الخميس، 10 ديسمبر 2015

 كتاب حجة الوداع في سنة عشر==
فصل ( صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق ) == باب بسط البيان لما أحرم به ، عليه الصلاة والسلام ، في حجته هذه من الإفراد والتمتع والقران =======ذكر حجة من ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام ، كان قارنا وسرد الأحاديث في ذلك ========فصل ( الجواب عن حديث الطيالسي أن رسول الله نهى أن يجمع بين الحج والعمرة ) ==ذكر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم =ذكر الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته ==صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه ====ذكر طوافه صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة ==قدوم علي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وإيجاده فاطمة قد حلت )===فصل فيما حفظ من دعائه ، عليه الصلاة والسلام ، وهو واقف بعرفة ==ذكر إفاضته ، عليه الصلاة والسلام ، من عرفات إلى المشعر الحرام




تقدم أنه ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الظهر بالمدينة أربعا ، ثم ركب منها إلى الحليفة ، وهي وادي العقيق ، فصلى بها العصر ركعتين ، فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر ، فصلى بها العصر قصرا ، وهي من المدينة على ثلاثة أميال ، ثم صلى بها المغرب والعشاء ، وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه ، وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الإحرام .

كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير ، عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي في المعرس من ذي الحليفة ، فقيل له : إنك ببطحاء مباركة . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث موسى بن عقبة به .

وقال البخاري : حدثنا الحميدي ، ثنا الوليد وبشر بن بكر قالا : ثنا الأوزاعي ، ثنا يحيى ، حدثني عكرمة ، أنه سمع ابن عباس ، أنه سمع عمر [ ص: 421 ] يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : " أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة " . تفرد به دون مسلم . فالظاهر أنه أمره عليه ، الصلاة والسلام ، بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلي صلاة الظهر ; لأن الأمر إنما جاءه في الليل ، وأخبرهم بعد صلاة الصبح ، فلم يبق إلا صلاة الظهر ، فأمر أن يصليها هنالك ، وأن يوقع الإحرام بعدها ، ولهذا قال : " أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة " . وقد احتج به على الأمر بالقران في الحج ، وهو من أقوى الأدلة على ذلك ، كما سيأتي بيانه قريبا .

والمقصود أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أمر بالإقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر ، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك ، فأقام هنالك ، وطاف على نسائه في تلك الصبيحة ، وكن تسع نسوة ، وكلهن خرج معه ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر . كما سيأتي في حديث أبي حسان الأعرج ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهل . وهو عند مسلم .

وهكذا قال الإمام أحمد : حدثنا روح ، ثنا أشعث - هو ابن عبد الملك - عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب [ ص: 422 ] راحلته فلما علا شرف البيداء أهل .

ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، والنسائي ، عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن أشعث ، بمعناه ، وعن أحمد بن الأزهر ، عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أشعث أتم منه . وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار .

وله أن يعتضد بما رواه البخاري من طريق أيوب ، عن رجل ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذي الحليفة حتى أصبح ، فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج . ولكن في إسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة . والله أعلم .

[ ص: 423 ] قال مسلم في " صحيحه " : حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي ، ثنا خالد - يعني ابن الحارث - ثنا شعبة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال : سمعت أبي يحدث ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه ، ثم يصبح محرما ينضح طيبا

وقد رواه البخاري من حديث شعبة ، وأخرجاه من حديث أبي عوانة - زاد مسلم : ومسعر وسفيان بن سعيد الثوري - أربعتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر به . وفي رواية لمسلم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال : سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما . قال : ما أحب أني أصبح محرما أنضح طيبا لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك . فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ، ثم طاف في [ ص: 424 ] نسائه ثم أصبح محرما . وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل أن يطوف على نسائه ، وكأنه صلى الله عليه وسلم تطيب قبل أن يطوف على نسائه ; ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب إليهن ، ثم لما اغتسل من الجنابة وللإحرام تطيب أيضا للإحرام طيبا آخر .

كما رواه الترمذي والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل . وقال الترمذي : حسن غريب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا زكريا بن عدي ، أنبأنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان ، ودهنه بشيء من زيت غير كثير . الحديث تفرد به أحمد .

وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عثمان بن عروة ، سمعت أبي يقول : سمعت عائشة تقول : طيبت [ ص: 425 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه ولحله . قلت لها : بأي طيب ؟ قالت : بأطيب الطيب . وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة ، وأخرجه البخاري من حديث وهيب ، عن هشام بن عروة ، عن أخيه عثمان ، عن أبيه عروة ، عن عائشة به .

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت .

وقال مسلم : حدثنا عبد بن حميد ، أنبأنا محمد بن بكر ، أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه ، عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام .

وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، [ ص: 426 ] عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت .

وقال مسلم : حدثني أحمد بن منيع ، ويعقوب الدورقي ، قالا : ثنا هشيم ، أنبأنا منصور ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك .

وقال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب قالا : ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي .

ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم . ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ، ومسلم من حديث الأعمش ، كلاهما عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود [ ص: 427 ] عنها . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة .

وقال أبو داود الطيالسي : أنبأنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، أنا حماد ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم .

وقال عبد الله بن الزبير الحميدي : ثنا سفيان بن عيينة ، ثنا عطاء بن السائب ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : رأيت الطيب [ ص: 428 ] في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة وهو محرم .

فهذه الأحاديث دالة على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، تطيب بعد الغسل ، إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ، ولما بقي له أثر ، ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الإحرام ، وقد ذهب طائفة من السلف ، منهم ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الإحرام .

وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر ، عن عائشة ; فقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو الحسين بن بشران ببغداد ، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المصري ، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الغمر ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عائشة أنها قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه . وهذا إسناد غريب عزيز المخرج ، ثم إنه ، عليه الصلاة والسلام ، لبد رأسه ليكون أحفظ لما فيه من الطيب ، وأصون له من استقرار التراب والغبار . قال مالك عن نافع عن ابن عمر : إن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ قال : " إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث [ ص: 429 ] مالك وله طرق كثيرة عن نافع .

وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا يحيى بن محمد بن يحيى ، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا عبد الأعلى ، ثنا محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالغسل . وهذا إسناد جيد ، ثم إنه ، عليه الصلاة والسلام ، أشعر الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة .

قال الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى ، فساق معه الهدي من ذي الحليفة . وسيأتي الحديث بتمامه وهو في " الصحيحين " والكلام عليه إن شاء الله .

وقال مسلم : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا معاذ بن هشام ، هو الدستوائي ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها [ ص: 430 ] نعلين ، ثم ركب راحلته وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن قتادة ، وهذا يدل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، تعاطى هذا الإشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة ، وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره ، فإنه قد كان هدي كثير ; إما مائة بدنة ، أو أقل منها بقليل ، وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة ، وأعطى عليا فذبح ما غبر .

وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه وسلم . وفي سياق ابن إسحاق أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أشرك عليا في بدنه . والله أعلم . وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة . فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة ، وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم . =================================== باب بسط البيان لما أحرم به ، عليه الصلاة والسلام ، في حجته هذه من الإفراد والتمتع والقران

ذكر الأحاديث الواردة بأنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان مفردا

رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك : قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : أنبأنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج . ورواه مسلم ، عن إسماعيل ، عن أبي أويس ، ويحيى بن يحيى ، عن مالك . ورواه الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به .

وقال أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثني المنكدر بن محمد ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج

[ ص: 441 ] وقال الإمام أحمد : ثنا سريج ، ثنا ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، وعن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة ، وعن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج تفرد به أحمد من هذه الوجوه عنها .

وقال الإمام أحمد : حدثني عبد الأعلى بن حماد قال : قرأت على مالك بن أنس ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج

وقال : حدثنا روح ، ثنا مالك ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - وكان يتيما في حجر عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج . ورواه ابن ماجه ، عن أبي مصعب ، عن مالك كذلك . ورواه النسائي ، عن قتيبة ، عن مالك ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج .

وقال أحمد أيضا : ثنا عبد الرحمن ، عن مالك ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنا من أهل بالحج ، ومنا من أهل بالعمرة ، ومنا من أهل بالحج والعمرة ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر . وهكذا رواه البخاري ، عن عبد الله [ ص: 442 ] بن يوسف والقعنبي وإسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك . ورواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به .

وقال أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، وأهل ناس بالحج والعمرة ، وأهل ناس بالعمرة . ورواه مسلم ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة به نحوه .

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في حجة الوداع فقال : " من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل " . وأفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ولم يعتمر . فإنه حديث غريب جدا ، تفرد به أحمد بن حنبل ، وإسناده لا بأس به ، ولكن لفظه فيه نكارة شديدة ، وهو قوله : فلم يعتمر . فإن أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله ، فهو قول من ذهب إلى الإفراد ، وإن أريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده ، فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به ، ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته . وسيأتي تقرير هذا في فصل القران مستقصى . والله أعلم .

وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد قائلا في " مسنده " : حدثنا [ ص: 443 ] روح ، ثنا صالح بن أبي الأخضر ، ثنا ابن شهاب ، أن عروة أخبره ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة في حجة الوداع ، وساق معه الهدي ، وأهل ناس بالعمرة وساقوا الهدي ، وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا . قالت عائشة : وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، ولا يحل منه شيء حرم منه حتى يقضي حجه وينحر هديه يوم النحر ، ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم ليقصر وليحلل ، ثم ليهل بالحج وليهد ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " . قالت عائشة : فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج الذي خاف فوته ، وأخر العمرة . فهو حديث من أفراد الإمام أحمد ، وفي بعض ألفاظه نكارة ، ولبعضه شاهد في الصحيح ، وصالح بن أبي الأخضر ليس من علية أصحاب الزهري ، لا سيما إذا خالفه غيره ، كما هاهنا في بعض ألفاظ سياقه هذا . وقوله : فقدم الحج الذي يخاف فوته وأخر العمرة . لا يلتئم مع أول الحديث : أهل بالحج والعمرة . فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج ، ثم بعد فراغه أهل بالعمرة - كما يقوله من ذهب إلى الإفراد - فهو مما نحن فيه هاهنا ، وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد إحرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار إليه ، وإن أراد أنه المقضي بأفعال الحج عن أفعال العمرة ، ودخلت العمرة في الحج ، فهذا قول من ذهب إلى القران ، وهم يؤولون قول من روى أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أفرد الحج . أي أفرد أفعال الحج وإن [ ص: 444 ] كان قد نوى معه العمرة ، قالوا : لأنه قد روى القران كل من روى الإفراد . كما سيأتي بيانه . والله تعالى أعلم .

رواية جابر بن عبد الله في الإفراد : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالحج . إسناده جيد على شرط مسلم .

ورواه البيهقي . عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش عن أبي سفيان ، عن جابر قال : أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة . وهذه الزيادة غريبة جدا ، ورواية الإمام أحمد بن حنبل أحفظ . والله أعلم .

وفي " صحيح مسلم " من طريق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : أهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة .

وقد روى ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن الدراوردي وحاتم بن إسماعيل ، كلاهما عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج . وهذا إسناد جيد .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الوهاب الثقفي ، ثنا حبيب - يعني المعلم - [ ص: 445 ] عن عطاء ، حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج ، ليس مع أحد منهم هدي إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة . وذكر تمام الحديث ، وهو في " صحيح البخاري " بطوله ، كما سيأتي عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب .

رواية عبد الله بن عمر للإفراد : قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن محمد ، ثنا عباد - يعني ابن عباد - حدثني عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : أهللنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا

ورواه مسلم في " صحيحه " ، عن عبد الله بن عون ، عن عباد بن عباد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا

وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين ، قالا : ثنا بشر بن بكر ، ثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج . يعني مفردا . إسناده جيد ، ولم يخرجوه .

رواية ابن عباس للإفراد : روى الحافظ البيهقي من حديث روح بن [ ص: 446 ] عبادة ، عن شعبة ، عن أيوب ، عن أبي العالية البراء ، عن ابن عباس أنه قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة ، فصلى بنا الصبح بالبطحاء ، ثم قال : " من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها " . ثم قال : رواه مسلم ، عن إبراهيم بن دينار ، عن روح .

وتقدم من رواية قتادة ، عن أبي حسان الأعرج ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ، ثم أتى ببدنة فأشعر صفحة سنامها الأيمن ، ثم أتى براحلته فركبها ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج . وهو في " صحيح مسلم " أيضا .

وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : ثنا الحسين بن إسماعيل ، ثنا أبو هشام ، ثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا أبو حصين ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، قال : حججت مع أبي بكر فجرد ، ومع عمر فجرد ، ومع عثمان فجرد . تابعه الثوري ، عن أبي حصين . وهذا إنما ذكرناه هاهنا لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة ، رضي الله عنهم ، إنما يفعلون هذا عن توقيف ، والمراد بالتجريد هاهنا الإفراد . والله أعلم .

وقال الدارقطني : ثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل ومحمد بن مخلد ، قالا : ثنا علي بن محمد بن معاوية البزاز ، ثنا عبد الله بن نافع ، عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد ، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج ، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر ، فبعث عمر فأفرد الحج ، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج ، وتوفي أبو بكر واستخلف عمر ، فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج ، ثم حج عمر سنيه كلها فأفرد الحج ، ثم توفي عمر واستخلف عثمان فأفرد الحج ، ثم حصر عثمان ، فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج . في إسناده عبد الله بن عمر العمري ، وهو ضعيف ، لكن قال الحافظ البيهقي : له شاهد بإسناد صحيح ===================================ذكر حجة من ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام ، كان قارنا وسرد الأحاديث في ذلك

رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبي عمرو الأوزاعي ، سمعت يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 458 ] بوادي العقيق يقول : " أتاني آت من ربي ، عز وجل ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة " .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ ببغداد ، أنبأنا أحمد بن سلمان قال : قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع : حدثنا أبو زيد الهروي ، ثنا علي بن المبارك ، ثنا يحيى بن أبي كثير ، ثنا عكرمة ، حدثني ابن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتاني جبريل ، عليه السلام ، وأنا بالعقيق فقال : صل في هذا الوادي المبارك ركعتين ، وقل : عمرة في حجة . فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " . ثم قال البيهقي : رواه البخاري عن أبي زيد الهروي .

وقال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا سيار ، عن أبي وائل أن رجلا كان نصرانيا ، يقال له : الصبي بن معبد فأراد الجهاد ، فقيل له : ابدأ بالحج . فأتى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ، ففعل ، فبينما هو يلبي إذ مر بزيد بن صوحان ، وسلمان بن ربيعة ، فقال أحدهما لصاحبه : لهذا أضل من بعير أهله . فسمعها الصبي فكبر ذلك عليه ، فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال له عمر : هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم . قال : وسمعته مرة أخرى [ ص: 459 ] يقول : وفقت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن الأعمش عن شقيق ، عن أبي وائل ، عن الصبي بن معبد عن عمر بن الخطاب فذكره وقال : إنهما لم يقولا شيئا ، هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم . ورواه عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري عن منصور ، عن أبي وائل به .

ورواه أيضا عن غندر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن أبي وائل ، وعن سفيان بن عيينة ، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن أبي وائل قال : قال الصبي بن معبد : كنت رجلا نصرانيا فأسلمت ، فأهللت بحج وعمرة ، فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما ، فقالا : لهذا أضل من بعير أهله . فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل ، فقدمت على عمر فأخبرته ، فأقبل عليهما فلامهما ، وأقبل علي فقال : هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم . قال عبدة : قال أبو وائل : كثيرا ما ذهبت أنا ومسروق إلى الصبي بن معبد نسأله عنه . وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح . وقد رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة به .

وقال النسائي في كتاب الحج من " سننه " : حدثنا محمد بن علي بن [ ص: 460 ] الحسن بن شقيق ، ثنا أبي ، عن أبي حمزة السكري ، عن مطرف ، عن سلمة بن كهيل ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن عمر أنه قال : والله إني لأنهاكم عن المتعة ، وإنها لفي كتاب الله ، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم . إسناد جيد .

رواية أميري المؤمنين عثمان وعلي ، رضي الله عنهما : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن المسيب قال : اجتمع علي وعثمان بعسفان ، وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه! فقال عثمان : دعنا منك . هكذا رواه الإمام أحمد مختصرا .

وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن المسيب قال : اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة ، فقال علي : ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا . وهكذا لفظ البخاري .

وقال البخاري : ثنا محمد بن بشار ، ثنا غندر ، عن شعبة ، عن الحكم ، [ ص: 461 ] عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة ، وأن يجمع بينهما ، فلما رأى علي أهل بهما : لبيك بعمرة وحج ، قال : ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد . ورواه النسائي من حديث شعبة به ، ومن حديث الأعمش عن مسلم البطين ، عن علي بن الحسين به .

وقال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن قتادة قال : قال عبد الله بن شقيق : كان عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها ، فقال عثمان لعلي : إنك لكذا وكذا . ثم قال علي : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أجل ، ولكنا كنا خائفين . ورواه مسلم من حديث شعبة . فهذا اعتراف من عثمان ، رضي الله عنه ، بما رواه علي رضي الله عنه ، ومعلوم أن عليا ، رضي الله عنه ، أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان قد ساق الهدي ، وأمره عليه الصلاة والسلام أن يمكث حراما ، وأشركه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ، كما سيأتي بيانه .

وروى مالك في " الموطأ " عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن المقداد بن الأسود دخل على علي بن أبي طالب بالسقيا ، وهو ينجع بكرات له دقيقا [ ص: 462 ] وخبطا فقال : هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة . فخرج علي وعلى يده أثر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان فقال : أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة ؟! فقال عثمان : ذلك رأيي . فخرج علي مغضبا وهو يقول : لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا .

وقد قال أبو داود في " سننه " : ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج ، ثنا يونس ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : كنت مع علي حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن ، فذكر الحديث في قدوم علي ، قال علي : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف صنعت ؟ " قال : قلت : إنما أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم . قال : " إني قد سقت الهدي وقرنت " . وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين ، بإسناده ، وهو على شرط الشيخين ، وعلله الحافظ البيهقي بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل ، وهذا التعليل فيه نظر ; لأنه قد روي القران من حديث جابر بن عبد الله ، كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى .

وروى ابن حبان في " صحيحه " ، عن علي بن أبي طالب قال : خرج [ ص: 463 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، وخرجت أنا من اليمن ، وقلت : لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فإني أهللت بالحج والعمرة جميعا " .

رواية أنس بن مالك رضي الله عنه : وقد رواه عنه جماعة من التابعين ، ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم :

بكر بن عبد الله المزني عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، ثنا حميد الطويل ، أنبأنا بكر بن عبد الله المزني قال : سمعت أنس بن مالك يحدث قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا ، فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده . فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر ، فقال : ما تعدونا إلا صبيانا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك عمرة وحجا " . ورواه البخاري ، عن مسدد ، عن بشر بن المفضل ، عن حميد به . وأخرجه مسلم ، عن سريج بن يونس ، عن هشيم به . وعن أمية بن بسطام ، عن يزيد بن زريع ، عن حبيب بن الشهيد ، عن بكر بن عبد الله المزني به .

ثابت البناني عن أنس : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن ثابت ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لبيك بعمرة وحجة معا " .

تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه : قال الإمام أحمد : ثنا [ ص: 464 ] روح ، ثنا أشعث ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة ، أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أني سقت هديا لأحللت " . فأحل القوم وتمتعوا .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا الحسن بن قزعة ، ثنا سفيان بن حبيب ، ثنا أشعث ، عن الحسن ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة ، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا ، فهابوا ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحلوا ، فلولا أن معي الهدي لأحللت " فحلوا حتى حلوا إلى النساء . ثم قال البزار : لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبد الملك .

حميد بن تيرويه الطويل عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن حميد ، سمعت أنسا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك بعمرة وحج " . هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ولا أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه .

لكن رواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن هشيم ، عن يحيى بن أبي [ ص: 465 ] إسحاق ، وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا : " لبيك عمرة وحجا ، لبيك عمرة وحجا " .

وقال الإمام أحمد : ثنا يعمر بن بشر ، ثنا عبد الله ، أنبأنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنا كثيرة وقال : " لبيك بعمرة وحج " . وإني لعند فخذ ناقته اليسرى . تفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا .

حميد بن هلال العدوي البصري عنه : قال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الوهاب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك وحدثناه سلمة بن شبيب ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة وحميد بن هلال ، عن أنس قال : إني ردف أبي طلحة ، وإن ركبته لتمس ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي بالحج والعمرة . وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح ولم يخرجوه ، وقد تأوله البزار على أن الذي كان يلبي بالحج والعمرة أبو طلحة ، قال : ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة إليه ; لمجيء ذلك من طرق عن أنس ، كما مضى وكما سيأتي ، ثم عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى ، وهو في هذه الصورة أقوى دلالة . والله أعلم . وسيأتي في رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل .

[ ص: 466 ] زيد بن أسلم عنه : قال الحافظ أبو بكر البزار : روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج وعمرة . حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروي ، ومحمد بن مسكين قالا : حدثنا بشر بن بكر ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس . قلت : وهذا إسناد صحيح ، على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه .

وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق ، فقال : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أنبأنا العباس بن الوليد بن مزيد ، أخبرني أبي ، ثنا سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم ، وغيره أن رجلا أتى ابن عمر فقال : بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال ابن عمر : أهل بالحج . فانصرف ثم أتاه من العام المقبل فقال : بم أهل رسول الله ؟ قال ألم تأتني عام أول ؟ قال : بلى ، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن . قال ابن عمر : إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس ، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها ، أسمعه يلبي بالحج .

سالم بن أبي الجعد الغطفاني الكوفي عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أنس بن [ ص: 467 ] مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الحج والعمرة فقال : " لبيك بعمرة وحجة معا " حسن ولم يخرجوه .

وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا أبو عوانة ، ثنا عثمان بن المغيرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن سعد مولى الحسن بن علي قال : خرجنا مع علي فأتينا ذا الحليفة فقال علي : إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة فمن أراد ذلك فليقل كما أقول . ثم لبى قال : لبيك بحجة وعمرة معا . قال : وقال سالم : وقد أخبرني أنس بن مالك قال : والله إن رجلي لتمس رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليهل بهما جميعا . وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه ، ولم يخرجوه . وهذا السياق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس ، كما تقدم . والله أعلم .

سليمان بن طرخان التيمي عنه : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ، ثنا المعتمر بن سليمان ، سمعت أبي يحدث عن أنس بن مالك قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا . ثم قال البزار : لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر ، ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربي عنه .

قلت : وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه .

سويد بن حجير عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبي قزعة سويد بن حجير ، عن أنس بن مالك قال : كنت رديف أبي طلحة فكانت ركبة أبي طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 468 ] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهما . وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد ولم يخرجوه ، وفيه رد على الحافظ البزار صريح .

عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال : كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فإن رجلي لتمس غرز النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يلبي بالحج والعمرة معا .

وقد رواه البخاري من طرق ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب راحلته ، حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر ، وأهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما جميعا . وفي رواية له : كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعا ; الحج والعمرة . وفي رواية له ، عن أيوب ، عن رجل ، عن أنس قال : ثم بات حتى أصبح ، فصلى الصبح ، ثم ركب راحلته ، حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج .

عبد العزيز بن صهيب : تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم .

علي بن زيد بن جدعان عنه : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد ، ثنا علي بن حكيم ، عن شريك ، عن علي بن زيد ، عن أنس أن رسول الله [ ص: 469 ] صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا . هذا غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد من أصحاب السنن ، وهو على شرطهم .

قتادة بن دعامة السدوسي عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا بهز وعبد الصمد ، المعنى قالا : ثنا همام بن يحيى ، ثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك قلت : كم حج النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : حجة واحدة ، واعتمر أربع مرات ; عمرته زمن الحديبية ، وعمرته في ذي القعدة من المدينة ، وعمرته من الجعرانة ، في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين ، وعمرته مع حجته . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث همام بن يحيى به .

مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا مصعب بن سليم ، سمعت أنس بن مالك يقول : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة وعمرة تفرد به أحمد .

يحيى بن إسحاق الحضرمي عنه : قال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، أنبأنا يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل ، عن أنس أنهم سمعوه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا ، يقول : " لبيك عمرة وحجا ، لبيك عمرة وحجا " وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى ، عن هشيم به .

[ ص: 470 ] وقال الإمام أحمد أيضا : ثنا عبد الأعلى ، عن يحيى ، عن أنس قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة . قال : فسمعته يقول : " لبيك عمرة وحجا " .

أبو أسماء الصيقل عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، ثنا زهير ، وحدثنا أحمد بن عبد الملك ، ثنا زهير عن أبي إسحاق ، عن أبي أسماء الصيقل ، عن أنس بن مالك قال : خرجنا نصرخ بالحج ، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة ، وقال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ، ولكني سقت الهدي وقرنت الحج بالعمرة " .

ورواه النسائي ، عن هناد ، عن أبي الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن أبي أسماء الصيقل ، عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم يلبي بهما .

أبو قدامة الحنفي - ويقال : إن اسمه محمد بن عبيد - عن أنس : قال الإمام أحمد : ثنا روح بن عبادة ، حدثنا شعبة ، عن يونس بن عبيد عن أبي قدامة الحنفي ، قال : قلت لأنس : بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي ؟ فقال : سمعته سبع مرات : بعمرة وحجة ، بعمرة وحجة . تفرد به الإمام أحمد [ ص: 471 ] وهو إسناد جيد قوي ، ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة .

وروى ابن حبان في " صحيحه " عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة ، وقرن القوم معه

وقد أورد الحافظ البيهقي بعض هذه الطرق ، عن أنس بن مالك ، ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر ، وحاصله أنه قال : والاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه ، ويحتمل أن يكون سمعه صلى الله عليه وسلم يعلم غيره كيف يهل بالقران ، لا أنه يهل بهما عن نفسه . والله أعلم . قال : وقد روي ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر .

قلت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله ، وربما كان ترك هذا الكلام أولى منه ، إذ فيه تطرق احتمال إلى حفظ الصحابي مع تواتره عنه كما رأيت آنفا ، وفتح هذا يفضي إلى محذور كبير . والله تعالى أعلم .

حديث البراء بن عازب في القران : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأنا علي بن محمد المصري ، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، كلهن في ذي القعدة . فقالت عائشة : لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها . قال البيهقي : [ ص: 472 ] ليس هذا بمحفوظ . قلت : سيأتي بإسناد صحيح إلى عائشة نحوه .

رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : حدثنا أبو بكر بن أبي داود ، ومحمد بن جعفر بن رميس ، والقاسم بن إسماعيل أبو عبيد ، وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم ، قالوا : حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، ثنا زيد بن الحباب ، ثنا سفيان الثوري عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج ; حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة قرن معها عمرة . وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه ، من حديث سفيان بن سعيد الثوري به . أما الترمذي فرواه عن عبد الله بن أبي زياد ، عن زيد بن الحباب ، عن سفيان به ، ثم قال : غريب من حديث سفيان ، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب ، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن - يعني الدارمي - روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد ، وسألت محمدا عن هذا ، فلم يعرفه ، ورأيته لا يعده محفوظا . قال : وإنما روي عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلا .

وفي " السنن الكبير " للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل البخاري ، عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث خطأ ، وإنما روي هذا عن الثوري مرسلا . قال البخاري : وكان زيد بن الحباب إذا روى حفظا ربما [ ص: 473 ] غلط في الشيء . وأما ابن ماجه فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي ، عن عبد الله بن داود الخريبي ، عن سفيان به . وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقي ، وربما ولا البخاري حيث تكلم في زيد بن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك . والله أعلم .

طريق أخرى عن جابر : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة ، وطاف لهما طوافا واحدا . ثم قال : هذا حديث حسن . وفي نسخة : صحيح . ورواه ابن حبان في " صحيحه " عن جابر قال : لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم إلا طوافا واحدا لحجه ولعمرته .

قلت : حجاج هذا هو ابن أرطاة ، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، ولكن قد روي من وجه آخر عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله أيضا ، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : حدثنا مقدم بن محمد ، حدثني عمي القاسم بن يحيى بن مقدم ، عن عبد الرحمن بن عثمان بن خيثم ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فقرن بين الحج والعمرة ، وساق الهدي . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يقلد الهدي فليجعلها عمرة " . ثم قال البزار : وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه [ ص: 474 ] بهذا الإسناد . انفرد بهذه الطريق البزار في " مسنده " ، وإسنادها غريب جدا ، وليست في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه . والله أعلم .

رواية أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، ثنا حجاج - هو ابن أرطاة - عن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس قال : أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة . ورواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن أبي معاوية بإسناده ، ولفظه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة . الحجاج بن أرطاة فيه ضعف والله أعلم .

رواية سراقة بن مالك بن جعشم : قال الإمام أحمد : حدثنا مكي بن إبراهيم ، ثنا داود - يعني ابن يزيد - سمعت عبد الملك الزراد ، يقول : سمعت النزال بن سبرة صاحب علي يقول : سمعت سراقة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " . قال : وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .

رواية سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تمتع بالحج إلى العمرة ، وهو [ ص: 475 ] القران : قال الإمام مالك : عن ابن شهاب ، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه ، أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله . فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي . فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها . فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه ، ورواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن مالك به . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح .

وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا سليمان - يعني التيمي - حدثني غنيم قال : سألت ابن أبي وقاص عن المتعة فقال : فعلناها وهذا كافر بالعرش . يعني معاوية . هكذا رواه مختصرا . وقد رواه مسلم في " صحيحه " من حديث سفيان بن سعيد الثوري ، وشعبة ومروان الفزاري ويحيى بن سعيد القطان ، أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمي ، سمعت غنيم بن قيس سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال : قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش . قال يحيى بن سعيد في روايته : يعني معاوية . ورواه عبد الرزاق ، عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك ، كلاهما عن سليمان التيمي ، عن غنيم بن قيس سألت سعدا عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال : فعلتها مع رسول الله [ ص: 476 ] صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني مكة ، ويعني به معاوية ، وهذا الحديث الثاني أصح إسنادا ، وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا ، والأول صحيح الإسناد ، وهو أصرح في المقصود من هذا . والله أعلم .

رواية عبد الله بن أبي أوفى قال الطبراني حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا يزيد بن عطاء ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة ; لأنه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام .

رواية عبد الله بن عباس في ذلك : قال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ، ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، والثالثة من الجعرانة ، والرابعة التي مع حجته . وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق ، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار عن عكرمة ، عن ابن عباس به . وقال الترمذي : حسن غريب . ورواه الترمذي ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا . ورواه [ ص: 477 ] الحافظ البيهقي من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي ، عن الحسن بن الربيع وشهاب بن عباد ، كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العطار فذكره . وقال : الرابعة التي قرنها مع حجته .

ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز : ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن . ثم حكى البيهقي عن البخاري أنه قال : داود بن عبد الرحمن صدوق ، إلا أنه ربما يهم في الشيء .

وقد تقدم ما رواه البخاري ، من طريق ابن عباس ، عن عمر أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق : " أتاني آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة " . فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه . والله أعلم .

رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم ، من طريق الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أنه قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة . وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج . وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السعي ، فعلم كما قررناه أولا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يكن متمتعا التمتع الخاص ، وإنما كان قارنا ; لأنه اكتفى بطواف واحد بين [ ص: 478 ] الصفا والمروة عن حجه وعمرته ، وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانه . والله أعلم .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : ثنا أبو خيثمة ، ثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا لإقرانه ، لم يحل بينهما واشترى من الطريق . يعني الهدي . وهذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات ، إلا أن يحيى بن يمان - وإن كان من رجال مسلم - في أحاديثه عن الثوري نكارة شديدة . والله أعلم . ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالإفراد الذى رواه إفراد أفعال الحج ، لا الإفراد الخاص الذي يصير إليه أصحاب الشافعي - وهو الحج ثم الاعتمار بعده في بقية ذي الحجة - قول الشافعي : أنبأنا مالك ، عن صدقة بن يسار ، عن ابن عمر ، أنه قال : لأن أعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة .

رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا يونس بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قرن خشية أن يصد عن البيت ، وقال : " إن لم تكن حجة فعمرة " . وهذا حديث غريب سندا ومتنا . تفرد بروايته الإمام [ ص: 479 ] أحمد . وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا : كان مضطرب الحديث . وضعفه ، وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه ، والنسائي . وأما من حيث المتن فقوله : إنما قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يصد عن البيت . فمن الذي كان يصده عليه الصلاة والسلام عن البيت ؟ وقد أطد الله له الإسلام ، وفتح البلد الحرام ، وقد نودي برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، وقد كان معه عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا . وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : أجل ولكنا كنا خائفين . ولست أدري علام يحمل هذا الخوف ؟ ولا من أي جهة كان ؟ إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه ، وحمله على معنى ظنه ، فما رواه صحيح مقبول ، وما اعتقده فليس بمعصوم فيه ، فهو موقوف عليه ، وليس بحجة على غيره ، ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه . وهكذا قول عبد الله بن عمرو لو صح السند إليه . والله أعلم .

رواية عمران بن حصين ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر وحجاج ، قالا : ثنا شعبة ، عن حميد بن هلال ، سمعت مطرفا قال : [ ص: 480 ] قال لي عمران بن حصين إني محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به ; إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حجة وعمرة ، ثم لم ينه عنه حتى مات ، ولم ينزل قرآن فيه يحرمه ، وإنه كان يسلم علي ، فلما اكتويت أمسك عني ، فلما تركته عاد إلي . وقد رواه مسلم ، عن محمد بن المثنى ، ومحمد بن بشار ، عن غندر وعن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، والنسائي ، عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث ، ثلاثتهم عن شعبة عن حميد بن هلال ، عن مطرف ، عن عمران به . ورواه مسلم ، من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة الحديث .

قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : حديث شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف صحيح ، وأما حديثه عن قتادة ، عن مطرف ، فإنما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد ، وقد رواه غندر وغيره ، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة .

قلت : وقد رواه أيضا النسائي في " سننه " عن عمرو بن علي الفلاس ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة ، وفي نسخة : عن سعيد . بدل شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عمران بن الحصين ، فذكره . والله أعلم .

[ ص: 481 ] وثبت في " الصحيحين " من حديث همام ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عمران بن الحصين قال : تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم ينزل قرآن يحرمه ، ولم ينه عنها حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم .

رواية الهرماس بن زياد الباهلي : قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن عمران بن أبي علي أبو محمد ، من أهل الري وكان أصله أصبهانيا ، حدثنا يحيى بن الضريس ، حدثنا عكرمة بن عمار ، عن الهرماس قال : كنت ردف أبي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بعير وهو يقول : " لبيك بحجة وعمرة معا " . وهذا على شرط السنن ولم يخرجوه .

رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين ، رضي الله عنها : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لك لم تحل من عمرتك ؟ قال : " إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر " . وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك وعبيد الله بن عمر . زاد البخاري : وموسى بن عقبة . زاد [ ص: 482 ] مسلم : وابن جريج ، كلهم عن نافع ، عن ابن عمر به . وفي لفظهما أنها قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال : " إني قلدت هديي ، ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أنحر " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال : قال نافع : كان عبد الله بن عمر يقول : أخبرتنا حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع . فقالت له فلانة : ما يمنعك أن تحل ؟ قال : " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلست أحل حتى أنحر هديي " .

وقال أحمد أيضا : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر عن حفصة بنت عمر ، أنها قالت : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة ، قلنا : فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا ؟ قال : " إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي " ثم رواه أحمد ، عن كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان ، عن نافع عن ابن عمر ، عن حفصة ، فذكره . فهذا الحديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متلبسا بعمرة ، ولم يحل منها ، وقد علم بما تقدم من أحاديث الإفراد أنه كان قد أهل بحج أيضا ، فدل مجموع ذلك أنه قارن ، مع ما سلف من رواية من صرح [ ص: 483 ] بذلك . والله أعلم .

رواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا " . فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ، ودعي العمرة " . ففعلت ، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت ، فقال : " هذه مكان عمرتك " . قالت : فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ، فإنما طافوا طوافا واحدا . وكذلك رواه مسلم من حديث مالك ، عن الزهري ، فذكره .

ثم رواه عن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ، ولم أكن سقت الهدي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته ، لا يحل حتى يحل منهما جميعا " . وذكر تمام [ ص: 484 ] الحديث كما تقدم .

والمقصود من إيراد هذا الحديث هاهنا قوله صلى الله عليه وسلم : " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " . ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام قد كان معه هدي ، فهو أول وأولى من ائتمر بهذا ; لأن المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح ، وأيضا فإنها قالت : وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا . يعني بين الصفا والمروة .

وقد روى مسلم عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا . فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمرة .

وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسار . وأيضا فإنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من النسكين ، فلم يكن متمتعا ، وذكرت أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمرها من التنعيم ، وقالت : يا رسول الله ، يرجع الناس بحج وعمرة وأنطلق بحج ؟ فبعثها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأعمرها من التنعيم ، ولم يذكر أنه ، عليه الصلاة والسلام ، اعتمر بعد حجته فلم يكن مفردا ، فعلم أنه كان قارنا ; لأنه كان [ ص: 485 ] باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع . والله أعلم .

وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقي من طريق يزيد بن هارون ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب أنه قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، كلهن في ذي القعدة . فقالت عائشة : لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها .

وقال البيهقي في " الخلافيات " : أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه ، أنبأنا أبو محمد بن حبان الأصبهاني ، أنبأنا إبراهيم بن شريك ، أنبأنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا أبو إسحاق ، عن مجاهد قال : سئل ابن عمر : كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : مرتين . فقالت عائشة : لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا ، سوى العمرة التي قرنها مع حجة الوداع . ثم قال البيهقي : وهذا إسناد لا بأس به لكن فيه إرسال ; مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين . قلت : كان شعبة ينكره ، وأما البخاري ومسلم فإنهما أثبتاه . والله أعلم .

وقد روى من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعروة بن الزبير وغير واحد ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه الهدي عام حجة الوداع ، [ ص: 486 ] وفي إعمارها من التنعيم ومصادفتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوتته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة ، ثم رجع إلى المدينة . وهذا كله مما يدل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يعتمر بعد حجته تلك ، ولم أعلم أحدا من الصحابة نقله . ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين ، ولا روى أحد أنه ، عليه الصلاة والسلام ، بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق ولا قصر ولا تحلل ، بل استمر على إحرامه باتفاق ، ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار إلى منى ، فعلم أنه لم يكن متمتعا . وقد اتفقوا على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، اعتمر عام حجة الوداع ، فلم يتحلل بين النسكين ، ولا أنشأ إحراما للحج ، ولا اعتمر بعد الحج ، فلزم القران وهذا مما يعسر الجواب عنه . والله أعلم . وأيضا فإن رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الإفراد والتمتع ، فهي مقدمة عليها ، كما هو مقرر في علم الأصول .

وعن أبي عمران أنه حج مع مواليه ، قال : فأتيت أم سلمة فقلت : يا أم المؤمنين ، إني لم أحج قط ، فبأيهما أبدأ ; بالعمرة أم بالحج ؟ قالت : ابدأ بأيهما شئت . قال : ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألتها ، فقالت لي مثل ما قالت . قال : ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية ، فقالت لي أم سلمة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا آل محمد ، من حج منكم فليهل بعمرة في [ ص: 487 ] حجة " . رواه ابن حبان في " صحيحه " ، وقد رواه ابن حزم في " حجة الوداع " من حديث الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم ، عن أبي عمران ، عن أم سلمة به ===================================فصل ( الجواب عن حديث الطيالسي أن رسول الله نهى أن يجمع بين الحج والعمرة )

إن قيل : فما جوابكم عن الحديث الذي رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " : حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي شيخ الهنائي ، واسمه حيوان بن خالد ، أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صفف النمور ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : وأنا أشهد . قال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة ؟ قالوا : اللهم لا . قال : والله إنها لمعهن .

وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا همام ، عن قتادة ، عن أبي شيخ الهنائي [ ص: 489 ] قال : كنت في ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية ، فقال معاوية : أنشدكم بالله ، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود النمور أن يركب عليها ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : وتعلمون أنه نهى عن لباس الذهب إلا مقطعا ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : وتعلمون أنه نهى عن المتعة ؟ - يعني متعة الحج - قالوا : اللهم لا . قال : أما إنها معهن .

وقال أحمد : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي شيخ الهنائي ، أنه شهد معاوية وعنده جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم معاوية : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور ؟ قالوا : نعم . قال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أتعملون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع بين حج وعمرة ؟ قالوا : اللهم لا . قال : فوالله إنها لمعهن . وكذا رواه حماد بن سلمة ، عن قتادة ، وزاد : ولكنكم نسيتم . وكذا رواه أشعث بن بزار ، وسعيد بن أبي عروبة [ ص: 490 ] وهمام ، عن قتادة ، بأصله . ورواه مطر الوراق ، وبيهس بن فهدان ، عن أبي شيخ في متعة الحج . فقد رواه أبو داود والنسائي من طرق ، عن أبي شيخ الهنائي به . وهو حديث جيد الإسناد ، ويستغرب منه رواية معاوية ، رضي الله عنه ، النهي عن الجمع بين الحج والعمرة ، ولعل أصل الحديث النهي عن المتعة ، فاعتقد الراوي أنها متعة الحج ، وإنما هي متعة النساء ، ولم يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهي عنها ، أو لعل النهي عن الإقران في التمر ، كما في حديث ابن عمر ، فاعتقد الراوي أن المراد القران في الحج ، وليس كذلك ، أو لعل معاوية ، رضي الله عنه ، إنما قال : أتعلمون أنه نهي عن كذا ؟ فبناه لما لم يسم فاعله ، فصرح الراوي بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ووهم في ذلك ; فإن الذي كان ينهى عن متعة الحج إنما هو عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ولم يكن نهيه عن ذلك على وجه التحريم ولا الحتم ، كما قدمنا ، وإنما كان ينهى عنها لتفرد عن الحج بسفر آخر ; لتكثر زيارة البيت ، وقد كان الصحابة ، رضي الله عنهم ، يهابونه كثيرا ، فلا يتجاسرون على مخالفته غالبا وكان ابنه عبد الله [ ص: 491 ] يخالفه ، فيقال له : إن أباك كان ينهى عنها . فيقول : لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء ، قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتبع أم سنة عمر بن الخطاب ؟ وكذلك كان عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، ينهى عنها ، وخالفه علي بن أبي طالب - كما تقدم - وقال : لا أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس . وقال عمران بن حصين تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم ينزل قرآن يحرمه ، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات . أخرجاه في " الصحيحين " . وفي " صحيح مسلم " عن سعد أنه أنكر على معاوية إنكاره المتعة ، وقال : قد فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا يومئذ كافر بالعرش . يعني معاوية ، أنه كان حين فعلوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا بمكة يومئذ .

قلت : وقد تقدم أنه ، عليه الصلاة والسلام ، حج قارنا ، بما ذكرناه من الأحاديث الواردة في ذلك ، ولم يكن بين حجة الوداع وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحد وثمانون يوما ، وقد شهد تلك الحجة ما ينيف على أربعين ألف صحابي قولا منه وفعلا ، فلو كان قد نهى عن القران في الحج الذي شهده منه الناس ; لم ينفرد به واحد من الصحابة ، ويرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه ومن لم يسمع ، فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية ، رضي الله عنه . والله أعلم .

[ ص: 492 ] وقال أبو داود : ثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن وهب ، أخبرني حيوة ، أخبرني أبو عيسى الخراساني ، عن عبد الله بن القاسم الخراساني ، عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب ، فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج . وهذا الإسناد لا يخلو عن نظر ، ثم إن كان هذا الصحابي هو معاوية فقد تقدم الكلام على ذلك ، ولكن في هذا النهي عن المتعة لا القران ، وإن كان في غيره فهو مشكل في الجملة ، لكن لا على القران . والله أعلم ==================================ذكر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الشافعي : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " . وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها : لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والرغباء إليك والعمل . ورواه [ ص: 496 ] البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك به .

وقال مسلم : حدثنا محمد بن عباد ، ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، ونافع مولى عبد الله بن عمر ، وحمزة بن عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل ، فقال : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " . قالوا : وكان عبد الله يقول : هذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال نافع : وكان عبد الله يزيد مع هذا : لبيك لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير بيديك لبيك ، والرغباء إليك والعمل .

حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر قال : تلقفت التلبية من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر بمثل حديثهم .

حدثني حرملة بن يحيى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : فإن سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني عن أبيه قال : سمعت [ ص: 497 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " . لا يزيد على هؤلاء الكلمات ، وإن عبد الله بن عمر كان يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات . وقال عبد الله بن عمر : كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات ، وهو يقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، لبيك والرغباء إليك والعمل . هذا لفظ مسلم ، وفي حديث جابر من التلبية كما في حديث ابن عمر ، وسيأتي مطولا قريبا . رواه مسلم منفردا به .

وقال البخاري ، بعد إيراده من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ما تقدم : حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن أبي عطية ، عن عائشة قالت : إني لأعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك " . تابعه أبو معاوية ، عن الأعمش . وقال شعبة : أخبرنا سليمان ، سمعت خيثمة ، عن أبي عطية ، سمعت عائشة . تفرد به البخاري .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن سليمان بن مهران الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي عطية الوادعي ، [ ص: 498 ] عن عائشة فذكر مثل ما رواه البخاري سواء . ورواه أحمد ، عن أبي معاوية ، وعبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، كما ذكره البخاري سواء . ورواه أيضا ، عن محمد بن جعفر ، وروح بن عبادة ، عن شعبة ، عن سليمان بن مهران الأعمش به ، كما ذكره البخاري . وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن شعبة سواء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي عطية قال : قالت عائشة : إني لأعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي . قال : ثم سمعتها تلبي ، فقالت : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . فزاد في هذا السياق وحده : والملك لا شريك لك .

وقال البيهقي : أخبرنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، أن عبد الله بن الفضل حدثه عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة أنه قال : كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لبيك إله الحق " . وقد رواه النسائي ، عن قتيبة ، عن [ ص: 499 ] حميد بن عبد الرحمن ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع ، عن عبد العزيز به . قال النسائي : ولا أعلم أحدا أسنده عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز ، ورواه إسماعيل بن أمية مرسلا .

وقال الشافعي : أنبأنا سعيد بن سالم القداح ، عن ابن جريج ، أخبرني حميد الأعرج ، عن مجاهد أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية : " لبيك اللهم لبيك " . فذكر التلبية . قال : حتى إذا كان ذات يوم ، والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه ، فزاد فيها : " لبيك إن العيش عيش الآخرة " . قال ابن جريج وحسبت أن ذلك يوم عرفة . هذا مرسل من هذا الوجه .

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو أحمد يوسف بن محمد بن محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ثنا نصر بن علي الجهضمي ، ثنا محبوب بن الحسن ، ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات ، فلما قال : " لبيك اللهم لبيك " ، قال : " إنما الخير خير الآخرة " . وهذا إسناد غريب ، وإسناده على شرط السنن ، ولم يخرجوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، ثنا أسامة بن زيد ، حدثني عبد الله بن أبي لبيد ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، سمعت أبا هريرة يقول : قال [ ص: 500 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال ; فإنه من شعائر الحج " . تفرد به أحمد . وقد رواه البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، وعبد الله بن أبي لبيد ، عن المطلب ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره .

وقد قال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن ابن أبي لبيد ، عن المطلب بن حنطب ، عن خلاد بن السائب ، عن زيد بن خالد قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ، فإنها شعار الحج . وكذا رواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن وكيع ، عن الثوري به . وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة ، عن عبد الله بن أبي لبيد به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي لبيد ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن خلاد بن السائب ، عن زيد بن خالد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جاءني جبريل ، فقال : يا محمد ، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية ، فإنها شعار الحج " .

[ ص: 501 ] قال شيخنا أبو الحجاج المزي في كتابه " الأطراف " : وقد رواه معاوية بن هشام وقبيصة ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الله بن أبي لبيد ، عن المطلب ، عن خلاد بن السائب ، عن أبيه ، عن زيد بن خالد به .

وقال أحمد : ثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام ، عن خلاد بن السائب بن خلاد ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاني جبريل فقال : مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالإهلال " .

وقال أحمد : قرأت على عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك ، وحدثنا روح ، ثنا مالك ، يعني ابن أنس ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن خلاد بن السائب الأنصاري ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية - أو بالإهلال - " . يريد أحدهما . وكذلك رواه الشافعي ، عن مالك ، ورواه أبو داود ، عن القعنبي ، عن مالك به . ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث ابن جريج ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن [ ص: 502 ] عبد الله بن أبي بكر به . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

وقال الحافظ البيهقي : ورواه ابن جريج قال : كتب إلي عبد الله بن أبي بكر ، فذكره ، ولم يذكر أبا خلاد في إسناده . قال : والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الملك ، عن خلاد بن السائب ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كذلك قاله البخاري وغيره . كذا قال .

وقد قال الإمام أحمد في مسند السائب بن خلاد بن سويد أبي سهلة الأنصاري : ثنا محمد بن بكر ، أنبأنا ابن جريج وروح ، ثنا ابن جريج قال : كتب إلي عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن خلاد بن السائب الأنصاري ، عن أبيه السائب بن خلاد ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أتاني جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية والإهلال " . وقال روح : بالتلبية أو بالإهلال . قال : ولا أدري أينا وهل ; أنا أو عبد الله أو خلاد في الإهلال أو التلبية . هذا لفظ أحمد في " مسنده " . وكذلك ذكره شيخنا في أطرافه ، عن ابن جريج كرواية مالك وسفيان بن عيينة . فالله أعلم================================= ذكر الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته

قال البخاري : باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، قال : ثنا فضيل بن سليمان ، قال : ثنا موسى بن عقبة ، قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة . وحدثني نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصلي في تلك الأمكنة ، وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها ، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء .

حدثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا أنس بن عياض ، قال : ثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر ، وفي حجته حين حج ، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط ، من بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي [ ص: 511 ] الشرقية فعرس ثم حتى يصبح ، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده ، في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ، فدحا السيل فيه بالبطحاء ، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه .

وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء ، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ; يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي . وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة ، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك .

وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء ، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق ، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة ، وقد ابتني ثم مسجد ، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد ، كان يتركه عن يساره ووراءه ، ويصلي أمامه إلى العرق نفسه ، وكان عبد الله يروح من الروحاء ، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر ، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر ; عرس حتى يصلي بها الصبح .

[ ص: 512 ] وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق ، في مكان بطح سهل ، حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين ، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وهي قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة .

وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج وأنت ذاهب إلى هضبة ، عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة ، على القبور رضم من حجارة ، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق ، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة ، فيصلي الظهر في ذلك المسجد .

وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق ، في مسيل دون هرشى . ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى ، بينه وبين الطريق قريب من غلوة ، وكان عبد الله يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق ، وهى أطولهن .

[ ص: 513 ] وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل ، عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر .

وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ، ويبيت حتى يصبح ، يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ، ليس في المسجد الذي بني ثم ، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة .

وأن عبد الله حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة ، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة . تفرد البخاري ، رحمه الله ، بهذا الحديث بطوله وسياقه ، إلا أن مسلما روى منه عند قوله في آخره : وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى . إلى آخر الحديث ، عن محمد بن إسحاق المسيبي عن أنس بن عياض ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، فذكره . وقد رواه الإمام أحمد بطوله ، عن أبي قرة موسى بن طارق ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر به نحوه .

[ ص: 514 ] وهذه الأماكن لا يعرف اليوم كثير منها أو أكثرها ; لأنه قد غير أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الأعراب الذين هناك ، فإن الجهل قد غلب على أكثرهم ، وإنما أوردها البخاري ، رحمه الله ، في كتابه لعل أحدا يهتدي إليها بالتأمل والتفرس والتوسم ، أو لعل أكثرها أو كثيرا منها كان معلوما في زمان البخاري . والله تعالى أعل================================== صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه

قال البخاري : حدثنا أصبغ بن الفرج ، عن ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن محمد بن عبد الرحمن قال : ذكرت لعروة قال : أخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ، ثم لم تكن عمرة ، ثم حج أبو بكر وعمر مثله ، ثم حججت مع أبي الزبير فأول شيء بدأ به الطواف ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه ، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة ، فلما مسحوا الركن حلوا . هذا لفظه وقد رواه في موضع آخر ، عن أحمد بن عيسى ، ومسلم ، عن هارون بن سعيد ، ثلاثتهم عن ابن وهب به . وقولها : ثم لم تكن عمرة . يدل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يتحلل بين النسكين ، ثم كان أول ما ابتدأ به ، عليه الصلاة والسلام ، استلام الحجر الأسود قبل الطواف ، كما قال جابر : حتى إذا أتينا البيت معه ، استلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا .

وقال البخاري : ثنا محمد بن كثير ، ثنا سفيان ، عن ، الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عابس بن ربيعة ، عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال : " إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك .

[ ص: 520 ] ورواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعا ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عابس بن ربيعة قال : رأيت عمر يقبل الحجر ويقول : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد وأبو معاوية قالا : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عابس بن ربيعة قال : رأيت عمر أتى الحجر فقال : أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك . ثم دنا فقبله . فهذا السياق يقتضي أنه قال ما قال ، ثم قبله بعد ذلك . بخلاف سياق صاحبي " الصحيح " . فالله أعلم .

وقال أحمد : ثنا وكيع ويحيى - واللفظ لوكيع - عن هشام ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب أتى الحجر فقال : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك . وقال : ثم قبله . وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر .

وقال البخاري أيضا : ثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا محمد بن جعفر بن أبي [ ص: 521 ] كثير ، أخبرني زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب قال للركن : أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك . فاستلمه . ثم قال : وما لنا وللرمل ؟ ! إنما كنا راءينا به المشركين ، ولقد أهلكهم الله . ثم قال : شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه . وهذا يدل على أن الاستلام تأخر عن القول .

وقال البخاري : ثنا أحمد بن سنان ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا ورقاء ، ثنا زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك

وقال مسلم بن الحجاج ثنا حرملة ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، هو ابن يزيد الأيلي ، وعمرو ، هو ابن دينار . ( ح ) وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو ، عن ابن شهاب ، عن سالم أن أباه حدثه ، أنه قال : قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال : أما والله لقد علمت أنك حجر ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . زاد هارون في روايته : قال عمرو : وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم . يعني عن عمر به . وهذا صريح في أن التقبيل تقدم على القول . فالله أعلم .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا عبد الله ، عن نافع ، عن ابن [ ص: 522 ] عمر ، أن عمر قبل الحجر ثم قال : قد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك . هكذا رواه الإمام أحمد .

وقد أخرجه مسلم في " صحيحه " ، عن محمد بن أبي بكر المقدمي ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال : إني لأقبلك ، وإني لأعلم أنك حجر ، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك .

ثم قال مسلم : ثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة ، كلهم عن حماد ، قال خلف : ثنا حماد بن زيد ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس قال : رأيت الأصلع - يعني عمر - يقبل الحجر ويقول : والله إني لأقبلك ، وإني لأعلم أنك حجر ، وأنك لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . وفي رواية المقدمي وأبي كامل : رأيت الأصيلع . وهذا من أفراد مسلم دون البخاري . وقد رواه الإمام أحمد ، عن أبي معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس به . ورواه أحمد أيضا ، عن غندر ، عن شعبة ، عن عاصم الأحول به .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : رأيت عمر يقبل الحجر ويقول : إني [ ص: 523 ] لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا . ثم رواه أحمد ، عن وكيع ، عن سفيان الثوري به . وزاد : فقبله والتزمه .

وهكذا رواه مسلم من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلا زيادة ، ومن حديث وكيع بهذه الزيادة : قبل الحجر والتزمه وقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا .

وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن عمر بن الخطاب أكب على الركن وقال : إني لأعلم أنك حجر ، ولو لم أر حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ( الأحزاب : 21 ) . وهذا إسناد جيد قوي ، ولم يخرجوه .

وقال أبو داود الطيالسي : ثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي ، من أهل مكة قال : رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ، ثم قال : رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه ، وقال ابن عباس : رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه ، ثم قال عمر : لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته وهذا [ ص: 524 ] أيضا إسناد حسن . ولم يخرجه إلا النسائي ، عن عمرو بن عثمان ، عن الوليد بن مسلم ، عن حنظلة بن أبي سفيان ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن عمر ، فذكر نحوه . وقد روى هذا الحديث عن عمر الإمام أحمد أيضا من حديث يعلى بن أمية عنه ، وأبو يعلى الموصلي في " مسنده " من طريق هشام بن حبيش بن الأشعر ، عن عمر . وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذي جمعناه في " مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب " ، رضي الله عنه ، ولله الحمد والمنة . وبالجملة فهذا الحديث مروي من طرق متعددة ، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وهي تفيد القطع عند كثير من أئمة هذا الشأن ، وليس في هذه الروايات أنه ، عليه الصلاة والسلام ، سجد على الحجر إلا ما أشعر به رواية أبي داود الطيالسي ، عن جعفر بن عبد الله بن عثمان وليست صريحة في الرفع .

ولكن رواه الحافظ البيهقي من طريق أبي عاصم النبيل ، ثنا جعفر بن عبد الله قال : رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ، ثم قال : رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه ، وقال ابن عباس : رأيت عمر قبله وسجد عليه ، ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت .

[ ص: 525 ] وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أنبأنا الطبراني ، أنبأنا أبو الزنباع ، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ، ثنا يحيى بن يمان ، ثنا سفيان ، عن ابن أبي حسين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الحجر . قال الطبراني : لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان .

وقال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا حماد ، عن الزبير بن عربي قال : سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر ، فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله . قال : أرأيت إن زحمت ؟ أرأيت إن غلبت ؟ قال : اجعل " أرأيت " باليمن ; رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله . تفرد به دون مسلم .

وقال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما . فقلت لنافع : أكان ابن عمر يمشي بين الركنين ؟ قال إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه .

وروى أبو داود والنسائي ، من حديث يحيى بن سعيد القطان ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة .

[ ص: 526 ] وقال البخاري : ثنا أبو الوليد ، ثنا ليث ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين . ورواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، وقتيبة ، عن الليث بن سعد به . وفي رواية عنه أنه قال : ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين إلا أنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم .

وقال البخاري : وقال محمد بن بكر : أنبأنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال : ومن يتقي شيئا من البيت ؟ وكان معاوية يستلم الأركان ، فقال له ابن عباس : إنه لا يستلم هذان الركنان . فقال له : ليس من البيت شيء مهجورا . وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن . انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى .

وقال مسلم في " صحيحه " : حدثني أبو الطاهر ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه أن أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين . انفرد به مسلم . فالذي رواه ابن عمر موافق لما قاله ابن عباس ; أنه لا يستلم الركنان الشاميان ; لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم لأن قريشا قصرت بهم النفقة ، فأخرجوا الحجر من البيت حين بنوه ، كما تقدم بيانه . وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو بناه [ ص: 527 ] فتممه على قواعد إبراهيم ، ولكن خشي من حداثة عهد الناس بالجاهلية فتنكره قلوبهم ، فلما كانت إمرة عبد الله بن الزبير هدم الكعبة ، وبناها على ما أشار إليه ، صلى الله عليه وسلم ، كما أخبرته خالته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق . فإن كان ابن الزبير استلم الأركان كلها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحسن جدا وهو والله المظنون به .

وقال أبو داود : ثنا مسدد ثنا يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة . ورواه النسائي ، عن محمد بن المثنى ، عن يحيى .

وقال النسائي : ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن السائب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ( البقرة : 201 ) ورواه أبو داود ، عن مسدد ، عن عيسى بن يونس ، عن ابن جريج به .

وقال الترمذي : ثنا محمود بن غيلان ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا سفيان ، عن [ ص: 528 ] جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل المسجد ، فاستلم الحجر ، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم أتى المقام فقال : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . فصلى ركعتين ، والمقام بينه وبين البيت ، ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه ، ثم خرج إلى الصفا ، أظنه قال : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم . وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم ورواه الطبراني ، عن النسائي وغيره ، عن عبد الأعلى بن واصل عن يحيى بن آدم به===================================ذكر طوافه صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة

روى مسلم في " صحيحه " عن جابر في حديثه الطويل المتقدم ، بعد ذكره طوافه ، عليه الصلاة والسلام ، بالبيت سبعا وصلاته عند المقام ركعتين قال : ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " أبدأ بما بدأ الله به " . فبدأ بالصفا ، فرقي عليه حتى رأى البيت ، فاستقبل القبلة ، فوحد الله وكبره ، وقال : " لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده " . ثم دعا بين ذلك ، فقال مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل ، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ، فرقي عليها ، حتى نظر إلى البيت ، فقال عليها كما قال على الصفا .

وقال الإمام أحمد : ثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص ، ثنا ابن جريج عن بعض بني يعلى بن أمية عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد له نجراني .

وقال الإمام أحمد : ثنا يونس ، ثنا عبد الله بن المؤمل ، عن عمر بن [ ص: 539 ] عبد الرحمن ، ثنا عطاء ، عن صفية بنت شيبة ، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت : دخلت دار أبي حسين في نسوة من قريش ، والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة . قالت : وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي ، وهو يقول لأصحابه : " اسعوا ، إن الله كتب عليكم السعي "

وقال أحمد أيضا : ثنا سريج ، ثنا عبد الله بن المؤمل ، عن عمر بن عبد الرحمن ، ثنا عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة ، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة ، والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى ، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره ، وهو يقول : " اسعوا ، فإن الله كتب عليكم السعي " تفرد به أحمد .

وقد رواه أحمد أيضا عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن واصل مولى أبي عيينة ، عن موسى بن عبيدة ، عن صفية بنت شيبة ، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول : " كتب عليكم السعي فاسعوا " وهذه المرأة هي حبيبة بنت أبي تجراة المصرح بذكرها في الإسنادين الأولين .

وعن أم ولد شيبة بن عثمان أنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول : لا يقطع الأبطح [ ص: 540 ] إلا شدا رواه النسائي . والمراد بالسعي هاهنا هو الذهاب من الصفا إلى المروة ، ومنها إليها ، وليس المراد بالسعي هاهنا الهرولة والإسراع ، فإن الله لم يكتبه علينا حتما ، بل لو مشى الإنسان على هينة في السبع الطوفات بينهما ولم يرمل في المسيل ، أجزأه ذلك عند جماعة العلماء ، لا يعرف بينهم اختلاف في ذلك .

وقد نقله الترمذي ، رحمه الله ، عن أهل العلم ، ثم قال : ثنا يوسف بن عيسى ، ثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن كثير بن جمهان قال : رأيت ابن عمر يمشي في المسعى فقلت : أتمشي في السعي بين الصفا والمروة ؟ فقال : لئن سعيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ، ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ، وأنا شيخ كبير . ثم قال : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روى سعيد بن جبير ، عن ابن عمر نحو هذا . وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب ، عن كثير بن جمهان السلمي الكوفي ، عن ابن عمر . فقول ابن عمر أنه شاهد الحالين منه صلى الله عليه وسلم يحتمل شيئين ; أحدهما أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية والثاني أنه رآه يسعى في بعض الطريق ويمشي في بعضه . وهذا له قوة ; لأنه قد روى البخاري ومسلم من [ ص: 541 ] حديث عبيد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة . وتقدم في حديث جابر أنه ، عليه الصلاة والسلام ، نزل من الصفا ، فلما انصبت قدماه في الوادي رمل ، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة . وهذا هو الذي تستحبه العلماء قاطبة ; أن الساعي بين الصفا والمروة يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوفة في بطن المسيل الذي بينهما ، وحددوا ذلك بما بين الأميال الخضر ، فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلي المسجد ، واثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد أيضا . وقال بعض العلماء : ما بين هذه الأميال اليوم أوسع من بطن المسيل الذي رمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالله أعلم .

وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الذي جمعه في حجة الوداع : ثم خرج ، عليه الصلاة والسلام ، إلى الصفا فقرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به " . فطاف بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعير ، يخب ثلاثا ويمشي أربعا . فإنه لم يتابع على هذا القول ، ولم يتفوه به أحد قبله من أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة ومشى أربعا ، ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية ، بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال : ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا ، ولكنه متفق عليه . هذا لفظه فإن أراد أن الرمل [ ص: 542 ] في الطوفات الثلاث الأول - على ما ذكر - متفق عليه ، فليس بصحيح بل لم يقله أحد . وإن أراد أن الرمل في الثلاث الأول في الجملة متفق عليه ، فلا يجدي له شيئا ولا يحصل له مقصودا ، فإنهم كما اتفقوا على الرمل في الثلاث الأول في بعضها على ما ذكرناه ، كذلك اتفقوا على استحبابه في الأربع الأخر أيضا ، فتخصيص ابن حزم الثلاث الأول باستحباب الرمل فيها ، مخالف لما ذكره العلماء . والله أعلم . وأما قول ابن حزم أنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان راكبا بين الصفا والمروة . فقد تقدم عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل أخرجاه . وللترمذي عنه : إن أسعى فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ، وإن مشيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي . وقال جابر : فلما انصبت قدماه في الوادي رمل ، حتى إذا صعد مشى . رواه مسلم . وقالت حبيبة بنت أبي تجراة : يسعى ، يدور به إزاره من شدة السعي . رواه أحمد . وفي " صحيح مسلم " عن جابر كما تقدم أنه رقي على الصفا حتى رأى البيت . وكذلك على المروة .

وقد قدمنا من حديث محمد بن إسحاق ، عن أبي جعفر الباقر ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره على باب المسجد ، يعني حتى طاف ، ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج إلى الصفا . وهذا كله مما يقتضي أنه ، عليه الصلاة والسلام ، سعى بين الصفا والمروة ماشيا .

ولكن قال مسلم : ثنا عبد بن حميد ، ثنا محمد - يعني ابن بكر - أنا ابن [ ص: 543 ] جريج أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس ، وليشرف وليسألوه ; فإن الناس غشوه ، ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا . ورواه مسلم أيضا ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن علي بن مسهر ، وعن علي بن خشرم ، عن عيسى بن يونس ، وعن محمد بن حاتم ، عن يحيى بن سعيد ، كلهم عن ابن جريج به . وليس في بعضها : وبين الصفا والمروة .

وقد رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة . ورواه النسائي ، عن الفلاس ، عن يحيى ، وعن عمران بن يزيد ، عن شعيب بن إسحاق ، كلاهما عن ابن جريج به . فهذا محفوظ من حديث ابن جريج وهو مشكل جدا ; لأن بقية الروايات عن جابر وغيره تدل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان ماشيا بين الصفا والمروة . وقد تكون رواية أبي الزبير عن جابر بهذه الزيادة - [ ص: 544 ] وهي قوله : وبين الصفا والمروة - مقحمة أو مدرجة ممن بعد الصحابي . والله أعلم . أو أنه ، عليه الصلاة والسلام ، طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفات على قدميه ، وشوهد منه ما ذكر ، فلما ازدحم الناس عليه وكثروا ركب ، كما يدل عليه حديث ابن عباس الآتي قريبا . وقد سلم ابن حزم أن طوافه الأول بالبيت كان ماشيا ، وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك ، وادعى أنه كان راكبا في السعي بين الصفا والمروة ، قال : لأنه لم يطف بينهما إلا مرة واحدة . ثم تأول قول جابر : حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل . بأنه يصدق ذلك وإن كان راكبا ; فإنه إذا انصب بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه مع سائر جسده . قال : وكذلك ذكر الرمل يعني به رمل الدابة براكبها . وهذا التأويل بعيد جدا . والله أعلم .

وقال أبو داود : ثنا أبو سلمة موسى ، ثنا حماد ، أنبأنا أبو عاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس : يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت ، وأن ذلك سنة . قال : صدقوا وكذبوا . فقلت ما صدقوا وما كذبوا ؟! قال : صدقوا قد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذبوا ; ليس بسنة ، إن قريشا قالت زمن الحديبية دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف . فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 545 ] لأصحابه : " ارملوا بالبيت ثلاثا " . وليس بسنة . قلت : يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سنة . قال : صدقوا وكذبوا . قلت : ما صدقوا وما كذبوا ؟! قال : صدقوا ; قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بعير ، وكذبوا ; ليست بسنة ، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصرفون عنه ، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه ، وليروا مكانه ولا تناله أيديهم هكذا رواه أبو داود .

وقد رواه مسلم ، عن أبي كامل ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن الجريري ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس فذكر فضل الطواف بالبيت بنحو ما تقدم ، ثم قال : قلت لابن عباس : أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا ، أسنة هو ؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة . قال صدقوا وكذبوا . قلت : وما قولك : صدقوا وكذبوا ؟! قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون : هذا محمد ، هذا محمد . حتى خرج العواتق من البيوت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه ، فلما كثر عليه الناس ركب . قال ابن عباس : والمشي والسعي أفضل . هذا لفظ مسلم ، وهو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال ، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث . والله أعلم .

وأما ما رواه مسلم في " صحيحه " حيث قال : ثنا محمد بن رافع ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا زهير ، عن عبد الملك بن سعيد ، عن أبي الطفيل قال : [ ص: 546 ] قلت لابن عباس : أراني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فصفه لي . قلت : رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه . فقال ابن عباس : ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكرهون . فقد تفرد به مسلم ، وليس فيه دلالة على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، سعى بين الصفا والمروة راكبا ، إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها ، وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع ، فمن الجائز أنه ، عليه الصلاة والسلام ، بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة ، فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدي ، كما تقدم في حديث جابر . ثم بعد هذا كله أتي بناقته فركبها ، وسار إلى منزله بالأبطح ، كما سنذكره قريبا ، وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري وهو معدود في صغار الصحابة .

لكن قال أبو داود : ثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع ، قالا : ثنا أبو عاصم ، عن معروف ، يعني ابن خربوذ المكي ، حدثنا أبو الطفيل قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه ، ثم يقبله . زاد محمد بن رافع : ثم خرج إلى الصفا والمروة ، فطاف سبعا على راحلته . وقد رواه مسلم في " صحيحه " من حديث أبي داود الطيالسي ، عن معروف بن خربوذ [ ص: 547 ] به ، بدون الزيادة التي ذكرها محمد بن رافع ، وكذلك رواه عبيد الله بن موسى ، عن معروف بدونها . ورواه الحافظ البيهقي ، عن أبي سعيد بن أبي عمرو ، عن الأصم ، عن يحيى بن أبي طالب ، عن يزيد بن أبي حكيم ، عن يزيد بن مليك ، عن أبي الطفيل بدونها . فالله أعلم .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبي إسحاق ، قالا : ثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ، ثنا أحمد بن حازم ، أنبأنا عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون ، قالا : أنبأنا أيمن بن نابل ، عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة على بعير ; لا ضرب ، ولا طرد ، ولا إليك إليك . وقال البيهقي : كذا قالا ، وقد رواه جماعة عن أيمن فقالوا : يرمي الجمرة يوم النحر . قال : ويحتمل أن يكونا صحيحين .

قلت : رواه الإمام أحمد في " مسنده " عن وكيع ، وقران بن تمام ، وأبي قرة موسى بن طارق ، قاضي أهل اليمن ، وأبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري ، ومعتمر بن سليمان ، عن أيمن بن نابل الحبشي أبي عمران المكي نزيل عسقلان مولى أبي بكر الصديق ، وهو ثقة جليل من رجال البخاري ، عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر من [ ص: 548 ] بطن الوادي على ناقة صهباء ; لا ضرب ، ولا طرد ، ولا إليك إليك . وهكذا رواه الترمذي ، عن أحمد بن منيع ، عن مروان بن معاوية ، وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راهويه ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن وكيع ، كلاهما عن أيمن بن نابل ، عن قدامة كما رواه الإمام أحمد . وقال الترمذي : حسن صحيح .

قلت قد ذهب طائفة من العراقيين ; كأبي حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ، وهو مروي عن علي وابن مسعود ومجاهد والشعبي ، ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل ، دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة ماشيا ، وحديثه هذا أنه سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما ; مرة ماشيا ومرة راكبا .

وقد روى سعيد بن منصور في " سننه " ، عن علي رضي الله عنه ، أنه أهل بحجة وعمرة ، فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته ، ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته ، ثم أقام حراما إلى يوم النحر . هذا لفظه . ورواه أبو ذر الهروي في " مناسكه " عن علي ، أنه جمع بين الحج والعمرة ، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل .

[ ص: 549 ] وكذلك رواه البيهقي ، والدارقطني ، والنسائي في " خصائص علي " فقال البيهقي في " سننه " : أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه ، أنبأنا علي بن عمر الحافظ ، أنبأنا أبو محمد بن صاعد ، ثنا محمد بن زنبور ، ثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن مالك بن الحارث - أو منصور ، عن مالك بن الحارث - عن أبي نصر قال : لقيت عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة ، فقلت : هل أستطيع أن أفعل كما فعلت ؟ قال : ذلك لو كنت بدأت بالعمرة . قلت : كيف أفعل إذا أردت ذلك ؟ قال : تأخذ إداوة من ماء ، فتفيضها عليك ، ثم تهل بهما جميعا ، ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين ، ولا يحل لك حرام دون يوم النحر . قال منصور : فذكرت ذلك لمجاهد ، قال : ما كنا نفتي إلا بطواف واحد ، فأما الآن فلا نفعل . قال الحافظ البيهقي : وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة عن منصور ، فلم يذكر فيه السعي . قال : وأبو نصر هذا مجهول ، وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة . قال : وقد روي بأسانيد أخر ، عن علي مرفوعا وموقوفا ، ومدارها على الحسن بن عمارة ، وحفص بن أبي داود ، وعيسى بن عبد الله ، وحماد بن عبد الرحمن ، وكلهم ضعيف لا يحتج بشيء مما رووه في ذلك . والله أعلم .

[ ص: 550 ] قلت : والمنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك ، فقد قدمنا عن ابن عمر في " صحيح البخاري " أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج ، فصار قارنا ، وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة ، وقال : هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى الترمذي وابن ماجه والبيهقي من حديث الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا ، وسعى لهما سعيا واحدا قال الترمذي : وهذا حديث حسن غريب . قلت : إسناده على شرط مسلم . وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين ، فإنها كانت ممن أهل بعمرة ; لعدم سوق الهدي معها ، فلما حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل ، وتهل بحج مع عمرتها ، فصارت قارنة ، فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من بعد الحج ، فأعمرها تطييبا لقلبها ، كما جاء مصرحا به في الحديث .

وقد قال الإمام أبو عبد الله الشافعي : أنبأنا مسلم ، هو ابن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : " طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك " . وهذا ظاهره الإرسال ، وهو مسند في المعنى ، بدليل ما قال الشافعي أيضا : أخبرنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال الشافعي : وربما قال سفيان : عن عطاء عن عائشة . وربما قال : عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ ص: 551 ] لعائشة - فذكره . قال الحافظ البيهقي : رواه ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة موصولا . وقد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه ، عن عائشة بمثله .

وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابرا يقول : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي تبكي ، فقال : " مالك تبكين ؟ " قالت : أبكي أن الناس حلوا ولم أحل ، وطافوا بالبيت ولم أطف ، وهذا الحج قد حضر . قال : " إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم ، فاغتسلي وأهلي بحج " . قالت : ففعلت ذلك ، فلما طهرت قال : " طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم قد حللت من حجك وعمرتك " . قالت : يا رسول الله ، إني أجد في نفسي من عمرتي أني لم أكن طفت حتى حججت . قال : " اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم " . وله من حديث ابن جريج أيضا : أخبرني أبو الزبير سمعت جابرا قال : لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا . وعند أصحاب أبي حنيفة ، رحمه الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ساقوا الهدي كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة ، كما دل عليه الأحاديث المتقدمة . والله أعلم .

وقال الشافعي : أنبأنا إبراهيم بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، [ ص: 552 ] عن علي قال في القارن : يطوف طوافين ويسعى سعيا . قال الشافعي : وقال بعض الناس : طوافان وسعيان . واحتج فيه برواية ضعيفة عن علي . قال : جعفر يروي عن علي قولنا ، ورويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ==================================( قدوم علي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وإيجاده فاطمة قد حلت )

وقدم في هذا الوقت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم منيخ بالبطحاء خارج مكة - علي من اليمن ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثه ، كما قدمنا ، إلى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد ، رضي الله عنهما ، فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حلت كما حل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لم يسوقوا الهدي ، واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا ، فقال : من أمرك بهذا ؟ قالت : أبي . فذهب محرشا عليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنها حلت ، ولبست ثيابا صبيغا ، واكتحلت ، وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله . فقال : " صدقت ، صدقت ، صدقت " . ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بم أهللت حين أوجبت الحج ؟ " قال : بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم . قال : " فإن معي الهدي فلا تحل " . فكان جماعة الهدي الذي جاء به علي من اليمن ، والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة [ ص: 557 ] واشتراه في الطريق مائة من الإبل ، واشتركا في الهدي جميعا . وقد تقدم هذا كله في " صحيح مسلم " ، رحمه الله .

وهذا التقرير يرد الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني ، رحمه الله ، من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، أن عليا تلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة . والله أعلم . وكان أبو موسى في جملة من قدم مع علي ، ولكنه لم يسق هديا ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحل ، بعد ما طاف للعمرة وسعى ، ففسخ حجه إلى العمرة ، وصار متمتعا ، فكان يفتي بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب ، فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه ; مهابة لأمير المؤمنين عمر ، رضي الله عنه وأرضاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : رأيت بلالا يؤذن ويدور وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا ، وأصبعاه في أذنيه . قال : ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء ، أراها من أدم . قال : فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال عبد الرزاق : وسمعته بمكة قال : بالبطحاء - ويمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار ، وعليه حلة حمراء ، كأني أنظر إلى بريق ساقيه . قال سفيان : نراها حبرة .

وقال أحمد : ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة له حمراء ، فخرج بلال بفضل [ ص: 558 ] وضوئه فمن ناضح ونائل . قال : فأذن بلال فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا - يعني يمينا وشمالا - قال : ثم ركزت له عنزة ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة له حمراء - أو حلة حمراء - وكأني أنظر إلى بريق ساقيه ، فصلى بنا إلى عنزة الظهر - أو العصر - ركعتين ، تمر المرأة والكلب والحمار ، لا يمنع ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة . وقال وكيع مرة : فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث سفيان الثوري .

وقال أحمد أيضا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة . ح وحجاج ، أخبرني شعبة ، عن الحكم ، سمعت أبا جحيفة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء ، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة . وزاد فيه عون ، عن أبيه أبي جحيفة : وكان يمر من ورائها الحمار والمرأة . قال حجاج في الحديث : ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم . قال : فأخذت يده فوضعتها على وجهي ، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك . وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث شعبة بتمامه =====================================فصل فيما حفظ من دعائه ، عليه الصلاة والسلام ، وهو واقف بعرفة

قد تقدم أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أفطر يوم عرفة ، فدل على أن الإفطار هناك أفضل من الصيام ; لما فيه من التقوية على الدعاء ; لأنه المقصود الأهم هناك ، ولهذا وقف ، عليه الصلاة والسلام ، وهو راكب على الراحلة ، من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس .

وقد روى أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن حوشب بن عقيل ، عن مهدي الهجري ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا حوشب بن عقيل ، حدثني مهدي المحاربي ، حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال : دخلت على أبي هريرة في بيته ، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات ، فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات . وقال عبد الرحمن مرة : عن مهدي [ ص: 574 ] العبدي . وكذلك رواه أحمد ، عن وكيع ، عن حوشب ، عن مهدي العبدي ، فذكره . وقد رواه أبو داود ، عن سليمان بن حرب ، عن حوشب ، والنسائي عن سليمان بن معبد ، عن سليمان بن حرب به ، وعن الفلاس ، عن ابن مهدي به ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع ، عن حوشب .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أبو أسامة الكلبي ، ثنا حسن بن الربيع ، ثنا الحارث بن عبيد ، عن حوشب بن عقيل ، عن مهدي الهجري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة . قال البيهقي : كذا قال الحارث بن عبيد ، والمحفوظ : عن عكرمة ، عن أبي هريرة .

وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في " صحيحه " عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة ، فقال : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ، ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه ، وأنا فلا أصومه ، ولا آمر [ ص: 575 ] به ولا أنهى عنه

قال الإمام مالك ، عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل الدعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له " . قال البيهقي : هذا مرسل ، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولا ، وإسناده ضعيف .

وقد روى الإمام أحمد والترمذي ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل الدعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . وللإمام أحمد أيضا ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : " لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " .

وقال أبو عبد الله بن منده : أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري ، ثنا أحمد بن داود بن جابر الأحمسي ، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي ، ثنا فرج بن [ ص: 576 ] فضالة ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " .

وقال الإمام أحمد : ثنا يزيد - يعني ابن عبد ربه الجرجسي - ثنا بقية بن الوليد ، حدثني جبير بن عمرو القرشي ، عن أبي سعيد الأنصاري ، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام ، عن الزبير بن العوام ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " ( آل عمران : 18 ) وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في " مناسكه " : ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري ، ثنا عفان بن مسلم ، ثنا قيس بن الربيع ، عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي ، عشية عرفة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " .

[ ص: 577 ] وقال الترمذي في الدعوات : ثنا محمد بن حاتم المؤدب ، ثنا علي بن ثابت ، ثنا قيس بن الربيع ، وكان من بني أسد ، عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة بن حصين ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : كان أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف : " اللهم لك الحمد كالذي نقول ، وخيرا مما نقول ، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ، ولك رب تراثي ، أعوذ بك من عذاب القبر ، ووسوسة الصدر ، وشتات الأمر ، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح " . ثم قال : غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي .

وقد رواه الحافظ البيهقي ، من طريق موسى بن عبيدة ، عن أخيه عبد الله بن عبيدة ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة ، أن أقول : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم اجعل في بصري نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي قلبي نورا ، اللهم اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر ، وشتات الأمر ، وشر فتنة القبر ، وشر ما يلج في الليل ، وشر ما يلج في النهار ، وشر ما تهب به الرياح ، وشر بوائق الدهر " . ثم قال : تفرد به موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف ، وأخوه عبد الله لم يدرك عليا .

وقال الطبراني في " مناسكه " : حدثنا يحيى بن عثمان المصري ، ثنا [ ص: 578 ] يحيى بن بكير ، ثنا يحيى بن صالح الأيلي ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : كان فيما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " اللهم إنك تسمع كلامي ، وترى مكاني ، وتعلم سري وعلانيتي ، ولا يخفى عليك شيء من أمري ، أنا البائس الفقير ، المستغيث المستجير ، الوجل المشفق ، المقر المعترف بذنبه ، أسألك مسألة المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ; من خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عبرته ، وذل لك جسده ، ورغم لك أنفه ، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا ، وكن بي رءوفا رحيما ، يا خير المسئولين ويا خير المعطين " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، أنبأنا عبد الملك ، ثنا عطاء قال : قال أسامة بن زيد كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فرفع يديه يدعو ، فمالت به ناقته فسقط خطامها . قال : فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى . وهكذا رواه النسائي ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن هشيم به .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو عبد الله محمد بن [ ص: 579 ] يعقوب ، ثنا علي بن الحسن ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ، ثنا ابن جريج ، عن حسين بن عبد الله الهاشمي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين .

وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده " : حدثنا عبد القاهر بن السري ، حدثني ابن لكنانة بن العباس بن مرداس ، عن أبيه ، عن جده عباس بن مرداس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة ، فأكثر الدعاء ، فأوحى الله إليه : إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا ، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم ، فقد غفرتها . فقال : " يا رب ، إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته ، وتغفر لهذا الظالم " . فلم يجبه تلك العشية ، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء ، فأجابه الله تعالى : إني قد غفرت لهم . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه : يا رسول الله ، تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها . قال : " تبسمت من عدو الله إبليس ; إنه لما علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي ، أهوى يدعو بالويل والثبور ، ويحثو التراب على رأسه " . ورواه أبو داود السجستاني في " سننه " عن عيسى بن إبراهيم البركي وأبي الوليد الطيالسي ، كلاهما عن عبد القاهر بن السري ، عن ابن كنانة بن [ ص: 580 ] عباس بن مرداس ، عن أبيه ، عن جده مختصرا . ورواه ابن ماجه ، عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري ، عن عبد الله بن كنانة بن عباس ، عن أبيه ، عن جده به مطولا . ورواه ابن جرير في " تفسيره " عن إسماعيل بن سيف العجلي ، عن عبد القاهر بن السري ، عن ابن كنانة ويكنى أبا كنانة ، عن أبيه ، عن جده العباس بن مرداس ، فذكره .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عمن سمع قتادة يقول : ثنا خلاس بن عمرو ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : " أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم ، فغفر لكم ، إلا التبعات فيما بينكم ، ووهب مسيئكم لمحسنكم ، وأعطى محسنكم ما سأل ، فادفعوا بسم الله " . فلما كان بجمع قال : " إن الله قد غفر لصالحيكم ، وشفع صالحيكم في طالحيكم ، [ ص: 581 ] تنزل الرحمة فتعمهم ، ثم تفرق الرحمة في الأرض ، فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده ، وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم ، فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور ، يقول : كنت أستفزهم حقبا من الدهر ، فجاءت المغفرة فغشيتهم . فيتفرقون يدعون بالويل والثبور ================================= ذكر إفاضته ، عليه الصلاة والسلام ، من عرفات إلى المشعر الحرام

قال جابر في حديثه الطويل : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص ، فأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : " أيها الناس ، السكينة السكينة " . كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا . رواه مسلم .

وقال البخاري : باب السير إذا دفع من عرفة . حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : سئل أسامة وأنا جالس : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص . قال هشام : والنص فوق العنق ورواه الإمام أحمد [ ص: 584 ] وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد به .

وقال الإمام أحمد : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة . قال : فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع حطمة الناس خلفه قال : " رويدا أيها الناس ، عليكم السكينة ، إن البر ليس بالإيضاع " . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التحم عليه الناس أعنق ، وإذا وجد فرجة نص ، حتى أتى المزدلفة فنزل بها فجمع بين الصلاتين ; المغرب والعشاء الآخرة . ثم رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن إسحاق ، حدثني إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن أسامة بن زيد ، فذكر مثله .

وقال الإمام أحمد : ثنا أبو كامل ، ثنا حماد ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد قال : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه ، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها لتكاد تصيب قادمة الرحل ، [ ص: 585 ] ويقول : " يا أيها الناس ، عليكم السكينة والوقار ، فإن البر ليس في إيضاع الإبل " . وكذا رواه ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة به ، ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن أسامة بنحوه . قال : وقال أسامة : فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن الحجاج ، ثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، ، عن شعبة ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، أنه أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة حتى دخل الشعب ، ثم أهراق الماء وتوضأ ، ثم ركب ولم يصل .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا همام ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن الشعبي ، عن أسامة ، أنه حدثه قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات ، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا .

وقال الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن [ ص: 586 ] ابن عباس ، أخبرني أسامة بن زيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة ، فلما أتى الشعب نزل فبال ، ولم يقل : أهراق الماء . فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا ، فقلت : الصلاة . فقال : " الصلاة أمامك " . قال : ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب ، ثم حلوا رحالهم ، وأعنته ثم صلى العشاء . كذا رواه الإمام أحمد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، فذكره . ورواه النسائي ، عن الحسين بن حريث ، عن سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن عقبة ومحمد بن أبي حرملة ، كلاهما عن كريب ، عن ابن عباس ، عن أسامة . قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه " : والصحيح كريب عن أسامة .

وقال البخاري : ثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن كريب ، عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ، فنزل الشعب فبال ، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء ، فقلت له : الصلاة . فقال : " الصلاة أمامك " . فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت الصلاة فصلى - العشاء - ولم يصل بينهما . وهكذا رواه البخاري أيضا ، عن القعنبي ، ومسلم ، عن يحيى بن يحيى ، والنسائي عن قتيبة ، عن مالك ، عن موسى بن عقبة به . [ ص: 587 ] وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن موسى بن عقبة ، أيضا . ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة ، عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه .

وقال البخاري أيضا : ثنا قتيبة ، ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن أبي حرملة ، عن كريب ، عن أسامة بن زيد أنه قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ، ثم جاء فصببت عليه الوضوء ، فتوضأ وضوءا خفيفا . فقلت : الصلاة يا رسول الله . قال : " الصلاة أمامك " . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتى المزدلفة فصلى ، ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع . قال كريب : فأخبرني عبد الله بن عباس ، عن الفضل ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة . ورواه مسلم ، عن قتيبة ويحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر ، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به .

وقال الإمام أحمد : ثنا وكيع ، ثنا عمر بن ذر ، عن مجاهد ، عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة . قال : فقال الناس : سيخبرنا صاحبنا ما صنع . قال : فقال أسامة : لما دفع من عرفة فوقف ، كف رأس راحلته ، حتى [ ص: 588 ] أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه ، يشير إلى الناس بيده : " السكينة السكينة السكينة " . حتى أتى جمعا ، ثم أردف الفضل بن عباس ، قال : فقال الناس : سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال الفضل : لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالأمس ، حتى أتى على وادي محسر ، فدفع فيه حتى استوت به الأرض .

وقال البخاري : ثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا إبراهيم بن سويد ، حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي ، حدثني ابن عباس ، أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا ، وضربا للإبل ، فأشار بسوطه إليهم ، وقال : " أيها الناس ، عليكم بالسكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع " . تفرد به البخاري من هذا الوجه . وقد تقدم رواية الإمام أحمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد . فالله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن عمر . ثنا المسعودي ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات أوضع الناس ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي : " أيها الناس ، ليس البر بإيضاع الخيل ولا الركاب " . قال : فما رأيت من رافعة يديها عادية ، حتى نزل جمعا .

وقال الإمام أحمد : ثنا حسين وأبو نعيم ، قالا : ثنا إسرائيل ، عن [ ص: 589 ] عبد العزيز بن رفيع قال : حدثني من سمع ابن عباس يقول : لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عرفات وجمع إلا ليهريق الماء .

وقال الإمام أحمد : ثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عبد الملك ، عن أنس بن سيرين قال : كنت مع ابن عمر بعرفات ، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام ، فصلى معه الأولى والعصر ، ثم وقف معه وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الإمام فأفضنا معه ، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين ، فأناخ وأنخنا ، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي ، فقال غلامه الذي يمسك راحلته : إنه ليس يريد الصلاة ، ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته ، فهو يحب أن يقضي حاجته .

وقال البخاري : ثنا موسى ، ثنا جويرية ، عن نافع قال : كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيدخل فينتفض ، ويتوضأ ولا يصلي حتى يجيء جمعا . تفرد به البخاري ، رحمه الله ، من هذا الوجه .

وقال البخاري : ثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري عن سالم بن [ ص: 590 ] عبد الله ، عن ابن عمر قال : جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع ، كل واحدة منهما بإقامة ، ولم يسبح بينهما ، ولا على إثر واحدة منهما .

ورواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا .

ثم قال مسلم : حدثني حرملة ، حدثني ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع ، ليس بينهما سجدة ، فصلى المغرب ثلاث ركعات ، وصلى العشاء ركعتين ، فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله .

ثم روى مسلم من حديث شعبة ، عن الحكم وسلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير ، أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة واحدة ، ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك . وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك . ثم رواه من طريق الثوري ، عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة .

ثم قال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن نمير ثنا [ ص: 591 ] إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق قال : قال سعيد بن جبير أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة ، ثم انصرف فقال : هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان .

وقال البخاري : ثنا خالد بن مخلد ، ثنا سليمان بن بلال ، حدثني يحيى بن سعيد ، حدثني عدي بن ثابت ، حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي ، حدثني أبو أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة . ورواه البخاري أيضا في المغازي ، عن القعنبي ، عن مالك ، ومسلم من حديث سليمان بن بلال والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عدي بن ثابت به . ورواه النسائي أيضا ، عن الفلاس ، عن يحيى القطان ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت به .

ثم قال البخاري : باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما . حدثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير بن حرب ، ثنا أبو إسحاق ، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول : حج عبد الله ، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك ، فأمر رجلا فأذن وأقام ، ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين ، ثم دعا بعشائه فتعشى ، ثم أمر رجلا فأذن وأقام - قال عمرو : لا أعلم الشك إلا من زهير - ثم صلى العشاء ركعتين ، فلما طلع الفجر قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم . قال عبد الله : هما صلاتان تحولان عن وقتهما ; صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة ، والفجر حين يبزغ [ ص: 592 ] الفجر . قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله . وهذا اللفظ ، وهو قوله : والفجر حين يبزغ الفجر . أبين وأظهر من الحديث الآخر الذي رواه البخاري ، عن حفص بن عمر بن غياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين ; جمع بين المغرب والعشاء ، وصلى الفجر قبل ميقاتها . ورواه مسلم من حديث أبي معاوية وجرير ، عن الأعمش به .

وقال جابر في حديثه : ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة . وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي .

قال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا ابن أبي خالد وزكريا ، عن الشعبي ، أخبرني عروة بن مضرس قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع ، فقلت : يا رسول الله ، جئتك من جبلي طيء ، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال : " من شهد معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر - بجمع ، ووقف معنا حتى نفيض منه ، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه " . وقد رواه الإمام أحمد أيضا ، وأهل السنن الأربعة من طرق عن الشعبي ، عن عروة بن [ ص: 593 ] مضرس ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

ويقال لها حجة البلاغ ، وحجة الإسلام ، وحجة الوداع ; لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، ودع الناس فيها ، ولم يحج بعدها . وسميت حجة الإسلام ; لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يحج من المدينة غيرها ، ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها . وقد قيل : إن فريضة الحج نزلت عامئذ . وقيل : سنة تسع . وقيل : سنة ست . وقيل : قبل الهجرة . وهو غريب جدا . وسميت حجة البلاغ ; لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا ، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه ، عليه الصلاة والسلام ، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله ، عز وجل ، عليه وهو واقف بعرفة : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( المائدة : 3 ) وسيأتي إيضاح لهذا كله =========================== [ ص: 410 ] باب تاريخ خروجه ، عليه الصلاة والسلام ، من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي ، ويقال : سباع بن عرفطة الغفاري

قال محمد بن إسحاق : فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة - من سنة عشر - تجهز للحج ، وأمر الناس بالجهاز له ، فحدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة . وهذا إسناد جيد .

وروى الإمام مالك في " موطئه " عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة ، عن عائشة ، ورواه الإمام أحمد ، عن عبد الله بن نمير ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عنها ، وهو ثابت في " الصحيحين " ، و " سنن [ ص: 411 ] النسائي " وابن ماجه و " مصنف ابن أبي شيبة " ، من طرق ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج . الحديث بطوله ، كما سيأتي .

وقال البخاري : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، ثنا فضيل بن سليمان ، ثنا موسى بن عقبة أخبرني كريب ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وادهن ، ولبس إزاره ورداءه ، ولم ينه عن شيء من الأردية ولا الأزر إلا المزعفرة التي تردع على الجلد ، فأصبح بذي الحليفة ، ركب راحلته حتى استوى على البيداء ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة . تفرد به البخاري . فقوله : وذلك لخمس بقين من ذي القعدة . إن أراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة ، وأصبح بها يوم الجمعة ، [ ص: 412 ] وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة . وإن أراد ابن عباس بقوله : وذلك لخمس بقين من ذي القعدة . يوم انطلاقه ، عليه الصلاة والسلام من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه - كما قالت عائشة وجابر : إنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة - بعد قول ابن حزم وتعذر المصير إليه ، وتعين القول بغيره ، ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة ، إن كان شهر ذي القعدة كاملا .

ولا يجوز أن يكون خروجه ، عليه الصلاة والسلام ، من المدينة كان يوم الجمعة ; لما رواه البخاري ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا وهيب ، ثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب ، حتى استوت به راحلته على البيداء ، حمد الله ، عز وجل ، وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة

وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين

وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن محمد - يعني ابن [ ص: 413 ] المنكدر - وإبراهيم بن ميسرة ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين . ورواه البخاري ، عن أبي نعيم ، عن سفيان الثوري به . وأخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر ، وإبراهيم بن ميسرة ، عن أنس به .

وقال أحمد : ثنا محمد بن بكير ، ثنا ابن جريج عن محمد بن المنكدر ، عن أنس قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح ، فلما ركب راحلته واستوت به أهل .

وقال أحمد : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن المنكدر التيمي ، عن أنس بن مالك الأنصاري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات ، ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين ، آمنا لا يخاف ، في حجة الوداع . تفرد به أحمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح ، وهذا ينفي كون خروجه ، عليه الصلاة والسلام ، يوم الجمعة قطعا ، ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم ; لأنه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة ; [ ص: 414 ] لأنه لا خلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس ; لما ثبت بالتواتر والإجماع من أنه ، عليه الصلاة والسلام ، وقف بعرفة يوم الجمعة ، وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع ، فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة ، لبقي في الشهر ست ليال قطعا ; ليلة الجمعة ، والسبت ، والأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، فهذه ست ليال .

وقد قال ابن عباس ، وعائشة ، وجابر : إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة . وتعذر أنه يوم الجمعة ; لحديث أنس ، فتعين على هذا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خرج من المدينة يوم السبت ، وظن الراوي أن الشهر يكون تاما ، فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الأربعاء ، واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس ، ويؤيده ما وقع في رواية جابر : لخمس بقين أو أربع . وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ، ولا بد منه ، والله أعلم  ==================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق