عمرة الجعرانة ==لحوادث المشهورة سنة ثمان من الهجرة == بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع == طريق إسلام خالد بن الوليد ===============================سنة ثمان من الهجرة النبوية » عمرة الجعرانة
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع التحليل الموضوعي
عمرة الجعرانة في ذي القعدة .
قال الإمام أحمد : ثنا بهز وعبد الصمد . المعنى . قالا : ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك قلت : كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : حجة واحدة ، واعتمر أربع مرار; عمرته زمن الحديبية ، وعمرته في ذي القعدة من المدينة ، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة ، حيث قسم غنيمة حنين ، وعمرته مع حجته . ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق ، عن همام بن يحيى به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ثنا داود ، يعني العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية وعمرة القضاء ، والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار به ، وحسنه الترمذي .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، هو عبد الله بن عمرو بن العاص قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الحجر . غريب من هذا الوجه ، وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته ، فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة ، وإن أراد ابتداء الإحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية; لأنه صد عنها ، ولم يفعلها والله أعلم .
قلت : وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية ، وذلك فيما قال البخاري : ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله ، إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية . فأمره أن يفي به . قال : وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة . قال : فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك ، فقال عمر : يا عبد الله ، انظر ما هذا؟ قال : من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي . قال : اذهب فأرسل الجاريتين قال نافع : ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله . وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، به .
ورواه مسلم أيضا ، عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال : ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال : لم يعتمر منها . وهذا غريب جدا عن ابن عمر وعن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم .
[ ص: 116 ] وهذا أيضا كما ثبت في " الصحيحين " من حديث عطاء بن أبي رباح عن عروة ، عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب ، وقالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد ، وما اعتمر في رجب قط . .
وقال الإمام أحمد : ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن مجاهد قال : سأل عروة بن الزبير ابن عمر : في أي شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : في رجب . فسمعتنا عائشة ، فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها ، وما اعتمر قط إلا في ذي القعدة . وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه .
ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبي إسحاق عن مجاهد : سئل ابن عمر : كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : مرتين . فقالت عائشة : لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع .
[ ص: 117 ] وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل عن منصور عن مجاهد قال : دخلت مع عروة بن الزبير المسجد ، فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى ، فقال عروة : أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة؟ قال : بدعة . فقال له عروة : أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله؟ فقال : أربعا ، إحداهن في رجب . قال : وسمعنا استنان عائشة في الحجرة . فقال لها عروة : إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا ، إحداهن في رجب . فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه ، وما اعتمر في رجب قط وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور به ، وقال : حسن صحيح غريب .
وقال الإمام أحمد : ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا ، فدخل مكة ليلا يقضي عمرته ، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت ، حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف ، حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف . قال مخرش : فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس ورواه الإمام أحمد عن [ ص: 118 ] يحيى بن سعيد عن ابن جريج كذلك وهو من أفراده .
والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ، ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها . والله أعلم . ثم هم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين .
وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في " معجمه الكبير " قائلا : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ، ثم اعتمر منها ، وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا ، وفي إسناده نظر . والله أعلم .
وقال البخاري : ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إسماعيل ثنا ابن جريج أخبرني عطاء بن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه . قال : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به ، معه فيه ناس من أصحابه ، إذ جاءه أعرابي عليه جبة [ ص: 119 ] متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده أن تعال ، فجاء يعلى فأدخل رأسه ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ، ثم سري عنه ، فقال : " أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به ، قال : " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " . ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر ، عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى عن أبيه به .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو أسامة أنا هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى .
وقال أبو داود : ثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ، فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا ، وجعلوا أرديتهم تحت [ ص: 120 ] آباطهم ، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى . تفرد به أبو داود . ورواه أيضا ابن ماجه من حديث ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس مختصرا .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني حسن بن مسلم عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال : قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو قال : رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة . وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث ابن جريج به . ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية به . ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثني عمرو بن محمد الناقد ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن ابن عباس عن معاوية قال : قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة . .
والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة [ ص: 121 ] الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها ، بل صد عنها كما تقدم بيانه ، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ، ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل خرجوا منها ، وتغيبوا عنها مدة مقامه صلى الله عليه وسلم بها تلك الثلاثة الأيام ، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق . فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا . والله تعالى أعلم .
وقال محمد بن إسحاق رحمه الله : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا ، وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران .
قلت : الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة والمدينة .
قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ، ويعلمهم القرآن .
وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن ، ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة .
وقال ابن هشام وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال : لما استعمل [ ص: 122 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما ، فقام فخطب الناس فقال : أيها الناس ، أجاع الله كبد من جاع على درهم ، فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم ، فليست بي حاجة إلى أحد .
قال ابن إسحاق : وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، وقدم المدينة في بقية ذي القعدة ، أو في أول ذي الحجة .
قال ابن هشام قدمها لست بقين من ذي القعدة . فيما قال أبو عمرو المديني .
قال ابن إسحاق : وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه ، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان . قال : وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع .
===================================================فصل فيما كان من الحوادث المشهورة ، في سنة ثمان ، والوفيات .
فكان في جمادى منها وقعة مؤتة وفي رمضان غزوة فتح مكة وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين ، وبعدها كان حصار الطائف ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة ، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة .
قال الواقدي : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لليال بقين من ذي الحجة في سفرته هذه .
قال الواقدي : وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد ، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب . قال : وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلمفاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة ، فاستعاذت منه صلى الله عليه وسلم ففارقها ، وقيل : بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها . قال : وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية ، فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا ، وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مملوكا ، ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت [ ص: 142 ] المنذر بن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول . وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع . وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف ، وذلك لخمس بقين من رمضان منها .
قال الواقدي : وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل برهاط ، هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه ، ولم يجد في خزانته شيئا . وفيها هدم مناة بالمشلل ، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه ، هدمه سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه . وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير " سورة النجم " عند قوله تعالى : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [ النجم : 19 ، 20 ] .
قلت : وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ، ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية ، ولتلك الكعبة اليمانية .
[ ص: 143 ] فقال البخاري : ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت : بلى . فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس ، وكانوا أصحاب خيل ، وكنت لا أثبت على الخيل ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " . قال : فما وقعت عن فرس بعد . قال : وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة ، فيه نصب تعبد - يقال له : الكعبة اليمانية . قال : فأتاها فحرقها في النار وكسرها . قال : فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام ، فقيل له : إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا ، فإن قدر عليك ضرب عنقك . قال : فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال : لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك . فكسرها وشهد . ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك ، قال : فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب . قال : فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . ورواه مسلم من طرق متعددة ، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه . ===================================عث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع التحليل الموضوعي
[ ص: 223 ] ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة " براءة " .
قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا . قال : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ; ليقيم للمسلمين حجهم ، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد ، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه ، بمن معه من المسلمين ، وفصل عن المدينة أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله إلى آخر القصة .
ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات ، وقد بسطنا الكلام عليها في " التفسير " ولله الحمد والمنة ، والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه ، بعد أبي بكر الصديق ; ليكون معه ، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى [ ص: 224 ] المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لكونه ابن عمه من عصبته .
قال ابن إسحاق : حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : لما نزلت " براءة " على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، ليقيم للناس الحج ، قيل له : يا رسول الله ، لو بعثت بها إلى أبي بكر . فقال : " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " . ثم دعا علي بن أبي طالب فقال : " اخرج بهذه القصة من صدر " براءة " وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : ألا إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته " . فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ فقال : بل مأمور . ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر ، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ; ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فهو له إلى مدته ، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا مرسل من هذا الوجه .
[ ص: 225 ] وقد قال البخاري : باب حج أبي بكر رضي الله عنه ، بالناس سنة تسع ، حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، بعثه في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان . .
وقال البخاري في موضع آخر : حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين ، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان . قال حميد : ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ب " براءة " . قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ب " براءة " أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان . .
وقال البخاري في كتاب الجهاد : حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى . لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ويوم الحج الأكبر يوم النحر ، وإنما قيل : الأكبر . من أجل قول الناس : الحج الأصغر . فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام [ ص: 226 ] حجة الوداع - الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - مشرك . ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادي : أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك . قال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي . وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي : إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر . وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر ، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل ، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول فيكون أجله إلى مدته وإن قل ، ويحتمل أن يقال : إنه يؤجل إلى أربعة أشهر ; لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية . والله تعالى أعلم .
[ ص: 227 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ب " براءة " مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال : " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " . فبعث بها مع علي بن أبي طالب وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة ، وقال : حسن غريب من حديث أنس .
وقد روى عبد الله بن أحمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة ، رجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء ؟ قال : " لا ، ولكن جبريل جاءني فقال : لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " . وهذا ضعيف الإسناد ، ومتنه فيه نكارة . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع - رجل من همدان - قال : سألنا عليا : بأي شيء بعثت ؟ - يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة - قال : بأربع ; لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ، ولا [ ص: 228 ] يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا . وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به ، وقال : حسن صحيح . ثم قال : وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال : عن زيد بن أثيل ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه ، عن علي .
قلت : ورواه ابن جرير ، من حديث معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح ، أخبرنا أبو صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول : سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج ، وبعثني معه بأربعين آية من " براءة " حتى أتى عرفة ، فخطب الناس يوم عرفة ، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم [ ص: 229 ] يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقمت ، فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة " ، ثم صدرنا فأتينا منى ، فرميت الجمرة ، ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي ، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه ، يوم عرفة ، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم . قال علي : فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر ، ألا وهو يوم عرفة . وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في " التفسير " . وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة .
قال الواقدي : وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة ، منهم عبد الرحمن بن عوف ، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات ، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ، ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ب " براءة " أمام الموسم . ===========================================================طريق إسلام خالد بن الوليد
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع التحليل الموضوعي
عمرة الجعرانة في ذي القعدة .
قال الإمام أحمد : ثنا بهز وعبد الصمد . المعنى . قالا : ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك قلت : كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : حجة واحدة ، واعتمر أربع مرار; عمرته زمن الحديبية ، وعمرته في ذي القعدة من المدينة ، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة ، حيث قسم غنيمة حنين ، وعمرته مع حجته . ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق ، عن همام بن يحيى به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ثنا داود ، يعني العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية وعمرة القضاء ، والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار به ، وحسنه الترمذي .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، هو عبد الله بن عمرو بن العاص قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الحجر . غريب من هذا الوجه ، وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته ، فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة ، وإن أراد ابتداء الإحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية; لأنه صد عنها ، ولم يفعلها والله أعلم .
قلت : وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية ، وذلك فيما قال البخاري : ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله ، إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية . فأمره أن يفي به . قال : وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة . قال : فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك ، فقال عمر : يا عبد الله ، انظر ما هذا؟ قال : من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي . قال : اذهب فأرسل الجاريتين قال نافع : ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله . وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، به .
ورواه مسلم أيضا ، عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال : ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال : لم يعتمر منها . وهذا غريب جدا عن ابن عمر وعن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم .
[ ص: 116 ] وهذا أيضا كما ثبت في " الصحيحين " من حديث عطاء بن أبي رباح عن عروة ، عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب ، وقالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد ، وما اعتمر في رجب قط . .
وقال الإمام أحمد : ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن مجاهد قال : سأل عروة بن الزبير ابن عمر : في أي شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : في رجب . فسمعتنا عائشة ، فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها ، وما اعتمر قط إلا في ذي القعدة . وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه .
ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبي إسحاق عن مجاهد : سئل ابن عمر : كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : مرتين . فقالت عائشة : لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع .
[ ص: 117 ] وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل عن منصور عن مجاهد قال : دخلت مع عروة بن الزبير المسجد ، فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى ، فقال عروة : أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة؟ قال : بدعة . فقال له عروة : أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله؟ فقال : أربعا ، إحداهن في رجب . قال : وسمعنا استنان عائشة في الحجرة . فقال لها عروة : إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا ، إحداهن في رجب . فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه ، وما اعتمر في رجب قط وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور به ، وقال : حسن صحيح غريب .
وقال الإمام أحمد : ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا ، فدخل مكة ليلا يقضي عمرته ، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت ، حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف ، حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف . قال مخرش : فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس ورواه الإمام أحمد عن [ ص: 118 ] يحيى بن سعيد عن ابن جريج كذلك وهو من أفراده .
والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ، ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها . والله أعلم . ثم هم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين .
وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في " معجمه الكبير " قائلا : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ، ثم اعتمر منها ، وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا ، وفي إسناده نظر . والله أعلم .
وقال البخاري : ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إسماعيل ثنا ابن جريج أخبرني عطاء بن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه . قال : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به ، معه فيه ناس من أصحابه ، إذ جاءه أعرابي عليه جبة [ ص: 119 ] متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده أن تعال ، فجاء يعلى فأدخل رأسه ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ، ثم سري عنه ، فقال : " أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به ، قال : " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " . ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر ، عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى عن أبيه به .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو أسامة أنا هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى .
وقال أبو داود : ثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ، فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا ، وجعلوا أرديتهم تحت [ ص: 120 ] آباطهم ، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى . تفرد به أبو داود . ورواه أيضا ابن ماجه من حديث ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس مختصرا .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني حسن بن مسلم عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال : قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو قال : رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة . وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث ابن جريج به . ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية به . ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثني عمرو بن محمد الناقد ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن ابن عباس عن معاوية قال : قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة . .
والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة [ ص: 121 ] الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها ، بل صد عنها كما تقدم بيانه ، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ، ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل خرجوا منها ، وتغيبوا عنها مدة مقامه صلى الله عليه وسلم بها تلك الثلاثة الأيام ، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق . فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا . والله تعالى أعلم .
وقال محمد بن إسحاق رحمه الله : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا ، وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران .
قلت : الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة والمدينة .
قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ، ويعلمهم القرآن .
وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن ، ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة .
وقال ابن هشام وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال : لما استعمل [ ص: 122 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما ، فقام فخطب الناس فقال : أيها الناس ، أجاع الله كبد من جاع على درهم ، فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم ، فليست بي حاجة إلى أحد .
قال ابن إسحاق : وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، وقدم المدينة في بقية ذي القعدة ، أو في أول ذي الحجة .
قال ابن هشام قدمها لست بقين من ذي القعدة . فيما قال أبو عمرو المديني .
قال ابن إسحاق : وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه ، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان . قال : وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع .
===================================================فصل فيما كان من الحوادث المشهورة ، في سنة ثمان ، والوفيات .
فكان في جمادى منها وقعة مؤتة وفي رمضان غزوة فتح مكة وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين ، وبعدها كان حصار الطائف ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة ، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة .
قال الواقدي : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لليال بقين من ذي الحجة في سفرته هذه .
قال الواقدي : وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد ، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب . قال : وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلمفاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة ، فاستعاذت منه صلى الله عليه وسلم ففارقها ، وقيل : بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها . قال : وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية ، فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا ، وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مملوكا ، ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت [ ص: 142 ] المنذر بن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول . وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع . وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف ، وذلك لخمس بقين من رمضان منها .
قال الواقدي : وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل برهاط ، هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه ، ولم يجد في خزانته شيئا . وفيها هدم مناة بالمشلل ، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه ، هدمه سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه . وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير " سورة النجم " عند قوله تعالى : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [ النجم : 19 ، 20 ] .
قلت : وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ، ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية ، ولتلك الكعبة اليمانية .
[ ص: 143 ] فقال البخاري : ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت : بلى . فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس ، وكانوا أصحاب خيل ، وكنت لا أثبت على الخيل ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " . قال : فما وقعت عن فرس بعد . قال : وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة ، فيه نصب تعبد - يقال له : الكعبة اليمانية . قال : فأتاها فحرقها في النار وكسرها . قال : فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام ، فقيل له : إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا ، فإن قدر عليك ضرب عنقك . قال : فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال : لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك . فكسرها وشهد . ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك ، قال : فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب . قال : فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . ورواه مسلم من طرق متعددة ، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه . ===================================عث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء السابع التحليل الموضوعي
[ ص: 223 ] ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة " براءة " .
قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا . قال : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ; ليقيم للمسلمين حجهم ، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد ، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه ، بمن معه من المسلمين ، وفصل عن المدينة أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله إلى آخر القصة .
ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات ، وقد بسطنا الكلام عليها في " التفسير " ولله الحمد والمنة ، والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه ، بعد أبي بكر الصديق ; ليكون معه ، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى [ ص: 224 ] المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لكونه ابن عمه من عصبته .
قال ابن إسحاق : حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : لما نزلت " براءة " على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، ليقيم للناس الحج ، قيل له : يا رسول الله ، لو بعثت بها إلى أبي بكر . فقال : " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " . ثم دعا علي بن أبي طالب فقال : " اخرج بهذه القصة من صدر " براءة " وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : ألا إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته " . فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ فقال : بل مأمور . ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر ، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ; ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فهو له إلى مدته ، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا مرسل من هذا الوجه .
[ ص: 225 ] وقد قال البخاري : باب حج أبي بكر رضي الله عنه ، بالناس سنة تسع ، حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، بعثه في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان . .
وقال البخاري في موضع آخر : حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين ، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان . قال حميد : ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ب " براءة " . قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ب " براءة " أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان . .
وقال البخاري في كتاب الجهاد : حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى . لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ويوم الحج الأكبر يوم النحر ، وإنما قيل : الأكبر . من أجل قول الناس : الحج الأصغر . فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام [ ص: 226 ] حجة الوداع - الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - مشرك . ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادي : أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك . قال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي . وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي : إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر . وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر ، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل ، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول فيكون أجله إلى مدته وإن قل ، ويحتمل أن يقال : إنه يؤجل إلى أربعة أشهر ; لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية . والله تعالى أعلم .
[ ص: 227 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ب " براءة " مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال : " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " . فبعث بها مع علي بن أبي طالب وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة ، وقال : حسن غريب من حديث أنس .
وقد روى عبد الله بن أحمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة ، رجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء ؟ قال : " لا ، ولكن جبريل جاءني فقال : لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " . وهذا ضعيف الإسناد ، ومتنه فيه نكارة . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع - رجل من همدان - قال : سألنا عليا : بأي شيء بعثت ؟ - يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة - قال : بأربع ; لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ، ولا [ ص: 228 ] يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا . وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به ، وقال : حسن صحيح . ثم قال : وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال : عن زيد بن أثيل ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه ، عن علي .
قلت : ورواه ابن جرير ، من حديث معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح ، أخبرنا أبو صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول : سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج ، وبعثني معه بأربعين آية من " براءة " حتى أتى عرفة ، فخطب الناس يوم عرفة ، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم [ ص: 229 ] يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقمت ، فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة " ، ثم صدرنا فأتينا منى ، فرميت الجمرة ، ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي ، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه ، يوم عرفة ، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم . قال علي : فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر ، ألا وهو يوم عرفة . وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في " التفسير " . وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة .
قال الواقدي : وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة ، منهم عبد الرحمن بن عوف ، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات ، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ، ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ب " براءة " أمام الموسم . ===========================================================طريق إسلام خالد بن الوليد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق