ذكر نبوة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون ، عليهم السلام ====تحريض فرعون على قتل موسى وإسلام السحرة
هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام ، وأهل الكتاب يقولون : يوشع بن عم هود . وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر ، كما تقدم في قوله : وإذ قال موسى لفتاه [ الكهف : 60 ] . فلما جاوزا قال لفتاه [ الكهف : 62 ] . وقدمنا ما ثبت في " الصحيح " ، من رواية أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من أنه يوشع بن نون ، وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب ، فإن طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون; لأنه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه ، وهو الحق من ربهم ، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .
وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين ، عن محمد بن إسحاق ، من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى ، فكان موسى يلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله إليه من الأوامر والنواهي ، حتى قال له : يا كليم [ ص: 228 ] الله إني كنت لا أسألك عما يوحي الله إليك ، حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك . فعند ذلك كره موسى الحياة ، وأحب الموت . ففي هذا نظر; لأن موسى ، عليه السلام ، لم يزل الأمر ، والوحي ، والتشريع ، والكلام من الله إليه في جميع أحواله ، حتى توفاه الله ، عز وجل ، ولم يزل معززا ، مكرما ، مدللا ، وجيها عند الله ، كما قدمنا في " الصحيح " ، من قصة فقئه عين ملك الموت ، ثم بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور ، فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها ، قال : ثم ماذا؟ قال : الموت . قال : فالآن يا رب . وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر ، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه ، فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق ، إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ، ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل أمر يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى ، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة ، في قبة الزمان . وقد ذكروا في السفر الثالث ، أن الله أمر موسى وهارون أن يعدا بني إسرائيل على أسباطهم ، وأن يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا ، وهو النقيب ، وما ذاك إلا ليتأهبوا للقتال; قتال الجبارين عند الخروج من التيه ، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة . ولهذا قال بعضهم : إنما فقأ موسى ، عليه السلام ، عين ملك الموت; لأنه لم يعرفه في صورته تلك ولأنه [ ص: 229 ] كان قد أمر بأمر كان يرتجي وقوعه في زمانه ، ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون ، عليه السلام ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أراد غزو الروم بالشام ، فوصل إلى تبوك ، ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع ، ثم حج في سنة عشر ، ثم رجع فجهز جيش أسامة إلى الشام ، طليعة بين يديه ثم كان على عزم الخروج إليهم; امتثالا لقوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ التوبة : 29 ] . ولما جهز رسول الله جيش أسامة ، توفي ، عليه الصلاة والسلام ، وأسامة مخيم بالجرف فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، ثم لما لم شعث جزيرة العرب ، وما كان وهى من أمر أهلها ، وعاد الحق إلى نصابه ، جهز الجيوش يمنة ويسرة ، إلى العراق ، أصحاب كسرى ملك الفرس ، وإلى الشام ، أصحاب قيصر ملك الروم ، ففتح الله لهم ، ومكن لهم وبهم ، وملكهم نواصي أعدائهم ، كما سنورده في موضعه ، إذا انتهينا إليه مفصلا ، إن شاء الله بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده . وهكذا موسى ، عليه السلام; كان الله قد أمره أن يجند بني إسرائيل ، وأن يجعل عليهم نقباء ، كما قال تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل [ المائدة : 12 ] . [ ص: 230 ] يقول لهم : لئن قمتم بما أوجبت عليكم ، ولم تنكلوا عن القتال ، كما نكلتم أول مرة ، لأجعلن ثواب هذه مكفرة لما وقع عليكم من عقاب تلك ، كما قال تعالى لمن تخلف من الأعراب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما [ الفتح : 16 ] . وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل : فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ثم ذمهم الله تعالى على سوء صنيعهم ، ونقضهم مواثيقهم ، كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم . وقد ذكرنا ذلك في " التفسير " مستقصى ، ولله الحمد .
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى ، عليه السلام ، أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ، ممن يحمل السلاح ويقاتل ، ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا ، وأن يجعل على كل سبط نقيبا منهم; السبط الأول سبط روبيل; لأنه بكر يعقوب ، كان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم منهم ، وهو أليصور بن شديئورا ، السبط الثاني سبط شمعون ، وكانوا تسعة وخمسين ألفا وثلاثمائة ، ونقيبهم شلوميئيل بن هوريشداي ، السبط الثالث سبط يهوذا ، [ ص: 231 ] وكانوا أربعة وسبعين ألفا وستمائة ، ونقيبهم نحشون بن عميناداب ، السبط الرابع سبط إيساخر ، وكانوا أربعة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم نشائيل بن صوغر ، السبط الخامس سبط يوسف ، عليه السلام ، وكانوا أربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم يوشع بن نون ، السبط السادس سبط ميشا ، وكانوا أحدا وثلاثين ألفا ومائتين ، ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور . السبط السابع سبط بنيامين ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم أبيدن بن جدعون ، السبط الثامن سبط جاد ، وكانوا خمسة وأربعين ألفا وستمائة وخمسين رجلا ، ونقيبهم الياساف بن رعوئيل ، السبط التاسع سبط أشير ، وكانوا أحدا وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن ، السبط العاشر سبط دان ، وكانوا اثنين وستين ألفا وسبعمائة ، ونقيبهم أخيعزر بن عميشداي ، السبط الحادي عشر سبط نفتالي ، وكانوا ثلاثة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم أخيرع بن عين ، السبط الثاني عشر سبط زبولون ، وكانوا سبعة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم ألباب بن حيلون . هذا نص كتابهم الذي بأيديهم . والله أعلم . وليس منهم بنو لاوي ، فأمر الله موسى أن لا يعدهم معهم; لأنهم موكلون بحمل قبة الشهادة ، وخزنها ونصبها إذا ارتحلوا وهم سبط موسى وهارون ، عليهما السلام ، وكانوا اثنين وعشرين ألفا من ابن شهر فما فوق ، ذلك وهم في أنفسهم قبائل ، إلى كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ، ويحفظونها ، ويقومون بمصالحها ، ونصبها ، وحملها ، وهم كلهم [ ص: 232 ] حولها ينزلون ويرتحلون أمامها ويمينها وشمالها ووراءها .
وجملة ما ذكر من المقاتلة ، غير بني لاوي ، خمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفا وستمائة وستة وخمسون ، لكن قالوا : فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ، ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا ، سوى بني لاوي وفي هذا نظر; فإن جميع الجمل المتقدمة ، إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها . والله أعلم . فكان بنو لاوي الموكلون بحفظ قبة الزمان ، يسيرون في وسط بني إسرائيل ، وهم القلب ، ورأس الميمنة بنو روبيل ، ورأس الميسرة بنو ران ، وبنو نفتالي يكونون ساقة ، وقرر موسى ، عليه السلام ، بأمر الله تعالى له ، الكهانة في بني هارون ، كما كانت لأبيهم من قبلهم ، وهم : ناداب ، وهو بكره ، وأبيهو ، والعازر ، ويثمر .
والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين ، الذين قالوا : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ المائدة : 24 ] . قاله الثوري ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . وقاله قتادة ، وعكرمة ، ورواه السدي ، عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وناس من الصحابة ، حتى قال ابن عباس ، وغيره من علماء السلف والخلف : ومات موسى ، وهارون قبله ، كلاهما في التيه جميعا . وقد زعم ابن [ ص: 233 ] إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى ، وإنما كان يوشع على مقدمته ، وذكر في مروره إليها قصة بلعام بن باعوراء ، الذي قال تعالى فيه : واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون [ الأعراف : 175 - 177 ] . وقد ذكرنا قصته في " التفسير " ، وأنه كان فيما قاله ابن عباس ، وغيره ، يعلم الاسم الأعظم ، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه ، فامتنع عليهم ، فلما ألحوا عليه ، ركب حمارة له ، ثم سار نحو معسكر بني إسرائيل ، فلما أشرف عليهم ، ربضت به حمارته ، فضربها ، حتى قامت فسارت غير بعيد وربضت ، فضربها ضربا أشد من الأول فقامت ، ثم ربضت فضربها ، فقالت له : يا بلعام أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي ، تردني عن وجهي هذا ، أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به ، حتى أشرف عليهم من رأس جبل حسبان ، ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل ، فأخذ يدعو عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ، ويدعو على قوم نفسه ، فلاموه على ذلك ، فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا ، واندلع لسانه حتى وقع على صدره ، وقال لقومه : ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، ولم يبق إلا المكر والحيلة . ثم أمر قومه [ ص: 234 ] أن يزينوا النساء ، ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ، ويتعرضن لهم ، حتى لعلهم يقعون في الزنى فإنه متى زنى رجل منهم كفيتموهم . ففعلوا وزينوا نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر ، فمرت امرأة منهم اسمها كستى برجل من عظماء بني إسرائيل ، وهو زمري بن شلوم ، يقال إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب . فدخل بها قبته ، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل ، فجعل يجوس فيهم ، فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العيزار بن هارون ، أخذ حربته ، وكانت من حديد فدخل عليهما القبة ، فانتظمهما جميعا فيها ، ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده ، وقد اعتمد على خاصرته وأسندها إلى لحيته ، ورفعهما نحو السماء وجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك . ورفع الطاعون ، فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفا ، والمقلل يقول : عشرين ألفا . وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون ، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة القبة والذراع واللحي ، ولهم البكر من كل أموالهم وأنفسهم . وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من علماء السلف ، لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس ، أول مقدمه من الديار المصرية ، ولعله مراد ابن إسحاق ، ولكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه . وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا . والله أعلم . ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال [ ص: 235 ] سيرهم في التيه ، فإن في هذا السياق ذكر حسبان ، وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس ، أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون ، حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس ، كما صرح به السدي . والله أعلم .
وعلى كل تقدير ، فالذي عليه الجمهور ، أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين . وبعده موسى في التيه أيضا ، كما قدمنا ، وأنه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس ، فأجيب إلى ذلك ، فكان الذي خرج بهم من التيه ، وقصد بهم بيت المقدس ، هو يوشع بن نون ، عليه السلام ، فذكر أهل الكتاب ، وغيرهم من أهل التاريخ ، أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن ، وانتهى إلى أريحا ، وكانت من أحصن المدائن سورا ، وأعلاها قصورا ، وأكثرها أهلا ، فحاصرها ستة أشهر ، ثم إنهم أحاطوا بها يوما ، وضربوا بالقرون ، يعني الأبواق ، وكبروا تكبيرة رجل واحد ، فتفسخ سورها ، وسقط وجبة واحدة ، فدخلوها ، وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم ، وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال والنساء ، وحاربوا ملوكا كثيرة ، ويقال : إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام . وذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر ، فلما غربت الشمس ، أو كادت تغرب ، ويدخل عليهم السبت الذي جعل [ ص: 236 ] عليهم ، وشرع لهم ذلك الزمان ، قال لها : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي . فحبسها الله عليه ، حتى تمكن من فتح البلد ، وأمر القمر فوقف عند الطلوع ، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر . والأول ، وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذي سأذكره . وأما قصة القمر ، فمن عند أهل الكتاب ، ولا ينافي الحديث ، بل فيه زيادة تستفاد ، فلا تصدق ولا تكذب ، ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر ، والأشبه ، والله أعلم ، أن هذا كان في فتح بيت المقدس ، الذي هو المقصود الأعظم ، وفتح أريحا كان وسيلة إليه . والله أعلم .
قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس . انفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط البخاري . وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ، عليه السلام ، لا موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا ، كما قلنا وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع ، عليه السلام ، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه; أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر ، بعد ما فاتته ، بسبب نوم النبي صلى الله عليه وسلم على ركبته ، فسأل رسول الله أن يردها عليه ، حتى يصلي [ ص: 237 ] العصر ، فرجعت . وقد صححه أحمد بن صالح المصري ، ولكنه منكر ، ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان ، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله ، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة ، لا يعرف حالها . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ، ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها . فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك ، فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي شيئا . فحبست عليه حتى فتح الله عليه ، فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله ، فأبت أن تطعمه فقال : فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل . فبايعوه ، فلصقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ولتبايعني قبيلتك . فبايعته قبيلته ، فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال : فيكم الغلول ، أنتم غللتم . فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه بالمال وهو بالصعيد ، فأقبلت النار فأكلته ، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ، ذلك بأن الله رأى ضعفنا ، وعجزنا ، فطيبها لنا انفرد به مسلم من هذا الوجه .
[ ص: 238 ] وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . قال : ورواه محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، قال : ورواه قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة ، أمروا أن يدخلوها سجدا; أي ركعا متواضعين شاكرين لله ، عز وجل ، على ما من به عليهم من الفتح العظيم ، الذي كان الله وعدهم إياه ، وأن يقولوا حال دخولهم : حطة . أي; حط عنا خطايانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدم منا . ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقته ، وهو متواضع حامد شاكر ، حتى إن عثنونه ، وهو طرف لحيته ، ليمس مورك رحله ، مما يطأطئ رأسه خضعانا لله ، عز وجل ، ومعه الجنود والجيوش ، ممن لا يرى منه إلا الحدق لا سيما الكتيبة الخضراء ، التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لما دخلها ، اغتسل وصلى ثماني ركعات . وهي صلاة الشكر على النصر ، على المنصور من قولي العلماء . وقيل : إنها صلاة الضحى . وما حمل هذا القائل على قوله هذا ، إلا لأنها وقعت وقت الضحى . وأما بنو إسرائيل ، فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا; دخلوا الباب يزحفون على أستاههم وهم [ ص: 239 ] يقولون : حبة في شعرة . وفي رواية : حنطة في شعرة . وحاصله : أنهم بدلوا ما أمروا به ، واستهزءوا به ، كما قال تعالى ، حاكيا عنهم في سورة " الأعراف " ، وهي مكية : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون [ الأعراف : 161 ، 162 ] . وقال تعالى في سورة " البقرة " وهي مدنية مخاطبا لهم : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون [ البقرة : 58 ، 59 ] . قال الثوري ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وادخلوا الباب سجدا قال : ركعا من باب صغير . رواه الحاكم ، و ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وكذا روى العوفي ، عن ابن عباس . وكذا روى الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء . قال مجاهد والسدي ، [ ص: 240 ] والضحاك : الباب هو باب حطة من بيت إيلياء ، بيت المقدس . قال ابن مسعود : فدخلوا مقنعي رؤوسهم ، ضد ما أمروا به . وهذا لا ينافي قول ابن عباس ، أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم . وهكذا في الحديث الذي سنورده بعد ، فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعو رءوسهم . وقوله : وقولوا حطة الواو هنا حالية ، لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم : حطة . قال ابن عباس ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، والربيع : أمروا أن يستغفروا .
قال البخاري : حدثنا محمد ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا ، وقولوا حطة . فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا : حطة; حبة في شعرة وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن مهدي به موقوفا . وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله لبني إسرائيل : ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على [ ص: 241 ] أستاههم ، فقالوا : حبة في شعرة ورواه البخاري ، ومسلم ، والترمذي من حديث عبد الرزاق : وقال الترمذي : حسن صحيح . وقال محمد بن إسحاق : كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، وعمن لا أتهم ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا ، يزحفون على أستاههم ، وهم يقولون : حنطة في شعيرة وقال أسباط عن السدي ، عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم قال : قالوا : ( هطى سمقاثا أزبة مزبا ) فهي بالعربية : حبة حنطة حمراء مثقوبة ، فيها شعرة سوداء . وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرجز الذي أنزله عليهم ، وهو الطاعون ، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن عامر بن سعد ، ومن حديث مالك ، عن محمد بن المنكدر ، وسالم أبي النضر ، عن عامر بن سعد ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن هذا الوجع - أو السقم - رجز عذب به بعض الأمم قبلكم وروى النسائي ، وابن أبي حاتم ، وهذا لفظه ، من حديث الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ، [ ص: 242 ] عن أبيه ، وأسامة بن زيد ، وخزيمة بن ثابت ، قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطاعون رجز عذاب ، عذب به من كان قبلكم وقال الضحاك ، عن ابن عباس : الرجز : العذاب . وكذا قال مجاهد ، وأبو مالك ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، وقال أبو العالية : هو الغضب . وقال الشعبي : الرجز إما الطاعون ، وإما البرد . وقال سعيد بن جبير هو الطاعون .
ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس ، استمروا فيه ، وبين أظهرهم نبي الله يوشع ، يحكم بينهم بكتاب الله التوراة ، حتى قبضه الله إليه ، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة ، فكان مدة حياته بعد موسى ، سبعا وعشرين سنة . والله تعالى أعلم================ولما وقع ما وقع من الأمر العظيم ، وهو الغلب الذي غلبه فرعون وقومه من القبط في ذلك الموقف الهائل ، وأسلم السحرة ، الذين استنصروا ربهم لم يزدهم ذلك إلا كفرا وعنادا وبعدا عن الحق .
قال ابن جريج : قال ابن عباس : لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا ، والذي جاء من أقصى المدينة ، وامرأة فرعون . رواه ابن أبي حاتم . قال الدارقطني : لا يعرف من اسمه شمعان - بالشين المعجمة - إلا مؤمن آل فرعون . حكاه السهيلي . وفي " تاريخ الطبراني " أن اسمه : جبر . فالله أعلم .
والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه ، فلما هم فرعون ، لعنه الله ، [ ص: 85 ] بقتل موسى ، عليه السلام ، وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه ، خاف هذا المؤمن على موسى ، فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب ، فقال كلمة الحق على وجه المشورة والرأي . وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر وهذا من أعلى مراتب هذا المقام ، فإن فرعون لا يكون أشد جورا منه ، وهذا الكلام لا أعدل منه; لأن فيه عصمة دم نبي . ويحتمل أنه أشار لهم بإظهار إيمانه ، وصرح لهم بما كان يكتمه . والأول أظهر . والله أعلم . قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله أي; من أجل أنه قال : ربي الله . فمثل هذا لا يقابل بمثل هذا ، بل بالإكرام والاحترام والموادعة وترك الانتقام ، يعني : لأنه وقد جاءكم بالبينات من ربكم أي; بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة; لأنه وإن يك كاذبا فعليه كذبه ولا يضركم ذلك وإن يك صادقا وقد تعرضتم له يصبكم بعض الذي يعدكم أي; وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به ، فكيف بكم إن حل جميعه عليكم؟ وهذا [ ص: 86 ] الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطف والاحتراز والعقل التام . وقوله : ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز ، فإنه ما تعرضت الدول للدين إلا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم ، وكذا وقع لآل فرعون; ما زالوا في شك وريب ، ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به ، حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور ، والنعمة والحبور ، ثم حولوا إلى البحر مهانين ، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السافلين . ولهذا قال هذا الرجل المؤمن الصادق ، البار الراشد ، التابع للحق الناصح لقومه ، الكامل العقل : ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض أي; عالين على الناس حاكمين عليهم ، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا أي; لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ولا رد عنا بأس مالك الممالك . قال فرعون أي; في جواب هذا كله : ما أريكم إلا ما أرى أي; ما أقول لكم إلا ما عندي وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وكذب في كل من هذين القولين ، وهاتين المقدمتين ، فإنه قد كان يتحقق ويعلم في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى حق من عند الله لا محالة ، وإنما كان يظهر خلافه بغيا وعدوانا ، وعتوا وكفرانا .
وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح ، وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له ، لم ير بناء أعلى منه ، وأنه كان مبنيا من الآجر المشوي بالنار ، ولهذا قال : فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن ، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه ، بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه ، ويطلب منهم كل يوم قسط معين ، إن لم يفعلوه وإلا ضربوا وأهينوا غاية الإهانة ، وأوذوا غاية الأذية . ولهذا قالوا لموسى : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط ، وكذلك وقع ، وهذا من دلائل النبوة .
أما الطوفان ، فعن ابن عباس : هو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار . وبه قال سعيد بن جبير ، وقتادة ، والسدي ، والضحاك . وعن ابن عباس ، وعطاء : هو كثرة الموت . وقال مجاهد : الطوفان الماء ، والطاعون على كل حال . وعن ابن عباس : أمر طاف بهم . وقد روى ابن جرير وابن مردويه ، من طريق يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة ، عن الحجاج ، عن الحكم بن ميناء ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : الطوفان الموت وهو غريب .
وأما الجراد فمعروف . وقد روى أبو داود ، عن أبي عثمان ، عن سلمان الفارسي ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد ، فقال : أكثر جنود الله ، لا آكله ولا أحرمه وترك النبي صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذر له; كما ترك أكل الضب ، وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث ، لما ثبت في [ ص: 96 ] " الصحيحين " ، عن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد . وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآثار في " التفسير " .
والمقصود أنه استاق خضراءهم ، فلم يترك لهم زروعا ولا ثمارا ، ولا سبدا ولا لبدا .
وأما القمل ، فعن ابن عباس : هو السوس الذي يخرج من الحنطة ، وعنه ، أنه الجراد الصغار الذي لا أجنحة له . وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة . وقال سعيد بن جبير ، والحسن : هو دواب سود صغار . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي البراغيث . وحكى ابن جرير عن أهل العربية أنها الحمنان . وهو صغار القردان فوق القمقامة ، فدخل معهم البيوت والفرش ، فلم يقر لهم قرار ، ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش . وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف . وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف .
وأما الضفادع فمعروفة ، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعماتهم وأوانيهم ، حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعام أو شراب ، سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع .
[ ص: 97 ] وأما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به ، فلا يستقون من النيل شيئا إلا وجدوه دما عبيطا ، ولا من نهر ولا بئر ولا شيء إلا كان دما في الساعة الراهنة . هذا كله ، ولم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلية . وهذا من تمام المعجزة الباهرة ، والحجة القاطعة أن هذا كله يحصل لهم عن فعلموسى ، عليه السلام ، فينالهم عن آخرهم ، ولا يحصل هذا لأحد من بني إسرائيل ، وفي هذا أدل دليل .
قال محمد بن إسحاق : فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مفلولا ، ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر ، فتابع الله عليه بالآيات ، فأخذه بالسنين ، فأرسل عليه الطوفان ، ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع ، ثم الدم آيات مفصلات; فأرسل الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئا ، حتى جهدوا جوعا ، فلما بلغهم ذلك ، ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل [ الأعراف : 134 ] . فدعا موسى ربه ، فكشفه عنهم ، فلما لم يفوا له بشيء ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل الشجر ، فيما بلغني ، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد ، حتى تقع دورهم ومساكنهم ، فقالوا مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم القمل ، فذكر لي أن موسى ، عليه السلام ، أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم ، فضربه بها ، فانثال [ ص: 98 ] عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ، ومنعهم النوم والقرار ، فلما جهدهم ، قالوا له مثل ما قالوا له ، فدعا ربه ، فكشف عنهم ، فلما لم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع ، فملأت البيوت والأطعمة والآنية ، فلم يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه ، فلما جهدهم ذلك ، قالوا له مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما ، لا يستقون من بئر ، ولا نهر ولا يغترفون من إناء ، إلا عاد دما عبيطا . وقال زيد بن أسلم : المراد بالدم الرعاف . رواه ابن أبي حاتم .
قال الله تعالى : ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين [ الأعراف : 134 - 136 ] . يخبر تعالى ، عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل ، والاستكبار عن اتباع آيات الله ، وتصديق رسوله ، مع ما أيد به من الآيات العظيمة الباهرة والحجج البليغة القاهرة ، التي أراهم الله إياها عيانا ، وجعلها عليهم دليلا وبرهانا ، وكلما شاهدوا آية وعاينوها وجهدتهم وأضنكتهم ، حلفوا وعاهدوا موسى; لئن كشف عنهم [ ص: 99 ] هذه ليؤمنن به ، وليرسلن معه من هو من حزبه ، فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شر مما كانوا عليه ، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ، ولم يلتفتوا إليه ، فيرسل الله عليهم آية أخرى ، هي أشد مما كانت قبلها وأقوى ، فيقولون ، فيكذبون . ويعدون ولا يفون لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل . ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل . هذا ، والعظيم الحليم القدير ينظرهم ولا يعجل عليهم ، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم ، ثم أخذهم - بعد إقامة الحجة عليهم ، والإعذار إليهم - أخذ عزيز مقتدر ، فجعلهم عبرة ونكالا وسلفا لمن أشبههم من الكافرين ، ومثلا لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين .
. [ ص: 100 ] يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم ، إلى فرعون الخسيس اللئيم ، وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات ، تستحق أن تقابل بالتصديق والتعظيم ، وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ، ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم ، فإذا هم منها يضحكون ، وبها يستهزئون ، وعن سبيل الله يصدون ، وعن الحق يحيدون ، فأرسل الله عليهم الآيات تترى ، يتبع بعضها بعضا ، وكل آية أكبر من أختها التي تتلوها; لأن المؤكد أبلغ مما قبله ، وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون لم يكن لفظ الساحر في زمانهم نقصا ولا عيبا; لأن علماءهم ، في ذلك الوقت ، هم السحرة; ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه ، وضراعتهم لديه ، قال الله تعالى : فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الأنهار فيها ، وهي الخلجان التي يكسرونها أمام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ يتنقص رسول الله موسى ، عليه السلام ، ويزدريه بكونه ولا يكاد يبين يعني كلامه ، بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة ، التي هي شرف له ، وكمال وجمال ، ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى ، وأوحى إليه ، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه ، وتنقصه فرعون ، لعنه الله ، بكونه لا [ ص: 101 ] أساور في يديه ولا زينة عليه ، وإنما ذلك من حلية النساء ، لا يليق بشهامة الرجال ، فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلا ، وأتم معرفة ، وأعلى همة ، وأزهد في الدنيا ، وأعلم بما أعد الله لأوليائه في الأخرى . وقوله : أو جاء معه الملائكة مقترنين لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة . فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام ، بكثير كما جاء في الحديث : إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم ، عليه الصلاة والتسليم والتكريم؟ وإن كان المراد شهادتهم له بالرسالة ، فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعا لذوي الألباب ، ولمن قصد إلى الحق والصواب ، ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات ، من نظر إلى القشور ، وترك لب اللباب ، وطبع على قلبه رب الأرباب ، وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب ، كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذاب ، قال الله تعالى : فاستخف قومه فأطاعوه أي; استخف عقولهم ، ودرجهم من حال إلى حال ، إلى أن صدقوه في دعواه الربوبية ، لعنه الله وقبحهم ، إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا أي; أغضبونا; انتقمنا منهم أي; بالغرق والإهانة ، وسلب العز ، والتبدل بالذل وبالعذاب بعد النعمة ، والهوان بعد الرفاهية ، والنار بعد طيب العيش ، عياذا بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك ، فجعلناهم سلفا أي; لمن اتبعهم في الصفات ، ومثلا أي; لمن اتعظ بهم ، وخاف من وبيل [ ص: 102 ] مصرعهم ، ممن بلغه جلية خبرهم ، وما كان من أمرهم; كما قال الله تعالى : فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين [ القصص : 36 - 42 ] . يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق ، وادعى ملكهم الباطل ، ووافقوه عليه ، وأطاعوه فيه ، اشتد غضب الرب القدير العزيز ، الذي لا يغالب ولا يمانع ، عليهم ، فانتقم منهم أشد الانتقام ، وأغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة ، فلم يفلت منهم أحد ، ولم يبق منهم ديار ، بل كان قد غرق ، فدخل النار ، وأتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين ، ويوم القيامة ، بئس الرفد المرفود ، ويوم القيامة هم من المقبوحين .