الأحد، 6 ديسمبر 2015

طريق إسلام خالد بن الوليد==سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة من أرض الشام =فصل في إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ، رضي الله عنهم ==كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم ، إلى الله عز وجل وإلى الدخول في الإسلام==ذكر بعثه إلى كسرى ملك الفرس
== إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام
== بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس == سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر======

قال الواقدي : حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال : لما أراد الله بي ما أراد من الخير ، قذف في قلبي الإسلام ، وحضرني رشدي ، فقلت : قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم ، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء ، وأن محمدا سيظهر ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين ، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان ، فقمت بإزائه وتعرضت له ، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا ، فهممنا أن نغير عليهم ، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به ، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ، فوقع ذلك منا موقعا ، وقلت : الرجل ممنوع فاعتزلنا وعدل عن سنن خيلنا ، وأخذ ذات اليمين ، فلما صالح قريشا بالحديبية ، ودافعته قريش بالراح ، قلت في نفسي : أي شيء بقي ؟ أين المذهب ؟ إلى [ ص: 406 ] النجاشي ؟ فقد اتبع محمدا ، وأصحابه عنده آمنون ، فأخرج إلى هرقل ؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية ، فأقيم في عجم تابعا ، فأقيم في داري فيمن بقي ؟ فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية ، فتغيبت ولم أشهد دخوله ، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ، فطلبني فلم يجدني ، فكتب إلي كتابا ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد ؟! وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك ، وقال : " أين خالد ؟ " فقلت : يأتي الله به . فقال : " ما مثله جهل الإسلام ، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين كان خيرا له ، ولقدمناه على غيره " . فاستدرك يا أخي ما قد فاتك ، فقد فاتك مواطن صالحة . قال : فلما جاءني كتابه نشطت للخروج ، وزادني رغبة في الإسلام ، وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة ، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة ، فقلت : إن هذه لرؤيا فلما أن قدمت المدينة قلت : لأذكرنها لأبي بكر . فقال : مخرجك الذى هداك الله للإسلام ، والضيق الذي كنت فيه من الشرك . قال : فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلقيت صفوان بن أمية ، [ ص: 407 ] فقلت : يا أبا وهب ، أما ترى ما نحن فيه ، إنما نحن أكلة رأس ، وقد ظهر محمد على العرب والعجم ، فلو قدمنا على محمد واتبعناه ، فإن شرف محمد لنا شرف . فأبى أشد الإباء ، فقال : لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا . فافترقنا ، وقلت : هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر . فلقيت عكرمة بن أبي جهل ، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية ، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية ، قلت : فاكتم علي . قال : لا أذكره . فخرجت إلى منزلي ، فأمرت براحلتي ، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة ، فقلت : إن هذا لي صديق ، فلو ذكرت له ما أرجو . ثم ذكرت من قتل من آبائه ، فكرهت أن أذكره ، ثم قلت : وما علي وأنا راحل من ساعتي . فذكرت له ما صار الأمر إليه ، فقلت : إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر ، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج . وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي ، فأسرع الإجابة ، وقال : إني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو ، وهذه راحلتي بفخ مناخة . قال : فاتعدت أنا وهو يأجج ، إن سبقني أقام ، وإن سبقته أقمت عليه . قال : فأدلجنا سحرا ، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج ، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة ، فنجد عمرو بن العاص بها فقال : مرحبا بالقوم ، فقلنا : وبك . فقال : إلى أين مسيركم ؟ فقلنا : وما أخرجك . فقال : وما أخرجكم ؟ قلنا : الدخول في الإسلام واتباع [ ص: 408 ] محمد صلى الله عليه وسلم . قال : وذاك الذي أقدمني . فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة ، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا ، فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا ، فلبست من صالح ثيابي ، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي ، فقال : أسرع ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك ، فسر بقدومك ، وهو ينتظركم . فأسرعنا المشي ، فاطلعت عليه ، فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه ، فسلمت عليه بالنبوة ، فرد علي السلام بوجه طلق ، فقلت : إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . فقال : " تعال " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير " . قلت : يا رسول الله ، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق ، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام يجب ما كان قبله " . قلت : يا رسول الله ، على ذلك . قال : " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك " . قال خالد : وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وكان قدومنا في صفر سنة ثمان . قال : فوالله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه ======================= سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة من أرض الشام

قال الواقدي : حدثنا محمد بن عبد الله ، عن الزهري ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا ، حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من الشام ، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا ، فدعوهم إلى الإسلام ، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل ، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا ، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى ، فلما أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم بالبعثة إليهم ، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر====================بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم ، إلى الله عز وجل وإلى الدخول في الإسلام

ذكر الواقدي أن ذلك في آخر سنة ست في ذي الحجة ، بعد عمرة الحديبية . وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع ، بعد غزوة مؤتة . والله أعلم . ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية ، لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله : هل يغدر ؟ فقال : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها . وفي لفظ للبخاري : وذلك في المدة التي ماد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال محمد بن إسحاق : كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته ، عليه الصلاة والسلام ونحن نذكر ذلك هاهنا ، وإن كان قول الواقدي محتملا . والله أعلم [ ص: 469 ] .

وقد روى مسلم ، عن يوسف بن حماد المعني ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي ، وإلى كل جبار ، يدعوهم إلى الله ، عز وجل ، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس ، حدثني أبو سفيان ، من فيه إلى في ، قال : كنا قوما تجارا ، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا ، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نأمن أن وجدنا أمنا ، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش ، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة ، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين ، فخرجنا حتى قدمناها ، وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس ، فأخرجهم منها ، ورد عليه صليبه الأعظم ، وقد كان استلبوه إياه ، فلما أن بلغه ذلك ، وقد كان منزله بحمص من أرض الشام ، فخرج منها يمشي متشكرا إلى بيت المقدس ، [ ص: 470 ] ليصلي فيه ، تبسط له البسط ، وتطرح له عليها الرياحين ، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها ، فأصبح ذات غداة وهو مهموم ، يقلب طرفه إلى السماء ، فقالت بطارقته : أيها الملك ، لقد أصبحت مهموما . فقال : أجل . فقالوا : وما ذاك ؟ فقال : أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر . فقالوا : والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود ، وهم تحت يديك وفي سلطانك ، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم ، فابعث في مملكتك كلها ، فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه ، فتستريح من هذا الهم ، فإنهم في ذلك من رأيهم يدبرونه ، إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم ، فقال : أيها الملك ، إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل ، يحدثك عن حدث كان ببلاده ، فاسأله عنه . فلما انتهى إليه ، قال لترجمانه : سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده ؟ فسأله فقال : رجل من العرب من قريش ، خرج يزعم أنه نبي ، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون ، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن ، فخرجت من بلادي وهم على ذلك . فلما أخبره الخبر قال : جردوه . فإذا هو مختون ، فقال : هذا والله الذي قد أريت ، لا ما تقولون ، أعطه ثوبه ، انطلق لشأنك . ثم إنه دعا صاحب شرطته ، فقال له : قلب لي الشام ظهرا لبطن ، حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه . قال أبو سفيان : فوالله إني وأصحابي لبغزة ، إذ هجم علينا ، فسألنا : ممن أنتم ؟ فأخبرناه ، فساقنا إليه جميعا ، فلما انتهينا إليه ، قال أبو سفيان : فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف - يريد هرقل - قال : فلما انتهينا إليه قال : [ ص: 471 ] أيكم أمس به رحما ؟ فقلت : أنا . قال : أدنوه مني . قال : فأجلسني بين يديه ثم أمر بأصحابي ، فأجلسهم خلفي ، وقال : إن كذب فردوا عليه . قال أبو سفيان : فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا علي ، ولكني كنت امرأ سيدا ، أتكرم وأستحي من الكذب ، وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عني ، ثم يتحدثوا به عني بمكة ، فلم أكذبه . فقال : أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم . فزهدت له شأنه ، وصغرت له أمره ، فوالله ما التفت إلى ذلك مني ، وقال لي : أخبرني عما أسألك عنه من أمره . فقلت : سلني عما بدا لك ؟ فقال : كيف نسبه فيكم ؟ فقلت : محضا ، من أوسطنا نسبا . قال : فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله ، فهو يتشبه به ؟ فقلت : لا . قال : فأخبرني هل كان له ملك فاستلبتموه إياه ، فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه ؟ فقلت : لا . قال : فأخبرني عن أتباعه من هم ؟ فقلت : الأحداث والضعفاء والمساكين فأما أشرافهم وذوو الأسنان فلا . قال : فأخبرني عمن يصحبه ، أيحبه ويلزمه ، أم يقليه ويفارقه ؟ قلت : قل ما صحبه رجل ففارقه . قال : فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟ فقلت : [ ص: 472 ] سجال ، يدال علينا وندال عليه . قال : فأخبرني هل يغدر ؟ فلم أجد شيئا أغره به إلا هي ، قلت : لا ، ونحن منه في مدة ، ولا نأمن غدره فيها . فوالله ما التفت إليها مني . قال : فأعاد علي الحديث ، فقال : زعمت أنه من أمحضكم نسبا ، وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه ، لا يأخذه إلا من أوسط قومه ، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ، فقلت : لا . وسألتك هل كان له ملك فاستلبتموه إياه ، فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه ، فقلت : لا . وسألتك عن أتباعه ، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضعفاء ، وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان ، وسألتك عمن يتبعه ، أيحبه ويلزمه ، أم يقليه ويفارقه ، فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه ، وكذلك حلاوة الإيمان ، لا تدخل قلبا فتخرج منه ، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه ، فزعمت أنها سجال ، يدال عليكم وتدالون عليه ، وكذلك تكون حرب الأنبياء ، ولهم تكون العاقبة ، وسألتك هل يغدر ، فزعمت أنه لا يغدر ، فلئن كنت صدقتني ، ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين ، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه . ثم قال : الحق بشأنك ، قال : فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى ، وأقول : يا عباد الله ، لقد أمر أمر ابن [ ص: 473 ] أبي كبشة ! أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم .

قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري قال : حدثني أسقف من النصارى ، قد أدرك ذلك الزمان قال : قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فأسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن أبيت فإن إثم الأكارين عليك قال : فلما انتهى إليه كتابه وقرأه ، أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية ، كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ ، يخبره عما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه : إنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه ، فاتبعه . فأمر بعظماء الروم ، فجمعوا له في دسكرة ملكه ، ثم أمر بها فأشرجت عليهم ، واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف ، فقال : يا معشر الروم ، إنه قد جاءني كتاب أحمد ، وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ونجد ذكره في كتابنا ، نعرفه بعلاماته وزمانه ، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم . فنخروا [ ص: 474 ] نخرة رجل واحد ، وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم ، فخافهم وقال : ردوهم علي . فردوهم عليه ، فقال لهم : يا معشر الروم ، إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها ، لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ، فلقد رأيت منكم ما سرني . فوقعوا له سجدا ، ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا .

وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أخر ، أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من " الصحيح " ليعلم ما بين السياقين من التباين ، وما فيهما من الفوائد .

قال البخاري قبل الإيمان من " صحيحه " : حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن عبد الله بن عباس أخبره ، أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال : أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبا . قال : أدنوه مني ، وقربوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره . ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبني فكذبوه . فوالله لولا أن يأثروا عني كذبا لكذبت عنه ، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب . قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط [ ص: 475 ] قبله ؟ قلت : لا . قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا . قال : فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم . قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون . قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا . قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها . قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة . قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سجال ، ينال منا وننال منه . قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة . فقال للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله ، فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله ، لقلت : رجل يتأسى بقول قيل قبله . وسألتك هل كان من آبائه من ملك ، فذكرت أن لا ، فلو كان من آبائه من ملك ، قلت : رجل يطلب ملك أبيه . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله . وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل . وسألتك أيزيدون أم ينقصون ، فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . وسألتك : هل يغدر ، فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر [ ص: 476 ] . وسألتك بما يأمركم ، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقا ، فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أعلم أني أخلص إليه ، لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده ، لغسلت عن قدميه . ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، و : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ( آل عمران : 64 ) قال أبو سفيان : فلما قال ما قال ، وفرغ من قراءة الكتاب ، كثر عنده الصخب ، وارتفعت الأصوات ، وأخرجنا ، فقلت لأصحابي حين أخرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ! إنه يخافه ملك بني الأصفر ! فما زلت موقنا أنه سيظهر ، حتى أدخل الله علي الإسلام . قال : وكان ابن الناطور - [ ص: 477 ] صاحب إيلياء وهرقل - سقفا على نصارى الشام ، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس ، فقال بعض بطارقته ، قد استنكرنا هيئتك . قال ابن الناطور : وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود ، فلا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود . فبينما هم على أمرهم ، أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان ، يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه ، فحدثوه أنه مختتن . وسأله عن العرب ، فقال : هم يختتنون . فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية ، وكان نظيره في العلم ، وسار هرقل إلى حمص ، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه ، يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد ، وأن يثبت لكم ملككم ، فتبايعوا لهذا النبي . فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم ، وأيس من الإيمان قال : ردوهم علي . وقال : إني إنما قلت مقالتي آنفا [ ص: 478 ] أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد رأيت . فسجدوا له ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل . قال البخاري : ورواه صالح بن كيسان ، ويونس ومعمر ، عن الزهري .

وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في " صحيحه " بألفاظ يطول استقصاؤها . وأخرجه بقية الجماعة ، إلا ابن ماجه ، من طرق عن الزهري . وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية ، وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ، ولله الحمد والمنة .

وقال ابن لهيعة ، عن الأسود ، عن عروة قال : خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش ، وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعلم ما يعلم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه ، فأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه ، فأرسل إليه ثلاثين رجلا ، منهم أبو سفيان بن حرب ، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها ، فقال هرقل : أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره ؟ قالوا : ساحر كذاب ، وليس بنبي . قال : فأخبروني بأعلمكم به وأقربكم منه رحما ؟ قالوا : هذا أبو سفيان ابن عمه ، [ ص: 479 ] وقد قاتله . فلما أخبروه ذلك ، أمر بهم فأخرجوا عنه ، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره ، قال : أخبرني يا أبا سفيان ، فقال : هو ساحر كذاب . فقال هرقل : إني لا أريد شتمه ، ولكن كيف نسبه فيكم ؟ قال : هو والله من بيت قريش . قال : كيف عقله ورأيه ؟ قال : لم نعب له عقلا ولا رأيا قط . قال هرقل : هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره ؟ قال : لا والله ما كان كذلك . قال : لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لأحد من أهل بيته قبله ؟ قال أبو سفيان : لا ، ثم قال : من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد ؟ قال : لا . قال هرقل : هل يغدر إذا عاهد ؟ قال : لا ، إلا أن يغدر مدته هذه . فقال هرقل : وما تخاف من مدته هذه ؟ قال : إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة . قال هرقل : إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر . فغضب أبو سفيان وقال : لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب - وهو يوم بدر - ثم غزوته مرتين في بيوتهم ، نبقر البطون ، ونجدع الآذان والفروج . فقال هرقل : أكاذبا تراه أم صادقا ؟ فقال : بل هو كاذب . فقال : إن كان فيكم نبي ، فلا تقتلوه ، فإن أفعل الناس لذلك اليهود . ثم رجع أبو سفيان .

ففي هذا السياق غرابة ، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق ، ولا البخاري . وقد أورد موسى بن عقبة في " مغازيه " قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم .

وقال ابن جرير في " تاريخه " : حدثنا ابن حميد ، ثنا سلمة ، ثنا محمد [ ص: 480 ] بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، أن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل ، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ، ولكني أخاف الروم على نفسي ، ولولا ذلك لاتبعته ، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف ، فاذكر له أمر صاحبكم ، فهو والله في الروم أعظم مني ، وأجوز قولا عندهم مني ، فانظر ماذا يقول لك ؟ قال : فجاءه دحية ، فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ، وبما يدعو إليه ، فقال ضغاطر : صاحبك والله نبي مرسل نعرفه بصفته ، ونجده في كتابنا باسمه ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا ، ولبس ثيابا بياضا ، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال : يا معشر الروم ، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد ، يدعونا فيه إلى الله ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله . قال : فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فضربوه حتى قتلوه . قال : فلما رجع دحية إلى هرقل ، فأخبره الخبر ، قال : قد قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا ، فضغاطر والله كان أعظم عندهم ، وأجوز قولا مني .

وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن عبد الله بن شداد ، عن دحية الكلبي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى [ ص: 481 ] قيصر صاحب الروم بكتاب ، فقلت : استأذنوا لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأتي قيصر فقيل له : إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله . ففزعوا لذلك ، وقال : أدخله . فأدخلني عليه وعنده بطارقته ، فأعطيته الكتاب فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط ، فقال : لا تقرأ الكتاب اليوم ، فإنه بدأ بنفسه ، وكتب صاحب الروم ، ولم يكتب ملك الروم ، قال : فقرئ الكتاب حتى فرغ منه ، ثم أمرهم فخرجوا من عنده ، ثم بعث إلي ، فدخلت عليه ، فسألني فأخبرته ، فبعث إلى الأسقف فدخل عليه ، وكان صاحب أمرهم ، يصدرون عن رأيه وعن قوله ، فلما قرأ الكتاب قال الأسقف : هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى ، الذي كنا ننتظر . قال قيصر : فما تأمرني ؟ قال الأسقف : أما أنا فإني مصدقه ومتبعه . فقال قيصر : أعرف أنه كذلك ، ولكن لا أستطيع أن أفعل ، إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم .

وبه قال محمد بن إسحاق ، عن خالد بن يسار ، عن رجل من قدماء أهل الشام قال : لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية ، لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال : يا معشر الروم ، إني عارض عليكم أمورا ، فانظروا فيما أردت بها . قالوا : ما هي ؟ قال : تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل ، نجده في كتابنا ، نعرفه بصفته التي وصف [ ص: 482 ] لنا ، فهلم فلنتبعه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا . فقالوا : نحن نكون تحت أيدي العرب ، ونحن أعظم الناس ملكا ، وأكثرهم رجالا ، وأقصاهم بلدا ؟! قال : فهلم أعطيه الجزية كل سنة ، أكسر عني شوكته ، وأستريح من حربه بما أعطيه إياه . قالوا : نحن نعطي العرب الذل والصغار بخرج يأخذونه منا ، ونحن أكثر الناس عددا ، وأعظمهم ملكا ، وأمنعهم بلدا ؟! لا والله لا نفعل هذا أبدا . قال : فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ، ويدعني وأرض الشام - قال : وكانت أرض سورية ، فلسطين ، والأردن ، ودمشق ، وحمص ، وما دون الدرب من أرض سورية ، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام - فقالوا : نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة الشام ؟ ! لا نفعل هذا أبدا . فلما أبوا عليه قال : أما والله لتودن أنكم قد ظفرتم ، إذا امتنعتم منه في مدينتكم . قال : ثم جلس على بغل له فانطلق ، حتى إذا أشرف على الدرب ، استقبل أرض الشام ، ثم قال : السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع . ثم ركض حتى دخل القسطنطينية . والله أعلم                                                                                                                                          ======================بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم ، إلى الله عز وجل وإلى الدخول في الإسلام

ذكر الواقدي أن ذلك في آخر سنة ست في ذي الحجة ، بعد عمرة الحديبية . وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع ، بعد غزوة مؤتة . والله أعلم . ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية ، لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله : هل يغدر ؟ فقال : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها . وفي لفظ للبخاري : وذلك في المدة التي ماد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال محمد بن إسحاق : كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته ، عليه الصلاة والسلام ونحن نذكر ذلك هاهنا ، وإن كان قول الواقدي محتملا . والله أعلم [ ص: 469 ] .

وقد روى مسلم ، عن يوسف بن حماد المعني ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي ، وإلى كل جبار ، يدعوهم إلى الله ، عز وجل ، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس ، حدثني أبو سفيان ، من فيه إلى في ، قال : كنا قوما تجارا ، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا ، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نأمن أن وجدنا أمنا ، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش ، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة ، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين ، فخرجنا حتى قدمناها ، وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس ، فأخرجهم منها ، ورد عليه صليبه الأعظم ، وقد كان استلبوه إياه ، فلما أن بلغه ذلك ، وقد كان منزله بحمص من أرض الشام ، فخرج منها يمشي متشكرا إلى بيت المقدس ، [ ص: 470 ] ليصلي فيه ، تبسط له البسط ، وتطرح له عليها الرياحين ، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها ، فأصبح ذات غداة وهو مهموم ، يقلب طرفه إلى السماء ، فقالت بطارقته : أيها الملك ، لقد أصبحت مهموما . فقال : أجل . فقالوا : وما ذاك ؟ فقال : أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر . فقالوا : والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود ، وهم تحت يديك وفي سلطانك ، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم ، فابعث في مملكتك كلها ، فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه ، فتستريح من هذا الهم ، فإنهم في ذلك من رأيهم يدبرونه ، إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم ، فقال : أيها الملك ، إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل ، يحدثك عن حدث كان ببلاده ، فاسأله عنه . فلما انتهى إليه ، قال لترجمانه : سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده ؟ فسأله فقال : رجل من العرب من قريش ، خرج يزعم أنه نبي ، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون ، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن ، فخرجت من بلادي وهم على ذلك . فلما أخبره الخبر قال : جردوه . فإذا هو مختون ، فقال : هذا والله الذي قد أريت ، لا ما تقولون ، أعطه ثوبه ، انطلق لشأنك . ثم إنه دعا صاحب شرطته ، فقال له : قلب لي الشام ظهرا لبطن ، حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه . قال أبو سفيان : فوالله إني وأصحابي لبغزة ، إذ هجم علينا ، فسألنا : ممن أنتم ؟ فأخبرناه ، فساقنا إليه جميعا ، فلما انتهينا إليه ، قال أبو سفيان : فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف - يريد هرقل - قال : فلما انتهينا إليه قال : [ ص: 471 ] أيكم أمس به رحما ؟ فقلت : أنا . قال : أدنوه مني . قال : فأجلسني بين يديه ثم أمر بأصحابي ، فأجلسهم خلفي ، وقال : إن كذب فردوا عليه . قال أبو سفيان : فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا علي ، ولكني كنت امرأ سيدا ، أتكرم وأستحي من الكذب ، وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عني ، ثم يتحدثوا به عني بمكة ، فلم أكذبه . فقال : أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم . فزهدت له شأنه ، وصغرت له أمره ، فوالله ما التفت إلى ذلك مني ، وقال لي : أخبرني عما أسألك عنه من أمره . فقلت : سلني عما بدا لك ؟ فقال : كيف نسبه فيكم ؟ فقلت : محضا ، من أوسطنا نسبا . قال : فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله ، فهو يتشبه به ؟ فقلت : لا . قال : فأخبرني هل كان له ملك فاستلبتموه إياه ، فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه ؟ فقلت : لا . قال : فأخبرني عن أتباعه من هم ؟ فقلت : الأحداث والضعفاء والمساكين فأما أشرافهم وذوو الأسنان فلا . قال : فأخبرني عمن يصحبه ، أيحبه ويلزمه ، أم يقليه ويفارقه ؟ قلت : قل ما صحبه رجل ففارقه . قال : فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟ فقلت : [ ص: 472 ] سجال ، يدال علينا وندال عليه . قال : فأخبرني هل يغدر ؟ فلم أجد شيئا أغره به إلا هي ، قلت : لا ، ونحن منه في مدة ، ولا نأمن غدره فيها . فوالله ما التفت إليها مني . قال : فأعاد علي الحديث ، فقال : زعمت أنه من أمحضكم نسبا ، وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه ، لا يأخذه إلا من أوسط قومه ، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ، فقلت : لا . وسألتك هل كان له ملك فاستلبتموه إياه ، فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه ، فقلت : لا . وسألتك عن أتباعه ، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضعفاء ، وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان ، وسألتك عمن يتبعه ، أيحبه ويلزمه ، أم يقليه ويفارقه ، فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه ، وكذلك حلاوة الإيمان ، لا تدخل قلبا فتخرج منه ، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه ، فزعمت أنها سجال ، يدال عليكم وتدالون عليه ، وكذلك تكون حرب الأنبياء ، ولهم تكون العاقبة ، وسألتك هل يغدر ، فزعمت أنه لا يغدر ، فلئن كنت صدقتني ، ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين ، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه . ثم قال : الحق بشأنك ، قال : فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى ، وأقول : يا عباد الله ، لقد أمر أمر ابن [ ص: 473 ] أبي كبشة ! أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم .

قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري قال : حدثني أسقف من النصارى ، قد أدرك ذلك الزمان قال : قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فأسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن أبيت فإن إثم الأكارين عليك قال : فلما انتهى إليه كتابه وقرأه ، أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية ، كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ ، يخبره عما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه : إنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه ، فاتبعه . فأمر بعظماء الروم ، فجمعوا له في دسكرة ملكه ، ثم أمر بها فأشرجت عليهم ، واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف ، فقال : يا معشر الروم ، إنه قد جاءني كتاب أحمد ، وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ونجد ذكره في كتابنا ، نعرفه بعلاماته وزمانه ، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم . فنخروا [ ص: 474 ] نخرة رجل واحد ، وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم ، فخافهم وقال : ردوهم علي . فردوهم عليه ، فقال لهم : يا معشر الروم ، إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها ، لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ، فلقد رأيت منكم ما سرني . فوقعوا له سجدا ، ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا .

وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أخر ، أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من " الصحيح " ليعلم ما بين السياقين من التباين ، وما فيهما من الفوائد .

قال البخاري قبل الإيمان من " صحيحه " : حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن عبد الله بن عباس أخبره ، أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال : أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبا . قال : أدنوه مني ، وقربوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره . ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبني فكذبوه . فوالله لولا أن يأثروا عني كذبا لكذبت عنه ، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب . قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط [ ص: 475 ] قبله ؟ قلت : لا . قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا . قال : فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم . قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون . قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا . قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها . قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة . قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سجال ، ينال منا وننال منه . قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة . فقال للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله ، فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله ، لقلت : رجل يتأسى بقول قيل قبله . وسألتك هل كان من آبائه من ملك ، فذكرت أن لا ، فلو كان من آبائه من ملك ، قلت : رجل يطلب ملك أبيه . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله . وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل . وسألتك أيزيدون أم ينقصون ، فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . وسألتك : هل يغدر ، فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر [ ص: 476 ] . وسألتك بما يأمركم ، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقا ، فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أعلم أني أخلص إليه ، لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده ، لغسلت عن قدميه . ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، و : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ( آل عمران : 64 ) قال أبو سفيان : فلما قال ما قال ، وفرغ من قراءة الكتاب ، كثر عنده الصخب ، وارتفعت الأصوات ، وأخرجنا ، فقلت لأصحابي حين أخرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ! إنه يخافه ملك بني الأصفر ! فما زلت موقنا أنه سيظهر ، حتى أدخل الله علي الإسلام . قال : وكان ابن الناطور - [ ص: 477 ] صاحب إيلياء وهرقل - سقفا على نصارى الشام ، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس ، فقال بعض بطارقته ، قد استنكرنا هيئتك . قال ابن الناطور : وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود ، فلا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود . فبينما هم على أمرهم ، أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان ، يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه ، فحدثوه أنه مختتن . وسأله عن العرب ، فقال : هم يختتنون . فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية ، وكان نظيره في العلم ، وسار هرقل إلى حمص ، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه ، يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد ، وأن يثبت لكم ملككم ، فتبايعوا لهذا النبي . فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم ، وأيس من الإيمان قال : ردوهم علي . وقال : إني إنما قلت مقالتي آنفا [ ص: 478 ] أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد رأيت . فسجدوا له ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل . قال البخاري : ورواه صالح بن كيسان ، ويونس ومعمر ، عن الزهري .

وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في " صحيحه " بألفاظ يطول استقصاؤها . وأخرجه بقية الجماعة ، إلا ابن ماجه ، من طرق عن الزهري . وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية ، وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ، ولله الحمد والمنة .

وقال ابن لهيعة ، عن الأسود ، عن عروة قال : خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش ، وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعلم ما يعلم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه ، فأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه ، فأرسل إليه ثلاثين رجلا ، منهم أبو سفيان بن حرب ، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها ، فقال هرقل : أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره ؟ قالوا : ساحر كذاب ، وليس بنبي . قال : فأخبروني بأعلمكم به وأقربكم منه رحما ؟ قالوا : هذا أبو سفيان ابن عمه ، [ ص: 479 ] وقد قاتله . فلما أخبروه ذلك ، أمر بهم فأخرجوا عنه ، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره ، قال : أخبرني يا أبا سفيان ، فقال : هو ساحر كذاب . فقال هرقل : إني لا أريد شتمه ، ولكن كيف نسبه فيكم ؟ قال : هو والله من بيت قريش . قال : كيف عقله ورأيه ؟ قال : لم نعب له عقلا ولا رأيا قط . قال هرقل : هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره ؟ قال : لا والله ما كان كذلك . قال : لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لأحد من أهل بيته قبله ؟ قال أبو سفيان : لا ، ثم قال : من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد ؟ قال : لا . قال هرقل : هل يغدر إذا عاهد ؟ قال : لا ، إلا أن يغدر مدته هذه . فقال هرقل : وما تخاف من مدته هذه ؟ قال : إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة . قال هرقل : إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر . فغضب أبو سفيان وقال : لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب - وهو يوم بدر - ثم غزوته مرتين في بيوتهم ، نبقر البطون ، ونجدع الآذان والفروج . فقال هرقل : أكاذبا تراه أم صادقا ؟ فقال : بل هو كاذب . فقال : إن كان فيكم نبي ، فلا تقتلوه ، فإن أفعل الناس لذلك اليهود . ثم رجع أبو سفيان .

ففي هذا السياق غرابة ، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق ، ولا البخاري . وقد أورد موسى بن عقبة في " مغازيه " قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم .

وقال ابن جرير في " تاريخه " : حدثنا ابن حميد ، ثنا سلمة ، ثنا محمد [ ص: 480 ] بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، أن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل ، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ، ولكني أخاف الروم على نفسي ، ولولا ذلك لاتبعته ، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف ، فاذكر له أمر صاحبكم ، فهو والله في الروم أعظم مني ، وأجوز قولا عندهم مني ، فانظر ماذا يقول لك ؟ قال : فجاءه دحية ، فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ، وبما يدعو إليه ، فقال ضغاطر : صاحبك والله نبي مرسل نعرفه بصفته ، ونجده في كتابنا باسمه ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا ، ولبس ثيابا بياضا ، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال : يا معشر الروم ، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد ، يدعونا فيه إلى الله ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله . قال : فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فضربوه حتى قتلوه . قال : فلما رجع دحية إلى هرقل ، فأخبره الخبر ، قال : قد قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا ، فضغاطر والله كان أعظم عندهم ، وأجوز قولا مني .

وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن عبد الله بن شداد ، عن دحية الكلبي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى [ ص: 481 ] قيصر صاحب الروم بكتاب ، فقلت : استأذنوا لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأتي قيصر فقيل له : إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله . ففزعوا لذلك ، وقال : أدخله . فأدخلني عليه وعنده بطارقته ، فأعطيته الكتاب فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط ، فقال : لا تقرأ الكتاب اليوم ، فإنه بدأ بنفسه ، وكتب صاحب الروم ، ولم يكتب ملك الروم ، قال : فقرئ الكتاب حتى فرغ منه ، ثم أمرهم فخرجوا من عنده ، ثم بعث إلي ، فدخلت عليه ، فسألني فأخبرته ، فبعث إلى الأسقف فدخل عليه ، وكان صاحب أمرهم ، يصدرون عن رأيه وعن قوله ، فلما قرأ الكتاب قال الأسقف : هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى ، الذي كنا ننتظر . قال قيصر : فما تأمرني ؟ قال الأسقف : أما أنا فإني مصدقه ومتبعه . فقال قيصر : أعرف أنه كذلك ، ولكن لا أستطيع أن أفعل ، إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم .

وبه قال محمد بن إسحاق ، عن خالد بن يسار ، عن رجل من قدماء أهل الشام قال : لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية ، لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال : يا معشر الروم ، إني عارض عليكم أمورا ، فانظروا فيما أردت بها . قالوا : ما هي ؟ قال : تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل ، نجده في كتابنا ، نعرفه بصفته التي وصف [ ص: 482 ] لنا ، فهلم فلنتبعه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا . فقالوا : نحن نكون تحت أيدي العرب ، ونحن أعظم الناس ملكا ، وأكثرهم رجالا ، وأقصاهم بلدا ؟! قال : فهلم أعطيه الجزية كل سنة ، أكسر عني شوكته ، وأستريح من حربه بما أعطيه إياه . قالوا : نحن نعطي العرب الذل والصغار بخرج يأخذونه منا ، ونحن أكثر الناس عددا ، وأعظمهم ملكا ، وأمنعهم بلدا ؟! لا والله لا نفعل هذا أبدا . قال : فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ، ويدعني وأرض الشام - قال : وكانت أرض سورية ، فلسطين ، والأردن ، ودمشق ، وحمص ، وما دون الدرب من أرض سورية ، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام - فقالوا : نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة الشام ؟ ! لا نفعل هذا أبدا . فلما أبوا عليه قال : أما والله لتودن أنكم قد ظفرتم ، إذا امتنعتم منه في مدينتكم . قال : ثم جلس على بغل له فانطلق ، حتى إذا أشرف على الدرب ، استقبل أرض الشام ، ثم قال : السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع . ثم ركض حتى دخل القسطنطينية . والله أعلم ==============================ذكر بعثه إلى كسرى ملك الفرس

روى البخاري من حديث الليث ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ، فلما قرأه كسرى مزقه . قال : فحسبت أن ابن المسيب قال : فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق .

وقال عبد الله بن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، حدثني عبد الرحمن [ ص: 484 ] بن عبد القاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال : " أما بعد ، فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم ، فلا تختلفوا علي كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى ابن مريم " . فقال المهاجرون : يا رسول الله ، إنا لا نختلف عليك في شيء أبدا فمرنا وابعثنا . فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى ، فأمر كسرى بإيوانه أن يزين ، ثم أذن لعظماء فارس ثم أذن لشجاع بن وهب ، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض منه ، فقال شجاع بن وهب : لا ، حتى أدفعه أنا إليك كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كسرى : ادنه . فدنا فناوله الكتاب ، ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه ، فإذا فيه : " من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس " قال : فأغضبه حين بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه ، وأمر بشجاع بن وهب فأخرج ، فلما رأى ذلك قعد على راحلته ، ثم سار ، ثم قال : والله ما أبالي على أي الطريقين أكون إذ أديت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث إلى شجاع ، ليدخل عليه ، فالتمس فلم يوجد ، فطلب إلى الحيرة فسبق ، فلما قدم شجاع على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مزق كسرى ملكه [ ص: 485 ] .

وروى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى ، فلما قرأه مزقه ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مزق ملكه .

وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن حميد ، ثنا سلمة ، ثنا ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، قال : وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأدعوك بدعاء الله ، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة ، لأنذر من كان حيا ، ويحق القول على الكافرين ، فإن تسلم تسلم ، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك " . قال : فلما قرأه شقه ، وقال : يكتب إلي بهذا وهو عبدي ؟! قال : ثم كتب كسرى إلى باذام ، وهو نائبه على اليمن ، أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به . فبعث باذام قهرمانه ، وكان كاتبا حاسبا بكتاب فارس ، وبعث [ ص: 486 ] معه رجلا من الفرس يقال له : خرخرة . وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى ، وقال لأباذويه : ائت بلاد هذا الرجل وكلمه وأتني بخبره . فخرجا حتى قدما الطائف ، فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف ، فسألوه عنه فقال : هو بالمدينة . واستبشر أهل الطائف - يعني وقريش بهما - وفرحوا ، وقال بعضهم لبعض : أبشروا ، فقد نصب له كسرى ملك الملوك ، كفيتم الرجل . فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه أباذويه فقال : شاهنشاه ملك الملوك كسرى ، قد كتب إلى الملك باذام يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك ، وقد بعثني إليك لتنطلق معي ، فإن فعلت كتب لك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك ، وإن أبيت فهو من قد علمت ، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك . ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما ، فكره النظر إليهما ، وقال : " ويلكما! من أمركما بهذا ؟! " قالا : أمرنا ربنا . يعنيان كسرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي " . ثم قال : " ارجعا حتى تأتياني غدا " . قال : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ، بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه ، فقتله في شهر كذا وكذا ، في ليلة كذا وكذا ، من الليل ، سلط عليه ابنه شيرويه فقتله . قال : فدعاهما [ ص: 487 ] فأخبرهما فقالا : هل تدري ما تقول ؟! إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا ، فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام ؟ قال : " نعم أخبراه ذلك عني ، وقولا له : إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى ، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر ، وقولا له : إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك ، وملكتك على قومك من الأبناء " . ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك ، فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر ، فقال : والله ما هذا بكلام ملك ، وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول ، وليكونن ما قد قال ، فلئن كان هذا حقا فإنه نبي مرسل ، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا . فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه : أما بعد ، فإني قد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا غضبا لفارس ، لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك ، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه ، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه . فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذام قال : إن هذا الرجل لرسول . فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن . قال : وقد قال باذويه لباذام : ما كلمت أحدا أهيب عندي منه . فقال له باذام : هل معه شرط ؟ قال : لا .

قال الواقدي ، رحمه الله : وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة [ ص: 488 ] الثلاثاء ، لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع من الهجرة ، لست ساعات مضت منها .

قلت : وفي شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر حرام ، وهو قول بعض الشعراء :


قتلوا كسرى بليل محرما فتولى لم يمتع بكفن
وقال بعض شعراء العرب :


وكسرى إذ تقاسمه بنوه     بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم     أنى ولكل حاملة تمام
وروى الحافظ البيهقي من حديث حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربي قد قتل الليلة ربك " . قال : وقيل له - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - : إنه قد استخلف ابنته . فقال : " لا يفلح قوم تملكهم امرأة " . قال البيهقي : وروي في حديث دحية بن خليفة ، أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل عامل كسرى ، وذلك أن كسرى بعث ، يتوعد صاحب صنعاء ، ويقول له : ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك [ ص: 489 ] يدعوني إلى دينه ؟ لتكفينه أو لأفعلن بك . فبعث إليه ، فقال لرسله : " أخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة " . فوجدوه كما قال . قال : وروى داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي نحو هذا .

ثم روى البيهقي من طريق أبي بكر بن عياش ، عن داود بن أبي هند ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : أقبل سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن في وجه سعد خبرا " فقال : يا رسول الله ، هلك كسرى ، فقال : " لعن الله كسرى ، أول الناس هلاكا فارس ثم العرب .

قلت : الظاهر أنه لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى لذينك الرجلين ، يعني الأميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام ، فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به ، عليه الصلاة والسلام ، وشاع في البلاد ، وكان سعد بن أبي وقاص أول من سمع ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بوفق إخباره ، عليه السلام ، وهكذا بنحو هذا التقدير ذكره البيهقي ، رحمه الله .

ثم روى البيهقي من غير وجه ، عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له - أو قيض له - عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى إلا برجل يمشي وفي يده عصا ، فقال : يا كسرى ، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ فقال كسرى : نعم ، لا تكسرها ، فولى الرجل ، فلما ذهب ، أرسل كسرى إلى [ ص: 490 ] حجابه فقال : من أذن لهذا الرجل علي ؟ فقالوا : ما دخل عليك أحد . فقال : كذبتم . قال : فغضب عليهم وتهددهم ، ثم تركهم . قال : فلما كان رأس الحول ، أتى ذلك الرجل ومعه العصا ، قال : يا كسرى ، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ قال : نعم ، لا تكسرها . فلما انصرف عنه دعا حجابه ، قال لهم كالمرة الأولى ، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل ، معه العصا ، فقال له : هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ فقال : لا تكسرها . فكسرها ، فأهلك الله كسرى عند ذلك .

وقال الإمام الشافعي : أنبأنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " . أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة ، وأخرجاه من حديث الزهري ، به .

قال الشافعي : ولما أتي كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تمزق ملكه " . وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله [ ص: 491 ] صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثبت ملكه .

قال الشافعي وغيره من العلماء : ولما كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة ، فأسلم من أسلم منهم ، شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده قال : فباد ملك الأكاسرة بالكلية ، وزال ملك قيصر عن الشام بالكلية ، وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم حين عظموا كتابه والله أعلم .

قلت : وفي هذا بشارة عظيمة بأن ملك الروم لا يعود أبدا إلى أرض الشام ، وكانت العرب تسمي قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الروم ، وكسرى لمن ملك الفرس ، والنجاشي لمن ملك الحبشة ، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية وفرعون لمن ملك مصر كافرا ، وبطليموس لمن ملك الهند ، ولهم أعلام أجناس غير ذلك ، وقد ذكرناها في غير هذا الموضع . والله أعلم .

وروى مسلم ، عن قتيبة وغيره ، عن أبي عوانة ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتفتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى في القصر الأبيض وروى أسباط ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة مثل ذلك ، وزاد : وكنت أنا وأبي فيهم ، فأصبنا من ذلك ألف درهم . ==============                           ===================== ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام

قال ابن إسحاق ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب ، أخا بني أسد بن خزيمة ، إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني ، صاحب دمشق .

قال الواقدي : وكتب معه : سلام على من اتبع الهدى وآمن به ، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له ، يبقى لك ملكك فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال : ومن ينتزع ملكي ؟ إني سأسير إليه==============================                             بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب مدينة الإسكندرية واسمه جريج بن مينا القبطي

قال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية ، فمضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، فقبل الكتاب ، وأكرم حاطبا وأحسن نزله ، وسرحه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأهدى له مع حاطب كسوة ، وبغلة بسرجها ، وجاريتين ، إحداهما أم إبراهيم ، وأما الأخرى فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن قيس العبدي . رواه البيهقي .

ثم روي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه ، عن جده حاطب بن أبي بلتعة ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية . قال : فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزله وأقمت عنده ، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته ، وقال : إني سائلك عن كلام ، فأحب أن تفهم عني ، قال : قلت : هلم . قال : أخبرني عن صاحبك ، أليس هو نبيا ؟ قلت : بلى ، هو رسول الله . قال : فما له [ ص: 493 ] حيث كان هكذا ، لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها ؟ قال : فقلت : عيسى ابن مريم ، أليس تشهد أنه رسول الله ؟ قال : بلى . قلت : فما له حيث أخذه قومه ، فأرادوا أن يصلبوه ، ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إلى السماء الدنيا ؟ فقال لي : أنت حكيم ، قد جاء من عند حكيم ، هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد ، وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مأمنك . قال : فأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار ، منهن أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة العدوي ، وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت الأنصاري ، وأرسل إليه بطرف من طرفهم . وذكر ابن إسحاق أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار ، إحداهن مارية أم إبراهيم ، والأخرى سيرين التي وهبها لحسان بن ثابت ، فولدت له عبد الرحمن بن حسان .

قلت : وكان في جملة الهدية غلام أسود خصي ، اسمه مأبور ، وخفان ساذجان أسودان ، وبغلة بيضاء اسمها الدلدل ، وكان مأبور هذا خصيا ، ولم يعلموا بأمره بادي الأمر ، فصار يدخل على مارية ، كما كان [ ص: 494 ] من عاداتهم ببلاد مصر ، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك ، ولا يعلمون بحقيقة الحال ، وأنه خصي ، حتى قال بعضهم : إنه الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بقتله ، فوجده خصيا فتركه ، والحديث في " صحيح مسلم " .

قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو بن عبد ود ، أخا بني عامر بن لؤي ، إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي ، إلى المنذر بن ساوى ، أخي بني عبد القيس ، صاحب البحرين ، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن الجلندى وعمار بن الجلندى الأزديين صاحبي عمان . ===================================                 سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر

قال الإمام مالك ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل ، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، وهم ثلاثمائة . قال جابر : وأنا فيهم ، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد ، فأتوا أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجمع كله ، فكان مزودي تمر ، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة . قال : فقلت : وما تغني تمرة ؟ فقال : لقد وجدنا فقدها حين فنيت . قال : ثم انتهينا إلى البحر ، فإذا حوت مثل الظرب . قال : فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ، ثم أمر براحلة فرحلت ، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما . أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك ، بنحوه .

وهو في " الصحيحين " أيضا من طريق سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن [ ص: 503 ] دينار ، عن جابر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب ، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح ، نرصد عيرا لقريش ، فأصابنا جوع شديد ، حتى أكلنا الخبط ، فسمي ذلك الجيش جيش الخبط . قال : ونحر رجل ثلاث جزائر ، ثم نحر ثلاث جزائر ، ثم ثلاثا ، فنهاه أبو عبيدة . قال : وألقى البحر دابة يقال لها : العنبر . فأكلنا منها نصف شهر وادهنا ، حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت . ثم ذكر قصة الضلع . فقوله في الحديث : نرصد عيرا لقريش . دليل على أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية . والله أعلم . والرجل الذي نحر لهم الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة ، رضي الله عنهما .

وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق ، ثنا إسماعيل بن قتيبة ، ثنا يحيى بن يحيى ، ثنا أبو خيثمة ، وهو زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر علينا أبا عبيدة ، نتلقى عيرا لقريش ، وزودنا جرابا من تمر ، لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة . قال : فقلت : كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال : كنا نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها الماء ، فتكفينا يومنا إلى الليل ، وكنا [ ص: 504 ] نضرب بعصينا الخبط ، ثم نبله بالماء فنأكله . قال : فانطلقنا إلى ساحل البحر ، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا به دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميتة . ثم قال : لا ، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم ، فكلوا . قال : فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ، ولقد كنا نغرف من وقب عينه بالقلال الدهن ، ونقتطع منه الفدر كالثور ، أو كقدر الثور ، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا ، فأقعدهم في عينه ، وأخذ ضلعا من أضلاعه ، فأقامها ثم رحل أعظم بعير منها ، فمر تحتها ، وتزودنا من لحمها وشائق ، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، فقال : " هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا ؟ " قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه . ورواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس ، وأبو داود ، عن النفيلي ، ثلاثتهم عن أبي خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، به .

قلت : ومقتضى أكثر هذه السياقات ، أن هذه السرية كانت قبل صلح [ ص: 505 ] الحديبية ، ولكن أوردناها هاهنا تبعا للحافظ البيهقي ، رحمه الله ، فإنه أوردها بعد مؤتة وقبل غزوة الفتح . والله أعلم .

وقد ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة ، فقال : حدثنا عمرو بن محمد ، ثنا هشيم ، أنبأنا حصين بن جندب ، ثنا أبو ظبيان ، قال : سمعت أسامة بن زيد يقول : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة ، فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكف الأنصاري ، فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أسامة ، أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله ؟ " قلت : كان متعوذا ، فما زال يكررها ، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف .

ثم روى البخاري من حديث يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات ، علينا مرة أبو بكر ، ومرة أسامة بن زيد ، رضي الله عنهما .

ثم ذكر الحافظ البيهقي هاهنا موت النجاشي - صاحب الحبشة - على الإسلام ، ونعي رسول الله صلى الله عليه وسلم له إلى المسلمين ، وصلاته عليه ، فروى من [ ص: 506 ] طريق مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلى ، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات . أخرجاه من حديث مالك ، وأخرجاه أيضا من حديث الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة بنحوه .

وأخرجاه من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مات اليوم رجل صالح " . فصلوا على أصحمة وقد تقدمت هذه الأحاديث أيضا والكلام عليها ، ولله الحمد .

قلت : والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير ، فإن في " صحيح مسلم " أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق ، كتب إلى النجاشي ، وليس هو بالمسلم . وزعم آخرون كالواقدي أنه هو . والله أعلم .

وروى الحافظ البيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي ، عن موسى بن عقبة عن أبيه ، عن أم كلثوم قالت : لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال : " قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة ، وإني لا أراه إلا قد مات ، [ ص: 507 ] ولا أرى الهدية إلا سترد علي ، فإن ردت علي - أظنه قال - قسمتها بينكن " أو " فهي لك " . قال : فكان كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مات النجاشي وردت الهدية ، فلما ردت عليه ، أعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك ، وأعطى سائره أم سلمة ، وأعطاها الحلة والله أعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق