الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصون خيبر==حصار رسول الله أهل خيبر ==فصل من شهد خيبر
======فصل من استشهد بخيبر من الصحابة==فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ، ومصالحة يهود تيماء على ما ذكره الواقدي====

على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، وغيره من أصحاب المغازي

فمن خير المهاجرين ، ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي ، مولى بني أمية ، وثقيف بن عمرو ، ورفاعة بن مسروح ، حلفاء بني أمية ، وعبد الله [ ص: 341 ] بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة ، من بني سعد بن ليث ، حليف بني أسد وابن أختهم .

ومن الأنصار ، بشر بن البراء بن معرور - من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم - وفضيل بن النعمان السلميان ، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الزرقي ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي ، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان العمري ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة ، وأوس الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة ، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله ، وعامر بن الأكوع ، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ، رحمه الله كما تقدم ، والأسود الراعي . وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته ، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ، ولله الحمد والمنة . [ ص: 342 ]

قال ابن إسحاق : وممن استشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب - من بني زهرة ، مسعود بن ربيعة ، حليف لهم من القارة ، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف ، أوس بن قتادة ، رضي الله عنهم أجمعين

قال ابن إسحاق ، وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال ، يأخذها مالا مالا ، ويفتتحها حصنا حصنا ، وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، ألقيت عليه رحى منه فقتلته ، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا ؛ منهن صفية بنت حيي بن [ ص: 279 ] أخطب ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وبنتا عم لها ، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه ، وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية ، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها ، قال : وفشت السبايا من خيبر في المسلمين ، وأكل الناس لحوم الحمر . فذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عن أكلها . وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل ؛ فأورد النهي عنها من طرق جيدة ، وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا ، وهو مذهب الأئمة الأربعة . وقد ذهب بعض السلف - منهم ابن عباس - إلى إباحتها وتنوعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهي عنها ، فقيل : لأنها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة ، وقيل : لأنها لم تكن خمست بعد . وقيل : لأنها كانت تأكل العذرة . يعني جلالة . [ ص: 280 ]

والصحيح أنه نهي عنها لذاتها ؛ فإن في الأثر الصحيح أنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ؛ فإنها رجس . فأكفئوها والقدور تفور بها . وموضع تقرير ذلك في كتاب " الأحكام " .

قال ابن إسحاق : حدثني سلام بن كركرة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله - ولم يشهد جابر خيبر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل . وهذا الحديث أصله ثابت في " الصحيحين " من حديث حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في الخيل . لفظ البخاري .

قال ابن إسحاق : وحدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع ؛ عن إتيان الحبالى من النساء ، وعن أكل الحمار الأهلي ، وعن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن بيع المغانم حتى تقسم . وهذا مرسل .

وقال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق مولى تجيب ، عن حنش الصنعاني قال : غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري [ ص: 281 ] المغرب ، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها : جربة . فقام فينا خطيبا فقال : أيها الناس ، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر ؛ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره " يعني إتيان الحبالى من السبي " ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق ، به . ورواه الترمذي ، عن عمر بن حفص الشيباني ، عن ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن ربيعة بن سليم ، عن بسر بن عبيد الله ، عن رويفع بن ثابت ، مختصرا ، وقال : حسن . [ ص: 282 ]

وفي " صحيح البخاري " عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل الثوم . وقد حكى ابن حزم ، عن علي وشريك بن الحنبل ، أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثوم النيئ . والذي نقله الترمذي عنهما الكراهة . فالله أعلم .

وقد تكلم الناس في الحديث الوارد في " الصحيحين " من طريق الزهري ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية ، عن أبيهما ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية . هذا لفظ " الصحيحين " من طريق مالك وغيره ، عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين ؛ أحدهما ، أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن ؛ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة . الثاني ، أنه قد ثبت في " صحيح مسلم " عن الربيع بن سبرة بن معبد ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في المتعة زمن الفتح ، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها ، وقال : " إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ، ثم حرمت ، فيلزم النسخ مرتين ، وهو بعيد . ومع هذا فقد نص [ ص: 283 ] الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم ، ثم أبيح ثم حرم ، غير نكاح المتعة ، وما حداه على هذا - رحمه الله - إلا اعتماده على هذين الحديثين ، كما قدمناه .

وقد حكى السهيلي وغيره ، عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات ، وحرمت ثلاث مرات . وقال آخرون : أربع مرات . وهذا بعيد جدا . والله أعلم . واختلفوا ؛ أي وقت أول ما حرمت ؟ فقيل : في خيبر . وقيل : في عمرة القضاء . وقيل : في عام الفتح . وهو الذي يظهر ، وقيل : في أوطاس . وهو قريب من الذي قبله . وقيل : في تبوك . وقيل : في حجة الوداع . رواه أبو داود .

وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي ، رضي الله عنه ، بأنه وقع فيه تقديم وتأخير .

وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليا قال لابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح [ ص: 284 ] المتعة ، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر قالوا : فاعتقد الراوي أن قوله : " خيبر " ظرف للمنهي عنهما ، وليس كذلك ، إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر ، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا ، وإنما جمعه معه ؛ لأن عليا ، رضي الله عنه ، بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ، ولحوم الحمر الأهلية ، كما هو المشهور عنه ، فقال له أمير المؤمنين علي : إنك امرؤ تائه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة . وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ، تغمده الله برحمته ، آمين . ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحة الحمر والمتعة ، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم ، وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الأسفار ، وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية والوجدان ، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ، ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز ، إلى زمن ابن جريج ، وبعده . وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس ، وهي ضعيفة ، وحاول بعض من صنف في الخلاف نقل رواية عن الإمام أحمد بمثل ذلك ، ولا يصح أيضا . والله أعلم . وموضع تحرير ذلك في كتاب " الأحكام " وبالله المستعان . [ ص: 285 ]

قال ابن إسحاق : ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والأموال ، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : والله يا رسول الله ، لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء . فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه ، فقال : " اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عندهم ، وأكثرها طعاما وودكا " فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه .

قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنهم الوطيح ، والسلالم ، وكان آخر حصون خيبر افتتاحا ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة . قال ابن هشام : وكان شعارهم يوم خيبر يا منصور ، أمت أمت .

قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي ، عن بعض [ ص: 286 ] رجال بني سلمة ، عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال : إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية ، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود ، تريد حصنهم ونحن محاصروهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رجل يطعمنا من هذه الغنم ؟ " . قال أبو اليسر : فقلت : أنا يا رسول الله . قال : " فافعل " . قال : فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال : " اللهم أمتعنا به " . قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن ، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ، ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء ، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما ، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا ، وكان إذا حدث هذا الحديث بكى ، ثم قال : أمتعوا بي لعمري ، حتى كنت من آخرهم موتا .

وقال الحافظ البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، أو عن أبي قلابة قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قدم والثمرة خضرة ، قال : فأسرع الناس فيها ، فحموا ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان ، ثم [ ص: 287 ] يحدروا عليهم بين أذاني الفجر ، ويذكروا اسم الله عليه ، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل . قال البيهقي : ورويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولا ، وعنه : بين صلاتي المغرب والعشاء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى وبهز قالا : حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد بن هلال ، حدثنا عبد الله بن مغفل ، قال : دلي جراب من شحم يوم خيبر . قال : فالتزمته ، فقلت : لا أعطي أحدا منه شيئا . قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم .

وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فألقي إلينا جراب فيه شحم ، فذهبت آخذه ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت . وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث شعبة . ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ ، عن سليمان بن المغيرة به نحوه . [ ص: 288 ]

وقال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، قال : أصبت من فيء خيبر جراب شحم . قال : فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي . قال : فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها ، فأخذ بناحيته ، وقال : هلم هذا حتى نقسمه بين المسلمين قال : وقلت : لا والله لا أعطيكه . قال : وجعل يجاذبني الجراب . قال : فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ، ثم قال لصاحب المغانم : " لا أبا لك ، خل بينه وبينه " قال : فأرسله ، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه . وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الإمام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود - ما كان حراما عليهم - على غيرهم من المسلمين ؛ لأن الله تعالى قال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( المائدة : 5 ) قال : لكم . قال : وليس هذا من طعامهم . فاستدلوا عليه بهذا الحديث ، وفيه نظر ، وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم . والله أعلم . وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس .

ويعضد ذلك ما رواه الإمام أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن محمد بن أبي مجالد ، عن [ ص: 289 ] عبد الله بن أبي أوفى قال : قلت : هل كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أصبنا طعاما يوم خيبر ، فكان الرجل يجيء ، فيأخذ منه قدر ما يكفيه ، ثم ينصرف . تفرد به أبو داود ، وهو حسن .=============================قال ابن إسحاق : وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم ، حتى إذا أيقنوا بالهلكة ، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ، ففعل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها ؛ الشق ، والنطاة ، والكتيبة ، وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنين ، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل ، وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود ، أخو بني حارثة ، فلما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وقالوا : نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها . فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف ، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم . وعامل أهل فدك بمثل ذلك ==================================فصل من شهد خيبر

وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء ، فرضخ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنيمة ، ولم يسهم لهم .

قال أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا بشر بن المفضل ، عن محمد بن زيد ، حدثني عمير مولى آبي اللحم قال : شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بي فقلدت سيفا ، فإذا أنا أجره ، فأخبر أني مملوك ، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع . ورواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن بشر بن المفضل به . وقال الترمذي : حسن صحيح . ورواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد عن وكيع ، عن هشام بن سعد ، عن محمد بن زيد بن [ ص: 312 ] المهاجر عن قنفذ ، عن عمير ، به .

وقال محمد بن إسحاق : وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء ، فرضخ لهن ، ولم يضرب لهن بسهم ، حدثني سليمان بن سحيم ، عن أمية بنت أبي الصلت ، عن امرأة من بني غفار قد سماها لي ، قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار ، فقلنا : يا رسول الله ، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى ، ونعين المسلمين بما استطعنا . فقال : " على بركة الله " . قالت : فخرجنا معه . قالت : وكنت جارية حدثة ، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله . قالت : فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ، ونزلت عن حقيبة رحله . قالت : وإذا بها دم مني ، وكانت أول حيضة حضتها . قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ، ورأى الدم ، قال : " ما لك ؟ لعلك نفست؟ " قالت : قلت : نعم . قال : " فأصلحي من نفسك ، ثم خذي إناء من ماء ، فاطرحي فيه ملحا ، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ، ثم عودي لمركبك " . قالت : فلما فتح الله خيبر ، رضخ لنا من الفيء ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي ، فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي ، فوالله لا [ ص: 313 ] تفارقني أبدا . وكانت في عنقها حتى ماتت ، ثم أوصت أن تدفن معها . قالت : وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا ، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود ، من حديث محمد بن إسحاق به . قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه " : ورواه الواقدي ، عن أبي بكر بن أبي سبرة ، عن سليمان بن سحيم ، عن أم علي بنت أبي الحكم ، عن أمية بنت أبي الصلت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، ثنا رافع بن سلمة الأشجعي ، حدثني حشرج بن زياد ، عن جدته أم أبيه ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة . قالت : فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معه نساء . قالت : فأرسل إلينا فدعانا . قالت : فرأينا في وجهه الغضب ، فقال : " ما أخرجكن ، وبأمر من خرجتن؟ " قلنا : خرجنا نناول السهام ، ونسقي السويق ، ومعنا دواء للجرحى ، ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله . قال : " قمن فانصرفن " . قالت : فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال . فقلت لها : يا جدة ، وما الذي أخرج لكن ؟ قالت : تمرا .

قلت : إنما أعطاهن من الحاصل ، فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام [ ص: 314 ] الرجال فلا . والله أعلم .

وقال الحافظ البيهقي : وفي كتابي ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أن عبد الله الأصبهاني أخبره ، حدثنا الحسين بن الجهم ، ثنا الحسين بن الفرج ، ثنا الواقدي ، حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير ، عن أبيه ، عن جده ، عن عبد الله بن أنيس ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، ومعي زوجتي وهي حبلى ، فنفست في الطريق ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : " انقع لها تمرا ، فإذا انغمر بله ، فامرثه لتشربه " . ففعلت ، فما رأت شيئا تكرهه ، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ، ولم يسهم لهن ، فأجدى زوجتي وولدي الذي ولد قال عبد السلام : لست أدري غلام أو جارية .==============================ذكر قصة الشاة المسمومة ، وما كان من البرهان الذي ظهر عندها

قال البخاري : رواه عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، حدثني سعيد ، عن أبي هريرة قال : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم . هكذا أورده هاهنا مختصرا .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، ثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود " . فجمعوا له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني سائلكم عن شيء ، فهل أنتم صادقي عنه ؟ " قالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أبوكم ؟ قالوا : أبونا فلان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبتم ، بل أبوكم فلان " . قالوا : [ ص: 325 ] صدقت وبررت . فقال : " هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ " قالوا : نعم يا أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفت كذبنا ، كما عرفته في أبينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أهل النار ؟ " فقالوا : نكون فيها يسيرا ، ثم تخلفونا فيها . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لا نخلفكم فيها أبدا " . ثم قال لهم : " هل أنتم صادقي عن شيء سألتكم ؟ " فقالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال : " هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ " فقالوا : نعم . قال : " ما حملكم على ذلك ؟ " . قالوا : أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك .

وقد رواه البخاري في الجزية ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي المغازي أيضا ، عن قتيبة كلاهما عن الليث ، به .

وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، ثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة [ ص: 326 ] أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة ، فقال لأصحابه : " أمسكوا ، فإنها مسمومة " وقال لها : ما حملك على ما صنعت ؟ قالت : أردت أن أعلم ، إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه ، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك . قال : فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ، عن هارون بن عبد الله ، عن سعيد بن سليمان ، به . ثم روى البيهقي ، عن طريق عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، ثنا عباد ، عن هلال - هو ابن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة ، فأرسل إليها فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت : أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه ، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئا احتجم . قال : فسافر مرة ، فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم تفرد به أحمد ، وإسناده حسن .

وفي " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن هشام بن زيد ، عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة ، فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها عن ذلك ، قالت : أردت لأقتلك . فقال : " ما [ ص: 327 ] كان الله ليسلطك علي " . أو قال : " على ذلك " . قالوا : ألا نقتلها ؟ قال : " لا " قال : أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود المهري ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب : قال كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع ، فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعوا أيديكم " . وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ، فدعاها فقال لها : " أسممت هذه الشاة ؟ " قالت اليهودية : من أخبرك ؟ قال : " أخبرتني هذه التي في يدي " . وهي الذراع . قالت : نعم . قال : " فما أردت بذلك ؟ " قالت : قلت : إن كنت نبيا فلن تضرك ، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك . فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة ، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله ، من أجل الذي [ ص: 328 ] أكل من الشاة ، حجمه أبو هند بالقرن ، والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار .

ثم قال أبو داود : حدثنا وهب بن بقية ، ثنا خالد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية ، نحو حديث جابر ، قال : فمات بشر بن البراء بن معرور ، فأرسل إلى اليهودية ، فقال : " ما حملك على الذي صنعت ؟ " فذكر نحو حديث جابر ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت . ولم يذكر أمر الحجامة .

قال البيهقي : ورويناه من حديث حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء ، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها .

وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر ، فقال : " ما هذه ؟ " قالت : هدية . وحذرت أن تقول : صدقة . فلا يأكل . قال : فأكل وأصحابه ، ثم قال : " أمسكوا " . ثم قال [ ص: 329 ] للمرأة : " هل سممت هذه الشاة ؟ " قالت : من أخبرك هذا ؟ قال : " هذا العظم " . لساقها ، وهو في يده . قالت : نعم . قال : " لم ؟ " قالت : أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك . قال : فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل ، وأمر أصحابه فاحتجموا ، ومات بعضهم . قال الزهري : فأسلمت ، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : هذا مرسل ، ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه .

وذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، وكذلك موسى بن عقبة ، عن الزهري قالوا : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، وقتل منهم من قتل ، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصلية وسمتها ، وأكثرت في الكتف والذراع ، لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، وهو أحد بني سلمة ، فقدمت إليهم الشاة المصلية ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف ، وانتهش منها ، وتناول بشر عظما فانتهش منه ، فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته ، استرط بشر بن البراء ما في فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعوا أيديكم ، فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها " . [ ص: 330 ] فقال بشر بن البراء : والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت ، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أنغصك طعامك ، فلما أسغت ما في فيك ، لم أرغب بنفسي عن نفسك ، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي . فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان ، وماطله وجعه ، حتى كان لا يتحول حتى يحول قال الزهري : قال جابر : واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة ، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين ، حتى كان وجعه الذي توفي فيه ، فقال : " ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا ، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري " . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا .

وقال محمد بن إسحاق : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية ، وقد سألت : أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع ، فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يديه ، تناول الذراع ، فلاك [ ص: 331 ] منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما بشر فأساغها ، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ، ثم قال : " إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم " . ثم دعا بها ، فاعترفت ، فقال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت : إن كان كذابا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر قال : فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بشر من أكلته التي أكل .

قال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أم بشر بن البراء بن معرور - : " يا أم بشر ، إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر " . قال ابن هشام : الأبهر : العرق المعلق بالقلب . قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا ، مع ما أكرمه الله به من النبوة .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن سيف [ ص: 332 ] الحراني قالا : ثنا أبو عتاب سهل بن حماد ، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري : أن يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطا ، فلما بسط القوم أيديهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسكوا فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة " . فأرسل إلى صاحبتها : " أسممت طعامك ؟ " قالت : نعم . قال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك ، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه . فبسط يده وقال : " كلوا بسم الله " . قال : فأكلنا وذكرنا اسم الله ، فلم يضر أحد منا ثم قال : لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه .

قلت : وفيه نكارة وغرابة شديدة . والله أعلم .

وذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظفر به ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها ، فقال : يا محمد ، أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبت رؤياك " . وأخبره بما رأى ، فرجع عيينة ، فلقيه الحارث بن عوف فقال : ألم أقل إنك توضع في غير شيء ؟! والله ليظهرن محمد على ما [ ص: 333 ] بين المشرق والمغرب ، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا ، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول : إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون ، إنه لمرسل ، ويهود لا تطاوعني على هذا ، ولنا منه ذبحان ، واحد بيثرب ، وآخر بخيبر ، قال الحارث : قلت لسلام : يملك الأرض ؟! قال : نعم والتوراة التي أنزلت على موسى ، وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه .================================فصل من استشهد بخيبر من الصحابة

على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، وغيره من أصحاب المغازي

فمن خير المهاجرين ، ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي ، مولى بني أمية ، وثقيف بن عمرو ، ورفاعة بن مسروح ، حلفاء بني أمية ، وعبد الله [ ص: 341 ] بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة ، من بني سعد بن ليث ، حليف بني أسد وابن أختهم .

ومن الأنصار ، بشر بن البراء بن معرور - من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم - وفضيل بن النعمان السلميان ، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الزرقي ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي ، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان العمري ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة ، وأوس الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة ، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله ، وعامر بن الأكوع ، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ، رحمه الله كما تقدم ، والأسود الراعي . وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته ، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ، ولله الحمد والمنة . [ ص: 342 ]

قال ابن إسحاق : وممن استشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب - من بني زهرة ، مسعود بن ربيعة ، حليف لهم من القارة ، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف ، أوس بن قتادة ، رضي الله عنهم أجمعين =================================================فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ، ومصالحة يهود تيماء على ما ذكره الواقدي

قال الواقدي : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى ، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له : مدعم . وكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود ، وقدم إليها ناس من العرب ، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ، ولم نكن على تعبية ، وهم يصيحون في آطامهم ، فيقبل سهم عائر ، فأصاب مدعما فقتله ، فقال الناس : هنيئا له بالجنة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارا " . [ ص: 352 ] فلما سمع بذلك الناس ، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " شراك من نار أو شراكان من نار وهذا الحديث في " الصحيحين " من حديث مالك ، عن ثور بن يزيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

قال الواقدي : فعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة ، وراية إلى الحباب بن المنذر ، وراية إلى سهل بن حنيف ، وراية إلى عباد بن بشر ، ثم دعاهم إلى الإسلام ، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم ، وحسابهم على الله . قال : فبرز رجل منهم ، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله ، ثم برز آخر ، فبرز إليه أبو دجانة فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كلما قتل منهم رجل ، دعا من بقي منهم إلى الإسلام ، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم ، فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله عز وجل ورسوله ، وقاتلهم حتى أمسوا ، وغدا عليهم ، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم ، وفتحها عنوة ، وغنمهم الله أموالهم ، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام ، فقسم ما أصاب على أصحابه ، وترك الأرض والنخيل في أيدي اليهود [ ص: 353 ] وعاملهم عليها ، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى ، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم ، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى ، لأنهما داخلتان في أرض الشام ، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز ، وما وراء ذلك من الشام . قال : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى ، وغنمه الله عز وجل .

قال الواقدي : حدثني يعقوب بن محمد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، عن أم عمارة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وهو يقول : لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء قالت : فذهب رجل من الحي ، فطرق أهله فوجد ما يكره ، فخلى سبيله ولم يهجه ، وضن بزوجته أن يفارقها ، وكان له منها أولاد ، وكان يحبها ، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما يكره

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق