] قصة سقيفة بني ساعدة==فصل إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر
==» صفة غسله عليه الصلاة والسلام == فصل في كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
==ذكر من كان آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام == فصل في صفة قبره عليه الصلاة والسلام== ذكر ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام== فصل في أمور وقعت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم== باب بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا يورث عنه==فصل فيمن خطبها عليه الصلاة والسلام ، ولم يعقد عليها == فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم الصلاة والسلام==إماؤه عليه الصلاة والسلام=== كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
قال الإمام أحمد : ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ، ثنا مالك بن أنس ، حدثني ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن ابن عباس أخبره أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى رحله - قال ابن عباس : وكنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف فوجدني وأنا أنتظره - وذلك بمنى في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب ، فقال عبد الرحمن بن عوف : إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال : إن فلانا يقول : لو قد مات عمر بايعت فلانا . فقال عمر : إني قائم العشية ، إن شاء الله ، في الناس ، فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم . قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس ، فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ، ولا يضعوها مواضعها ، ولكن حتى تقدم المدينة ; فإنها دار الهجرة والسنة ، وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم ، فتقول ما قلت متمكنا ، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها . قال عمر : لئن قدمت المدينة سالما صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه . فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ، وكان يوم الجمعة عجلت الرواح صكة الأعمى - قلت لمالك : وما صكة الأعمى ؟ قال : إنه لا يبالي أي ساعة [ ص: 82 ] خرج ، لا يعرف الحر والبرد . أو نحو هذا - فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني ، فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن طلع عمر ، فلما رأيته قلت : ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله . قال : فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد ؟ فجلس عمر على المنبر ، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس ، فإني قائل مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ، فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب علي ، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها وعقلناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله . فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، عز وجل ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ; إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف ، ألا وإنا قد كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم ، فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله " وقد بلغني أن قائلا منكم يقول : لو قد مات عمر بايعت فلانا . فلا يغترن امرؤ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة . ألا وإنها كانت كذلك ، ألا إن الله وقى شرها ، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثلأبي بكر ، وإنه [ ص: 83 ] كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت له : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار . فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان ، فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلت : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم ، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين . فقلت : والله لنأتينهم . فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا هم مجتمعون ، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة فقلت : ما له ؟ قالوا : وجع . فلما جلسنا قام خطيبهم ، فأثنى على الله بما هو أهله وقال : أما بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا ، وقد دفت دافة منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم ، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر ، وقد كنت أداري منه بعض الحد ، وهو كان أحلم مني وأوقر ، [ ص: 84 ] فقال أبو بكر : على رسلك . فكرهت أن أغضبه ، وكان أعلم مني وأوقر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت . فقال : أما بعد ، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ; هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم . وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح ، فلم أكره مما قال غيرها ، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، إلا أن تغير نفسي عند الموت ، فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش - فقلت لمالك : ما يعني أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ؟ قال : كأنه يقول : أنا داهيتها - قال : فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف . فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر . فبسط يده ، فبايعته وبايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعدا . فقلت : قتل الله سعدا . قال عمر : أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى ، وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد ، فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ، ولا بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا . قال مالك : فأخبرني ابن شهاب ، عن عروة أن الرجلين [ ص: 85 ] اللذين لقياهما : عويم بن ساعدة ومعن بن عدي . قال ابن شهاب : وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذي قال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب . هو الحباب بن المنذر وقد أخرج هذا الحديث الجماعة في كتبهم ، من طرق عن مالك وغيره ، عن الزهري به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة ، ثنا عاصم ، ( ح ) وحدثني حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . فأتاهم عمر فقال : يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر . ورواه النسائي ، عن إسحاق بن راهويه وهناد بن السري ، عن حسين بن علي الجعفي ، عن زائدة به . ورواه علي بن المديني ، عن حسين بن علي ، وقال : صحيح لا أحفظه إلا من حديث زائدة ، عن عاصم . وقد رواه النسائي أيضا من حديث سلمة بن نبيط ، عن نعيم بن أبي هند ، عن نبيط بن شريط ، عن سالم بن عبيد ، عن عمر مثله . وقد [ ص: 86 ] روي عن عمر بن الخطاب نحوه من طرق أخر .
وجاء من طريق محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمر ، أنه قال : قلت : يا معشر المسلمين ، إن أولى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار ; أبو بكر السباق المبين . ثم أخذت بيده ، وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ، ثم ضربت على يده وتتابع الناس .
وقد روى محمد بن سعد ، عن عارم بن الفضل ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، فذكر نحوا من هذه القصة ، وسمى هذا الرجل الذي بايع الصديق قبل عمر بن الخطاب ، فقال : هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير===================================ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة - المهاجرين منهم والأنصار - على تقديم أبي بكر ، وظهر برهان قوله عليه الصلاة والسلام : " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " . وظهر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس ، لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفة من أهل السنة ، ولا لعلي كما يقوله طائفة الرافضة ، ولكن أشار إشارة قوية يفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق ، كما قدمنا وكما سنذكره . ولله الحمد .
كما ثبت في " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له : ألا تستخلف يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني . يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر : فعرفت حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مستخلف .
وقال سفيان الثوري عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان قال : لما ظهر علي على الناس يوم الجمل قال : أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 95 ] لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا ، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر ، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله . أو قال : حتى ضرب الدين بجرانه إلى آخره .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو نعيم ثنا شريك عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان قال : خطب رجل يوم البصرة حين ظهر علي ، فقال علي : هذا الخطيب الشحشح ! سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى أبو بكر ، وثلث عمر ، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد المزكي بمرو ثنا عبد الله بن روح المدائني ، ثنا شبابة بن سوار ثنا شعيب بن ميمون عن حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي ، عن أبي وائل قال : قيل لعلي بن أبي طالب : ألا تستخلف علينا ؟ فقال : ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف ، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم ، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم . إسناد جيد ولم يخرجوه . وقد [ ص: 96 ] قدمنا ما ذكره البخاري من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن ابن عباس أن عباسا وعليا رضي الله عنهما ، لما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل : كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال علي : أصبح بحمد الله بارئا . فقال العباس : إنك والله بعد ثلاث عبد العصا ، إني لأعرف في وجوه بني هاشم الموت ، وإني لأرى في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت ، فاذهب بنا إليه فنسأله فيمن هذا الأمر ، فإن كان فينا عرفناه ، وإن كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا . فقال علي إني لا أسأله ذلك ، والله إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا .
وقد رواه محمد بن إسحاق عن الزهري به ، فذكره . وقال في آخره : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم .
قلت : فهذا يكون في يوم الاثنين يوم الوفاة . فدل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، توفي عن غير وصية في الإمارة . وفي " الصحيحين " عن ابن عباس : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب ذلك الكتاب . وقد قدمنا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان طلب أن يكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عنده قال " قوموا [ ص: 97 ] عني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه " وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " .
وفي " الصحيحين " من حديث عبد الله بن عون ، عن إبراهيم النخعي عن الأسود قال : قيل لعائشة : إنهم يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي . فقالت : بم أوصى إلى علي ؟ ! لقد دعا بطست ليبول فيها وأنا مسندته إلى صدري ، فانخنث ، فمات وما شعرت ; فيم يقول هؤلاء إنه أوصى إلى علي ؟ ! .
وفي " الصحيحين " من حديث مالك بن مغول ، عن طلحة بن مصرف قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى : هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا . قلت : فلم أمرنا بالوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله ، عز وجل . قال طلحة بن مصرف : وقال هزيل بن شرحبيل : أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! [ ص: 98 ] ود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه بخزامة .
وفي " الصحيحين " أيضا من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه ليس كتاب الله وهذه الصحيفة - لصحيفة معلقة في سيفه فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات - فقد كذب . وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ، وذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " .
وهذا الحديث الثابت في " الصحيحين " وغيرهما ، عن علي ، رضي الله ، عنه يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إليه بالخلافة ، ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة ، فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه ، فيقدموا غير من [ ص: 99 ] قدمه ، ويؤخروا من قدمه بنصه ، حاشا وكلا ولما ، ومن ظن بالصحابة ، رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطئ على معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضادتهم في حكمه ونصه ، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام ، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام ، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام . ثم لو كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، نص فلم لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم ؟ فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز ، والعاجز لا يصلح للإمارة ، وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن ، والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الإمارة ، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل ، ثم وقد عرفه وعلمه من بعده فهذا محال وافتراء وجهل وضلال ، وإنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام والمغترين من الأنام ، يزينه لهم الشيطان بلا دليل ولا برهان ، بل بمجرد التحكم والهذيان والإفك والبهتان عياذا بالله مما هم فيه من التخليط والخذلان والتخبيط والكفران ، وملاذا بالله بالتمسك بالسنة والقرآن ، والوفاة على الإسلام والإيمان ، والموافاة على الثبات والإيقان وتثقيل الميزان ، والنجاة من النيران والفوز بالجنان ، إنه كريم منان رحيم رحمن .
وفي هذا الحديث الثابت في " الصحيحين " عن علي الذي قدمناه رد على متقولة كثير من الطرقية والقصاص الجهلة في دعواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بأشياء كثيرة يسوقونها مطولة : يا علي افعل كذا ، يا علي لا تفعل كذا ، يا علي ، من فعل كذا كان كذا وكذا . بألفاظ ركيكة ، ومعاني أكثرها سخيفة ، [ ص: 100 ] وكثير منها ضعيفة لا تساوي تسويد الصحيفة . والله أعلم .
وقد أورد الحافظ البيهقي من طريق حماد بن عمرو النصيبي - وهو أحد الكذابين الوضاعين - عن السري بن خلاد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا علي أوصيك بوصية فاحفظها فإنك لا تزال بخير ما حفظتها ; يا علي إن للمؤمن ثلاث علامات ; الصلاة والصيام والزكاة " قال البيهقي : فذكر حديثا طويلا في الرغائب والآداب وهو حديث موضوع ، وقد شرطت في أول الكتاب أن لا أخرج فيه حديثا أعلمه موضوعا . ثم روى من طريق حماد بن عمرو هذا ، عن زيد بن رفيع ، عن مكحول الشامي قال : هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب حين رجع من غزوة حنين ، وأنزلت عليه سورة النصر . قال البيهقي : فذكر حديثا طويلا في الفتنة ، وهو أيضا حديث منكر ليس له أصل ، وفي الأحاديث الصحيحة كفاية . وبالله التوفيق .
ولنذكر هاهنا ترجمة حماد بن عمرو أبي إسماعيل النصيبي ; روى عن الأعمش وغيره وعنه إبراهيم بن موسى ، ومحمد بن مهران ، وموسى بن أيوب وغيرهم . قال يحيى بن معين : هو ممن يكذب ويضع الحديث . وقال عمرو بن علي الفلاس وأبو حاتم : منكر الحديث ، ضعيف جدا . وقال إبراهيم بن [ ص: 101 ] يعقوب الجوزجاني : كان يكذب . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال أبو زرعة : واهي الحديث . وقال النسائي : متروك . وقال ابن حبان : يضع الحديث وضعا . وقال ابن عدي : عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه . وقال الدارقطني : ضعيف . وقال الحاكم أبو عبد الله : يروي عن الثقات أحاديث موضوعة . وهو ساقط بمرة .
فأما الحديث الذي قال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنبأنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد ، ثنا عبد الله بن روح المدائني ، ثنا سلام بن سليمان المدائني ، ثنا سلام بن سليم الطويل ، عن عبد الملك بن عبد الرحمن ، عن الحسن العرني ، عن الأشعث بن طليق ، عن مرة بن شراحيل ، عن عبد الله بن مسعود قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعنا في بيت عائشة ، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه ، ثم قال لنا : " قد دنا الفراق " . ونعى إلينا نفسه ثم قال : " مرحبا بكم ، حياكم الله ، هداكم الله ، نصركم الله ، نفعكم الله ، وفقكم الله ، سددكم الله ، وقاكم الله ، أعانكم الله ، قبلكم الله ، أوصيكم بتقوى الله ، وأوصي الله بكم ، وأستخلفه عليكم ، إني لكم منه [ ص: 102 ] نذير مبين ، أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده ; فإن الله تعالى قال لي ولكم : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " [ القصص : 83 ] وقال : " أليس في جهنم مثوى للمتكبرين " [ الزمر : 60 ] قلنا : فمتى أجلك يا رسول الله ؟ قال قد دنا الأجل ، والمنقلب إلى الله ، والسدرة المنتهى ، والكأس الأوفى ، والفرش الأعلى . قلنا : فمن يغسلك يا رسول الله ؟ قال : رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى ، مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم . قلنا : ففيم نكفنك يا رسول الله ؟ قال في ثيابي هذه إن شئتم ، أو في يمنية ، أو في بياض مصر . قلنا : فمن يصلي عليك يا رسول الله ؟ فبكى وبكينا . وقال : مهلا ، غفر الله لكم ، وجزاكم عن نبيكم خيرا ، إذا غسلتموني وحنطتموني وكفنتموني ، فضعوني على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعة ، فإن أول من يصلي علي خليلاي وجليساي ; جبريل وميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم ملك الموت مع جنود من الملائكة ، عليهم السلام ، وليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ، ثم نساؤهم ، ثم ادخلوا علي أفواجا وفرادى ، ولا تؤذوني بباكية ولا برنة ولا بصيحة ، ومن كان غائبا من أصحابي فأبلغوه عني السلام ، وأشهدكم بأني قد سلمت على من دخل في الإسلام ومن تابعني في ديني هذا ، منذ اليوم إلى يوم القيامة قلنا : فمن يدخلك قبرك يا رسول الله ؟ قال رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم " ثم قال البيهقي : تابعه أحمد بن يونس عن سلام الطويل وتفرد به سلام الطويل .
[ ص: 103 ] قلت : وهو سلام بن سلم . ويقال : ابن سليم . ويقال ابن سليمان . والأول أصح ، التميمي السعدي الطويل . يروى عن جعفر الصادق ، وحميد الطويل ، وزيد العمي وجماعة ، وعنه جماعة أيضا منهم ; أحمد بن عبد الله بن يونس ، وأسد بن موسى ، وخلف بن هشام البزار ، وعلي بن الجعد ، وقبيصة بن عقبة . وقد ضعفه علي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، والجوزجاني ، والنسائي ، وغير واحد ، وكذبه بعض الأئمة ، وتركه آخرون .
لكن روى هذا الحديث بهذا السياق بطوله الحافظ أبو بكر البزار من غير طريق سلام هذا ، فقال : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ابن الأصبهاني ، أنه أخبره عن مرة ، عن عبد الله ، فذكر الحديث بطوله . ثم قال البزار : وقد روى هذا عن مرة من غير وجه بأسانيد متقاربة وعبد الرحمن بن الأصبهاني لم يسمع هذا من مرة ، وإنما هو عمن أخبره عن مرة ، ولا أعلم أحدا رواه عن عبد الله غير مرة====================================صفة غسله عليه الصلاة والسلام
قد قدمنا أنهم ، رضي الله عنهم ، اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء ، فلما تمهدت وتوطدت وتمت ، شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر الصديق ، رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق : فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء . وقد تقدم من حديث ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو معاوية ، ثنا أبو بردة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل أن لا تجردوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه . ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية ، عن أبي بردة ، واسمه عمرو بن يزيد التميمي ، كوفي .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه : سمعت عائشة تقول : لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : ما ندري أنجرد [ ص: 120 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا ، أم نغسله ، وعليه ثيابه ؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم ، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو ، أن غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه . فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميص ، يصبون الماء فوق القميص فيدلكونه بالقميص دون أيديهم ، فكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه . رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : اجتمع القوم لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في البيت إلا أهله ; عمه العباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، والفضل بن عباس ، وقثم بن العباس ، وأسامة بن زيد بن حارثة ، وصالح مولاه ، فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الباب أوس بن خولي الأنصاري ، أحد بني عوف بن الخزرج ، وكان بدريا ، علي بن أبي طالب فقال : يا علي ، نشدتك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له علي : ادخل . فدخل ، فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يل من غسله شيئا ، فأسنده علي إلى صدره وعليه قميصه ، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع علي ، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاهما يصبان الماء ، وجعل علي يغسله ، ولم ير من رسول الله [ ص: 121 ] صلى الله عليه وسلم شيئا مما يراه من الميت وهو يقول : بأبي وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا . حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يغسل بالماء والسدر ، جففوه ثم صنع به ما يصنع بالميت ، ثم أدرج في ثلاثة أثواب ; ثوبين أبيضين ، وبرد حبرة . قال : ثم دعا العباس رجلين ، فقال : ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح - وكان أبو عبيدة يضرح لأهل مكة - وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري . وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة . قال : ثم قال العباس حين سرحهما : اللهم خر لرسولك . قال : فذهبا فلم يجد صاحب أبي عبيدة أبا عبيدة ، ووجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به ، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم . انفرد به أحمد .
وقال يونس بن بكير ، عن المنذر بن ثعلبة ، عن العلباء بن أحمر قال : كان علي والفضل يغسلان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنودي علي : ارفع طرفك إلى السماء . وهذا منقطع
قلت : وقد روى بعض أهل السنن عن علي بن أبي طالب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " يا علي ، لا تبد فخذك ، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه . والله أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا محمد بن [ ص: 122 ] يعقوب ، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ، ثنا مسدد ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : قال علي : غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا ، وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم . وقد رواه أبو داود في " المراسيل " وابن ماجه من حديث معمر به . زاد البيهقي في روايته : قال سعيد بن المسيب وقد ولي دفنه ، عليه الصلاة والسلام ، أربعة علي ، والعباس ، والفضل ، وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لحدوا له لحدا ، ونصبوا عليه اللبن نصبا .
وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ، منهم ; عامر الشعبي ، ومحمد بن قيس ، وعبد الله بن الحارث ، وغيرهم بألفاظ مختلفة يطول بسطها هاهنا .
وقال البيهقي : وروى أبو عمرو كيسان ، عن يزيد بن بلال ، سمعت عليا يقول : أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله أحد غيري فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه . قال علي : فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر . قال علي : فما تناولت عضوا إلا كأنه يقلبه معي ثلاثون رجلا ، حتى فرغت من غسله .
وقد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " ، فقال : حدثنا [ ص: 123 ] محمد بن عبد الرحيم ، ثنا عبد الصمد بن النعمان ، ثنا كيسان أبو عمرو ، عن يزيد بن بلال قال : قال علي : أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله أحد غيري ; " فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه " . قال علي : فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر . قلت : هذا غريب جدا .
وقال البيهقي : أنبأنا محمد بن موسى بن الفضل ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا أسيد بن عاصم ، ثنا الحسين بن حفص ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن جريج ، سمعت محمد بن علي أبا جعفر قال : غسل النبي صلى الله عليه وسلم بالسدر ثلاثا ، وغسل وعليه قميص ، وغسل من بئر كان يقال له : الغرس . بقباء كانت لسعد بن خيثمة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب منها ، وولي غسله علي ، والفضل محتضنه ، والعباس يصب الماء ، فجعل الفضل يقول : أرحني قطعت وتيني ، إني لأجد شيئا يترطل علي .
وقال الواقدي : ثنا عاصم بن عبد الله الحكمي ، عن عمر بن عبد الحكم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة ، وماؤها أطيب المياه " وكان رسول الله يستعذب له منها ، وغسل من بئر غرس .
وقال سيف بن عمر ، عن محمد بن عون ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ ص: 124 ] قال : لما فرغ من القبر وصلى الناس الظهر ، أخذ العباس في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضرب عليه كلة من ثياب يمانية صفاق في جوف البيت ، فدخل الكلة ، ودعا عليا والفضل ، فكان إذا ذهب إلى الماء ليعاطيهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله ، ورجال من بني هاشم من وراء الكلة ومن أدخل من الأنصار حيث ناشدوا أبي وسألوه ، منهم أوس بن خولي ، رضي الله عنهم أجمعين .
ثم قال سيف ، عن الضحاك بن يربوع الحنفي ، عن ماهان الحنفي ، عن ابن عباس ، فذكر ضرب الكلة ، وأن العباس أدخل فيها عليا والفضل وأبا سفيان وأسامة ، ورجال من بني هاشم من وراء الكلة في البيت ، فذكر أنهم ألقي عليهم النعاس ، فسمعوا قائلا يقول : لا تغسلوا رسول الله ; فإنه كان طاهرا . فقال العباس : ألا بلى . وقال أهل البيت : صدق ، فلا تغسلوه . فقال العباس : لا ندع سنته لصوت لا ندري ما هو . وغشيهم النعاس ثانية فناداهم أن غسلوه وعليه ثيابه . فقال أهل البيت : ألا لا . وقال العباس : ألا نعم . فشرعوا في غسله وعليه قميص ومجول مفتوح ، فغسلوه بالماء القراح ، وطيبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله ، واعتصر قميصه ومجوله ، ثم أدرج في أكفانه ، وجمروه عودا وندا ، ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره ، وسجوه . وهذا السياق فيه غرابة جد==================================== فصل في كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقي من حديث الأشعث بن طليق ، والبزار من حديث ابن الأصبهاني ، كلاهما عن مرة ، عن ابن مسعود في وصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسله رجال أهل بيته ، وأنه قال : كفنوني في ثيابي هذه ، أو في يمنية أو بياض مصر وأنه إذا كفنوه يضعونه على شفير قبره ، ثم يخرجون عنه حتى تصلي عليه الملائكة ، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه ، ثم الناس بعدهم فرادى . الحديث بتمامه ، وفي صحته نظر كما قدمنا . والله أعلم .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال ، فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا ، ثم أدخل النساء فصلين عليه ، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه ، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا ، لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد .
وقال الواقدي : حدثني أبي بن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، عن [ ص: 133 ] جده قال : لما أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكفانه وضع على سريره ، ثم وضع على شفير حفرته ، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم أحد .
قال الواقدي : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال : وجدت كتابا بخط أبي فيه أنه لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره ، دخل أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت فقالا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ، ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد ، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه ، ونصح لأمته ، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله تعالى دينه وتمت كلمته ، وأومن به وحده لا شريك له ، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه ، واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به ، فإنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما ، لا نبتغي بالإيمان بدلا ولا نشتري به ثمنا أبدا . فيقول الناس : آمين آمين . ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال ، ثم النساء ، ثم الصبيان .
وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء . وقيل : إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه . كما سيأتي بيان ذلك قريبا . والله أعلم .
[ ص: 134 ] وهذا الصنيع ، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه ، أمر مجمع عليه لا خلاف فيه ، وقد اختلف في تعليله ; فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك ، ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه ، وليس لأحد أن يقول : إنهم إنما صلوا عليه كذلك ; لأنه لم يكن لهم إمام . لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه ، عليه الصلاة والسلام ، بعد تمام بيعة أبي بكر ، رضي الله عنه وأرضاه ، وقد قال بعض العلماء : إنما لم يؤمهم أحد ; ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه ، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة ، من كل فرد فرد من آحاد الصحابة ، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم حتى العبيد والإماء .
وأما السهيلي فقال ما حاصله : إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه ، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يصلي عليه ; فوجب على كل أحد أن يباشر الصلاة عليه منه إليه ، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل . قال : وأيضا فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة . فالله أعلم .
وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة ; فقيل : نعم ; لأن جسده ، عليه الصلاة والسلام طري في قبره ، لأن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، كما ورد [ ص: 135 ] بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم . وقال آخرون : لا يفعل ; لأن السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه ، ولو كان مشروعا لبادروا إليه ولثابروا عليه . والله أعلم==============================ذكر من كان آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام
قال الإمام أحمد : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق حدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن مولاه عبد الله بن الحارث قال : اعتمرت مع علي في زمان عمر أو زمان عثمان ، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب ، فلما فرغ من عمرته رجع ، فسكب له غسل فاغتسل ، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا : يا [ ص: 147 ] أبا حسن ، جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه . قال : أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : أجل ، عن ذلك جئنا نسألك . قال : أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس . تفرد به أحمد من هذا الوجه . وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء ; إلا أنه قال قبله : عن ابن إسحاق قال : كان المغيرة بن شعبة يقول : أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقلت حين خرج القوم : إن خاتمي قد سقط في القبر ، وإنما طرحته عمدا ; لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به .
قال ابن إسحاق فحدثني والدي إسحاق بن يسار ، عن مقسم ، عن مولاه عن عبد الله بن الحارث قال : اعتمرت مع علي . فذكر ما تقدم ، وهذا الذي ذكر عن المغيرة بن شعبة ، لا يقتضي أنه حصل له ما أمله ، فإنه قد يكون علي رضي الله عنه ، لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله إياه ، وعلى ما تقدم يكون الذي أمره بمناولته له قثم بن عباس .
وقد قال الواقدي : حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال علي : إنما ألقيته لتقول : نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم . فنزل فأعطاه ، [ ص: 148 ] أو أمر رجلا فأعطاه .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا بهز وأبو كامل قالا : ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي عمران الجوني ، عن أبي عسيب أو أبي عسيم ، قال بهز : إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . قالوا : كيف نصلي عليه ؟ قال : ادخلوا أرسالا أرسالا . فكانوا يدخلون من هذا الباب ، فيصلون عليه ، ثم يخرجون من الباب الآخر . قال : فلما وضع في لحده صلى الله عليه وسلم قال المغيرة : قد بقي من رجليه شيء لم يصلحوه . قالوا : فادخل فأصلحه . فدخل وأدخل يده فمس قدميه ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : أهيلوا علي التراب . فأهالوا عليه حتى بلغ أنصاف ساقيه ، ثم خرج ، فكان يقول : أنا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم . ======================================فصل في صفة قبره عليه الصلاة والسلام
قد علم بالتواتر أنه ، عليه الصلاة والسلام ، دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة ، ثم دفن بعده فيها أبو بكر ، ثم عمر ، رضي الله عنهما .
وقد قال البخاري : ثنا محمد بن مقاتل ثنا عبد الله ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن سفيان التمار ، أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما . تفرد به البخاري .
[ ص: 154 ] وقال أبو داود : ثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ ، عن القاسم قال : دخلت على عائشة ، وقلت لها يا أمه ، اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة ، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء .
النبي صلى الله عليه وسلم
أبو بكر رضي الله عنه
عمر رضي الله عنه
تفرد به أبو داود .
وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي فديك ، عن عمرو بن عثمان ، عن القاسم قال : فرأيت النبي ، عليه الصلاة والسلام ، مقدما وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة ; لأن الحصباء لا تثبت إلا على المسطح . وهذا عجيب من البيهقي ، رحمه الله ; فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية ، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما ، وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه .
[ ص: 155 ] وقد روى الواقدي ، عن الدراوردي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا .
وقال البخاري : ثنا فروة بن أبي المغراء ، ثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنه قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فما وجد واحد يعلم ذلك ، حتى قال لهم عروة : لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا قدم عمر .
وعن هشام عن أبيه ، عن عائشة ، أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم ، وادفني مع صواحبي بالبقيع ، لا أزكى به أبدا .
قلت : كان الوليد بن عبد الملك حين ولي الإمارة في سنة ست وثمانين ، قد شرع في بناء جامع دمشق ، وكتب إلى نائبه بالمدينة ، ابن عمه عمر بن عبد العزيز ، أن يوسع في مسجد المدينة فوسعه حتى من ناحية الشرق ، فدخلت الحجرة النبوية فيه .
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده ، عن زاذان مولى الفرافصة ، وهو الذي بنى المسجد النبوي أيام ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة فذكر عن [ ص: 156 ] سالم بن عبد الله نحو ما ذكره البخاري ، وحكى صفة القبور ، كما رواه أبو داود ======================================ذكر ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام
قال ابن ماجه : حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين ، ثنا أبو همام ، وهو محمد بن الزبرقان الأهوازي ، ثنا موسى بن عبيدة ، ثنا مصعب بن محمد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس ، أو كشف سترا ، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر ، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم ; رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم ، فقال : " يا أيها [ ص: 165 ] الناس ، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة ، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري ، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي " تفرد به ابن ماجه .
وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه ، ثنا شافع بن محمد ، ثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي ، ثنا المزني ، ثنا الشافعي ، عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين ، فقال ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : بلى . فحدثنا عن أبي القاسم ، قال : لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل ، فقال : يا محمد إن الله أرسلني إليك ; تكريما لك وتشريفا لك ، وخاصة لك أسألك عما هو أعلم به منك ، يقول : كيف تجدك ؟ قال : " أجدني يا جبريل مغموما ، وأجدني يا جبريل مكروبا " ثم جاءه اليوم الثاني ، فقال له ذلك ، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رد أول يوم ، ثم جاءه اليوم الثالث ، فقال له كما قال أول يوم ، ورد عليه كما رد ، وجاء معه ملك يقال له : إسماعيل على مائة ألف ملك ، كل ملك على مائة ألف ملك ، فاستأذن عليه ، فسأل عنه ، ثم قال جبريل : هذا ملك الموت يستأذن عليك ، ما استأذن على آدمي قبلك ، ولا يستأذن على آدمي بعدك . فقال عليه الصلاة والسلام : " ائذن له " فأذن له ، فدخل فسلم عليه ، ثم قال : يا محمد ، إن الله أرسلني إليك ، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضته ، وإن أمرتني أن أتركه تركته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أوتفعل يا ملك الموت ؟ " قال : نعم ، وبذلك أمرت ، وأمرت أن أطيعك . قال : [ ص: 166 ] فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ، فقال له جبريل : يا محمد ، إن الله قد اشتاق إلى لقائك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الموت : " امض لما أمرت به " فقبض روحه ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك ، ودركا من كل فائت ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإنما المصاب من حرم الثواب . فقال علي رضي الله عنه : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر ، عليه الصلاة والسلام . وهذا الحديث مرسل ، وفي إسناده ضعف بحال القاسم العمري هذا ، فإنه قد ضعفه غير واحد من الأئمة ، وتركه بالكلية آخرون . وقد رواه الربيع ، عن الشافعي ، عن القاسم ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن جده ، فذكر منه قصة التعزية فقط ، موصولا ، وفي الإسناد العمري المذكور ، قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به .
على أنه قد رواه الحافظ البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي جعفر البغدادي ، حدثنا عبد الله بن الحارث أو عبد الرحمن بن المرتعد الصنعاني ، ثنا أبو الوليد المخزومي ، ثنا أنس بن عياض ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عزتهم الملائكة ، يسمعون الحس ولا يرون الشخص ، فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، إن في الله [ ص: 167 ] عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل فائت ، ودركا من كل هالك ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإنما المحروم من حرم الثواب ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ثم قال البيهقي : هذان الإسنادان وإن كانا ضعيفين ، فأحدهما يتأكد بالآخر ، ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر . والله أعلم .
وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن بالويه ، ثنا محمد بن بشر بن مطر ، ثنا كامل بن طلحة : ثنا عباد بن عبد الصمد ، عن أنس بن مالك قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا ، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح ، فتخطى رقابهم فبكى ، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وعوضا من كل فائت ، وخلفا من كل هالك ، فإلى الله فأنيبوا ، وإليه فارغبوا ، ونظره إليكم في البلايا ، فانظروا ، فإن المصاب من لم يجبره . فانصرف ، فقال بعضهم لبعض : تعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلي : نعم ، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر . ثم قال البيهقي : عباد بن عبد الصمد ضعيف ، وهذا منكر بمرة .
وقد روى الحارث بن أبي أسامة ، عن محمد بن سعد أنبأنا هاشم بن القاسم ، ثنا صالح المري ، عن أبي حازم المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبضه الله عز وجل ، دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون ، ثم دخلت [ ص: 168 ] الأنصار على مثل ذلك ، ثم دخل أهل المدينة حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء ، فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن ، فسمعن هدة في البيت ففرقن فسكتن ، فإذا قائل يقول : إن في الله عزاء من كل هالك ، وعوضا من كل مصيبة ، وخلفا من كل فائت ، والمجبور من جبره الثواب ، والمصاب من لم يجبره الثواب==================================فصل
قال محمد بن إسحاق : ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين ، فكانت عائشة ، فيما بلغني ، تقول : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، ونجم النفاق ، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ; لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله عنه . قال ابن هشام وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم ، أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك ، حتى خافهم عتاب بن أسيد ، رضي الله عنه ، فتوارى ، فقام سهيل بن عمرو رضي الله عنه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رابنا ضربنا عنقه . فتراجع الناس وكفوا [ ص: 173 ] عما هموا به ، فظهر عتاب بن أسيد فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب - يعني حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الأسارى يوم بدر - " إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه " .
قلت : وسيأتي عما قريب إن شاء الله ذكر ما وقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الردة في أحياء كثيرة من العرب ، وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة ، والأسود العنسي باليمن ، وما كان من أمر الناس حتى فاءوا ورجعوا إلى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الذي استفزهم الشيطان به ، حتى نصرهم الله وثبتهم ، وردهم إلى دينه الحق على يدي الخليفة الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه ، كما سيأتي مبسوطا مبينا مشروحا ، إن شاء الله ==================بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ، ولا عبدا ولا أمة ، ولا شاة ولا بعيرا ، ولا شيئا يورث عنه ، بل أرضا جعلها كلها صدقة لله ، عز وجل ، فإن الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده - كما هي عند الله - من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين ، وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين .
قال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن الحارث قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ، ولا عبدا ولا أمة ، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها ، وسلاحه ، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة . انفرد به البخاري دون مسلم ، فرواه في أماكن من " صحيحه " من طرق متعددة ، عن أبي الأحوص ، وسفيان الثوري ، وزهير بن معاوية ، ورواه الترمذي من حديث إسرائيل ، والنسائي أيضا من حديث يونس بن أبي إسحاق ، كلهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبي ضرار - أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ، رضي الله عنهما - به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش - وابن نمير ، عن [ ص: 180 ] الأعمش - عن شقيق ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ، ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء . وهكذا رواه مسلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة ، عن سليمان بن مهران الأعمش عن شقيق بن سلمة أبي وائل ، عن مسروق بن الأجدع ، عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله ، المبرأة من فوق سبع سماوات رضي الله عنها وأرضاها .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن عاصم ، عن زر بن حبيش عن عائشة قالت : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ، ولا أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا .
وحدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر عن عائشة : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا قال سفيان : وأكبر علمي وأشك في العبد والأمة . وهكذا رواه الترمذي في " الشمائل " عن بندار ، عن عبد الرحمن بن مهدي به .
قال الإمام أحمد : وحدثنا وكيع ثنا مسعر عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر عن عائشة قالت : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا [ ص: 181 ] ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا . هكذا رواه الإمام أحمد من غير شك .
وقد رواه البيهقي عن أبي زكريا بن أبي إسحاق المزكي ، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن عبد الوهاب ، أنبأنا جعفر بن عون ، أنبأنا مسعر ، عن عاصم ، عن زر قال : قالت عائشة : تسألوني عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ، ولا عبدا ولا وليدة . قال مسعر : أراه قال : ولا شاة ولا بعيرا .
قال : وأنبأنا مسعر عن عدي بن ثابت عن علي بن الحسين قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة .
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد .
وفي لفظ للبخاري رواه عن قبيصة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين .
ورواه البيهقي من حديث يزيد بن هارون ، عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود ، عنها قالت : توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين [ ص: 182 ] صاعا من شعير . ثم قال : رواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان .
ثم قال البيهقي : أنبأنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنبأنا أبو بكر محمد بن محمويه العسكري ، ثنا جعفر بن محمد القلانسي ، ثنا آدم ، ثنا شيبان ، عن قتادة ، عن أنس قال : لقد دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة . قال أنس : ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " والذي نفس محمد بيده ، ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر " وإن له يومئذ تسع نسوة ، ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة ، وأخذ منه طعاما ، فما وجد ما يفتكها به حتى مات صلى الله عليه وسلم . وقد روى ابن ماجه بعضه من حديث شيبان بن عبد الرحمن النحوي ، عن قتادة به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، ثنا ثابت ، ثنا هلال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال : " والذي نفسي بيده ما يسرني أن أحدا لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله ، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين " قال : فمات فما ترك دينارا ولا [ ص: 183 ] درهما ولا عبدا ولا وليدة ، وترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير . وقد روى آخره ابن ماجه ، عن عبد الله بن معاوية الجمحي ، عن ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي به . ولأوله شاهد في " الصحيح " من حديث أبي ذر رضي الله عنه .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان ، قالوا : حدثنا ثابت ، هو ابن يزيد ، ثنا هلال ، هو ابن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه ، فقال : يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا . فقال : " ما لي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها " تفرد به أحمد ، وإسناده جيد ، وله شاهد من حديث ابن عباس ، عن عمر ، في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة الإيلاء . وسيأتي الحديث مع غيره مما شاكله في بيان زهده ، عليه الصلاة والسلام ، وتركه الدنيا ، وإعراضه عنها ، واطراحه لها ، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه ، عليه الصلاة والسلام لم تكن الدنيا عنده ببال .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، ثنا عبد العزيز بن رفيع قال : دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس ، فقال ابن عباس : ما ترك رسول الله [ ص: 184 ] صلى الله عليه وسلم إلا ما بين هذين اللوحين . قال : ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك . وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة به .
وقال البخاري : حدثنا أبو نعيم ثنا مالك بن مغول عن طلحة قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لا . فقلت : كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بها ؟ قال أوصى بكتاب الله عز وجل . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم ، وأهل السنن إلا أبا داود من طرق ، عن مالك بن مغول به . وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول .
تنبيه : قد وردت أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها ، صلوات الله وسلامه عليه ، في حياته ; من دور ومساكن نسائه وإماء وعبيد وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب وأثاث وخاتم ، وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله ، فلعله عليه الصلاة والسلام تصدق بكثير منها في حياته منجزا ، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده وأرصد ما أرصده من أمتعته مع ما خصه الله به من الأرضين من بني النضير وخيبر وفدك ، في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا ; لما سنذكره قريبا ، وبالله المستعان =================== بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك
قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان ، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى دخلت عليه ، فسألته ، فقال : انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفا ، فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد ؟ قال : نعم . فأذن لهم ، ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم . قال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا . قال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعملون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط : قد قال ذلك . فأقبل على علي وعباس ، فقال هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك . قال عمر بن الخطاب : فإني أحدثكم عن هذا الأمر ; إن الله كان قد خص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ; قال : وما أفاء الله على رسوله إلى قوله قدير [ الحشر : 6 ] فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما [ ص: 192 ] احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكموها وبثها فيكم ، حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم . ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم . فتوفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقبضها ، فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفى الله أبا بكر ، فقلت : أنا ولي ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضتها سنتين ، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا ليسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما بذلك ، فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ؟ ! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها . وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من " صحيحه " ، ومسلم وأهل السنن من طرق ، عن الزهري به .
وفي رواية في " الصحيحين " : فقال عمر : فوليها أبو بكر ، فعمل فيها بما [ ص: 193 ] عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق ، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، والله يعلم أني صادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعملت فيها أنا ، أنشدكم بالله أدفعتها إليهما بذلك ؟ قالوا : نعم . ثم قال لهما : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم . قال : أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك ؟ ! لا والذي بإذنه تقوم السماء والأرض .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس قال : سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد : نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض بأمره ، أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " قالوا : نعم . على شرط " الصحيحين " .
قلت : وكان الذي سألاه بعد تفويض النظر إليهما ، والله أعلم ، هو أن يقسم بينهما النظر ، فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالإرث لو قدر أنه كان وارثا ، وكأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم ; عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد ، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب إشاعة النظر بينهما ، فقالت الصحابة الذين قدماهم بين أيديهما : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر . فكأن عمر رضي الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ، ولو في الصورة الظاهرة ; محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ، ما تركنا صدقة " فامتنع عليهم كلهم وأبى من [ ص: 194 ] ذلك أشد الإباء رضي الله عنه وأرضاه ، ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ، ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان ، فغلبه عليها علي ، وتركها له العباس بإشارة ابنه عبد الله رضي الله عنهما ، بين يدي عثمان ، كما رواه أحمد في " مسنده " . فاستمرت في أيدي العلويين . وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فإنى ، ولله الحمد ، جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورآه من الفقه النافع الصحيح ، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم . وقد روينا أن فاطمة ، رضي الله عنها ، احتجت أولا بالقياس ، وبالعموم في الآية الكريمة ، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي صلي الله عليه وسلم ، وأنها سلمت له ما قال . وهذا هو المظنون بها ، رضي الله عنها .
فقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، أن فاطمة قالت لأبي بكر : من يرثك إذا مت ؟ قال : ولدي وأهلي . قالت : فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن النبي لا يورث " ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول ، وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق . وقد رواه الترمذي في " جامعه " ، عن محمد بن المثنى ، عن أبي الوليد الطيالسي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فذكره فوصل [ ص: 195 ] الحديث . وقال الترمذي : حسن غريب .
فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أأنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله ؟ فقال : لا ، بل أهله . قالت ، فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده " فرأيت أن أرده على المسلمين . قالت : فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا رواه أبو داود ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل به . ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة ، ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة ، ومنهم من فيه تشيع ، فليعلم ذلك . وأحسن ما فيه قولها : أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا هو المظنون بها ، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها ، رضي الله عنها ، وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك ; لما قدمناه ، فتعتبت عليه بسبب ذلك وهي امرأة من بني آدم ، تأسف كما يأسفون ، وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومخالفة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه وأرضاه ، وقد روينا عن أبي بكر ، رضي الله عنه أنه ترضى فاطمة وتلاينها [ ص: 196 ] قبل موتها ، فرضيت ، رضي الله عنها .
قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، ثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور ، أنبأنا أبو حمزة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي قال : لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها ، فقال علي : يا فاطمة ، هذا أبو بكر يستأذن عليك . فقالت : أتحب أن آذن له ؟ قال : نعم . فأذنت له ، فدخل عليها يترضاها فقال : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ، ومرضاة رسوله ، ومرضاتكم أهل البيت . ثم ترضاها حتى رضيت . وهذا إسناد جيد قوي . والظاهر أن عامرا الشعبي سمعه من علي ، أو ممن سمعه من علي .
وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك ; قال الحافظ البيهقي : أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو عبد الله الصفار ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا نصر بن علي ، ثنا ابن داود ، عن فضيل بن مرزوق قال : قال زيد بن علي بن الحسين بن علي : أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر ، رضي الله عنه ، لحكمت بما حكم به أبو بكر ، رضي الله عنه ، في فدك=======ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن ، فقالت عائشة : أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ، ما تركنا صدقة ؟ " وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن القعنبي ، والنسائي عن قتيبة ، [ ص: 186 ] كلهم عن مالك به . فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا ، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على ما روت ، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك ، فإن عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن . والله أعلم .
وقال البخاري : حدثنا إسماعيل بن أبان ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " .
وقال البخاري : باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا هشام ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر ، رضي الله عنه ، يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر . فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال " قال أبو بكر : والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت . وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر .
[ ص: 187 ] ثم رواه أحمد ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " فغضبت فاطمة ، وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت . قال : وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر . وذكر تمام الحديث . هكذا قال الإمام أحمد=====================فصل
وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل ، وتكلفوا ما لا علم لهم به ، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم ، وحاول بعضهم أن يرد خبر أبي بكر ، رضي الله عنه ، فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى : وورث سليمان داود الآية . [ النمل : 16 ] . وحيث قال تعالى إخبارا ، عن زكريا أنه قال : فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا [ مريم : 6 ، 5 ] واستدلالهم بهذا باطل من وجوه ; أحدها أن قوله : وورث سليمان داود إنما يعني بذلك في الملك والنبوة ; أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا ، والحكم بين بني إسرائيل ، وجعلناه نبيا كريما كأبيه ، فكما جمع لأبيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده ، وليس المراد بهذا وراثة المال ; لأن داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال : مائة ولد . فلم اقتصر على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال ؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك ، ولهذا قال : وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وما بعدها من الآيات . وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا " التفسير " بما فيه [ ص: 198 ] كفاية ، ولله الحمد والمنة كثيرا .
وأما قصة زكريا فإنه ، عليه السلام ، من الأنبياء الكرام ، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله ، كيف وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده ؟ ! كما رواه البخاري ، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل ولدا يرث عنه ماله - إن لو كان له مال - وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بني إسرائيل ، وحملهم على السداد ، ولهذا قال تعالى : كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا [ مريم : 1 - 6 ] القصة بتمامها . فقال : وليا يرثني ويرث من آل يعقوب يعني النبوة كما قررنا ذلك في " التفسير " ولله الحمد والمنة . وقد تقدم في رواية أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " النبي لا يورث " وهذا اسم جنس يعم كل الأنبياء . وقد حسنه الترمذي . وفي الحديث الآخر : " نحن معشر الأنبياء لا نورث " .
الوجه الثاني ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد خص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها ، كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة ، إن شاء الله ، فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون - وليس الأمر كذلك - لكان ما رواه من ذكرناه من [ ص: 199 ] الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة ; أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه .
الوجه الثالث ، أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه ، كما حكم به الخلفاء ، واعترف بصحته العلماء ، سواء كان من خصائصه أم لا ، فإنه قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله ، عليه الصلاة والسلام " ما تركنا صدقة " أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه ، على ما تقدم ، وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون إنشاء وصية ، كأنه يقول : لا نورث ; لأن جميع ما تركناه صدقة . ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة ، والاحتمال الأول أظهر ، وهو الذي سلكه الجمهور . وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يقتسم ورثتي دينارا ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " وهذا اللفظ مخرج في " الصحيحين " ، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث " ما تركنا صدقة " . بالنصب ; جعل " ما " نافية فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله " لا نورث " ؟ ! وبهذه الرواية : " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " ؟ ! وما شأن هذا إلا كما حكي عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة : وكلم الله موسى تكليما بنصب الجلالة ، فقال له الشيخ : ويحك ! كيف تصنع بقوله تعالى : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه . [ الأعراف : 143 ]
[ ص: 200 ] والمقصود أنه يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى ، فإنه مخصص لعموم آية الميراث ، ومخرج له ، عليه الصلاة والسلام ، منها إما وحده أو مع غيره من إخوانه الأنبياء ، عليه وعليهم الصلاة والسلام ====================================== فصل فيمن خطبها عليه الصلاة والسلام ، ولم يعقد عليها
قال إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها ، فذكرت أن لها صبية صغارا فتركها ، وقال : " خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش ; أحناه على طفل في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده " .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم هانئ بنت أبي طالب ، فقالت : يا رسول الله ، إني قد كبرت ولي عيال .
وقال الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي صالح ، عن أم هانئ بنت أبي طالب ، قالت : خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني . ثم أنزل الله إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك [ الأحزاب : 50 ] الآية . [ ص: 223 ] قالت : فلم أكن أحل له ; لأني لم أهاجر ، كنت من الطلقاء . ثم قال : هذا حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث السدي . فهذا يقتضي أن من لم تكن من المهاجرات لا تحل له صلى الله عليه وسلم . وقد نقل هذا المذهب مطلقا القاضي الماوردي في " تفسيره " عن بعض العلماء . وقيل : المراد بقوله : اللاتي هاجرن معك أي ; من القرابات المذكورات . وقال قتادة : اللاتي هاجرن معك ; أي أسلمن معك . فعلى هذا لا يحرم عليه إلا نساء الكفار وتحل له جميع المسلمات ، فلا ينافي تزويجه من نساء الأنصار إن ثبت ذلك ، ولكن لم يدخل بواحدة منهن أصلا . وأما حكاية الماوردي ، عن الشعبي ، أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصارية ، فليس بجيد ; فإنها هلالية بلا خلاف ، كما تقدم بيانه . والله أعلم .
وروى محمد بن سعد ، عن هشام بن الكلبي ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مول ظهره إلى الشمس ، فضربت منكبه فقال : " من هذا ؟ أكله الأسود " وكان كثيرا ما يقولها فقالت : أنا بنت مطعم الطير ، ومباري الريح ، أنا ليلى بنت الخطيم ، [ ص: 224 ] جئتك لأعرض عليك نفسي ، تزوجني . قال : " قد فعلت " . فرجعت إلى قومها فقالت : قد تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم . فقالوا : بئس ما صنعت ، أنت امرأة غيرى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب نساء ، تغارين عليه ، فيدعو الله عليك ، فاستقيليه . فرجعت فقالت : أقلني يا رسول الله . فأقالها ، فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر فولدت له ، فبينما هي يوما تغتسل في بعض حيطان المدينة إذ وثب عليها ذئب أسود فأكل بعضها ، فماتت .
وبه عن ابن عباس أن ضباعة بنت عامر بن قرط ، كانت تحت عبد الله بن جدعان فطلقها ، فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة ، وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسمها ، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنها سلمة ، فقال : حتى أستأمرها . وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنها قد كبرت . فأتاها ابنها فاستأذنها فقالت : يا بني ، أفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذن ؟ فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن ، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عنها .
وبه عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري ، وكان أصابها سباء فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : [ ص: 225 ] إن شئت أنا ، وإن شئت زوجك فقالت : بل زوجي . فأرسلها ، فلعنتها بنو تميم .
وقال محمد بن سعد : أنبأنا الواقدي ، ثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي ، فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها ، فلم تتزوج حتى ماتت .
قال محمد بن سعد ، وأنبأنا وكيع ، عن شريك ، عن جابر ، عن الحكم ، عن علي بن الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية . قال الواقدي : الثبت عندنا أنها من دوس من الأزد . قال محمد بن سعد : واسمها غزية بنت جابر بن حكيم .
وقال الليث بن سعد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت امرأة صالحة .
[ ص: 226 ] وممن خطبها ولم يعقد عليها جمرة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني ، فقال أبوها : إن بها سوءا . ولم يكن بها ، فرجع إليها وقد تبرصت ، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر . هكذا ذكره سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة .
قال : وخطب أم حبيبة بنت العباس بن عبد المطلب فوجد أباها أخاه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب .
فهؤلاء نساؤه ، وهن ثلاثة أصناف ; صنف دخل بهن ومات عنهن ، وهن التسع المبدأ بذكرهن ، وهن حرام على الناس بعد موته عليه الصلاة والسلام بالإجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة ، وعدتهن بانقضاء أعمارهن . قال الله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما [ الأحزاب : 53 ] . وصنف دخل بهن صلى الله عليه وسلم ، وطلقهن في حياته ، فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه الصلاة والسلام ؟ فيه قولان للعلماء ; أحدهما ، لا ; لعموم الآية [ ص: 227 ] التي ذكرناها . والثاني ، نعم ; بدليل آية التخيير وهي قوله : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما قالوا : فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة ، إذ لو كان فراقه لها لا يبيحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها ، وهذا قوي . والله تعالى أعلم . وأما الصنف الثالث وهي من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها ، فهذه يحل لغيره أن يتزوجها . ولا أعلم في هذا القسم نزاعا . وأما من خطبها ولم يعقد عليها فأولى لها أن تتزوج ، وأولى . وسيجيء فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام . والله أعلم=================================== فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم الصلاة والسلام
لا خلاف أن جميع أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية ، قال محمد بن سعد : أنبأنا هشام بن الكلبي ، أخبرني أبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ، ثم زينب ، ثم عبد الله ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم رقية ، رضوان الله عليهم أجمعين ، فمات القاسم - وهو أول ميت من ولده - بمكة ، ثم مات عبد الله ، فقال العاص بن وائل السهمي : قد انقطع نسله فهو أبتر . فأنزل الله عز وجل : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر [ سورة الكوثر ] قال : ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة ، سنة ثمان [ ص: 238 ] من الهجرة ، فمات ابن ثمانية عشر شهرا .
وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري : ثنا عبد الباقي بن قانع ، ثنا محمد بن زكريا ، ثنا العباس بن بكار ، حدثني محمد بن زياد والفرات بن السائب ، عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد ، ثم أبطأ عليه الولد من بعده ، فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل : من هذا ؟ قال له : هذا الأبتر . وكانت قريش إذا ولد للرجل ولد ، ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا : هذا الأبتر . فأنزل الله ، تبارك تعالى : إن شانئك هو الأبتر أي ; مبغضك هو الأبتر من كل خير . قال : ثم ولدت له زينب ، ثم ولدت له رقية ، ثم ولدت له القاسم ، ثم ولدت الطاهر ، ثم ولدت المطهر ، ثم ولدت الطيب ، ثم ولدت المطيب ، ثم ولدت أم كلثوم ، ثم ولدت فاطمة ، وكانت أصغرهم ، وكانت خديجة إذا ولدت ولدا دفعته إلى من ترضعه ، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها أحد غيرها .
وقال الهيثم بن عدي حدثنا هشام بن عروة ، عن سعيد بن المسيب ، عن [ ص: 239 ] أبيه قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم ابنان ; طاهر والطيب . وكان يسمي أحدهما عبد شمس والآخر عبد العزى . وهذا فيه نكارة . والله أعلم .
وقال محمد بن عائذ : أخبرني الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهرا وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم .
وقال الزبير بن بكار أخبرني عمي مصعب بن عبد الله قال : ولدت خديجة القاسم والطاهر - وكان يقال له : الطيب . وولد الطاهر بعد النبوة ، ومات صغيرا ، واسمه عبد الله - وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم ، رضوان الله عليهم أجمعين .
قال الزبير ، وحدثني إبراهيم بن المنذر ، عن ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم .
وحدثني محمد بن فضالة عن بعض من أدرك من المشيخة قال : ولدت خديجة القاسم وعبد الله ، فأما القاسم ، فعاش حتى مشى ، وأما عبد الله ، فمات ، [ ص: 240 ] وهو صغير .
وقال الزبير : كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد ، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ، وهو أكبر ولده وبه كان يكنى ، ثم زينب ، ثم عبد الله ، وكان يقال له : الطيب . ويقال له الطاهر . ولد بعد النبوة ، ومات صغيرا ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم رقية . هم هكذا الأول فالأول ، ثم مات القاسم بمكة - وهو أول ميت من ولده - ثم مات عبد الله ثم ولدت له مارية بنت شمعون إبراهيم ، وهي القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية ، وأهدى معها أختها سيرين ، وخصيا يقال له مأبور . فوهب سيرين لحسان بن ثابت ، فولدت له ابنه عبد الرحمن ، وقد انقرض نسل حسان بن ثابت
وقال أبو بكر بن البرقي : يقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله . ويقال : إن الطيب والمطيب ولدا في بطن ، والطاهر والمطهر ولدا في بطن .
وقال المفضل بن غسان ، أنا أبي ، عن أحمد بن حنبل ، حدثنا عبد الرزاق : ، ثنا ابن جريج ، عن مجاهد قال : مكث القاسم بن النبي صلى الله عليه وسلم سبع [ ص: 241 ] ليال ، ثم مات . قال المفضل : وهذا خطأ ; والصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا .
وقال الحافظ أبو نعيم : قال مجاهد : مات القاسم وله سبعة أيام . وقال الزهري : وهو ابن سنتين .
وقال قتادة : عاش حتى مشى .
وقال هشام بن عروة : وضع أهل العراق ذكر الطيب والطاهر . فأما مشايخنا فقالوا : عبد العزى وعبد مناف والقاسم ، ومن النساء رقية وأم كلثوم وفاطمة . هكذا رواه ابن عساكر ، وهو منكر ، والذي أنكره هو المعروف . وسقط ذكر زينب ولا بد منها . والله أعلم .
فأما زينب فقال عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال لي غير واحد : كانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وتزوج زينب أبو العاص بن الربيع ، فولدت منه عليا وأمامة ، وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها . ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة [ ص: 242 ] وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم ، وكأنها كانت طفلة صغيرة . فالله أعلم . وقد تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، بعد موت فاطمة ، على ما سيأتي ، إن شاء الله ، وكانت وفاة زينب رضي الله عنها ، في سنة ثمان . قاله قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، وخليفة بن خياط ، وأبو بكر بن أبي خيثمة ، وغير واحد . وقال قتادة ، عن ابن حزم : في أول سنة ثمان .
وذكر حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أنها لما هاجرت دفعها رجل فوقعت على صخرة فأسقطت حملها ، ثم لم تزل وجعة حتى ماتت ، فكانوا يرونها ماتت شهيدة .
وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبي لهب ، كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب ، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما ; بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد [ سورة المسد ] فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه ، رقية ، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ، ويقال : إنه أول من هاجر إليها . ثم رجعا إلى مكة كما قدمنا ، وهاجرا إلى المدينة وولدت له ابنه عبد الله ، فبلغ ست سنين ، فنقره ديك ، في عينيه فمات ، [ ص: 243 ] وبه كان يكنى أولا ، ثم اكتنى بابنه عمرو ، وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب ، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضرب له بسهمه وأجره ، ولما رجع صلى الله عليه وسلم زوجه بأختها أم كلثوم أيضا ، ولهذا كان يقال له ذو النورين ، ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ، ولم تلد له شيئا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان " وفي رواية قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " " لو كن عشرا لزوجتهن عثمان " .
وأما فاطمة فتزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب في صفر سنة اثنتين ، فولدت له الحسن والحسين ، ويقال : ومحسنا . وولدت له أم كلثوم وزينب ، رضوان الله عليهم أجمعين ، وقد تزوج عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة رضي الله عنها ، وأكرمها إكراما زائدا ; أصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب ، ولما قتل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر ، فمات عنها ، فخلف عليها أخوه محمد ، فمات عنها ، فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر ، فماتت [ ص: 244 ] عنده ، وقد كان عبد الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي من فاطمة ، وماتت عنده أيضا ، وقد توفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر على أشهر الأقوال ، وهو الثابت عن عائشة في " الصحيح " ، وقاله الزهري أيضا وأبو جعفر الباقر . وعن الزهري : بثلاثة أشهر . وقال أبو الزبير بشهرين . وقال أبو بريدة : عاشت بعده سبعين من بين يوم وليلة . وقال عمرو بن دينار مكثت بعده ثمانية أشهر . وكذا قال عبد الله بن الحارث . وفي رواية ، عن عمرو بن دينار بثلاثة أشهر .
وأما إبراهيم فمن مارية القبطية كما قدمنا ، وكان ميلاده في ذي الحجة سنة ثمان .
وقد روي عن ابن لهيعة وغيره ، عن عبد الرحمن بن زياد قال : لما حبل بإبراهيم أتى جبريل ، عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا أبا إبراهيم ، إن الله قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية ، وأمرك أن تسميه إبراهيم ، فبارك الله لك فيه ، وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة .
[ ص: 245 ] وروى الحافظ أبو بكر البزار ، عن محمد بن مسكين ، عن عثمان بن صالح ، عن ابن لهيعة ، عن عقيل ويزيد بن أبي حبيب ، عن الزهري ، عن أنس رضي الله عنه قال : لما ولد للنبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم ، وقع في نفسه منه شيء ، فأتاه جبريل ، عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا أبا إبراهيم .
وقال أسباط ، عن السدي ، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن ، قال : سألت أنس بن مالك ; قلت : كم بلغ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من العمر ؟ قال : قد كان ملأ مهده ، ولو بقي لكان نبيا ، ولكن لم يكن ليبقى ; لأن نبيكم صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أنس بن مالك قال : لو عاش إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقا نبيا .
وقال أبو عبد الله بن منده : ثنا محمد بن سعد ومحمد بن إبراهيم ، ثنا محمد بن عثمان العبسي ، ثنا منجاب ، ثنا أبو عامر الأسدي ، ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أنس قال : توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ستة عشر شهرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ادفنوه في البقيع ، فإن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة " .
[ ص: 246 ] وقال أبو يعلى : ثنا أبو خيثمة ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن عمرو بن سعيد ، عن أنس قال : ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ; كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة فكان ينطلق ونحن معه ، فيدخل إلى البيت وإنه ليدخن ; وكان ظئره قينا ، فيأخذه فيقبله ، ثم يرجع . قال عمرو : فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم ابني ، وإنه مات في الثدي ، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة " .
وقد روى جرير وأبو عوانة ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى ، عن البراء قال : توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهرا ، فقال : " ادفنوه في البقيع ، فإن له مرضعا في الجنة " ورواه أحمد من حديث جابر ، عن عامر ، عن البراء . وهكذا رواه سفيان الثوري ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب بمثله . وكذا رواه الثوري أيضا ، عن أبي إسحاق ، عن البراء .
[ ص: 247 ] وأورد ابن عساكر من طريق عتاب بن محمد بن شوذب ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرضع بقية رضاعه في الجنة " .
وقال أبو يعلى الموصلي : ثنا زكريا بن يحيى الواسطي ، ثنا هشيم ، عن إسماعيل قال : سألت ابن أبي أوفى - أو سمعته يسأل - عن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : مات وهو صغير ، ولو قضي أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي لعاش .
وروى ابن عساكر من حديث أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ ، ثنا عبيد بن إبراهيم الجعفي ، ثنا الحسن بن أبي عبد الله الفراء ، ثنا مصعب بن سلام ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو عاش إبراهيم لكان نبيا " .
وروى ابن عساكر من حديث محمد بن إسماعيل بن سمرة ، عن محمد [ ص: 248 ] بن الحسن الأسدي ، عن أبي شيبة ، عن أنس قال : لما مات إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه " فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه صلى الله عليه وسلم .
قلت : أبو شيبة هذا لا يتعامل بروايته ، ثم روى من حديث مسلم بن خالد الزنجي ، عن ابن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : لما توفي إبراهيم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر وعمر : أنت أحق من علم لله حقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب ، ولولا أنه وعد صادق ، وموعود جامع ، وأن الآخر منا يتبع الأول ، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجدا أشد مما وجدنا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون " .
وقال الإمام أحمد : ثنا أسود بن عامر ، ثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن البراء قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ، ومات وهو ابن ستة عشر شهرا ، وقال : " إن له في الجنة من يتم رضاعه ، وهو [ ص: 249 ] صديق " وقد روي من حديث الحكم بن عتيبة ، عن الشعبي ، عن البراء .
وقال أبو يعلى : ثنا القواريري ، أنبأنا عبيد بن القاسم ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن ابن أبي أوفى قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه ، وصليت خلفه وكبر عليه أربعا .
وقد روى يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثمانية عشر شهرا ، فلم يصل عليه .
وروى ابن عساكر من حديث إسحاق بن محمد الفروي ، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي جده ، عن علي رضي الله عنه قال : لما توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى أمه مارية القبطية ، [ ص: 250 ] وهي في مشربة ، فحمله علي في سفط ، وجعله بين يديه على الفرس ، ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغسله وكفنه وخرج به ، وخرج الناس معه ، فدفنه في الزقاق الذي يلي دار محمد بن زيد ، فدخل علي في قبره حتى سوى عليه التراب ودفنه ، ثم خرج ورش على قبره ، وأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في قبره ، فقال : " أما والله إنه لنبي ابن نبي " وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يغضب الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون " .
وقال الواقدي : مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر ، وهو ابن ثمانية عشر شهرا ، في بني مازن بن النجار في دار أم بردة بنت المنذر ، ودفن بالبقيع .
قلت : وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم موته ، فقال الناس : كسفت لموت إبراهيم ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته : : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، عز وجل ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ========================================================================وأما إماؤه عليه الصلاة والسلام
فمنهن أمة الله بنت رزينة . الصحيح أن الصحبة لأمها رزينة كما سيأتي ، ولكن وقع في رواية ابن أبي عاصم حدثنا عقبة بن مكرم ، ثنا محمد بن موسى ، حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية قالت حدثتني أمي ، عن أمة الله خادم النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى صفية يوم قريظة والنضير ، فأعتقها وأمهرها رزينة أم أمة الله . وهذا حديث غريب جدا .
ومنهن أميمة . قال ابن الأثير : وهي مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روى حديثها أهل الشام . روى عنها جبير بن نفير أنها كانت توضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل يوما فقال له : أوصني . فقال : " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار ، ولا تدع صلاة متعمدا ، فمن تركها فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ، ولا تشربن مسكرا ; فإنه رأس كل خطيئة ، ولا تعصين والديك [ ص: 284 ] وإن أمراك أن تختلي من أهلك ودنياك " .
ومنهن بركة أم أيمن ، وأم أسامة بن زيد بن حارثة . وهي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان الحبشية ، غلب عليها كنيتها أم أيمن ، وهو ابنها من زوجها الأول عبيد بن زيد الحبشي ، ثم تزوجها بعده زيد بن حارثة ، فولدت له أسامة بن زيد ، وتعرف بأم الظباء ، وقد هاجرت الهجرتين رضي الله عنها ، وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب . وقد كانت ممن ورثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه ، قاله الواقدي . وقال غيره : بل ورثها من أمه . وقيل : بل كانت لأخت خديجة فوهبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآمنت قديما وهاجرت ، وتأخرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقدم ما ذكرناه من زيارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، إياها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنها بكت ، فقالا لها : أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : بلى ، ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء . فجعلا يبكيان معها .
وقال البخاري في " التاريخ " : وقال عبد الله بن يوسف ، عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري قال : كانت أم أيمن تحضن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كبر ، فأعتقها ، ثم زوجها زيد بن حارثة ، وتوفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر ، [ ص: 285 ] وقيل : إنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه . وقد رواه مسلم ، عن أبي الطاهر ، وحرملة ، كلاهما عن ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري قال : كانت أم أيمن الحبشية . فذكره .
وقال محمد بن سعد عن الواقدي : توفيت أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان ، رضي الله عنه .
قال الواقدي : وأنبأنا يحيى بن سعيد بن دينار ، عن شيخ من بني سعد بن بكر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأم أيمن " يا أمه " . وكان إذا نظر إليها قال : " هذه بقية أهل بيتي " .
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أم أيمن أمي بعد أمي " .
وقال الواقدي عن أصحابه المدنيين قالوا : نظرت أم أيمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشرب ، فقالت : اسقني . فقالت عائشة : يا أم أيمن ، أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقالت : ما خدمته أطول . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدقت " . فجاء بالماء فسقاها .
[ ص: 286 ] وقال المفضل بن غسان : حدثنا وهب بن جرير ثنا أبي قال : سمعت عثمان بن القاسم قال : لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء وهي صائمة ، فأصابها عطش شديد حتى جهدها . قال ، فدلي عليها دلو من السماء برشاء أبيض فيه ماء . قالت : فشربت فما أصابني عطش بعد ، وقد تعرضت للعطش بالصوم وفي الهواجر ، فما عطشت بعد .
وقال الحافظ أبو يعلى : ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، ثنا سلم بن قتيبة ، عن الحسين بن حريث ، عن يعلى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن أم أيمن قالت : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها ، فكان إذا أصبح يقول : " يا أم أيمن ، صبي ما في الفخارة " فقمت ليلة وأنا عطشى فغلطت فشربت ما فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أم أيمن ، صبي ما في الفخارة " فقالت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قمت وأنا عطشى ، فشربت ما فيها . فقال : " إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا " .
قال ابن الأثير في " الغابة " : وروى حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن حكيمة بنت أميمة ، عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت : كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ، يضعه تحت السرير ، فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته ، [ ص: 287 ] فطلبه فلم يجده ، فقيل : شربته بركة . فقال : " لقد احتظرت من النار بحظار " قال الحافظ أبو الحسن بن الأثير : وقيل إن التي شربت بوله عليه الصلاة والسلام ، إنما هي بركة الحبشية التي قدمت مع أم حبيبة من الحبشة . وفرق بينهما . فالله أعلم .
قلت : فأما بريرة فإنها كانت لآل أبي أحمد بن جحش ، فكاتبوها فاشترتها عائشة رضي الله عنها منهم فأعتقتها فثبت ولاؤها لها ، كما ورد الحديث بذلك في " الصحيحين " ، ولم يذكرها ابن عساكر .
ومنهن خضرة . ذكرها ابن منده فقال : روى معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم خادم يقال لها : خضرة .
وقال محمد بن سعد عن الواقدي ، ثنا فائد مولى عبيد الله ، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع ، عن جدته سلمى قالت : كان خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد ، أعتقهن رسول الله [ ص: 288 ] صلى الله عليه وسلم كلهن ، رضي الله عنهن .
ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما . قال ابن الأثير ، في " الغابة " : روت حديثها عليلة بنت الكميت ، عن جدتها ، عن خليسة مولاة حفصة ، في قصة حفصة وعائشة مع سودة بنت زمعة ، ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج ، فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه ، واستضحكتا ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما شأنكما ؟ " . فأخبرتاه بما كان من أمر سودة ، فذهب إليها ، فقالت : يا رسول الله ، أخرج الدجال ؟ فقال : " لا " . وكان قد خرج فخرجت ، وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت . وذكر ابن الأثير خليسة مولاة سلمان الفارسي ، وقال : لها ذكر في إسلام سلمان ، رضي الله عنهما ، وإعتاقها إياه ، وتعويضه عليه الصلاة والسلام لها بأن غرس لها ثلاثمائة فسيلة . ذكرتها تمييزا .
ومنهن خولة خادم النبي صلى الله عليه وسلم . كذا قال ابن الأثير ، وقد روى حديثها الحافظ أبو نعيم من طريق حفص بن سعيد القرشي ، عن أمه ، عن أمها خولة ، وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثا في تأخر الوحي بسبب جرو كلب مات تحت سريره عليه الصلاة والسلام ولم يشعروا به ، فلما أخرجه جاء الوحي ، فنزل قوله تعالى : والضحى والليل إذا سجى وهذا غريب ، [ ص: 289 ] والمشهور في سبب نزولها غير ذلك . والله أعلم .
ومنهن رزينة . قال ابن عساكر : والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيي . وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم .
قلت : وقد تقدم في ترجمة ابنتها أمة الله أنه عليه الصلاة والسلام أمهر صفية بنت حيي أمها رزينة ، فعلى هذا يكون أصلها له عليه الصلاة والسلام .
وقال الحافظ أبو يعلى : ثنا أبو سعيد الجشمي ، حدثتنا عليلة بنت الكميت قالت : سمعت أمي أمينة قالت : حدثتني أمة الله بنت رزينة ، عن أمها رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه ، فجاء بها يقودها سبية ، فلما رأت النساء قالت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . فأرسلها وكان ذراعها في يده ، فأعتقها ، ثم خطبها وتزوجها ، وأمهرها رزينة . هكذا وقع في هذا السياق ، وهو أجود مما سبق من رواية ابن أبي عاصم ، ولكن الحق أنه عليه الصلاة والسلام اصطفى صفية من غنائم خيبر وأنه أعتقها وجعل عتقها صداقها . وما وقع في هذه الرواية يوم قريظة والنضير تخبيط ; فإنهما يومان ، بينهما سنتان . والله أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا ابن عبدان أنبأنا [ ص: 290 ] أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا علي بن الحسن السكري ، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية ، عن أمها أمينة قالت : قلت لأمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أمة الله ، أسمعت أمك تذكر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر صوم عاشوراء ؟ قالت : نعم ، كان يعظمه ويدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة ، فيتفل في أفواههم ، ويقول لأمهاتهم : " لا ترضعيهم إلى الليل " له شاهد في الصحيح
ومنهن رضوى . قال ابن الأثير : روى سعيد بن بشير ، عن قتادة عن رضوى بنت كعب ، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحائض تختضب ، فقال : " ما بذلك بأس " رواه أبو موسى المديني .
ومنهن ريحانة بنت شمعون القرظية . وقيل : النضرية . وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن .
ومنهن زرينة . بتقديم الزاي . والصحيح رزينة كما تقدم .
ومنهن سائبة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . روت عنه حديثا في اللقطة ، وعنها طارق بن عبد الرحمن ، روى حديثها أبو موسى المديني . هكذا ذكر ابن الأثير في " الغابة " .
[ ص: 291 ] ومنهن سديسة الأنصارية . وقيل : مولاة حفصة بنت عمر ، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه قال ابن الأثير : رواه عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق ، عن أبيه ، عن إسرائيل ، عن الأوزاعي ، عن سالم عن سديسة ، ورواه إسحاق بن يسار ، عن الفضل ، فقال : عن سديسة ، عن حفصة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . فذكره . رواه أبو نعيم وابن منده .
ومنهن سلامة حاضنة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم . روت عنه حديثا في فضل الحمل والطلق والرضاع والسهر ، فيه غرابة ونكارة من جهة إسناده ومتنه ، رواه أبو نعيم ، وابن منده من حديث هشام بن عمار بن نصير خطيب دمشق عن أبيه عن عمرو بن سعيد الخولاني ، عن أنس عنها . ذكرها ابن الأثير .
ومنهن سلمى . وهي أم رافع امرأة أبي رافع ، كما رواه الواقدي عنها ، أنها قالت : كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد ، فأعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلنا .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، وأبو سعيد مولى بني هاشم ، ثنا عبد [ ص: 292 ] الرحمن بن أبي الموالي ، عن فائد مولى ابن أبي رافع ، عن علي بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن جدته سلمى خادم النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ما سمعت أحدا قط يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال : " احتجم " . ولا وجعا في رجليه إلا قال : " اخضبهما بالحناء " وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن أبي الموالي ، والترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب ، كلاهما عن فائد ، عن مولاه عبيد الله بن علي بن أبي رافع ، عن جدته سلمى به . وقال الترمذي : غريب إنما نعرفه من حديث فائد . وقد روت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها واستقصاؤها . قال مصعب الزبيري وقد شهدت سلمى وقعة خيبر .
قلت : وقد ورد أنها كانت تطبخ للنبي صلى الله عليه وسلم الحريرة فتعجبه . وقد تأخرت إلى بعد موته عليه الصلاة والسلام ، وشهدت وفاة فاطمة رضي الله عنها ، وقد كانت أولا لصفية بنت عبد المطلب عمته عليه الصلاة والسلام ، ثم [ ص: 293 ] صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت قابلة أولاد فاطمة ، وهي التي قبلت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شهدت غسل فاطمة رضي الله عنها ، وغسلتها مع زوجها علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس امرأة الصديق .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن سلمى قالت : اشتكت فاطمة عليها السلام ، شكواها الذي قبضت فيه ، فكنت أمرضها ، فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك . قالت : وخرج علي لبعض حاجته ، فقالت : يا أمه ، اسكبي لي غسلا . فسكبت لها غسلا ، فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل ، ثم قالت : يا أمه ، أعطني ثيابي الجدد . فأعطيتها فلبستها ، ثم قالت : يا أمه ، قدمي لي فراشي وسط البيت . ففعلت ، واضطجعت ، فاستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ، ثم قالت : يا أمه ، إني مقبوضة الآن ، وقد تطهرت فلا يكشفني أحد . فقبضت مكانها . قالت ، فجاء علي فأخبرته . وهو غريب جدا .
ومنهن سيرين - ويقال : شيرين - أخت مارية القبطية ، خالة إبراهيم عليه السلام . وقد قدمنا أن المقوقس صاحب إسكندرية ، واسمه [ ص: 294 ] جريج بن مينا ، أهداهما مع غلام اسمه مأبور ، وبغلة يقال لها : الدلدل . فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت ، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان .
ومنهن عنقودة أم صبيح الحبشية جارية عائشة . كان اسمها عنبة ، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقودة . رواه أبو نعيم . ويقال : اسمها غفيرة .
فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم - يعني مرضعه - قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أويت إلى فراشك فاقرئي " قل يا أيها الكافرون " فإنها براءة من الشرك " ذكرها أبو أحمد العسكري . قاله ابن الأثير في " الغابة " .
فأما فضة النوبية . فقد ذكر ابن الأثير في " الغابة " أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أورد بإسناد مظلم ، عن محبوب بن حميد البصري ، عن القاسم بن بهرام ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا [ الإنسان : 8 ] . ثم [ ص: 295 ] ذكر ما مضمونه ، أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعادهما عامة العرب ، فقالوا لعلي : لو نذرت ؟ فقال علي : إن برئا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام . وقالت : فاطمة كذلك ، وقالت فضة كذلك . فألبسهما الله العافية فصاموا . وذهب علي ، فاستقرض من شمعون الخيبري ثلاثة آصع من شعير ، فهيئوا منه تلك الليلة صاعا ، فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء ، وقف على الباب سائل فقال : أطعموا المسكين ، أطعمكم الله على موائد الجنة . فأمرهم علي فأعطوه ذلك الطعام وطووا ، فلما كانت الليلة الثانية صنعوا لهم الصاع الآخر ، فلما وضعوه بين أيديهم وقف سائل فقال : أطعموا اليتيم . فأعطوه ذلك وطووا . فلما كانت الليلة الثالثة قال : أطعموا الأسير . فأعطوه وطووا ثلاثة أيام وثلاث ليال . فأنزل الله في حقهم هل أتى على الإنسان [ الإنسان : 1 ] إلى قوله : لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [ الإنسان : 9 ] وهذا الحديث منكر ، ومن الأئمة من يجعله موضوعا ، ويسند ذلك إلى ركة ألفاظه ، وأن هذه السورة مكية ، والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة . والله أعلم .
ليلى مولاة عائشة . قالت : يا رسول الله ، إنك تخرج من الخلاء فأدخل في أثرك فلم أر شيئا ، إلا أني أجد ريح المسك . فقال : " إنا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة ، فما خرج منا من نتن ابتلعته الأرض " [ ص: 296 ] رواه أبو نعيم من حديث أبي عبد الله المدني - وهو أحد المجاهيل - عنها .
مارية القبطية أم إبراهيم ، عليه السلام . تقدم ذكرها مع أمهات المؤمنين . وقد فرق ابن الأثير بينها وبين مارية أم الرباب ، قال وهي جارية للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا . حديثها عند أهل البصرة رواه عبد الله بن حبيب ، عن أم سليمان ، عن أمها ، عن جدتها مارية قالت : تطأطأت للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين . ثم قال : ومارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم . روى أبو بكر بن عياش ، عن المثنى بن صالح ، عن جدته مارية - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : ما مسست بيدي شيئا قط ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " : لا أدري أهي التي قبلها أم لا ؟
ومنهن ميمونة بنت سعد . قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن بحر ، ثنا عيسى ، هو ابن يونس ، ثنا ثور ، هو ابن يزيد ، عن زياد بن أبي سودة ، عن أخيه ، أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، أفتنا في بيت المقدس . قال : " أرض المنشر والمحشر ، ائتوه فصلوا فيه ، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه " قالت : أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه ؟ قال : [ ص: 297 ] " فليهد إليه زيتا يسرج فيه ، فإنه من أهدى له كان كمن صلى فيه " وهكذا رواه ابن ماجه ، عن إسماعيل بن عبد الله الرقي ، عن عيسى بن يونس ، عن ثور ، عن زياد ، عن أخيه عثمان بن أبي سودة ، عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم . وقد رواه أبو داود ، عن النفيلي ، عن مسكين بن بكير ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن زياد ، عن ميمونة ، لم يذكر أخاه . فالله أعلم .
وقال أحمد : حدثنا حسين وأبو نعيم ، قالا : ثنا إسرائيل ، عن زيد بن جبير ، عن أبي يزيد الضبي ، عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنا ، قال : " لا خير فيه ، نعلان أجاهد بهما في سبيل الله ، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا " وهكذا رواه النسائي عن عباس الدوري ، وابن ماجه من حديث أبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين به . وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا المحاربي ، ثنا موسى بن عبيدة ، عن أيوب بن خالد ، عن ميمونة - وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرافلة في الزينة ، [ ص: 298 ] في غير أهلها كالظلمة يوم القيامة لا نور لها " ورواه الترمذي من حديث موسى بن عبيدة . وقال : لا نعرفه إلا من حديثه ، وهو يضعف في الحديث ، وقد رواه بعضهم عنه فلم يرفعه .
ومنهن ميمونة بنت أبي عنبسة أو بنت عنبسة . قاله أبو عمر وابن منده . قال أبو نعيم : وهو تصحيف ، والصواب ميمونة بنت أبي عسيب ، كذلك روى حديثها المنتجع بن مصعب أبو عبد الله العبدي ، عن ربيعة بنت يزيد ، وكانت تنزل في بني قريع ، عن منبه ، عن ميمونة بنت أبي عسيب - وقيل : بنت أبي عنبسة - مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ، أن امرأة من جرش أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا عائشة ، أغيثيني بدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تسكنيني بها ، وتطمنيني بها . وأنه قال لها : " ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه ، وقولي : بسم الله ، اللهم داوني بدوائك ، واشفني بشفائك ، وأغنني بفضلك عمن سواك " قالت ربيعة : فدعوت به فوجدته جيدا .
[ ص: 299 ] ومنهن أم ضميرة زوج أبي ضميرة . قد تقدم الكلام عليهم رضي الله عنهم .
ومنهن أم عياش ، رضي الله عنها . بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابنته تخدمها حين زوجها بعثمان بن عفان رضي الله عنهما . قال أبو القاسم البغوي حدثنا هدبة ، ثنا عبد الواحد بن صفوان ، حدثني أبي صفوان ، عن أبيه ، عن جدته أم عياش - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - بعث بها مع ابنته إلى عثمان رضي الله عنهم ، قالت : كنت أمغث لعثمان التمر غدوة فيشربه عشية ، وأنبذه عشية فيشربه غدوة ، فسألني ذات يوم ، فقال : " تخلطين فيه شيئا ؟ " فقلت : أجل . قال : " فلا تعودي " .
فهؤلاء إماؤه رضي الله عنهن .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا القاسم بن الفضل ، حدثني ثمامة بن حزن قال : سألت عائشة عن النبيذ ، فقالت : هذه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلها . لجارية حبشية ، فقالت : كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء عشاء فأوكيه ، فإذا أصبح شرب منه . ورواه مسلم والنسائي من حديث القاسم بن الفضل به . هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عائشة ، [ ص: 300 ] والأليق ذكره في مسند جارية حبشية كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي إما أن تكون واحدة ممن قدمنا ذكرهن ، أو زائدة عليهن . والله تعالى أعلم============================فصل أما كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم أجمعين
فمنهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، وسيأتي ترجمة كل واحد منهم في أيام خلافته ، إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي . أسلم بعد أخويه خالد وعمرو ، وكان إسلامه بعد الحديبية; لأنه هو الذي أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة يوم الحديبية وقيل : أسلم قبل ذلك زمن خيبر; لأن له ذكرا في " الصحيح " من حديث أبي هريرة في قسمة غنائم خيبر وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام ، فذكر له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الراهب : ما اسمه؟ قال : محمد . قال : فأنا أنعته لك . فوصفه بصفته سواء ، وقال : إذا رجعت إلى أهلك فأقرئه السلام . فأسلم بعد مرجعه ، وهو أخو [ ص: 322 ] عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان
قال أبو بكر بن أبي شيبة : كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب ، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت ، وكتب له عثمان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد . هكذا قال ، وكأنه يعني بالمدينة ، وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها ، وقد كتبها الصحابة بمكة رضي الله عنهم . وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا ، فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير والزبير بن بكار وأكثر أهل النسب : قتل يوم أجنادين . يعني في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة . وقال آخرون : قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة .
وقال محمد بن إسحاق : قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك لخمس مضين [ ص: 323 ] من رجب سنة خمس عشرة . وقيل أنه تأخر إلى أيام عثمان ، وأنه أمره عثمان رضي الله عنه ، أن يمل المصحف على زيد بن ثابت ، ثم توفي سنة تسع وعشرين . فالله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري أبو المنذر ، ويقال : أبو الطفيل . سيد القراء ، شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها . وكان ربعة نحيفا ، أبيض الرأس واللحية ، لا يغير شيبه . قال أنس : جمع القرآن أربعة - يعني من الأنصار - أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، ورجل من الأنصار يقال له : أبو زيد . أخرجاه
وفي " الصحيحين " عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال : وسماني لك يا رسول الله؟! قال : " نعم " . قال : فذرفت عيناه ومعنى " أن أقرأ عليك " ; قراءة إبلاغ وإسماع لا قراءة تعلم منه ، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم ، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه . وقد ذكرنا في موضع آخر سبب هذه القراءة عليه ، وأنه صلى الله عليه وسلم قرأ عليه سورة : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وذلك أن أبي بن [ ص: 324 ] كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبي ، فرفعه أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " اقرأ يا أبي " . فقرأ ، فقال : " هكذا أنزلت " . ثم قال لذلك الرجل : " اقرأ " . فقرأ فقال : " هكذا أنزلت " . قال أبي : فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية . قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري ففضت عرقا ، وكأنما أنظر إلى الله فرقا . فبعد ذلك تلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذه السورة كالتثبيت له والبيان له أن هذا القرآن حق وصدق ، وإنه أنزل على أحرف كثيرة; رحمة ولطفا بالعباد .
وقال ابن أبي خيثمة : هو أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني بالمدينة .
وقال محمد بن سعد : كان يكتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف في وفاته ، فقيل : في سنة تسع عشرة . وقيل : سنة عشرين . وقيل : ثلاث وعشرين . وقيل : قبل مقتل عثمان بجمعة . فالله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، أرقم بن أبي الأرقم ، واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي . أسلم قديما ، وهو الذي [ ص: 325 ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا في داره عند الصفا ، وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران ، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها ، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن أنيس ، وهو الذي كتب أقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفخ وغيره; وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري ، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمرو بن حزم . وقد توفي في سنة ثلاث - وقيل : خمس - وخمسين . وله خمس وثمانون سنة .
وقد روى الإمام أحمد له حديثين; الأول : قال أحمد والحسن بن عرفة ، واللفظ لأحمد : حدثنا عباد بن عباد المهلبي ، عن هشام بن زياد ، عن عمار بن سعد ، عن عثمان بن أرقم بن أبي الأرقم ، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار والثاني : قال أحمد : حدثنا عصام بن خالد ، ثنا العطاف بن خالد ، ثنا يحيى بن [ ص: 326 ] عمران ، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم ، عن جده الأرقم ، أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أين تريد؟ قال : أردت يا رسول الله هاهنا . وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس قال : ما يخرجك إليه؟ أتجارة؟ قال : لا ، ولكن أردت الصلاة فيه . قال : الصلاة هاهنا - وأومأ بيده إلى مكة - خير من ألف صلاة ، وأومأ بيده إلى الشام تفرد بهما أحمد .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن ، ويقال : أبو محمد . المدني خطيب الأنصار ، ويقال له : خطيب النبي صلى الله عليه وسلم . قال محمد بن سعد : أنبأنا علي بن محمد المدايني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : قدم عبد الله بن علس الثمالي ، ومسلية بن هران الحداني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا على قومهم ، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم; كتبه ثابت بن قيس بن شماس ، وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة ، رضي الله عنهم . وهذا الرجل ممن ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة .
وروى الترمذي في " جامعه " بإسناد على شرط مسلم ، عن أبي هريرة ، [ ص: 327 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم الرجل أبو بكر ، نعم الرجل عمر ، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح ، نعم الرجل أسيد بن حضير ، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس ، نعم الرجل معاذ بن جبل ، نعم الرجل عمرو بن الجموح .
وقد قتل رضي الله عنه ، شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة في أيام أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وله قصة سنوردها ، إن شاء الله تعالى ، إذا انتهينا إلى ذلك ، بحول الله وقوته وعونه ومعونته .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي الأسيدي الكاتب . وأخوه رباح صحابي أيضا ، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب .
قال : الواقدي : كتب للنبي صلى الله عليه وسلم كتابا . وقال غيره : بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف في الصلح . وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها ، وقد أدرك أيام علي ، وتخلف ، عن القتال معه في الجمل وغيره ، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان ، ومات بعد أيام علي ، وقد ذكر ابن الأثير في " الغابة " أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت :
تعجبت دعد لمحزونة تبكي على ذي شيبة شاحب [ ص: 328 ] إن تسأليني اليوم ما شفني
أخبرك قولا ليس بالكاذب إن سواد العين أودى به
حزن على حنظلة الكاتب
قال أحمد بن عبد الله بن البرقي : كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد علي ، جاء عنه حديثان . قلت : بل ثلاثة; قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، وعفان ، قالا : ثنا همام ، ثنا قتادة ، عن حنظلة الكاتب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حافظ على الصلوات الخمس; ركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله ، دخل الجنة أو قال : وجبت له الجنة تفرد به أحمد ، وهو منقطع بين قتادة وحنظلة . والله أعلم . والحديث الثاني رواه أحمد ومسلم والترمذي ، وابن ماجه من حديث سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن حنظلة : لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم ، وفي طرقكم ، وعلى فرشكم ، ولكن ساعة ، وساعةوقد رواه أحمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن حنظلة . والثالث رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري ، عن أبي [ ص: 329 ] الزناد ، عن المرقع بن صيفي بن حنظلة ، عن جده ، في النهي عن قتل النساء في الحرب . لكن رواه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرت ، عن أبي الزناد ، عن مرقع بن صيفي بن رباح بن ربيع ، عن جده رباح بن ربيع أخي حنظلة الكاتب . فذكره . وكذلك رواه أحمد أيضا عن حسين بن محمد وإبراهيم بن أبي العباس ، كلاهما عن ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي ، كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد ، عن مرقع ، عن جده رباح ، ومن طريق المغيرة رواه النسائي ، وابن ماجه كذلك . وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع ، عن أبيه ، عن جده رباح ، فذكره . فالحديث عن رباح لا عن حنظلة ، ولذا قال أبو بكر بن أبي شيبة : كان سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث .
قلت : وصح قول ابن البرقي أنه لم يرو سوى حديثين . والله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، أبو سعيد الأموي ، أسلم قديما . يقال بعد الصديق بثلاثة أو [ ص: 330 ] أربعة . وأكثر ما قيل خمسة . وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأنه واقف على شفير جهنم . فذكر من سعتها ما الله به عليم . قال : وكأن أباه يدفعه فيها ، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيده ليمنعه من الوقوع فيها . فقص هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فقال له : لقد أريد بك خير ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه تنج مما خفته . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه ، وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه ، وأخرجه من منزله ، ومنعه القوت ، ونهى بقية إخوته أن يكلموه ، فلزم خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا ، ثم أسلم أخوه عمرو ، فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم ، ثم كان هو الذي ولي العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا ، ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر ، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد افتتحها ، فأسهم لهما عن مشورة المسلمين ، وجاء أخوهما أبان بن سعيد ، فشهد فتح خيبر كما قدمنا ، ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوليهم الأعمال ، فلما كانت خلافة الصديق خرجوا إلى الشام للغزو ، فقتل خالد بأجنادين ، ويقال : بمرج الصفر . والله أعلم .
قال عتيق بن يعقوب : حدثني عبد الملك بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمرو بن حزم يعني أن خالد بن سعيد كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمي أعطاه غلوتين بسهم وغلوة بحجر برهاط ، فمن حاقه فلا [ ص: 331 ] حق له ، وحقه حق وكتب خالد بن سعيد .
وقال محمد بن سعد عن الواقدي : حدثني جعفر بن محمد بن خالد ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال : أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة ، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف ، وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو سليمان المخزومي . وهو أمير الجيوش المنصورة الإسلامية ، والعساكر المحمدية والمواقف المشهودة ، والأيام المحمودة ، ذو الرأي السديد ، والبأس الشديد ، والطريق الحميد ، أبو سليمان خالد بن الوليد ، رضي الله عنه . ويقال : إنه لم يكن في جيش فكسر ، لا في جاهلية ولا إسلام . قال الزبير بن بكار كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل . أسلم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة بعد الحديبية وقيل : خيبر . ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فيما يبعثه أميرا ، ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق ، رضي الله عنه ، فلما ولي عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، عزله وولى أبا عبيدة أمين الأمة ، على أن لا يخرج عن رأي أبي سليمان ، ثم مات خالد في أيام عمر ، وذلك في سنة إحدى وعشرين ، وقيل : اثنتين وعشرين . [ ص: 332 ] والأول أصح ، بقرية على ميل من حمص .
قال الواقدي : سألت عنها ، فقيل لي : دثرت . وقال دحيم : مات بالمدينة . والأول أصح . وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها .
قال عتيق بن يعقوب : حدثني عبد الملك بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمرو بن حزم ، أن هذه قطايع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى المؤمنين أن عضاه وج لا يعضد ، وصيده لا يقتل ، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وتنزع ثيابه ، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن هذا من محمد النبي وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد صلى الله عليه وسلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، أبو عبد الله الأسدي . أحد العشرة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو عنهم راض ، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، وزوج أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
[ ص: 333 ] روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم ، أن الزبير بن العوام ، رضي الله عنه ، هو الذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم . رواه ابن عساكر بإسناده ، عن عتيق به .
أسلم الزبير ، رضي الله عنه ، قديما وهو ابن ست عشرة سنة ، ويقال : ابن ثمان سنين . وهاجر الهجرتين ، وشهد المشاهد كلها ، وهو أول من سل سيفا في سبيل الله ، وقد جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أبويه ، وقال : إن لكل نبي حواريا ، وحواري الزبير وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها ، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين ، ويخرج من الجانب الآخر سالما ، لكن جرح في قفاه بضربتين ، رضي الله عنه ، وله فضائل ومناقب كثيرة ، وكانت وفاته يوم الجمل ; وذلك أنه كر راجعا عن القتال ، فلحقه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ، ورجل ثالث يقال له : نفيع . التميميون ، بمكان يقال له : وادي السباع . فبدر إليه عمرو بن جرموز ، وهو نائم فقتله ، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة ، وقد خلف رضي الله عنه ، بعده تركة عظيمة ، فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينا كانت عليه ، فلما قضي دينه وأخرج ثلث ماله قسم الباقي على ورثته ، فنال كل امرأة من [ ص: 334 ] نسائه - وكن أربعا - ألف ألف ومائتي ألف ، فمجموع ما ذكرناه مما تركه ، رضي الله عنه ، تسعة وخمسون ألف ألف وثمان مائة ألف ، وهذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفيء والمغانم ، ووجوه متاجر الحلال ، وذلك كله بعد إخراج الزكوات في أوقاتها ، والصلات البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها ، رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنات الفردوس مثواه ، وقد فعل ; فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ، ورسول رب العالمين بالجنة ، ولله الحمد والمنة . وذكر ابن الأثير في " الغابة " أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج ، وأنه كان يتصدق بذلك كله ، وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك :
أقام على عهد النبي وهديه حواريه والقول بالفعل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي يصول إذا ما كان يوم محجل
وإن امرأ كانت صفية أمه ومن أسد في بيته لمرفل
له من رسول الله قربى قريبة ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه عن المصطفى والله يعطي ويجزل
[ ص: 335 ] إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها بأبيض سباق إلى الموت يرقل
فما مثله فيهم ولا كان قبله وليس يكون الدهر ما دام يذبل
وقد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع وهو نائم ، ويقال : بل قام من آثار النوم وهو دهش ، فركب وبارزه ابن جرموز ، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة ونفيع ، فقتلوه ، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه ، فلما دخل بهما على علي قال علي رضي الله عنه ، لما رأى سيف الزبير : إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال علي فيما قال : بشر قاتل ابن صفية بالنار . فيقال : إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه . والصحيح أنه عمر بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير ، فاستناب أخاه مصعبا على العراق ، فاختفى عمرو بن جرموز خوفا من سطوته أن يقتله بأبيه ، فقال مصعب : أبلغوه أنه آمن ، أيحسب أني أقتله بأبي عبد الله ؟ كلا والله ليسا سواء . وهذا من حلم مصعب وعلمه ورياسته .
وقد روى الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها ، ولما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع ، كما تقدم ، قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه ، رضي الله عنها وعنه :
[ ص: 336 ]
غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه عنها طرادك يا ابن فقع القردد
ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله فيمن مضى ممن يروح ويغتدي
والله ربك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد
ومنهم ، رضي الله عنهم ، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري ، أبو سعيد . ويقال أبو خارجة . ويقال : أبو عبد الرحمن . المدني ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة ; فلهذا لم يشهد بدرا لصغره ، قيل : ولا أحدا . وأول مشاهده الخندق ، ثم شهد ما بعدها ، وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا ، ثبت عنه في " صحيح البخاري " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتبوا إليه ، فتعلمه في خمسة عشر يوما .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، ثنا عبد الرحمن ، عن أبي [ ص: 337 ] الزناد ، عن خارجة بن زيد ، أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال زيد : ذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب بي ، فقالوا : يا رسول الله ، هذا غلام من بني النجار ، معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة . فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا زيد تعلم لي كتاب يهود ; فإني والله ما آمن يهود على كتابي . قال زيد : فتعلمت له كتابهم ، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته ، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه ، وأجيب عنه إذا كتب . ثم رواه أحمد عن سريج بن النعمان ، عن ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة ، عن أبيه ، فذكر نحوه . وقد علقه البخاري في الأحكام ، عن خارجة بن زيد بن ثابت بصيغة الجزم ، فقال : وقال : خارجة بن زيد فذكره . ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس ، والترمذي عن علي بن حجر ، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة ، عن أبيه به نحوه . وقال الترمذي : حسن صحيح . وهذا ذكاء مفرط جدا ، وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء ، كما ثبت في " الصحيحين " عن أنس . وروى أحمد والنسائي من حديث أبي قلابة ، عن أنس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدها في دين الله عمر ، [ ص: 238 ] وأصدقها حياء عثمان ، وأقضاهم علي بن أبي طالب ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت ، ولكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبي عبيدة ففي " صحيح البخاري " من هذا الوجه .
وقد كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن ، ومن أوضح ذلك ما ثبت في " الصحيح " عنه أنه قال : لما نزل قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله [ النساء : 95 ] الآية . دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اكتب : لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته ، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها ، فنزل : غير أولي الضرر فأمرني فألحقتها ، فقال زيد : فإني لأعرف موضع ملحقها عند صدع في ذلك اللوح . يعني من عظام . الحديث .
وقد شهد زيد اليمامة وأصابه سهم فلم يضره ، وهو الذي أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه ، وقال له : إنك شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه . ففعل ما أمره به الصديق ، فكان في ذلك خير كثير ، ولله الحمد والمنة . وقد استنابه عمر مرتين [ ص: 339 ] في حجتين على المدينة واستنابه لما خرج إلى الشام وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا ، وكان علي يحبه ، وكان يعظم عليا ويعرف له قدره ، ولم يشهد معه شيئا من حروبه ، وتأخر بعده حتى توفي سنة خمس وأربعين ، وقيل سنة إحدى - وقيل : خمس - وخمسين . وهو ممن كان يكتب المصاحف الأئمة التي نفذ بها عثمان بن عفان إلى سائر الآفاق ، اللائي وقع على التلاوة طبق رسمهن الإجماع والاتفاق ، كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الذي كتبناه مقدمة في أول كتابنا " التفسير " . ولله الحمد والمنة .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، السجل . كما ورد به الحديث المروي في ذلك ، عن ابن عباس - إن صح - وفيه نظر . قال أبو داود : حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا نوح بن قيس ، عن يزيد بن كعب ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه ، قال : السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم . وهكذا رواه النسائي عن قتيبة به . وعن ابن عباس أنه كان يقول في هذه الآية : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ) [ الأنبياء : 104 ] قال : السجل : الرجل . هذا لفظه . وكذا رواه أبو جعفر بن جرير في " تفسيره " عند قوله تعالى : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب . عن نصر بن علي ، عن [ ص: 340 ] نوح بن قيس ، وهو ثقة من رجال مسلم ، وقد ضعفه ابن معين في رواية عنه . وأما شيخه يزيد بن كعب العوذي البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس ، وقد ذكره مع ذلك ابن حبان في " الثقات " . وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدا ، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول : هو حديث موضوع ، وإن كان في " سنن أبي داود " . فقال شيخنا المزي : وأنا أقوله .
قلت : وقد رواه الحافظ ابن عدي في " كامله " من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة ، عن يحيى بن عمرو بن مالك النكري ، عن أبيه ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له : السجل . وهو قوله تعالى : " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب " قال : كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي السماء . وهكذا رواه البيهقي ، عن أبي نصر بن قتادة ، عن أبي علي الرفاء عن علي بن عبد العزيز ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن يحيى بن عمرو بن مالك به . ويحيى هذا ضعيف جدا فلا يصلح للمتابعة . والله أعلم .
[ ص: 341 ] وأغرب من ذلك أيضا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب وابن منده من حديث أحمد بن سعيد البغدادي المعروف بحمدان ، عن ابن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له : سجل . فأنزل الله " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب " . قال ابن منده : غريب ، تفرد به حمدان . وقال البرقاني : قال أبو الفتح الأزدي : تفرد به ابن نمير ، إن صح .
قلت : وهذا أيضا منكر عن ابن عمر كما هو منكر عن ابن عباس ، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف ذلك ، فقد روى الوالبي والعوفي عن ابن عباس ، أنه قال في هذه الآية : قال : كطي الصحيفة على الكتاب . وكذلك قال مجاهد . وقال ابن جرير هذا هو المعروف في اللغة أن السجل هو الصحيفة . قال : ولا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل . وأنكر أن يكون السجل اسم ملك من الملائكة كما رواه عن أبي كريب ، عن ابن يمان ، ثنا أبو الوفاء الأشجعي ، عن أبيه ، عن ابن عمر في قوله " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب " . قال : السجل ملك ، فإذا صعد بالاستغفار قال الله : [ ص: 342 ] اكتبها نورا ، وحدثنا بندار ، عن مؤمل ، عن سفيان : سمعت السدي يقول . فذكر مثله .
وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كريب ، عن ابن المبارك ، عن معروف بن خربوذ عمن سمع أبا جعفر يقول : السجل الملك . وهذا الذي أنكره ابن جرير من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدا ، والحديث في ذلك منكر جدا . ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن منده وأبي نعيم الأصبهاني وابن الأثير في " الغابة " ، إنما ذكره إحسانا للظن بهذا الحديث ، أو تعليقا على صحته . والله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، سعد بن أبي سرح . فيما قاله خليفة بن خياط وقد وهم إنما هو ابنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، كما سيأتي قريبا إن شاء الله .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر الصديق . قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر قال : قال الزهري : أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك - أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول ، فذكر خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم . وقال فيه : فقلت [ ص: 343 ] له : إن قومك جعلوا فيك الدية . وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم ، وعرضت عليهم الزاد والمتاع ، فلم يرزءوني منه شيئا ، ولم يسألوني إلا أن أخف عنا ، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به ، فأمر عامر بن فهيرة ، فكتب في رقعة من أديم ، ثم مضى .
قلت : وقد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة . وقد روي أن أبا بكر هو الذي كتب لسراقة هذا الكتاب . فالله أعلم .
وقد كان عامر بن فهيرة - ويكنى أبا عمرو - من مولدي الأزد ، أسود اللون ، وكان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخي عائشة لأمها أم رومان ، فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم - التي عند الصفا - مستخفيا ، فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه فيأبى ، فاشتراه أبو بكر الصديق فأعتقه ، فكان يرعى له غنما بظاهر مكة ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ، كان معهما رديفا لأبي بكر ، ومعهم الدليل الدئلي فقط ، كما تقدم مبسوطا ، ولما وردوا المدينة نزل عامر بن فهيرة على سعد بن خيثمة ، وآخى رسول الله بينه وبين أوس بن معاذ ، وشهد بدرا وأحدا ، وقتل يوم بئر معونة كما تقدم ، وذلك سنة أربع من الهجرة ، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة . فالله أعلم . وقد ذكر عروة وابن إسحاق والواقدي وغير واحد ، أن عامرا قتله يوم بئر معونة رجل يقال له : جبار بن سلمى من بني كلاب . فلما [ ص: 344 ] طعنه بالرمح قال : فزت ورب الكعبة . ورفع عامر حتى غاب عن الأبصار حتى قال عامر بن الطفيل لقد رفع حتى رأيت السماء دونه . وسأل عمرو بن أمية عنه فقال : كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم . قال جبار : فسألت الضحاك بن سفيان عما قال ، ما يعني به؟ فقال : يعني الجنة . ودعاني الضحاك إلى الإسلام فأسلمت ; لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة ، فكتب الضحاك إلى رسول الله يخبره بإسلامي وما كان من أمر عامر ، فقال : وارته الملائكة وأنزل عليين وفي " الصحيحين " عن أنس أنه قال : قرأنا فيهم قرآنا أن : ( بلغوا عنا قومنا ، أنا لقينا ربنا ، فرضي عنا وأرضانا ) . وقد تقدم ذلك بتمامه في موضعه عند غزوة بئر معونة .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول : من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه ؟ قالوا : عامر بن فهيرة .
وقال الواقدي : حدثني محمد بن عبد الله ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : رفع عامر بن فهيرة إلى السماء فلم توجد جثته ، يرون أن الملائكة وارته .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي . أسلم [ ص: 345 ] عام الفتح ، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم . قال الإمام مالك : وكان ينفذ ما يفعله ويشكره ويستجيده . وقال سلمة ، عن محمد بن إسحاق بن يسار ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث ، وكان يجيب عنه الملوك ، وبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ، ويختم على ما يقرؤه ; لأمانته عنده ، وكتب لأبي بكر ، وجعل إليه بيت المال ، وأقره عليهما عمر بن الخطاب ، فلما كان عثمان عزله عنهما . قلت : وذلك بعد ما استعفاه عبد الله بن أرقم ، ويقال : إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها وقال : إنما عملت لله فأجري على الله عز وجل .
قال ابن إسحاق وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت ، فإذا لم يحضر ابن الأرقم وزيد بن ثابت كتب من حضر من الناس ، وقد كتب عمر وعلي وزيد والمغيرة بن شعبة ، ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص ، وغيرهم ممن سمي من العرب . وقال الأعمش قلت لشقيق بن سلمة : من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : عبد الله بن الأرقم ، وقد جاءنا كتاب عمر بالقادسية وفي أسفله : وكتب عبد الله بن الأرقم .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ ، [ ص: 346 ] حدثنا الفضل بن محمد البيهقي ، ثنا عبد الله بن صالح ، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عبد الواحد بن أبي عون ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عمر قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم كتاب رجل ، فقال لعبد الله بن الأرقم : أجب عني فكتب جوابه ، ثم قرأه عليه ، فقال : أصبت وأحسنت ، اللهم وفقه قال : فلما ولي عمر كان يشاوره . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : ما رأيت أخشى لله منه . يعني في العمال . أضر رضي الله عنه قبل وفاته .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي . صاحب الأذان ، أسلم قديما ، فشهد عقبة السبعين ، وحضر بدرا وما بعدها ، ومن أكبر مناقبه رؤيته الأذان والإقامة في النوم ، وعرضه ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقريره عليه ، وقوله له : إنها لرؤيا حق فألقه على بلال ; فإنه أندى صوتا منك وقد قدمنا الحديث بذلك في موضعه . وقد روى الواقدي بأسانيده ، عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش ، فيه الأمر لهم بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإعطاء خمس المغنم . وقد توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين ، عن أربع وستين سنة ، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي [ ص: 347 ] العامري . أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ; أرضعت أمه عثمان ، وكتب الوحي ، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة ، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء - فجاء إلى عثمان بن عفان ، فاستأمن له ، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قدمنا في غزوة الفتح ، ثم حسن إسلام عبد الله بن سعد جدا بعد ذلك .
قال أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد المروزي ، ثنا علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأزله الشيطان فلحق بالكفار ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل ، فاستجار له عثمان بن عفان ، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه النسائي من حديث علي بن الحسين بن واقد به .
قلت : وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح عمرو مصر سنة عشرين في الدولة العمرية ، فاستناب عمر بن الخطاب عمرا عليها ، فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عمرو بن العاص ، وولى عليها عبد الله بن سعد سنة خمس وعشرين ، وأمره بغزو بلاد إفريقية فغزاها ، ففتحها وحصل للجيش منها مال عظيم ، كان قسم الغنيمة لكل فارس من الجيش ثلاثة آلاف مثقال من ذهب ، وللراجل ألف مثقال ، وكان معه في جيشه هذا ثلاثة من العبادلة ; عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، ثم غزا عبد الله بن سعد بعد إفريقية الأساود من أرض النوبة فهادنهم فهي إلى اليوم ، [ ص: 348 ] وذلك سنة إحدى وثلاثين ، ثم غزا غزوة الصواري في البحر إلى الروم ، وهي غزوة عظيمة ، كما سيأتي بيانها في موضعها ، إن شاء الله تعالى ، فلما اختلف الناس على عثمان خرج من مصر ، واستناب عليها ليذهب إلى عثمان لينصره ، فلما قتل عثمان أقام بعسقلان ، وقيل : بالرملة ، ودعا الله أن يقبضه في الصلاة ، فصلى يوما الفجر ، وقرأ في الأولى منها " بفاتحة الكتاب " ، و " العاديات " ، وفي الثانية " بفاتحة الكتاب " ، وسورة ، ولما فرغ من التشهد سلم التسليمة الأولى ، ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما ، رضي الله عنه ، وذلك في سنة ست وثلاثين . وقيل : سنة سبع . وقيل إنه تأخر إلى سنة تسع وخمسين . والصحيح الأول . قلت : ولم يقع له رواية في الكتب الستة ولا في " المسند " للإمام أحمد .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق وقد تقدم الوعد بأن ترجمته ستأتي في أيام خلافته إن شاء الله عز وجل ، وبه الثقة ، وقد جمعت مجلدا في سيرته ، وما رواه من الأحاديث ، وما روي عنه من الآثار .
والدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم ، عن أبيه ، عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم ، فلما غشيهم - وكان من أمر فرسه ما كان - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان ، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا ، ثم ألقاه إليه .
وقد روى الإمام أحمد من طريق الزهري بهذا السند أن عامر بن فهيرة [ ص: 349 ] كتبه . فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ، ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقيه . والله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عثمان بن عفان أمير المؤمنين . وستأتي ترجمته في أيام خلافته . وكتابته بين يديه عليه الصلاة والسلام مشهورة .
وقد روى الواقدي بأسانيده أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الإسلام .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين . وستأتي ترجمته في خلافته ، وقد تقدم أنه كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين قريش يوم الحديبية; أن يأمن الناس ، وأنه لا إسلال ، ولا إغلال ، وعلى وضع الحرب عشر سنين ، وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم ، وفي آخره : وكتب علي بن أبي طالب وفيه شهادة جماعة من الصحابة ، منهم سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان ، فهو كذب مفتعل ، وبهتان مختلق موضوع مصنوع ، وقد بين جماعة من العلماء بطلانه ، واغتر به بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا بوضع الجزية عنهم ، وهذا ضعيف جدا ، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه بطلانه ، وأنه موضوع ، اختلقوه ووضعوه ، وهم أهل لذلك وبينته ، [ ص: 350 ] وجمعت متفرق كلام الأئمة فيه ، ولله الحمد والمنة .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ، وستأتي ترجمته في موضعها ، وقد أفردت له مجلدا على حدة ، ومجلدا ضخما في الأحاديث التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآثار والأحكام المروية عنه رضي الله عنه ، وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبد الله بن الأرقم .
ومنهم رضي الله عنهم ، العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد ، ويقال : عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن عويف بن مالك بن الخزرج بن إياد بن الصدف بن زيد بن مقنع بن حضرموت بن قحطان . وقيل غير ذلك في نسبه ، وهو من حلفاء بني أمية . وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة أبان بن سعيد بن العاص ، وكان له من الإخوة عشرة غيره ، فمنهم عمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش ، وهي أول سرية ، كما تقدم ، ومنهم عامر بن الحضرمي الذي أمره أبو جهل ، لعنه الله ، فكشف عن عورته وناداه : واعمراه . حين اصطف المسلمون والمشركون يوم بدر فهاجت الحرب ، وقامت على ساق ، وكان ما كان مما قدمناه مبسوطا في موضعه ، ومنهم شريح بن الحضرمي ، وكان من خيار الصحابة . قال فيه [ ص: 351 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك رجل لا يتوسد القرآن يعني لا ينام ويتركه ، بل يقوم به آناء الليل والنهار ، ولهم كلهم أخت واحدة ، وهي الصعبة بنت الحضرمي أم طلحة بن عبيد الله ، وقد بعث النبي صلى الله عيه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها ، وأقره عليها الصديق ، ثم عمر بن الخطاب ، ولم يزل بها حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة فلما كان في أثناء الطريق توفي ، وذلك في سنة إحدى وعشرين . وقد روى البيهقي وغيره عنه كرامات كثيرة منها ; أنه سار بجيشه على وجه البحر ما يصل إلى ركب خيولهم ، وقيل : إنه ما بل أسافل نعال خيولهم . وأمرهم كلهم ، فجعلوا يقولون : يا حليم يا عظيم . وأنه كان في جيشه ، فاحتاجوا إلى ماء ، فدعا الله فأمطرهم قدر كفايتهم . وأنه لما دفن لم ير له أثر بالكلية ، وكان قد سأل الله ذلك ، وسيأتي هذا في كتاب دلائل النبوة قريبا ، إن شاء الله عز وجل .
له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثلاثة أحاديث ; الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن السائب بن يزيد ، عن العلاء بن الحضرمي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وقد أخرجه الجماعة من حديثه .
والثاني : قال أحمد حدثنا هشيم ، ثنا منصور ، عن ابن سيرين ، عن ابن [ ص: 352 ] العلاء بن الحضرمي ، أن أباه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه . وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل .
والحديث الثالث رواه أحمد وابن ماجه من طريق محمد بن زيد ، عن حبان الأعرج عنه ، أنه كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من البحرين في الحائط - يعني البستان - يكون بين الإخوة فيسلم أحدهم ، فأمره أن يأخذ العشر ممن أسلم ، والخراج . يعني ممن لم يسلم .
ومنهم العلاء بن عقبة . قال الحافظ ابن عساكر : كان كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولم أجد أحدا ذكره إلا فيما أخبرنا . . . ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب ، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمرو بن حزم : إن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم . فذكرها ، وذكر فيها : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس بن مرداس السلمي ، أعطاه مدفورا ، فمن حاقه فيها فلا حق له ، وحقه حق " . وكتب العلاء بن عقبة وشهد ، ثم قال : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهني ، من ذي المروة وما بين بلكثة إلى [ ص: 353 ] الظبية إلى الجعلات إلى جبل القبلية فمن حاقه فلا حق له ، وحقه حق " . وكتبه العلاء بن عقبة . وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبني شنخ من جهينة ، وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة وشهد . وقد ذكر ابن الأثير في " الغابة " هذا الرجل مختصرا فقال : العلاء بن عقبة كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره في حديث عمرو بن حزم ، ذكره جعفر . أخرجه أبو موسى . يعني المديني في كتابه .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، محمد بن مسلمة بن سلمة بن حريش بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي الخزرجي أبو عبد الله ، ويقال : أبو عبد الرحمن . ويقال : أبو سعيد المدني ، حليف بني عبد الأشهل . أسلم على يدي مصعب بن عمير ، وقيل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير . وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح ، وشهد بدرا والمشاهد بعدها ، واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على المدينة عام تبوك .
[ ص: 354 ] قال ابن عبد البر في " الاستيعاب " كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جثة ، وكان من فضلاء الصحابة ، وكان ممن اعتزل الفتنة ، واتخذ سيفا من خشب . ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور ، وصلى عليه مروان بن الحكم ، وقد روى حديثا كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر محمد بن سعد عن علي بن محمد المدايني بأسانيده ، أن محمد بن مسلمة هو الذي كتب لوفد مهرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي ، وستأتي ترجمته في أيام إمارته ، إن شاء الله تعالى . وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه عليه الصلاة والسلام . وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل سماك بن الوليد ، عن ابن عباس ، أن أبا سفيان قال : يا رسول الله ، ثلاث أعطنيهن . قال : " نعم " قال : تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين . قال : " نعم " قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك . قال : " نعم " . الحديث . وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه ، صلوات [ ص: 355 ] الله وسلامه عليه ، وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة .
فأما الحديث الذي قال الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " في ترجمة معاوية ها هنا : أخبرنا أبو غالب بن البنا ، أنبأنا أبو محمد الجوهري ، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الله العطشي ، حدثنا أحمد بن محمد البوراني ، ثنا السري بن عاصم ، ثنا الحسن بن زياد ، عن القاسم بن بهرام ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية ، فقال : استكتبه فإنه أمين . فإنه حديث غريب بل منكر ، والسري بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذاني ، وكان يؤدب المعتز بالله ، كذبه في الحديث ابن خراش . وقال ابن حبان وابن عدي : كان يسرق الحديث . زاد ابن حبان : ويرفع الموقوفات ، لا يحل الاحتجاج به . وقال الدارقطني : كان ضعيف الحديث . وشيخه الحسن بن زياد ; إن كان اللؤلؤي فقد تركه غير واحد من الأئمة ، وصرح كثير منهم بكذبه ، وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال . وأماالقاسم بن بهرام فاثنان ; أحدهما يقال له : القاسم بن بهرام الأسدي الواسطي الأعرج . أصله من أصبهان روى له النسائي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس حديث الفتون بطوله ، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان . والثاني القاسم بن بهرام أبو همدان ، قاضي هيت . قال : ابن معين : [ ص: 356 ] كان كذابا . وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به ، والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في " تاريخه " هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ، ثم لا يبين حالها ، ولا يشير إلى شيء من ذلك إشارة لا ظاهرة ، ولا خفية ! ومثل هذا الصنيع فيه نظر . والله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، المغيرة بن شعبة الثقفي ، وقد تقدمت ترجمته فيمن كان يخدمه ، عليه الصلاة والسلام ، من أصحابه من غير مواليه ، وأنه كان سيافا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روى ابن عساكر بسنده ، عن عتيق بن يعقوب بإسناده المتقدم غير مرة أن المغيرة بن شعبة هو الذي كتب إقطاع حصين بن نضلة الأسدي الذي أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره .
فهؤلاء كتابه الذين كانوا يكتبون بأمره بين يديه ، صلوات الله وسلامه عليه===========================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق