النهروان ، قال : التمسوا المخدج . فطلبوه في القتلى ، فقالوا : ليس نجده . فقال : ارجعوا فالتمسوه ، فوالله ما كذبت ولا كذبت . فرجعوا فطلبوه ، فردد ذلك مرارا ، كل ذلك يحلف بالله : ما كذبت ولا كذبت . فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين ، فاستخرجوه ، فجيء به ، فقال أبو الوضيء : فكأني أنظر إليه : حبشي عليه ثدي قد طبق إحدى يديه مثل ثدي المرأة ، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع .
وقد رواه أبو داود ، عن محمد بن عبيد بن حساب ، عن حماد بن زيد ، ثنا جميل بن مرة ، ثنا أبو الوضيء ، واسمه عباد بن نسيب ، ولكنه اختصره .
وقال عبد الله بن أحمد أيضا : حدثنا حجاج بن يوسف الشاعر ، حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا يزيد بن أبي صالح ، أن أبا الوضيء عبادا حدثه [ ص: 606 ] أنه قال : كنا عامدين إلى الكوفة مع علي بن أبي طالب ، فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاث من حروراء ، شذ منا ناس كثير ، فذكرنا ذلك لعلي فقال : لا يهولنكم أمرهم ، فإنهم سيرجعون . فذكر الحديث بطوله قال : فحمد الله علي بن أبي طالب وقال : إن خليلي أخبرني أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد ، على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع . فالتمسوه فلم يجدوه ، فأتيناه فقلنا : إنا لم نجده فقال : فالتمسوه ، فوالله ما كذبت ولا كذبت - ثلاثا . فقلنا : لم نجده . فجاء علي بنفسه ، فجعل يقول : اقلبوا ذا ، اقلبوا ذا ، حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال : هو ذا . فقال علي : الله أكبر ، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه ؟ فجعل الناس يقولون : هذا مالك ، هذا مالك . فيقول علي . ابن من هو ؟
وقال عبد الله بن أحمد أيضا : حدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا يزيد بن أبي صالح ، أن أبا الوضيء عبادا حدثه قال أنه قال : كنا عامدين إلى الكوفة مع علي ، فذكر حديث المخدج ، قال علي : فوالله ما كذبت ولا كذبت - ثلاثا - . ثم قال علي : أما إن خليلي أخبرني بثلاثة إخوة من الجن ، هذا أكبرهم ، والثاني له جمع كثير ، والثالث فيه [ ص: 607 ] ضعف . وهذا السياق فيه غرابة شديدة جدا . وقد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن ، بل هو من الشياطين ; إما شياطين الإنس ، أو شياطين الجن . إن صح هذا السياق . والله تعالى أعلم .
والمقصود أن هذه طرق متواترة عن علي إذ قد روي من طرق متعددة ، عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب ، فأصل القصة محفوظ - وإن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة ، ولكن معناها وأصلها الذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يشك فيه - عن علي أنه رواه عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنه أخبره عن صفة الخوارج ، وصفة ذي الثدية الذي هو علامة عليهم .
وقد روي ذلك من طريق جماعة من الصحابة غير علي كما ستراها بأسانيدها وألفاظها ، إن شاء الله تعالى ، وبالله المستعان .
فقد رواه جماعة من الصحابة ; منهم أنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، ورافع بن عمرو الغفاري ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ، وسهل بن حنيف ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو ذر ، وعائشة - أم المؤمنين - [ ص: 608 ] رضي الله عنهم أجمعين .
وقد قدمنا حديث علي بطرقه ; لأنه أحد الخلفاء الأربعة ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد أصحاب الشورى ، وصاحب القصة ، ولنذكر بعده حديث ابن مسعود ; لتقدم وفاته على وقعة الخوارج .
الحديث الثاني عن ابن مسعود ، رضي الله عنه
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يخرج قوم في آخر الزمان ، سفهاء الأحلام ، أحداث - أو قال : حدثاء - الأسنان ، يقولون من خير قول الناس ، يقرأون القرآن بألسنتهم ، لا يعدو تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، فمن أدركهم فليقتلهم ، فإن في قتلهم أجرا عظيما عند الله لمن قتلهم .
وقد رواه الترمذي عن أبي كريب ، وأخرجه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعبد الله بن عامر بن زرارة ، ثلاثتهم عن أبي بكر بن عياش به ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين ، فحديثه [ ص: 609 ] في ذلك من أقوى الاعتضاد .
الحديث الثالث عن أنس بن مالك : قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، ثنا سليمان التيمي ، ثنا أنس قال : ذكر لي أن نبي الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال - ولم أسمعه منه - : إن فيكم قوما يتعبدون ، ويدأبون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، ثنا الأوزاعي ، حدثني قتادة ، عن أنس بن مالك ، وأبي سعيد ، قال أحمد : وقد حدثناه أبو المغيرة ، فقال : عن أنس ، عن أبي سعيد ، ثم رجع ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ; قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم " . قالوا : يا رسول الله ، ما [ ص: 610 ] سيماهم ؟ قال : " التحليق "
وقد رواه أبو داود في " سننه " ، عن نصر بن عاصم الأنطاكي ، عن الوليد بن مسلم ، ومبشر بن إسماعيل الحلبي ، كلاهما عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أبي سعيد ، وأنس به ، وأخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس وحده .
وقد روى البزار من طريق أبي سفيان ، وأبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي ، كلاهما عن أنس بن مالك ، حديثا في الخوارج ، قريبا من حديث أبي سعيد ، كما سيأتي قريبا من حديث أبي سعيد . إن شاء الله تعالى .
الحديث الرابع عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، ثنا أبو شهاب ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : كنت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عام الجعرانة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس ، فقال رجل : يا رسول الله اعدل . فقال : " ويلك ، ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! لقد خبت إن لم أكن أعدل " . فقال : عمر : يا رسول الله ، دعني أقتل هذا المنافق . فقال : " معاذ الله أن يتحدث الناس أني [ ص: 611 ] أقتل أصحابي ، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، أو تراقيهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية " .
وقال أحمد : حدثنا علي بن عياش ، ثنا إسماعيل بن عياش ، حدثني يحيى بن سعيد ، أخبرني أبو الزبير ، قال : سمعت جابرا يقول : بصر عيني وسمع أذني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ، ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقبضها للناس يعطيهم ، فقال رجل : اعدل . فقال : " ويلك ، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ ! " . فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، دعني أقتل هذا المنافق الخبيث . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله ، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " .
ثم رواه أحمد ، عن أبي المغيرة ، عن معان بن رفاعة ، ثنا أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : لما قسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، غنائم هوازن بالجعرانة ، قام رجل من بني تميم فقال : اعدل يا محمد . فقال : " ويلك ! ومن يعدل إن لم أعدل ! لقد خبت وخسرت إن لم أعدل " . قال : فقال عمر : يا رسول الله [ ص: 612 ] ألا أقوم فأقتل هذا المنافق ؟ قال : " معاذ الله ، أن يتسامع الأمم أن محمدا يقتل أصحابه " . ثم قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن هذا وأصحابا له يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق المرماة من الرمية " . قال معان : فقال لي أبو الزبير : فعرضت هذا الحديث على الزهري فما خالفني ، إلا أنه قال : النضي . وقلت : القدح . فقال : ألست رجلا عربيا ؟ .
وقد رواه مسلم عن محمد بن رمح ، عن الليث ، وعن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب الثقفي وأخرجه النسائي من حديث الليث ، ومالك بن أنس ، كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، به بنحوه .
حديث رافع بن عمرو الغفاري ، سيأتي مع حديث أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنهما .
الحديث الخامس عن سعد بن مالك بن أهيب الزهري وهو سعد بن [ ص: 613 ] أبي وقاص ، رضي الله عنه ، قال : يعقوب بن سفيان : حدثنا الحميدي ، ثنا سفيان ; هو ابن عيينة ، حدثني العلاء بن أبي عياش ، أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرواش ، عن سعد بن أبي وقاص قال : ذكر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذا الثدية فقال : شيطان الردهة ، كراعي الخيل يحتدره رجل من بجيلة ; يقال له : الأشهب أو ابن الأشهب ، علامة في قوم ظلمة . قال سفيان : فأخبرني عمار الدهني ، أنه جاء به رجل يقال له : الأشهب ، أو ابن الأشهب .
وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، به مختصرا ، ولفظه : " شيطان الردهة يحتدره " . يعني رجلا من بجيلة . انفرد به [ ص: 614 ] أحمد . وحكى البخاري ، عن علي بن المديني قال : لم أسمع بذكر بكر بن قرواش إلا في هذا الحديث .
وروى يعقوب بن سفيان ، عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حامد الهمداني قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : قتل علي شيطان الردهة . قال الحافظ أبو بكر البيهقي : يريد ، والله أعلم ، قتله أصحاب علي بأمره . وقال الهيثم بن عدي حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن جده أبي إسحاق السبيعي عن رجل قال : بلغ سعد بن أبي وقاص أن علي بن أبي طالب قتل الخوارج ، فقال : قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة .
الحديث السادس عن أبي سعيد ; سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ، رضي الله عنه ، وله طرق عنه :
الأولى منها : قال الإمام أحمد : حدثنا بكر بن عيسى ثنا جامع بن مطر الحبطي ، ثنا أبو رؤبة شداد بن عمران القيسي ، عن أبي سعيد [ ص: 615 ] الخدري أن أبا بكر جاء إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إني مررت بوادي كذا وكذا ، فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي . فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " اذهب إليه فاقتله " . قال : فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله ، فرجع إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لعمر : " اذهب فاقتله " . فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر ، فكره أن يقتله فرجع ، فقال : يا رسول الله إني رأيته يصلي متخشعا فكرهت أن أقتله . قال : " يا علي اذهب فاقتله " . فذهب علي فلم يره ، فرجع فقال : يا رسول الله إني لم أره ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه ; فاقتلوهم هم شر البرية " . تفرد به أحمد .
وقد روى البزار في " مسنده " ، من طريق الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك ، وأبو يعلى ، عن أبي خيثمة ، عن عمر بن يونس ، عن عكرمة بن عمار ، وعن يزيد الرقاشي ، عن أنس ، نحوا من هذه القصة ، [ ص: 616 ] وأطول منها وفيها زيادات أخر .
الطريق الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد ، ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن الضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في حديث ذكره : ( قوم يخرجون على فرقة من الناس مختلفة ، يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق . أخرجاه في " الصحيحين " ، كما سيأتي في ترجمة أبي سلمة ، عن أبي سعيد .
الطريق الثالث : قال الإمام أحمد : ثنا وكيع ، ثنا عكرمة بن عمار ، ثنا عاصم بن شميخ ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذا حلف فاجتهد في اليمين قال : " والذي نفس أبي القاسم بيده ، ليخرجن قوم من أمتي تحقرون أعمالكم عند أعمالهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " . قالوا : فهل من علامة يعرفون بها ؟ قال : " فيهم رجل ذو يدية - أو ثدية - محلقي رءوسهم " . قال أبو سعيد : فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أن عليا ، رضي الله عنه ولي قتلهم . قال : فرأيت أبا سعيد بعدما كبر ويداه ترتعش يقول : قتالهم أحل [ ص: 617 ] عندي من قتال عدتهم من الترك . وقد رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، به .
الطريق الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنا سفيان ، عن أبيه ، عن ابن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري قال : بعث علي وهو باليمن إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بذهيبة في تربتها ، فقسمها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بين الأقرع بن حابس الحنظلي - ثم أحد بني مجاشع - وبين عيينة بن بدر الفزاري ، وبين علقمة بن علاثة العامري - ثم أحد بني كلاب - وبين زيد الخير الطائي - ثم أحد بني نبهان - قال : فغضبت قريش والأنصار ، قالوا : يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا ؟ قال : " إنما أتألفهم " . قال : فأقبل رجل غائر العينين ، ناتئ الجبين ، كث اللحية ، مشرف الوجنتين ، محلوق الرأس ، فقال : يا محمد ، اتق الله . فقال : " من يطيع الله إذا عصيته ! يأمنني على أهل الأرض ، ولا تأمنوني ؟ ! " . قال : فسأل رجل من القوم قتله النبي ، صلى الله عليه وسلم ، - أراه خالد بن الوليد - فمنعه ، فلما ولى قال : " إن من ضئضئ هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " . رواه البخاري ، من [ ص: 618 ] حديث عبد الرزاق به . ثم رواه أحمد ، عن محمد بن فضيل ، عن عمارة بن القعقاع ، عن عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبي سعيد . وفيه الجزم بأن خالدا سأل أن يقتل ذلك الرجل ، ولا ينافي سؤال عمر بن الخطاب .
وهو في " الصحيحين " من حديث عمارة بن القعقاع بن شبرمة ، وقال فيه : " إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم " .
وليس المراد به أنه يخرج من صلبه ونسله ; لأن الخوارج الذين ذكرنا لم يكونوا من سلالة هذا ، بل ولا أعلم أحدا منهم من نسله ، وإنما المراد : " من ضئضئ هذا " . أي من شكله وعلى صفته فعلا وقولا ، والله أعلم . وهذا الشكل وهذه الصفة كثيرة في الناس جدا في كل زمان وكل مكان ، في قراء القرآن وغيرهم ، لمن تأملها ، والله أعلم . وهذا الرجل المذكور هو ذو الخويصرة التميمي ، وسماه بعضهم : حرقوصا . فالله أعلم .
الطريق الخامس : قال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا مهدي بن ميمون ، ثنا محمد بن سيرين ، عن معبد بن سيرين ، عن أبي سعيد ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " يخرج أناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين [ ص: 619 ] كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم على فوقه " . قيل : ما سيماهم ؟ قال : " سيماهم التحليق ، والتسبيد " . ورواه البخاري ، عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، عن مهدي بن ميمون به .
الطريق السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا سويد بن نجيح ، عن يزيد الفقير قال : قلت لأبي سعيد : إن منا رجالا هم أقرؤنا للقرآن ، وأكثرنا صلاة ، وأوصلنا للرحم ، وأكثرنا صوما ، خرجوا علينا بأسيافهم . فقال أبو سعيد : سمعت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : يخرج قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . تفرد به أحمد ، ولم يخرجوه في الكتب الستة ، ولا واحد منهم وإسناده لا بأس به ; رجاله كلهم ثقات ، وسويد بن نجيح هذا مستور .
الطريق السابع : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد قال : بينا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله . [ ص: 620 ] فقال : " ويلك ! ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ " . فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه ؟ فقال : دعه ، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود إحدى يديه - أو قال : إحدى ثدييه - مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة تدردر ، يخرجون على حين فترة من الناس " . فنزلت فيه : ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية [ التوبة : 58 ] . قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن عليا حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، . ورواه البخاري ، من حديث شعيب ، [ ص: 621 ] ومسلم ، من حديث يونس بن يزيد ، عن الزهري به ، لكن في رواية مسلم عن حرملة وأحمد بن عبد الرحمن ; كلاهما عن ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة والضحاك الهمداني ، عن أبي سعيد به . ثم رواه أحمد ، عن محمد بن مصعب ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة والضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد ، فذكر نحو ما تقدم من هذا السياق ، وفيه أن عمر هو الذي استأذن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في قتله ، وفيه : " يخرجون على فرقتين من الناس ، يقتلهم أولى الطائفتين بالله " . قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأني شهدت عليا حين قتلهم فالتمس في القتلى فوجد على النعت الذي نعته رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . ورواه البخاري ، عن دحيم ، عن الوليد ، عن الأوزاعي كذلك .
وقال أحمد : قرأت على عبد الرحمن بن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي سلمة بن [ ص: 622 ] عبد الرحمن ، عن أبي سعيد أنه قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في النصل فلا يرى شيئا ، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئا ، ثم ينظر في الريش فلا يرى شيئا ، ويتمارى في الفوق . قال عبد الرحمن : حدثنا به مالك ; يعني هذا الحديث . ورواه البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك به . ورواه البخاري ، ومسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، وعطاء بن يسار ، عن أبي سعيد به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة قال : جاء رجل إلى أبي سعيد فقال : هل سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يذكر في الحرورية شيئا ؟ قال : سمعته يذكر قوما يتعمقون في الدين ، يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ، وصومه عند صومهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، أخذ سهمه فنظر في نصله فلم ير شيئا ، ثم نظر في رصافه فلم ير شيئا ، ثم نظر في القذذ فتمارى ، هل يرى شيئا أم لا . ورواه ابن ماجه ، [ ص: 623 ] عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون به .
الطريق الثامن : قال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن سليمان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق ، هم شر الخلق ، أو من شر الخلق ، تقتلهم أدنى الطائفتين من الحق . قال : فضرب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لهم مثلا - أو قال قولا - " الرجل يرمي الرمية - أو قال : الغرض - فينظر في النصل فلا يرى بصيرة ، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة ، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة " . فقال أبو سعيد : وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق . وقد رواه مسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن أبي عدي ، عن سليمان - وهو ابن طرخان - التيمي ، عن أبي نضرة ، واسمه المنذر بن مالك بن قطعة ، عن أبي سعيد الخدري بنحوه .
الحديث الثامن عن سلمان الفارسي : قال الهيثم بن عدي ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : جاء رجل إلى قوم فقال : لمن هذه الخباء ؟ قالوا : لسلمان الفارسي . قال : أفلا تنطلقون معي فيحدثنا ونسمع منه ؟ فانطلق [ ص: 624 ] معه بعض القوم فقال : يا أبا عبد الله لو أدنيت خباءك إلينا وكنت منا قريبا فحدثتنا وسمعنا منك ؟ فقال : ومن أنت ؟ قال : فلان بن فلان . قال سلمان : قد بلغني عنك معروف ; بلغني أنك تخف في سبيل الله ، وتقاتل العدو ، وتخدم أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فإن أخطأتك واحدة أن تكون من هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قالوا : فوجد ذلك الرجل قتيلا في أصحاب النهروان .
الحديث التاسع عن سهل بن حنيف الأنصاري : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، ثنا حزام بن إسماعيل العامري ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن يسير بن عمرو قال : دخلت على سهل بن حنيف ، فقلت : حدثني ما سمعت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال في الحرورية . قال : أحدثك ما سمعت من النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لا أزيدك عليه شيئا ، سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يذكر قوما يخرجون من هاهنا - وأشار بيده نحو العراق - يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . قال : قلت : هل ذكر لهم علامة ؟ قال : هذا ما سمعت لا أزيدك عليه . وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث [ ص: 625 ] عبد الواحد بن زياد ، ومسلم من حديث علي بن مسهر والعوام بن حوشب ، والنسائي من حديث محمد بن فضيل ، كلهم عن أبي إسحاق الشيباني به .
وقد رواه مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا علي بن مسهر ، عن الشيباني ، عن يسير بن عمرو ، قال : سألت سهل بن حنيف : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يذكر الخوارج ؟ فقال : سمعته ، وأشار بيده نحو المشرق " قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " . وحدثناه أبو كامل ، ثنا عبد الواحد ، ثنا سليمان الشيباني بهذا الإسناد ، وقال : " يخرج منه أقوام " . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وإسحاق جميعا عن يزيد ، قال أبو بكر : حدثنا يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب ، ثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن أسير بن عمرو ، عن سهل بن حنيف عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : يتيه قوم قبل المشرق محلقة رءوسهم .
الحديث العاشر عن ابن عباس : قال البزار : ثنا يوسف بن موسى ، ثنا الحسن بن الربيع ، ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ ص: 626 ] قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ليقرأن القرآن أقوام من أمتي يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وسويد بن سعيد كلاهما عن أبي الأحوص بإسناده مثله .
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية ، عن شهر بن حوشب قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : لقد سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم . قال يزيد : لا أعلمه إلا قال : " يحقر أحدكم عمله مع عملهم ، يقتلون أهل الإسلام فإذا خرجوا فاقتلوهم ، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ، فطوبى لمن قتلهم ، وطوبى لمن قتلوه ، كلما طلع منهم قرن قطعه الله " . فردد ذلك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عشرين مرة أو أكثر ، وأنا أسمع . تفرد به أحمد من هذا الوجه . وقد ثبت من حديث سالم ونافع ، عن ابن عمر أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الفتنة من هاهنا ; من حيث يطلع قرن الشيطان " وأشار بيده نحو المشرق .
الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن عمر : قال الإمام أحمد : حدثنا [ ص: 627 ] عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب قال : لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية ، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي ، فجئته فجاء رجل فانتبذ عن الناس عليه خميصة ، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص ، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث ، فقال عبد الله : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إنها ستكون هجرة بعد هجرة ، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم ، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها ، تلفظهم أرضهم ، تقذرهم نفس الرحمن ، تحشرهم النار مع القردة والخنازير ، تبيت معهم إذا باتوا ، وتقيل معهم إذا قالوا ، وتأكل من تخلف " . قال وسمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " سيخرج ناس من أمتي من قبل المشرق ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، كلما خرج منهم قرن قطع ، كلما خرج منهم قرن قطع ، - حتى عدها زيادة على عشر مرات - كلما خرج منهم قرن قطع ، حتى يخرج الدجال في بقيتهم " . وقد روى أبو داود أوله في كتاب الجهاد من " سننه " ، عن القواريري ، عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة به . وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود وحديث علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما .
الحديث الثالث عشر عن أبي ذر : قال مسلم بن الحجاج : حدثنا شيبان [ ص: 628 ] بن فروخ ، ثنا سليمان بن المغيرة ، ثنا حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إن بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين ، كما يخرج السهم من الرمية ، لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة " قال ابن الصامت : فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت : ما حديث سمعته من أبي ذر كذا كذا ؟ فقال : وأنا سمعته من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . . لم يروه البخاري .
الحديث الرابع عشر عن أم المؤمنين عائشة : قال الحافظ البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا السري ، بن يحيى ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا علي بن عياش ، عن حبيب بن سلمة قال : قال لي علي : لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم . قال ابن عياش : جيش المروة قتلة عثمان ، [ ص: 629 ] رضي الله عنه .
وقال الهيثم بن عدي : حدثني إسرائيل ، عن يونس ، عن جده أبي إسحاق السبيعي ، عن رجل ، عن عائشة قال : بلغنا قتل علي الخوارج فقالت : قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة . تعني المخدج .
وقال البزار : حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح ، ثنا سهل بن عامر البجلي ، ثنا أبو خالد ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : ذكر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الخوارج فقال : شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي .
قال : وحدثناه إبراهيم بن سعيد ، ثنا حسين بن محمد ، ثنا سليمان بن قرم ، ثنا عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه . قال : فرأيت عليا قتلهم ، وهم أصحاب النهروان . . ثم قال البزار : لا نعلم روى عطاء ، عن أبي الضحى ، عن مسروق إلا هذا الحديث ، ولا نعلم رواه عن عطاء إلا سليمان بن قرم . قلت وسليمان بن قرم قد تكلموا فيه ، ولكن الإسناد الأول يشهد له كما أن هذا يشهد لذاك فهما [ ص: 630 ] متعاضدان ، وهو غريب من حديث عائشة ، وقد تقدم في حديث عبد الله بن شداد ، عن علي ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج ولا سيما خبر ذي الثدية كما تقدم ، وإنما أوردنا هذه الطرق كلها ; ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق وصدق وهو من أكبر دلالات النبوة ، كما ذكره غير واحد من الأئمة في دلائل النبوة . والله تعالى أعلم . وقد سألت عائشة ، رضي الله عنها ، بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " : أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه ، ثنا أحمد بن محمد بن صدقة الكاتب ، حدثني عمرو بن عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح قال : هذا كتاب جدي محمد بن أبان فقرأت فيه : حدثني الحسن بن الحر ، حدثني الحكم بن عتيبة ، وعبد الله بن أبي السفر ، عن عامر الشعبي ، عن مسروق قال : قالت عائشة : عندك علم من ذي الثدية الذي [ ص: 631 ] أصابه علي في الحرورية ؟ قلت : لا . قالت : فاكتب لي بشهادة من شهدهم . فرجعت إلى الكوفة - وبها يومئذ أسباع - فكتبت شهادة عشرة من كل سبع ، ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها ، قالت : أكل هؤلاء عاينوه ؟ قلت : لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينه . فقالت : لعن الله فلانا ; فإنه كتب إلي أنه أصابهم بنيل مصر . ثم أرخت عينيها فبكت فلما سكنت عبرتها قالت : رحم الله عليا ! لقد كان على الحق ، وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها .
حديث آخر عن رجلين مبهمين من الصحابة : قال الهيثم بن عدي في " كتاب الخوارج " ، حدثني سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق فقيل لهما : ما أقدمكما العراق ؟ قالا : رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فوجدنا علي بن أبي طالب قد سبقنا إليهم ; يعنيان أهل النهروان .
حديث آخر في مدح علي ، رضي الله عنه على قتاله الخوارج
قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، ثنا فطر ، عن إسماعيل بن [ ص: 632 ] رجاء بن ربيعة الزبيدي ، عن أبيه قال سمعت أبا سعيد يقول : " كنا جلوسا ننتظر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فخرج علينا من بيوت بعض نسائه ، قال : فقمنا معه ، فانقطعت نعله فتخلف عليها علي يخصفها ، فمضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ومضينا معه ، ثم قام ينتظره وقمنا معه ، فقال : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " . فاستشرفنا لها وفينا أبو بكر ، وعمر فقال : " لا ، ولكنه خاصف النعل " . قال : فجئنا نبشره ، قال : فكأنه قد سمعه .
ورواه أحمد ، عن وكيع وأبي أسامة ، عن فطر بن خليفة به .
فأما الحديث الذي قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إسماعيل بن موسى ، ثنا الربيع بن سهل ، عن سعيد بن عبيد ، عن علي بن ربيعة قال : سمعت عليا على منبركم هذا يقول : عهد إلي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . وقد رواه أبو بكر بن المقرئ ، عن إسماعيل بن عباد البصري ، نا عباد بن يعقوب ، عن الربيع بن سهل الفزاري به . فإنه حديث غريب ومنكر . على أنه [ ص: 633 ] قد روي من طرق عن علي ، وعن غيره ولا تخلو واحدة منها عن ضعف . والمراد بالناكثين ، يعني أهل الجمل . وبالقاسطين أهل الشام ; والقاسط هو الجائر الظالم . وبالمارقين الخوارج ; لأنهم مرقوا من الدين . وأما الناكثون فهم أصحاب الجمل الذين عقدوا البيعة له ثم نكثوا . والله أعلم . وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو أحمد بن عدي في " كامله " ، عن أحمد بن جعفر البغدادي ، عن سليمان بن سيف ، عن عبيد الله بن موسى ، عن فطر ، عن حكيم بن جبير ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن علي قال : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين .
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : أخبرني الأزهري ، ثنا محمد بن المظفر ، ثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال : وجدت في كتاب جدي محمد بن ثابت : ثنا أشعث بن الحسن السلمي ، عن جعفر الأحمر ، عن يونس بن الأرقم ، عن أبان ، عن خليد العصري قال : سمعت عليا أمير المؤمنين يقول يوم النهروان : أمرني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين .
[ ص: 634 ] وقد رواه ابن عساكر ، من حديث محمد بن فرج الجنديسابوري ، أنا هارون بن إسحاق ، ثنا أبو غسان ، عن جعفر - أحسبه الأحمر - عن عبد الجبار الهمداني ، عن أنس بن عمرو ، عن أبيه ، عن علي قال : أمرت بقتال ثلاثة ; المارقين والقاسطين والناكثين .
وقال الحاكم أبو عبد الله ، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الحنظلي ، بقنطرة بردان ، ثنا محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي ، حدثني أبي ، حدثني عمي - عمرو بن عطية بن سعد - عن أخيه الحسن بن عطية ، حدثني جدي سعد بن جنادة ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال أمرت بقتال ثلاثة ; القاسطين والناكثين والمارقين ; فأما القاسطون فأهل الشام ، وأما الناكثون فذكرهم ، وأما المارقون فأهل النهروان . يعني الحرورية .
وقال الحافظ ابن عساكر : أنا أبو القسم زاهر بن طاهر ، أنا أبو سعد الأديب ، أنا السيد أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين ، ثنا محمد بن أحمد [ ص: 635 ] الصوفي ، ثنا محمد بن عمرو الباهلي ، ثنا كثير بن يحيى ، ثنا أبو عوانة ، عن أبي الجارود ، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : أمرني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين .
حديث ابن مسعود في ذلك : قال الحاكم : حدثنا الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه ، أنا الحسن بن علي ، ثنا زكريا بن يحيى الحرار المقرئ ، ثنا إسماعيل بن عباد المقرئ ، ثنا شريك ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : خرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فأتى منزل أم سلمة فجاء علي ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا أم سلمة ، هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي .
حديث أبي سعيد في ذلك : قال الحاكم : حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ، ثنا الحسين بن الحكم الحبري ، ثنا إسماعيل بن أبان ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بقتال الناكثين والقاسطين [ ص: 636 ] والمارقين ، فقلت : يا رسول الله ! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ فقال : مع علي بن أبي طالب ، معه يقتل عمار بن ياسر .
حديث أبي أيوب في ذلك : قال الحاكم : أنا أبو الحسن علي بن حمشاذ العدل ، ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل ، ثنا عبد العزيز بن الخطاب ، ثنا محمد بن كثير ، عن الحارث بن حصيرة ، عن أبي صادق ، عن مخنف بن سليم قال : أتينا أبا أيوب فقلنا : قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ثم جئت تقاتل المسلمين ؟ فقال : أمرني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين .
قال الحاكم : وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري ، ثنا محمد بن حميد ، ثنا سلمة بن الفضل ، حدثني أبو زيد الأحول ، عن عتاب بن ثعلبة ، حدثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب قال : أمرني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بقتال الناكثين والقاسطين [ ص: 637 ] والمارقين مع علي بن أبي طالب .
وقال الخطيب البغدادي : أخبرني الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ ، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن جعفر المطيري ، ثنا أحمد بن عبد الله المؤدب بسر من رأى ، ثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد ، ثنا شريك ، عن سليمان بن مهران الأعمش ، قال : حدثنا إبراهيم ، عن علقمة والأسود قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له : يا أبا أيوب ، إن الله أكرمك بنزول محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وبمجيء ناقته تفضلا من الله وإكراما لك حين أناخت ببابك دون الناس ، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله ؟ فقال : يا هذا ، إن الرائد لا يكذب أهله ، وإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أمرنا بقتال ثلاثة مع علي ; بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ; فأما الناكثون فقد قاتلناهم ، وهم أهل الجمل ; طلحة والزبير ، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعني معاوية وعمرا - وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات ، وأهل السعيفات ، وأهل النخيلات ، وأهل النهروانات ، والله ما أدري أين هم ، ولكن لا بد من قتالهم ، إن شاء الله . قال : وسمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول [ ص: 638 ] لعمار : يا عمار تقتلك الفئة الباغية ، وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك ، يا عمار بن ياسر ، إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره فاسلك مع علي ، فإنه لن يدليك في ردى ، ولن يخرجك من هدى ، يا عمار ، من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه ، قلده الله يوم القيامة وشاحين من در ، ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي عليه ، قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار . فقلنا : يا هذا ، حسبك رحمك الله ، حسبك رحمك الله . هذا السياق ، الظاهر أنه موضوع ، وآفته من جهة المعلى بن عبد الرحمن ; فإنه متروك الحديث . والله أعلم . قلت : هذا الحديث إن صح بعضه ، ففي بعضه زيادات موضوعة من وضع الرافضة ، والمعلى بن عبد الرحمن لا يلتفت إليه .
============================================================================فصل ( ما ذكره الهيثم بن عدي من خروج الحارث بن راشد الناجي على علي بن أبي طالب بعد النهروان )
وقد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على علي ، رضي الله عنه ، [ ص: 644 ] بعد قتله أهل النهروان رجل يقال له : الحارث بن راشد الناجي . قدم مع أهل البصرة ، فقال لعلي : إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك قضية التحكيم ، وتزعم أنك قد أعطيت أهل الشام عهودك ومواثيقك ، وأنك لست بناقضها ، وهذان الحكمان قد اتفقا على خلعك ، ثم اختلفا في ولاية معاوية ; فولاه عمرو بن العاص ، وامتنع أبو موسى من ولايته ، فأنت مخلوع باتفاقهما ، وأنا قد خلعتك وخلعت معاوية معك . واتبع الحارث على مقالته هذه بشر كثير من قومه - بني ناجية وغيرهم - وتحيزوا ناحية ، فبعث إليهم علي معقل بن قيس الرياحي في جيش كثيف فقتلهم معقل قتلا ذريعا ، وسبى من بني ناجية خمسمائة أهل بيت ، فقدم بهم على علي ، فتلقاه رجل يقال له : مصقلة بن هبيرة ، أبو المغلس - وكان عاملا لعلي على بعض الأقاليم - فتضرع السبي إليه وشكوا ما هم فيه ، فاشتراهم مصقلة من معقل بخمسمائة ألف وأعتقهم ، فطالبه بالثمن فهرب منه إلى ابن عباس إلى البصرة ، فكتب معقل إلى ابن عباس في ذلك ، فقال له مصقلة : إني إنما [ ص: 645 ] جئت لأدفع ثمنهم إليك . ثم هرب من ابن عباس إلى علي ، فطالبه علي بالثمن ، فدفع إليه من الثمن مائتي ألف ، ثم هرب ، فلحق بمعاوية بن أبي سفيان بالشام ، فأمضى علي عتقهم ، وقال : ما بقي من المال في ذمة مصقلة ؟ وأمر بداره في الكوفة فهدمت .
وقد روى الهيثم ، عن سفيان الثوري ، وإسرائيل ، عن عمار الدهني ، عن أبي الطفيل أن بني ناجية ارتدوا فبعث إليهم معقل بن قيس فسباهم ، فاشتراهم مصقلة من علي بثلاثمائة ألف فأعتقهم ، ثم هرب إلى معاوية . قال الهيثم : وهذا قول الشيعة ولم يسمع بحي من العرب ارتدوا عن الإسلام بعد الردة التي كانت في أيام الصديق . وقال الهيثم : حدثني عبيد الله بن تميم بن طرفة الطائي ، حدثني أبي ، أن عدي بن حاتم قال مرة لعلي بن أبي طالب ، وهو يخطب : قتلت أهل النهروان على إنكار الحكومة ، وقتلت الخريت بن راشد على مسألته إياك الحكومة ، والله ما بينهما موضع قدم . فقال له علي : [ ص: 646 ] اسكت إنما كنت أعرابيا تأكل الضبع بجبلي طيء بالأمس . فقال له عدي : وأنت والله قد رأيناك بالأمس تأكل البلح بالمدينة . قال الهيثم : ثم خرج رجل على علي من أهل البصرة فقتل ، فأمر أصحابه عليهم الأشرس بن عوف الشيباني ، فقتل هو وأصحابه . قال : ثم خرج عليه الأشهب بن بشر البجلي ، ثم أخذ عرينة من أهل الكوفة فقتل هو وأصحابه . قال : ثم خرج على علي سعيد بن قفل التيمي ; تيم ثعلبة ، من أهل الكوفة ، فقتل بقنطرة درزيجان فوق المدائن . قال الهيثم : أخبرني بذلك عبد الله بن عياش عن مشيخته .
===========================================ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة ، كان قد أصابه سباء في الجاهلية فاشترته أم أنمار الخزاعية ، التي كانت تختن النساء ، وهي أم سباع بن عبد العزى الذي قتله حمزة يوم أحد . حالف خباب بني زهرة .
أسلم خباب قديما قبل دار الأرقم ، وكان ممن يؤذى في الله ، عز وجل فيصبر [ ص: 648 ] ويحتسب ، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد . قال الشعبي : دخل خباب يوما على عمر فأكرم مجلسه ، وقال : ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا بلال . فقال : يا أمير المؤمنين إن بلالا كان يؤذى وكان له من يمنعه ، وإني كنت لا ناصر لي ، والله لقد سلقوني يوما في نار أججوها ووضع رجل منهم رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهري ، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص ، رضي الله عنه . ولما مرض دخل عليه ناس من الصحابة يعودونه ، فقالوا : أبشر غدا تلقى الأحبة ; محمدا وحزبه . فقال : والله إخواني مضوا لم يأكلوا من أجرهم شيئا ، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهدبها ، يعني الدنيا فهذا الذي يهمني . قالوا : وتوفي بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة ، وهو أول من دفن بظاهر الكوفة ، رضي الله عنه .
خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري ، ذو الشهادتين ، وكانت راية بني خطمة معه يوم الفتح ، وشهد صفين مع علي ، وقتل يومئذ ، رضي الله عنه .
سفينة مولى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إلى [ ص: 649 ] النبي صلوات الله وسلامه عليه .
عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم : أسلم عام الفتح وكتب بين يدي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم مع كتاب الوحي .
عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، قتل يوم صفين ، وكان أمير ميمنة علي فأخذها بعده الأشتر .
عبد الله بن خباب بن الأرت ، ولد في زمن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكان موصوفا بالخير ، قتله الخوارج ، كما قدمنا بالنهروان في هذه السنة ، فلما جاء علي قال لهم : أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون . فقالوا : كلنا قتله . فقتلهم .
عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، أحد كتاب الوحي ، أسلم قديما وكتب الوحي ، ثم ارتد عن الإسلام ، ثم عاد إلى الإسلام عام الفتح ، واستأمن له عثمان بن عفان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، - وكان أخاه لأمه - وحسن إسلامه ، وقد ولاه عثمان نيابة مصر بعد عمرو بن العاص ، فغزا إفريقية وبلاد النوبة ، وفتح الأندلس ، وغزا ذات الصواري مع الروم في البحر ، فقتل منهم ما صبغ وجه الماء من الدماء ، [ ص: 650 ] ثم لما حصر عثمان تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة ، وأخرجه من مصر ، فمات في هذه السنة وهو معتزل عليا ومعاوية في صلاة الفجر بين التسليمتين ، رضي الله عنه .
عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي
من عبس اليمن ، وهو حليف بني مخزوم ، أسلم قديما وكان ممن يعذب في الله هو وأبوه وأمه سمية ، ويقال : إنه أول من اتخذ مسجدا في بيته يتعبد فيه . وقد شهد بدرا وما بعدها . وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين ، وكان مع علي ، وأخبر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنه تقتله الفئة الباغية .
وروى الترمذي من حديث الحسن ، عن أنس أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة ; علي وعمار وسلمان .
وروى الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن علي أن عمارا استأذن على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : مرحبا بالطيب المطيب .
وقال إبراهيم بن الحسين : حدثنا يحيى ، حدثني نصر ، ثنا سفيان [ ص: 651 ] الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي عمار ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن رجل من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لقد ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه .
وحدثنا يحيى بن معلى ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : ما من أحد من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أشاء أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر ، فإنه حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنيه إيمانا .
وحدثنا يحيى ، ثنا عمرو بن عون ، أنا هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن سلمة بن كهيل ، عن علقمة قال : أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدثني ، قال : كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام في شيء ، فشكاني إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا خالد لا تؤذ عمارا ; فإنه من يبغض عمارا يبغضه الله ، ومن يعاد عمارا يعاده الله قال : فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في [ ص: 652 ] نفسه . وله أحاديث كثيرة في فضائله ، رضي الله عنه .
قتل عمار يوم صفين عن إحدى وقيل : ثلاث . وقيل : أربع وتسعين سنة . طعنه أبو الغادية فسقط ، ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه ، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله . فقال لهما عمرو بن العاص : اتئدا فوالله إنكما لتختصمان في النار . فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك . فقال له عمرو : والله إنك لتعلم ذلك ، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة .
قال الواقدي : حدثني الحسن بن الحسين بن عمارة ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم أن عليا صلى عليه ، ولم يغسله ، وصلى معه على هاشم بن عتبة ، فكان عمار مما يلي عليا ، وهاشم إلى نحو القبلة . قالوا : وقبر هنالك . وكان آدم اللون ، طويلا ، بعيد ما بين المنكبين ، أشهل العينين ، رجلا لا يغير شيبه ، رضي الله عنه .
الربيع بنت معوذ بن عفراء ، أسلمت قديما وكانت تخرج مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى الغزوات فتداوي الجرحى ، وتسقي الماء للكلمى وغيرهم ، وروت [ ص: 653 ] أحاديث كثيرة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق