فصل ( نقل الخلاف فيمن لم يسق الهدي هل له فسخ أم لا ) ==فصل ( قدوم علي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وإيجاده فاطمة قد حلت ) =====فصل فيما حفظ من دعائه ، عليه الصلاة والسلام ، وهو واقف بعرفة ===كر إفاضته ، عليه الصلاة والسلام ، من عرفات إلى المشعر الحرام ==ذكر رميه ، عليه الصلاة والسلام ، جمرة العقبة وحدها يوم النحر ، وكيف رماها ، ومتى رماها ، ومن أي موضع رماها ، وبكم رماها ، وقطعه التلبية حين رماها ==صفة حلقه رأسه الكريم ، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم ==كر إفاضته صلى الله عليه وسلم إلى البيت العتيق ==فصل ( رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة=نزول النبي صلى الله عليه وسلم بمنى حيث المسجد اليوم )== نزول النبي صلى الله عليه وسلم بمنى حيث المسجد اليوم ) ==التحليل الموضوعي
فصل ( خروج النبي صلى الله عليه وسلم من أسفل مكة )== اب بيان أنه ، عليه الصلاة والسلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وأنه اعتمر قبلها ثلاث عمر
==باب صفة خروجه ، عليه الصلاة والسلام ، من المدينة إلى مكة للحج==اب بيان الموضع الذي أهل منه عليه الصلاة والسلام ، واختلاف الناقلين لذلك ، وترجيح الحق في ذلك==ذكر من قال أنه صلى الله عليه وسلم حج متمتعا ==صل ( الجمع بين الروايات التي قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج والروايات التي قالت أنه حج قارنا بين الحج والعمرة )=ذكر مستند من قال : أنه عليه الصلاة والسلام أطلق الإحرام ، ولم يعين حجا ولا عمرة أولا ، ثم بعد ذلك صرفه إلى معين=فصل في إيراد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم
روى أمره ، عليه الصلاة والسلام ، لمن لم يسق الهدي ، بفسخ الحج إلى [ ص: 553 ] العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم هاهنا ، وموضع سرد ذلك كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله ، وقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي : كان ذلك من خصائص الصحابة ، ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم . وتمسكوا بقول أبي ذر ، رضي الله عنه : لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم . وأما الإمام أحمد فرد ذلك وقال : قد رواه أحد عشر صحابيا ، فأين تقع هذه الرواية من ذلك ؟! وذهب ، رحمه الله ، إلى جواز الفسخ لغير الصحابة . وقال ابن عباس ، رضي الله عنهما ، بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدي ، بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك ، وليس عنده النسك إلا القران لمن ساق الهدي ، أو التمتع لمن لم يسق . فالله أعلم .
قال البخاري : ثنا أبو النعمان ، ثنا حماد بن زيد ، عن عبد الملك بن جريج ، عن عطاء ، عن جابر ، وعن طاوس ، عن ابن عباس قالا : قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء ، فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة ، وأن نحل إلى نسائنا ، ففشت في ذلك القالة . قال عطاء : قال جابر : فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا - قال جابر بكفه - فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا ، والله [ ص: 554 ] لأنا أبر وأتقى لله منهم ، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت " . فقام سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا رسول الله ، هي لنا أو للأبد ؟ فقال : " لا بل للأبد " .
وقال مسلم : ثنا قتيبة ، ثنا الليث ، هو ابن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أنه قال : أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد ، وأقبلت عائشة بعمرة ، حتى إذا كنا بسرف عركت ، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي . قال : فقلنا : حل ماذا ؟ قال : " الحل كله " . فواقعنا النساء ، وتطيبنا بالطيب ، ولبسنا ثيابنا ، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال . فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه ، عليه الصلاة والسلام ، قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة ، وذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء ; لأن أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف ، لأن يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في " الصحيحين " كما سيأتي . فلما قدم ، عليه الصلاة والسلام ، يوم الأحد رابع الشهر بدأ - كما ذكرنا - بالطواف بالبيت ، ثم بالسعي بين الصفا والمروة ، فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة ، أمر من لم يكن معه هدي أن يحل من إحرامه حتما ، فوجب ذلك عليهم لا محالة ، ففعلوه وبعضهم متأسف ; لأجل أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدي ، وكانوا يحبون موافقته ، عليه الصلاة والسلام ، والتأسي به ، فلما [ ص: 555 ] رأى ما عندهم من ذلك قال لهم : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " . أي لو أعلم أن هذا يشق عليكم لكنت تركت سوق الهدي حتى أحل كما أحللتم . ومن هاهنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب إليه الإمام أحمد أخذا من هذا ، فإنه قال : لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا ، ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه . وجوابه أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدي ، وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالإحلال ، ولهذا والله أعلم لما تأمل الإمام أحمد هذا السر ، نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدي ; لأمره ، عليه الصلاة والسلام ، من لم يسق الهدي من أصحابه بالتمتع ، وأن القران أفضل في حق من ساق الهدي كما اختار الله عز وجل لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم . والله أعلم . ===================================فصل ( قدوم علي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وإيجاده فاطمة قد حلت )
وقدم في هذا الوقت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم منيخ بالبطحاء خارج مكة - علي من اليمن ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثه ، كما قدمنا ، إلى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد ، رضي الله عنهما ، فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حلت كما حل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لم يسوقوا الهدي ، واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا ، فقال : من أمرك بهذا ؟ قالت : أبي . فذهب محرشا عليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنها حلت ، ولبست ثيابا صبيغا ، واكتحلت ، وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله . فقال : " صدقت ، صدقت ، صدقت " . ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بم أهللت حين أوجبت الحج ؟ " قال : بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم . قال : " فإن معي الهدي فلا تحل " . فكان جماعة الهدي الذي جاء به علي من اليمن ، والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة [ ص: 557 ] واشتراه في الطريق مائة من الإبل ، واشتركا في الهدي جميعا . وقد تقدم هذا كله في " صحيح مسلم " ، رحمه الله .
وهذا التقرير يرد الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني ، رحمه الله ، من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، أن عليا تلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة . والله أعلم . وكان أبو موسى في جملة من قدم مع علي ، ولكنه لم يسق هديا ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحل ، بعد ما طاف للعمرة وسعى ، ففسخ حجه إلى العمرة ، وصار متمتعا ، فكان يفتي بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب ، فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه ; مهابة لأمير المؤمنين عمر ، رضي الله عنه وأرضاه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : رأيت بلالا يؤذن ويدور وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا ، وأصبعاه في أذنيه . قال : ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء ، أراها من أدم . قال : فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال عبد الرزاق : وسمعته بمكة قال : بالبطحاء - ويمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار ، وعليه حلة حمراء ، كأني أنظر إلى بريق ساقيه . قال سفيان : نراها حبرة .
وقال أحمد : ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة له حمراء ، فخرج بلال بفضل [ ص: 558 ] وضوئه فمن ناضح ونائل . قال : فأذن بلال فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا - يعني يمينا وشمالا - قال : ثم ركزت له عنزة ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة له حمراء - أو حلة حمراء - وكأني أنظر إلى بريق ساقيه ، فصلى بنا إلى عنزة الظهر - أو العصر - ركعتين ، تمر المرأة والكلب والحمار ، لا يمنع ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة . وقال وكيع مرة : فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث سفيان الثوري .
وقال أحمد أيضا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة . ح وحجاج ، أخبرني شعبة ، عن الحكم ، سمعت أبا جحيفة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء ، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة . وزاد فيه عون ، عن أبيه أبي جحيفة : وكان يمر من ورائها الحمار والمرأة . قال حجاج في الحديث : ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم . قال : فأخذت يده فوضعتها على وجهي ، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك . وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث شعبة بتمامه ====================================فصل فيما حفظ من دعائه ، عليه الصلاة والسلام ، وهو واقف بعرفة
قد تقدم أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أفطر يوم عرفة ، فدل على أن الإفطار هناك أفضل من الصيام ; لما فيه من التقوية على الدعاء ; لأنه المقصود الأهم هناك ، ولهذا وقف ، عليه الصلاة والسلام ، وهو راكب على الراحلة ، من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس .
وقد روى أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن حوشب بن عقيل ، عن مهدي الهجري ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا حوشب بن عقيل ، حدثني مهدي المحاربي ، حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال : دخلت على أبي هريرة في بيته ، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات ، فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات . وقال عبد الرحمن مرة : عن مهدي [ ص: 574 ] العبدي . وكذلك رواه أحمد ، عن وكيع ، عن حوشب ، عن مهدي العبدي ، فذكره . وقد رواه أبو داود ، عن سليمان بن حرب ، عن حوشب ، والنسائي عن سليمان بن معبد ، عن سليمان بن حرب به ، وعن الفلاس ، عن ابن مهدي به ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع ، عن حوشب .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أبو أسامة الكلبي ، ثنا حسن بن الربيع ، ثنا الحارث بن عبيد ، عن حوشب بن عقيل ، عن مهدي الهجري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة . قال البيهقي : كذا قال الحارث بن عبيد ، والمحفوظ : عن عكرمة ، عن أبي هريرة .
وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في " صحيحه " عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة ، فقال : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ، ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه ، وأنا فلا أصومه ، ولا آمر [ ص: 575 ] به ولا أنهى عنه
قال الإمام مالك ، عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل الدعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له " . قال البيهقي : هذا مرسل ، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولا ، وإسناده ضعيف .
وقد روى الإمام أحمد والترمذي ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل الدعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . وللإمام أحمد أيضا ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : " لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " .
وقال أبو عبد الله بن منده : أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري ، ثنا أحمد بن داود بن جابر الأحمسي ، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي ، ثنا فرج بن [ ص: 576 ] فضالة ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " .
وقال الإمام أحمد : ثنا يزيد - يعني ابن عبد ربه الجرجسي - ثنا بقية بن الوليد ، حدثني جبير بن عمرو القرشي ، عن أبي سعيد الأنصاري ، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام ، عن الزبير بن العوام ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " ( آل عمران : 18 ) وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في " مناسكه " : ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري ، ثنا عفان بن مسلم ، ثنا قيس بن الربيع ، عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي ، عشية عرفة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " .
[ ص: 577 ] وقال الترمذي في الدعوات : ثنا محمد بن حاتم المؤدب ، ثنا علي بن ثابت ، ثنا قيس بن الربيع ، وكان من بني أسد ، عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة بن حصين ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : كان أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف : " اللهم لك الحمد كالذي نقول ، وخيرا مما نقول ، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ، ولك رب تراثي ، أعوذ بك من عذاب القبر ، ووسوسة الصدر ، وشتات الأمر ، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح " . ثم قال : غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي .
وقد رواه الحافظ البيهقي ، من طريق موسى بن عبيدة ، عن أخيه عبد الله بن عبيدة ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة ، أن أقول : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم اجعل في بصري نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي قلبي نورا ، اللهم اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر ، وشتات الأمر ، وشر فتنة القبر ، وشر ما يلج في الليل ، وشر ما يلج في النهار ، وشر ما تهب به الرياح ، وشر بوائق الدهر " . ثم قال : تفرد به موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف ، وأخوه عبد الله لم يدرك عليا .
وقال الطبراني في " مناسكه " : حدثنا يحيى بن عثمان المصري ، ثنا [ ص: 578 ] يحيى بن بكير ، ثنا يحيى بن صالح الأيلي ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : كان فيما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " اللهم إنك تسمع كلامي ، وترى مكاني ، وتعلم سري وعلانيتي ، ولا يخفى عليك شيء من أمري ، أنا البائس الفقير ، المستغيث المستجير ، الوجل المشفق ، المقر المعترف بذنبه ، أسألك مسألة المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ; من خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عبرته ، وذل لك جسده ، ورغم لك أنفه ، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا ، وكن بي رءوفا رحيما ، يا خير المسئولين ويا خير المعطين " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، أنبأنا عبد الملك ، ثنا عطاء قال : قال أسامة بن زيد كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فرفع يديه يدعو ، فمالت به ناقته فسقط خطامها . قال : فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى . وهكذا رواه النسائي ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن هشيم به .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو عبد الله محمد بن [ ص: 579 ] يعقوب ، ثنا علي بن الحسن ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ، ثنا ابن جريج ، عن حسين بن عبد الله الهاشمي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين .
وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده " : حدثنا عبد القاهر بن السري ، حدثني ابن لكنانة بن العباس بن مرداس ، عن أبيه ، عن جده عباس بن مرداس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة ، فأكثر الدعاء ، فأوحى الله إليه : إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا ، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم ، فقد غفرتها . فقال : " يا رب ، إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته ، وتغفر لهذا الظالم " . فلم يجبه تلك العشية ، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء ، فأجابه الله تعالى : إني قد غفرت لهم . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه : يا رسول الله ، تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها . قال : " تبسمت من عدو الله إبليس ; إنه لما علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي ، أهوى يدعو بالويل والثبور ، ويحثو التراب على رأسه " . ورواه أبو داود السجستاني في " سننه " عن عيسى بن إبراهيم البركي وأبي الوليد الطيالسي ، كلاهما عن عبد القاهر بن السري ، عن ابن كنانة بن [ ص: 580 ] عباس بن مرداس ، عن أبيه ، عن جده مختصرا . ورواه ابن ماجه ، عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري ، عن عبد الله بن كنانة بن عباس ، عن أبيه ، عن جده به مطولا . ورواه ابن جرير في " تفسيره " عن إسماعيل بن سيف العجلي ، عن عبد القاهر بن السري ، عن ابن كنانة ويكنى أبا كنانة ، عن أبيه ، عن جده العباس بن مرداس ، فذكره .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عمن سمع قتادة يقول : ثنا خلاس بن عمرو ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : " أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم ، فغفر لكم ، إلا التبعات فيما بينكم ، ووهب مسيئكم لمحسنكم ، وأعطى محسنكم ما سأل ، فادفعوا بسم الله " . فلما كان بجمع قال : " إن الله قد غفر لصالحيكم ، وشفع صالحيكم في طالحيكم ، [ ص: 581 ] تنزل الرحمة فتعمهم ، ثم تفرق الرحمة في الأرض ، فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده ، وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم ، فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور ، يقول : كنت أستفزهم حقبا من الدهر ، فجاءت المغفرة فغشيتهم . فيتفرقون يدعون بالويل والثبور ====================================83 ] ذكر إفاضته ، عليه الصلاة والسلام ، من عرفات إلى المشعر الحرام
قال جابر في حديثه الطويل : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص ، فأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : " أيها الناس ، السكينة السكينة " . كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا . رواه مسلم .
وقال البخاري : باب السير إذا دفع من عرفة . حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : سئل أسامة وأنا جالس : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص . قال هشام : والنص فوق العنق ورواه الإمام أحمد [ ص: 584 ] وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد به .
وقال الإمام أحمد : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة . قال : فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع حطمة الناس خلفه قال : " رويدا أيها الناس ، عليكم السكينة ، إن البر ليس بالإيضاع " . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التحم عليه الناس أعنق ، وإذا وجد فرجة نص ، حتى أتى المزدلفة فنزل بها فجمع بين الصلاتين ; المغرب والعشاء الآخرة . ثم رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن إسحاق ، حدثني إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن أسامة بن زيد ، فذكر مثله .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو كامل ، ثنا حماد ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد قال : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه ، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها لتكاد تصيب قادمة الرحل ، [ ص: 585 ] ويقول : " يا أيها الناس ، عليكم السكينة والوقار ، فإن البر ليس في إيضاع الإبل " . وكذا رواه ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة به ، ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن أسامة بنحوه . قال : وقال أسامة : فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن الحجاج ، ثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، ، عن شعبة ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، أنه أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة حتى دخل الشعب ، ثم أهراق الماء وتوضأ ، ثم ركب ولم يصل .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا همام ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن الشعبي ، عن أسامة ، أنه حدثه قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات ، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا .
وقال الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن [ ص: 586 ] ابن عباس ، أخبرني أسامة بن زيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة ، فلما أتى الشعب نزل فبال ، ولم يقل : أهراق الماء . فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا ، فقلت : الصلاة . فقال : " الصلاة أمامك " . قال : ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب ، ثم حلوا رحالهم ، وأعنته ثم صلى العشاء . كذا رواه الإمام أحمد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، فذكره . ورواه النسائي ، عن الحسين بن حريث ، عن سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن عقبة ومحمد بن أبي حرملة ، كلاهما عن كريب ، عن ابن عباس ، عن أسامة . قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه " : والصحيح كريب عن أسامة .
وقال البخاري : ثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن كريب ، عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ، فنزل الشعب فبال ، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء ، فقلت له : الصلاة . فقال : " الصلاة أمامك " . فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت الصلاة فصلى - العشاء - ولم يصل بينهما . وهكذا رواه البخاري أيضا ، عن القعنبي ، ومسلم ، عن يحيى بن يحيى ، والنسائي عن قتيبة ، عن مالك ، عن موسى بن عقبة به . [ ص: 587 ] وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن موسى بن عقبة ، أيضا . ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة ، عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه .
وقال البخاري أيضا : ثنا قتيبة ، ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن أبي حرملة ، عن كريب ، عن أسامة بن زيد أنه قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ، ثم جاء فصببت عليه الوضوء ، فتوضأ وضوءا خفيفا . فقلت : الصلاة يا رسول الله . قال : " الصلاة أمامك " . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتى المزدلفة فصلى ، ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع . قال كريب : فأخبرني عبد الله بن عباس ، عن الفضل ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة . ورواه مسلم ، عن قتيبة ويحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر ، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به .
وقال الإمام أحمد : ثنا وكيع ، ثنا عمر بن ذر ، عن مجاهد ، عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة . قال : فقال الناس : سيخبرنا صاحبنا ما صنع . قال : فقال أسامة : لما دفع من عرفة فوقف ، كف رأس راحلته ، حتى [ ص: 588 ] أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه ، يشير إلى الناس بيده : " السكينة السكينة السكينة " . حتى أتى جمعا ، ثم أردف الفضل بن عباس ، قال : فقال الناس : سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال الفضل : لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالأمس ، حتى أتى على وادي محسر ، فدفع فيه حتى استوت به الأرض .
وقال البخاري : ثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا إبراهيم بن سويد ، حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي ، حدثني ابن عباس ، أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا ، وضربا للإبل ، فأشار بسوطه إليهم ، وقال : " أيها الناس ، عليكم بالسكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع " . تفرد به البخاري من هذا الوجه . وقد تقدم رواية الإمام أحمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد . فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن عمر . ثنا المسعودي ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات أوضع الناس ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي : " أيها الناس ، ليس البر بإيضاع الخيل ولا الركاب " . قال : فما رأيت من رافعة يديها عادية ، حتى نزل جمعا .
وقال الإمام أحمد : ثنا حسين وأبو نعيم ، قالا : ثنا إسرائيل ، عن [ ص: 589 ] عبد العزيز بن رفيع قال : حدثني من سمع ابن عباس يقول : لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عرفات وجمع إلا ليهريق الماء .
وقال الإمام أحمد : ثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عبد الملك ، عن أنس بن سيرين قال : كنت مع ابن عمر بعرفات ، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام ، فصلى معه الأولى والعصر ، ثم وقف معه وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الإمام فأفضنا معه ، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين ، فأناخ وأنخنا ، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي ، فقال غلامه الذي يمسك راحلته : إنه ليس يريد الصلاة ، ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته ، فهو يحب أن يقضي حاجته .
وقال البخاري : ثنا موسى ، ثنا جويرية ، عن نافع قال : كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيدخل فينتفض ، ويتوضأ ولا يصلي حتى يجيء جمعا . تفرد به البخاري ، رحمه الله ، من هذا الوجه .
وقال البخاري : ثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري عن سالم بن [ ص: 590 ] عبد الله ، عن ابن عمر قال : جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع ، كل واحدة منهما بإقامة ، ولم يسبح بينهما ، ولا على إثر واحدة منهما .
ورواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا .
ثم قال مسلم : حدثني حرملة ، حدثني ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع ، ليس بينهما سجدة ، فصلى المغرب ثلاث ركعات ، وصلى العشاء ركعتين ، فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله .
ثم روى مسلم من حديث شعبة ، عن الحكم وسلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير ، أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة واحدة ، ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك . وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك . ثم رواه من طريق الثوري ، عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة .
ثم قال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن نمير ثنا [ ص: 591 ] إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق قال : قال سعيد بن جبير أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة ، ثم انصرف فقال : هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان .
وقال البخاري : ثنا خالد بن مخلد ، ثنا سليمان بن بلال ، حدثني يحيى بن سعيد ، حدثني عدي بن ثابت ، حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي ، حدثني أبو أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة . ورواه البخاري أيضا في المغازي ، عن القعنبي ، عن مالك ، ومسلم من حديث سليمان بن بلال والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عدي بن ثابت به . ورواه النسائي أيضا ، عن الفلاس ، عن يحيى القطان ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت به .
ثم قال البخاري : باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما . حدثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير بن حرب ، ثنا أبو إسحاق ، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول : حج عبد الله ، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك ، فأمر رجلا فأذن وأقام ، ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين ، ثم دعا بعشائه فتعشى ، ثم أمر رجلا فأذن وأقام - قال عمرو : لا أعلم الشك إلا من زهير - ثم صلى العشاء ركعتين ، فلما طلع الفجر قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم . قال عبد الله : هما صلاتان تحولان عن وقتهما ; صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة ، والفجر حين يبزغ [ ص: 592 ] الفجر . قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله . وهذا اللفظ ، وهو قوله : والفجر حين يبزغ الفجر . أبين وأظهر من الحديث الآخر الذي رواه البخاري ، عن حفص بن عمر بن غياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين ; جمع بين المغرب والعشاء ، وصلى الفجر قبل ميقاتها . ورواه مسلم من حديث أبي معاوية وجرير ، عن الأعمش به .
وقال جابر في حديثه : ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة . وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي .
قال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا ابن أبي خالد وزكريا ، عن الشعبي ، أخبرني عروة بن مضرس قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع ، فقلت : يا رسول الله ، جئتك من جبلي طيء ، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال : " من شهد معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر - بجمع ، ووقف معنا حتى نفيض منه ، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه " . وقد رواه الإمام أحمد أيضا ، وأهل السنن الأربعة من طرق عن الشعبي ، عن عروة بن [ ص: 593 ] مضرس ، وقال الترمذي : حسن صحيح .=ذكر تلبيته ، عليه الصلاة والسلام ، بالمزدلفة
قال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن حصين ، عن كثير بن مدرك ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : قال عبد الله ونحن بجمع : سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام : " لبيك اللهم لبيك " .
==================================== ذكر رميه ، عليه الصلاة والسلام ، جمرة العقبة وحدها يوم النحر ، وكيف رماها ، ومتى رماها ، ومن أي موضع رماها ، وبكم رماها ، وقطعه التلبية حين رماها
قد تقدم من حديث أسامة والفضل وغيرهما من الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين ، أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة .
وقال البيهقي : أنبأنا الإمام أبو عثمان ، أنبأنا أبو طاهر بن خزيمة ، أنبأنا جدي - يعني إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - ثنا علي بن حجر ، ثنا شريك ، عن عامر بن شقيق ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة .
وبه عن ابن خزيمة ، ثنا عمر بن حفص الشيباني ، ثنا حفص بن غياث ، ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن ابن عباس ، عن الفضل قال : أفضت مع رسول الله من عرفات ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة . قال البيهقي : [ ص: 607 ] وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة ، عن ابن عباس ، عن الفضل وإن كان ابن خزيمة قد اختارها .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني أبان بن صالح عن عكرمة قال : أفضت مع الحسين بن علي ، فما أزال أسمعه يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، فلما قذفها أمسك ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، وأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك .
وتقدم من حديث الليث ، عن أبي الزبير ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس ، عن أخيه الفضل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في وادي محسر بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة . رواه مسلم .
وقال أبو العالية ، عن ابن عباس : حدثني الفضل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة يوم النحر : " هات فالقط لي حصى " . فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف ، فوضعهن في يده ، فقال : " بأمثال هؤلاء ، بأمثال هؤلاء ، وإياكم والغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " . رواه البيهقي .
وقال جابر في حديثه : حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل - حصى الخذف ، رمى من [ ص: 608 ] بطن الوادي . رواه مسلم .
وقال البخاري : وقال جابر ، رضي الله عنه ، رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى ، ورمى بعد ذلك بعد الزوال .
وهذا الحديث الذي علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير سمع جابرا قال : رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى ، وأما بعد فإذا زالت الشمس .
وفي " الصحيحين " من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناسا يرمونها من فوقها . فقال : والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة . لفظ البخاري . وفي لفظ له من حديث شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود ، ، أنه أتى الجمرة الكبرى ، فجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ورمى بسبع وقال : هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة .
ثم قال البخاري : باب من رمى الجمار بسبع يكبر مع كل حصاة . قاله ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا إنما يعرف في حديث جابر ، من طريق جعفر بن [ ص: 609 ] محمد ، عن أبيه ، عن جابر - كما تقدم - أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - حصى الخذف .
وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الأعمش عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، ثم قال : من هاهنا والذي لا إله غيره ، قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة .
وروى مسلم من حديث ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، سمع جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بسبع مثل حصى الخذف .
وقال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن زكريا ، ثنا حجاج ، عن الحكم ، عن أبي القاسم - يعني مقسما - عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا . ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع ، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وقال : حسن . وأخرجه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن الحجاج بن أرطاة به .
وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ، من حديث يزيد بن أبي زياد ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أمه أم جندب الأزدية [ ص: 610 ] قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ، ورجل من خلفه يستره ، فسألت عن الرجل فقالوا : الفضل بن عباس . فازدحم الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس ، لا يقتل بعضكم بعضا ، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف " . لفظ أبي داود . وفي رواية له قالت : رأيته عند جمرة العقبة راكبا ، ورأيت بين أصابعه حجرا ، فرمى ورمى الناس ، ولم يقم عندها .
ولابن ماجه : قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة . وذكر الحديث ، وذكر البغلة هاهنا غريب جدا .
وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول : " لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " .
وروى مسلم أيضا من حديث زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين ، عن جدته أم الحصين ، سمعتها تقول : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فرأيته حين رمى جمرة العقبة ، وانصرف وهو على راحلته يوم النحر [ ص: 611 ] وهو يقول : " لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " . وفي رواية قالت : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فرأيت أسامة وبلالا ، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر ، حتى رمى جمرة العقبة .
وقال الإمام أحمد : ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري ، ثنا أيمن بن نابل ، ثنا قدامة بن عبد الله الكلابي ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء ، لا ضرب ، ولا طرد ، ولا إليك إليك . ورواه أحمد أيضا ، عن وكيع ، ومعتمر بن سليمان ، وأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي ، ثلاثتهم عن أيمن بن نابل به . ورواه أيضا ، عن أبي قرة ، عن سفيان الثوري ، عن أيمن . وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث وكيع به . ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع ، عن مروان بن معاوية ، عن أيمن بن نابل به . وقال : هذا حديث حسن صحيح .
[ ص: 612 ] وقال الإمام أحمد : ثنا نوح بن ميمون ، ثنا عبد الله - يعني العمري - عن نافع قال : كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر ، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ، ذاهبا وراجعا ، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ، ذاهبا وراجعا . ورواه أبو داود ، عن القعنبي ، عن عبد الله العمري به .======================================صفة حلقه رأسه الكريم ، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم
قال الإمام أحمد ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق في حجته . ورواه النسائي ، عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الرزاق به .
وقال البخاري : ثنا أبو اليمان ، ثنا شعيب ، قال : قال نافع : كان عبد الله بن عمر يقول : حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته . ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به .
وقال البخاري : ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، ثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر قال : حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من أصحابه ، وقصر بعضهم .
[ ص: 617 ] ورواه مسلم من حديث الليث ، عن نافع به . وزاد : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله المحلقين " . مرة أو مرتين . قالوا : والمقصرين يا رسول الله . قال : " والمقصرين "
وقال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع وأبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن يحيى بن الحصين ، عن جدته ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة . ولم يقل وكيع : في حجة الوداع . وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وعمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، والعلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وقال مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، ثنا حفص بن غياث ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى ، فأتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنى ونحر ، ثم قال للحلاق : " خذ " . وأشار إلى جانبه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس . وفي رواية له : أنه حلق شقه [ ص: 618 ] الأيمن ، فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين ، وأعطى شقه الأيسر لأبي طلحة . وفي رواية له أنه أعطى الأيمن لأبي طلحة ، وأعطاه الأيسر وأمره أن يقسمه بين الناس .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن حرب ، ثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه ، وقد أطاف به أصحابه ; ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل . انفرد به أحمد================================= ذكر إفاضته صلى الله عليه وسلم إلى البيت العتيق
قال جابر : ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم ، فقال : " انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم " . فناولوه دلوا فشرب منه . رواه مسلم . ففي هذا السياق ما يدل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، ركب إلى مكة قبل الزوال ، فطاف بالبيت ، ثم لما فرغ صلى الظهر هناك .
وقال مسلم أيضا : أخبرنا محمد بن رافع ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ، ثم رجع فصلى الظهر بمنى . وهذا خلاف حديث جابر ، وكلاهما عند مسلم ، فإن عملنا بهما أمكن أن يقال أنه ، عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بمكة ، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه ، فصلى بهم . والله أعلم . ورجوعه ، عليه الصلاة والسلام ، إلى منى في وقت الظهر ممكن ; لأن ذلك الوقت كان صيفا ، والنهار طويل ، وإن كان قد صدر منه ، عليه الصلاة والسلام ، أفعال كثيرة في صدر هذا النهار ; فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا ، ولكنه قبل طلوع الشمس ، ثم قدم منى فبدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات ، ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ، ونحر علي بقية المائة ، ثم أخذ من كل بدنة [ ص: 623 ] بضعة ، ووضعت في قدر ، وطبخت حتى نضجت ، فأكل من ذلك اللحم ، وشرب من ذلك المرق ، وفي غضون ذلك حلق رأسه ، عليه الصلاة والسلام ، وتطيب ، فلما فرغ من هذا كله ركب إلى البيت ، وقد خطب عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم خطبة عظيمة ، ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت أو بعد رجوعه منه إلى منى . فالله أعلم .
والمقصود أنه ركب إلى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا ، ولم يطف بين الصفا والمروة كما ثبت في " صحيح مسلم " عن جابر وعائشة ، رضي الله عنهما ، ثم شرب من ماء زمزم ، ومن نبيذ بتمر من ماء زمزم . فهذا كله مما يقوي قول من قال أنه ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الظهر بمكة . كما رواه جابر . ويحتمل أنه رجع إلى منى في آخر وقت الظهر ، فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا ، وهذا هو الذي أشكل على ابن حزم ، فلم يدر ما يقول فيه ، وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه . والله أعلم .
وقال أبو داود : ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد ، المعنى ، قالا : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ، كل جمرة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة .
[ ص: 624 ] قال ابن حزم : فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الظهر يوم النحر بمكة ، وهما ، والله أعلم ، أضبط لذلك من ابن عمر . كذا قال ، وليس بشيء ، فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الظهر بمكة ، بل محتملة ; إن كان المحفوظ في الرواية : حتى صلى الظهر . وإن كانت الرواية : حين صلى الظهر . وهو الأشبه ; فإن ذلك دليل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت ، وهو محتمل . والله سبحانه وتعالى أعلم . وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر ، فإن هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب إلى البيت ، وحديث جابر يقتضي أنه ركب إلى البيت قبل أن يصلي الظهر وصلاها بمكة .
وقد قال البخاري : وقال أبو الزبير ، عن عائشة وابن عباس : أخر النبي صلى الله عليه وسلم الزيارة - يعني طواف الزيارة - إلى الليل . وهذا الذي علقه البخاري قد رواه الناس من حديث أبي حذيفة ، ويحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ونوح بن ميمون ، عن سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن عائشة وابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل . ورواه أهل السنن الأربعة من حديث سفيان به . وقال الترمذي : حسن .
[ ص: 625 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله ، ثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن عائشة وابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار ليلا . فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك إلى ما بعد الزوال ، كأنه يقول : إلى العشي . صح ذلك . وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا ، ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه ، عليه الصلاة والسلام ، طاف يوم النحر نهارا ، وشرب من سقاية زمزم . وأما الطواف الذي ذهب في الليل إلى البيت بسببه فهو طواف الوداع - ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء الله - أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع ، وبعد طواف الصدر الذي هو طواف الفرض . وقد ورد حديث سنذكره في موضعه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى ، وهذا بعيد أيضا . والله أعلم .
وقد روى الحافظ البيهقي من حديث عمر بن قيس ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه ، فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة ، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا . وهذا حديث غريب جدا أيضا ، وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل . والصحيح من الروايات ، وعليه الجمهور ، أنه ، [ ص: 626 ] عليه الصلاة والسلام ، طاف يوم النحر بالنهار ، والأشبه أنه كان قبل الزوال ، ويحتمل أن يكون بعده . والله أعلم .
والمقصود أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب ، ثم جاء زمزم وبنو عبد المطلب يستقون منها ، ويسقون الناس ، فتناول منها دلوا فشرب منه ، وأفرغ عليه منه .
كما قال مسلم : ثنا محمد بن منهال الضرير ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا حميد الطويل ، عن بكر بن عبد الله المزني ، سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة : قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة ، فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب ، وسقى فضله أسامة ، وقال : " أحسنتم وأجملتم ، هكذا فاصنعوا " . قال ابن عباس : فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي رواية عن بكر أن أعرابيا قال لابن عباس : مالي أرى بني عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ ؟ أمن حاجة بكم ، أم من بخل ؟ فذكر له ابن عباس هذا الحديث .
وقال أحمد : حدثنا روح ، ثنا حماد ، عن حميد ، عن بكر ، عن عبد الله ، أن أعرابيا قال لابن عباس : ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل ، وآل فلان يسقون اللبن ، وأنتم تسقون النبيذ ؟ أمن بخل بكم أو حاجة ؟ فقال ابن عباس : ما بنا بخل ولا حاجة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ورديفه أسامة بن زيد ، فاستسقى فسقيناه من هذا - يعني نبيذ السقاية - فشرب منه ، وقال : [ ص: 627 ] " أحسنتم ، هكذا فاصنعوا " . ورواه أحمد ، عن روح ومحمد بن بكر ، عن ابن جريج ، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن ابن عباس ، فذكره .
وروى البخاري عن إسحاق بن شاهين ، عن خالد ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى ، فقال العباس : يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها . فقال : " اسقني " . فقال : يا رسول الله ، إنهم يجعلون أيديهم فيه . قال : " اسقني " . فشرب منه ، ثم أتى زمزم وهم يسقون ، ويعملون فيها ، فقال : " اعملوا فإنكم على عمل صالح " . ثم قال : " لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه " . يعني عاتقه ، وأشار إلى عاتقه .
وعنده من حديث عاصم ، عن الشعبي ، أن ابن عباس قال : سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم ، فشرب وهو قائم . قال عاصم : فحلف عكرمة : ما كان يومئذ إلا على بعير . وفي رواية : ناقته .
وقال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عكرمة ، عن ابن [ ص: 628 ] عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير ، واستلم الحجر بمحجن كان معه . قال : وأتى السقاية فقال : " اسقوني " . فقالوا : إن هذا يخوضه الناس ، ولكنا نأتيك به من البيت . فقال : " لا حاجة لي فيه ، اسقوني مما يشرب منه الناس " .
وقد روى أبو داود ، عن مسدد ، عن خالد الطحان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونحن نستقي ، فطاف على راحلته . الحديث .
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح وعفان ، قالا : ثنا حماد ، عن قيس - وقال عفان في حديثه : أنبأنا قيس - عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أنه قال : جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب ثم مج فيها ثم أفرغناها في زمزم ثم قال : " لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي " . انفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم . ================================= فصل ( رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة )
ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى منى بعدما صلى الظهر بمكة ، كما دل عليه حديث جابر . وقال ابن عمر : رجع فصلى الظهر بمنى رواهما مسلم كما تقدم قريبا ، ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى . والله أعلم . وتوقف ابن حزم في هذا المقام ، فلم يجزم فيه بشيء وهو معذور ; لتعارض النقلين الصحيحين فيه . فالله أعلم .
وقال محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس ، كل جمرة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة . رواه أبو داود منفردا به . وهذا يدل على أن ذهابه ، عليه الصلاة والسلام ، إلى مكة يوم النحر كان بعد الزوال . وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعا ، وفي منافاته لحديث جابر نظر . والله أعلم =======================)))))))))))))))))==== ( نزول النبي صلى الله عليه وسلم بمنى حيث المسجد اليوم )
ثم نزل عليه الصلاة والسلام بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال ، وأنزل المهاجرين يمنته والأنصار يسرته ، والناس حولهم من بعدهم .
وقال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ، ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري ، ثنا عبيد الله بن موسى ، أنبأنا إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن يوسف بن ماهك ، عن أم مسيكة ، عن عائشة ، قالت : قيل : يا رسول الله ، ألا نبني لك بمنى بناء يظلك ؟ قال : " لا ; منى مناخ من سبق " . وهذا إسناد لا بأس به ، وليس هو في " المسند " ، ولا في الكتب الستة من هذا الوجه .
وقال أبو داود : ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي ، ثنا يحيى ، عن ابن [ ص: 645 ] جريج ، أخبرني حريز - أو أبو حريز ، الشك من يحيى - أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال : إنا نتبايع بأموال الناس ، فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال . فقال : أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات بمنى وظل . انفرد به أبو داود .
ثم قال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا ابن نمير وأبو أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ، فأذن له . وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير ، زاد البخاري : وأبي ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم : وأبي أسامة حماد بن أسامة . وقد علقه البخاري ، عن أبي أسامة وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله بن عمر به . وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ركعتين ، كما ثبت عنه ذلك في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب ، رضي الله عنهما ، ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك ، كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم ; قالوا : ومن قال أنه ، عليه الصلاة والسلام كان يقول بمنى لأهل مكة " أتموا ، فإنا قوم سفر " . فقد غلط ، إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو نازل بالأبطح ، كما تقدم . والله أعلم . وكان صلى الله عليه وسلم يرمي [ ص: 646 ] الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال - كما قال جابر فيما تقدم - ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف ، كل جمرة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ويقف عند الأولى وعند الثانية يدعو الله ، عز وجل ، ولا يقف عند الثالثة .
قال أبو داود : ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد ، المعنى ، قالا : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ، كل جمرة بسبع حصيات ، ويكبر مع كل حصاة ، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها . انفرد به أبو داود .
وروى البخاري من غير وجه عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ، يكبر على إثر كل حصاة ، ثم يتقدم حتى يسهل ، فيقوم مستقبل القبلة طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الوسطى ، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ، ولا يقف عندها ، ثم ينصرف ، فيقول : هكذا رأيت [ ص: 647 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله .
وقال وبرة بن عبد الرحمن : قام ابن عمر عند العقبة بقدر قراءة سورة " البقرة " . وقال أبو مجلز : حزرت قيامه بقدر قراءة سورة " يوسف " . ذكرهما البيهقي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن أبي البداح ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما .
وقال أحمد : ثنا محمد بن بكر ، وأنا روح ، ثنا ابن جريج ، ، أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ، عن أبيه ، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ، ثم يدعوا يوما وليلة ، ثم يرموا الغد .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرحمن ، ثنا مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 648 ] رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى ; يرمون يوم النحر ، ثم يرمون الغد أو من بعد الغد اليومين ، ثم يرمون يوم النفر . وكذا رواه عن عبد الرزاق ، عن مالك بنحوه . وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث مالك ، ومن حديث سفيان بن عيينة به . قال الترمذي : ورواية مالك أصح ، وهو حديث حسن صحيح [ ص: 654 ] ذكر إيراد حديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في كل ليلة من ليالي منى
قال البخاري : يذكر عن أبي حسان ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في أيام منى . هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض .
وقد قال الحافظ البيهقي : أخبرناه أبو الحسن بن عبدان ، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا العمري ، أنبأنا ابن عرعرة قال : دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال : سمعته من أبي . ولم يقرأه قال : فكان فيه عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى . قال : وما رأيت أحدا واطأه عليه . قال البيهقي : وروى الثوري في " الجامع " عن ابن طاوس ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة . يعني ليالي منى وهذا مرسل ===================================التحليل الموضوعي
فصل ( خروج النبي صلى الله عليه وسلم من أسفل مكة )
ثم خرج ، عليه الصلاة والسلام ، من أسفل مكة ، كما قالت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من أعلاها ، وخرج من أسفلها أخرجاه .
وقال ابن عمر : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا التي بالبطحاء ، وخرج من الثنية السفلى . رواه البخاري ومسلم . وفي لفظ : دخل من كداء ، وخرج من كدى .
وقد قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن فضيل ، ثنا أجلح بن عبد الله ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة عند غروب الشمس ، [ ص: 664 ] فلم يصل حتى أتى سرفا ، وهي على تسعة أميال من مكة . وهذا غريب جدا . وأجلح فيه نظر ، ولعل هذا في غير حجة الوداع فإنه ، عليه الصلاة والسلام ، كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح ، فماذا أخره إلى وقت الغروب ؟! هذا غريب جدا ، اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه ، عليه الصلاة والسلام ، رجع إلى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع ، ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم ، فلقيته مصعدة وهو منهبط على أهل مكة ، أو منهبطة وهو مصعد . قال ابن حزم : الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط ; لأنها تقدمت إلى العمرة ، وانتظرها حتى جاءت ، ثم نهض عليه الصلاة والسلام إلى طواف الوداع ، فلقيها منصرفة إلى المحصب من مكة .
وقال البخاري : باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة . وقال محمد بن عيسى : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى ، حتى إذا أصبح دخل ، وإذا نفر مر بذي طوى ، وبات بها حتى يصبح ، وكان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك . هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم ، وقد أسنده هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به ، لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة . فالله أعلم .
[ ص: 665 ] فائدة عزيزة : فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصحب معه من ماء زمزم شيئا .
قال الحافظ أبو عيسى الترمذي : حدثنا أبو كريب ، ثنا خلاد بن يزيد الجعفي ، ثنا زهير بن معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها كانت تحمل من ماء زمزم ، وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله . ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وقال البخاري : ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - ثنا موسى بن عقبة ، عن سالم ونافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من الغزو أو الحج أو العمرة ، يبدأ فيكبر ثلاث مرات ، ثم يقول : " لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون ، لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده " . والأحاديث في هذا كثيرة ، ولله الحمد والمنة=============================== باب بيان أنه ، عليه الصلاة والسلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وأنه اعتمر قبلها ثلاث عمر
كما رواه البخاري ومسلم ، عن هدبة ، عن همام ، عن قتادة ، عن أنس قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ، كلهن في ذي القعدة ، إلا التي في حجته . الحديث . وقد رواه يونس بن بكير ، عن عمر بن ذر ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة مثله .
وقال سعيد بن منصور ، عن الدراوردي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ; عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة . وكذا رواه ابن بكير ، عن مالك ، عن هشام بن عروة .
[ ص: 407 ] وروى الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر ، كلهن في ذي القعدة .
وقال أحمد : ثنا أبو النضر ، ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، والثالثة من الجعرانة ، والرابعة التي مع حجته . ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من حديث داود العطار ، وحسنه الترمذي .
وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة وسيأتي في فصل من قال : إنه ، عليه الصلاة والسلام ، حج قارنا . وبالله المستعان .
فالأولى من هذه العمر عمرة الحديبية التي صد عنها ، ثم بعدها عمرة القضاء - ويقال : عمرة القصاص . ويقال : عمرة القضية - ثم بعدها عمرة الجعرانة ، مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه ، والرابعة عمرته مع حجته ، وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة ; هل كان متمتعا بأن أوقع العمرة قبل الحجة وحل منها ؟ أو منعه من الإحلال منها سوقه الهدي ؟ أو كان قارنا لها مع الحجة ؟ كما نذكره من الأحاديث الدالة على ذلك ، أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء [ ص: 408 ] الحجة ؟ وهذا هو الذي يقوله من يقول بالإفراد كما هو المشهور عن الشافعي ، وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحرامه صلى الله عليه وسلم كيف كان ، مفردا أومتمتعا أو قارنا .
قال البخاري : ثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير ، ثنا أبو إسحاق ، حدثني زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة ، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة . قال أبو إسحاق : وبمكة أخرى . وقد رواه مسلم من حديث زهير ، وأخرجاه من حديث شعبة - زاد البخاري : وإسرائيل - ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن زيد . وهذا الذي قاله أبو إسحاق من أنه ، عليه الصلاة والسلام ، حج بمكة حجة أخرى ; أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة ، كما هو ظاهر لفظه ، فهو بعيد ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ، ويدعو الناس إلى الله ويقول : " من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي ؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ، عز وجل " . حتى قيض الله له جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة ، أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ، ثلاث سنين متتاليات ، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية ، وهي ثالث اجتماعه لهم به ، ثم كانت بعدها ، [ ص: 409 ] الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه . والله أعلم .
وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس بالحج ، فاجتمع بالمدينة بشر كثير ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة أو لأربع ، فلما كان بذي الحليفة صلى ، ثم استوى على راحلته ، فلما أخذت به في البيداء لبى ، وأهللنا لا ننوي إلا الحج . وسيأتي الحديث بطوله ، وهو في " صحيح مسلم " وهذا لفظ البيهقي ، من طريق أحمد بن حفص ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن جعفر بن محمد به .=================================== باب صفة خروجه ، عليه الصلاة والسلام ، من المدينة إلى مكة للحج
قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ، ويدخل من طريق المعرس ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي ، وبات حتى يصبح . تفرد به البخاري من هذا الوجه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : وجدت في كتابي ، عن عمرو بن مالك ، عن يزيد بن زريع ، عن هشام ، عن عزرة بن ثابت ، عن ثمامة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل رث ، وتحته قطيفة ، وقال : " حجة لا رياء فيها ولا سمعة " .
وقد علقه البخاري في " صحيحه " فقال : وقال : محمد بن أبي بكر [ ص: 416 ] المقدمي : حدثنا يزيد بن زريع ، عن عزرة بن ثابت ، عن ثمامة قال : حج أنس على رحل رث ، ولم يكن شحيحا . وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته . هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا ، مقطوع الإسناد من أوله .
وقد أسنده الحافظ البيهقي في " سننه " فقال : أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ ، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن أبي بكر ثنا يزيد بن زريع ، فذكره .
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في " مسنده " من وجه آخر ، عن أنس بن مالك فقال : حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا الربيع بن صبيح ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس قال : حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رث ، وقطيفة تساوي - أو لا تساوي - أربعة دراهم فقال : " اللهم حجة لا رياء فيها " .
[ ص: 417 ] وقد رواه الترمذي في " الشمائل " من حديث أبي داود الطيالسي ، وسفيان الثوري ، وابن ماجه من حديث وكيع بن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به . وهو إسناد ضعيف من جهة يزيد بن أبان الرقاشي ، فإنه غير مقبول الرواية عند الأئمة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، ثنا إسحاق بن سعيد ، عن أبيه قال : صدرت مع ابن عمر ، فمرت بنا رفقة يمانية ، ورحالهم الأدم وخطم إبلهم الجرر ، فقال عبد الله : من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع ، فلينظر إلى هذه الرفقة . ورواه أبو داود عن هناد ، عن وكيع ، عن إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن [ ص: 418 ] العاص ، عن أبيه ، عن ابن عمر فذكره .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو طاهر الفقيه ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق ، وأبو بكر بن الحسن ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا : ثنا أبو العباس - هو الأصم - أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أنبأنا سعيد بن بشير القرشي ، حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بشر بن قدامة الضبابي قال : أبصرت عيناي حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء ، تحته قطيفة بولانية وهو يقول : " اللهم اجعلها حجة غير رئاء ولا هباء ولا سمعة " . والناس يقولون : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، ثنا ابن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، أن أسماء بنت أبي بكر قالت : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجاجا ، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجلست إلى جنب أبي ، وكانت [ ص: 419 ] زمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر ، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع وليس معه بعيره ، فقال : أين بعيرك . فقال : أضللته البارحة . فقال أبو بكر : بعير واحد تضله! فطفق يضربه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول : " انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع " . وكذا رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة . وأخرجه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس به .
فأما الحديث الذي رواه أبو بكر البزار في " مسنده " قائلا : حدثنا إسماعيل بن حفص ، ثنا يحيى بن يمان ، ثنا حمزة الزيات ، عن حمران بن أعين ، عن أبي الطفيل ، عن أبي سعيد قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم ، ومشيهم خلط الهرولة فإنه حديث منكر ضعيف الإسناد ، وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف ، وشيخه متروك الحديث . وقد قال البزار : لا يروى إلا من هذا الوجه ، وإن كان إسناده حسنا عندنا ، ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث ; لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة .
قلت : ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من عمره ماشيا ; لا في الحديبية ، ولا في القضاء ، ولا الجعرانة ، ولا في حجة الوداع ، وأحواله ، عليه الصلاة [ ص: 420 ] والسلام ، أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس ، بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله . والله أعلم . =================================== باب بيان الموضع الذي أهل منه عليه الصلاة والسلام ، واختلاف الناقلين لذلك ، وترجيح الحق في ذلك
ذكر من قال أنه أحرم من المسجد الذي بذي الحليفة بعد الصلاة
تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : " أتاني آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة " .
وقال البخاري : باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة ، حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، ثنا موسى بن عقبة ، سمعت سالم بن عبد الله ، سمعت بن عمر ، رضي الله عنهما . وحدثنا عبد الله بن مسلمة ، ثنا مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول : ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد . يعني مسجد ذي الحليفة . وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق ، عن موسى بن عقبة وفي رواية لمسلم ، عن موسى بن [ ص: 432 ] عقبة ، عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر ، ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره ، وزاد : فقال : " لبيك اللهم لبيك " . وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال : قال عبد الله بن عمر : بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ما أهل رسول الله إلا من عند المسجد .
وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتي في الشق الآخر ، وهو ما أخرجاه في " الصحيحين " من طريق مالك ، عن سعيد المقبري ، عن عبيد بن جريج ، عن ابن عمر ، فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال : وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لعبد الله بن عباس : يا أبا العباس ، عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب! فقال : إني لأعلم الناس بذلك ، إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة ، فمن هناك اختلفوا ; خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه ، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه . فسمع ذلك منه أقوام ، فحفظوا عنه ، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا ، فسمعوه [ ص: 433 ] حين استقلت به ناقته يهل ، فقالوا : إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته . ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا شرف البيداء أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام ، فقالوا : إنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء . وايم الله لقد أوجب في مصلاه ، وأهل حين استقلت به ناقته ، وأهل حين علا شرف البيداء . فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه . وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن عبد السلام بن حرب ، عن خصيف به نحوه ، وقال الترمذي : حسن غريب لا نعرف أحدا رواه غير عبد السلام . كذا قال ، وقد تقدم رواية الإمام أحمد له من طريق محمد بن إسحاق عنه ، وكذلك رواه الحافظ البيهقي ، عن الحاكم ، عن القطيعي ، عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، ثم قال : خصيف الجزري غير قوي ، وقد رواه الواقدي بإسناد له عن ابن عباس . قال البيهقي : إلا أنه لا ينفع متابعة الواقدي ، والأحاديث التي وردت في ذلك عن ابن عمر وغيره أسانيدها قوية ثابتة ، والله تعالى أعلم .
قلت : فلو صح هذا الحديث لكان فيه جمع لما بين الأحاديث من الاختلاف ، وبسط العذر لمن نقل خلاف الواقع ، ولكن في إسناده ضعف ، ثم قد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما ، كما سننبه عليه ونبينه ، وهكذا ذكر من قال أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أهل حين استوت به راحلته .
[ ص: 434 ] قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا هشام بن يوسف ، أنبأنا ابن جريج حدثني محمد بن المنكدر ، عن أنس بن مالك قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا ، وبذي الحليفة ركعتين ، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة ، فلما ركب راحلته واستوت به أهل وقد رواه البخاري ، ومسلم ، وأهل السنن ، من طرق ، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة ، عن أنس .
وثابت في " الصحيحين " من حديث مالك ، عن سعيد المقبري ، عن عبيد بن جريج ، عن ابن عمر قال : وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته .
وأخرجاه في " الصحيحين " من رواية ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة ، ثم يهل حين تستوي به قائمة
وقال البخاري : باب من أهل حين استوت به راحلته ، حدثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج أخبرني صالح بن كيسان عن نافع ، عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة . وقد رواه مسلم ، والنسائي ، من حديث ابن جريج به .
[ ص: 435 ] وقال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة . انفرد به مسلم من هذا الوجه ، وأخرجاه من وجه آخر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه .
ثم قال البخاري : باب الإهلال مستقبل القبلة ، قال أبو معمر : حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن نافع قال : كان ابن عمر إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ، ثم ركب ، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ، ثم يمسك ، حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح ، فإذا صلى الغداة اغتسل ، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . ثم قال : تابعه إسماعيل ، عن أيوب في الغسل . وقد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى ، عن حماد بن زيد . وأسنده فيه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، عن إسماعيل هو ابن علية . ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن إسماعيل ، وعن أبي الربيع الزهراني وغيره ، عن حماد بن زيد ، ثلاثتهم عن أيوب بن أبي تميمة السختياني به . ورواه أبو داود ، عن أحمد بن [ ص: 436 ] حنبل ، عن إسماعيل بن علية به .
ثم قال البخاري : حدثنا سليمان أبو الربيع ، ثنا فليح ، عن نافع قال : كان ابن عمر ، رضي الله عنهما ، إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة ، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ، ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل . تفرد به البخاري من هذا الوجه .
وروى مسلم ، عن قتيبة ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة عن سالم ، عن أبيه قال : بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد حين قام به بعيره . وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه ، وهو أن الإحرام كان من عند المسجد ، ولكن بعدما ركب راحلته واستوت به على البيداء - يعني الأرض - وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء .
ثم قال البخاري في موضع آخر : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، ثنا فضيل بن سليمان ، ثنا موسى بن عقبة ، حدثني كريب ، عن عبد الله بن عباس ، [ ص: 437 ] رضي الله عنهما ، قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه ، هو وأصحابه ، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد ، فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته ، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه ، وقلد بدنه ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يحل من أجل بدنه ; لأنه قلدها ، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم يقصروا من رءوسهم ، ثم يحلوا ، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها ، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال ، والطيب والثياب انفرد به البخاري .
وقد روى الإمام أحمد ، عن بهز بن أسد وحجاج ، وروح بن عبادة ، وعفان بن مسلم ، كلهم عن شعبة قال : أخبرني قتادة قال : سمعت أبا حسان الأعرج الأجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري ، عن ابن عباس قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ، ثم دعا ببدنته فأشعر صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم عنها ، وقلدها نعلين ، ثم دعا براحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج . ورواه أيضا ، عن هشيم ، أنبأنا أصحابنا ، منهم شعبة ، فذكر نحوه . ثم رواه الإمام أحمد أيضا عن روح ، وأبي داود الطيالسي ، ووكيع [ ص: 438 ] بن الجراح ، كلهم عن هشام الدستوائي ، عن قتادة به نحوه . ومن هذا الوجه رواه مسلم في " صحيحه " وأهل السنن في كتبهم .
فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه ، ( عليه الصلاة والسلام ، أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن جبير عنه . والله أعلم . وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الأخرى ، لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته ، ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى . والله أعلم .
ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض ، وهكذا رواية جابر بن عبد الله في " صحيح مسلم " من طريق جعفر الصادق ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبي الحسين زين العابدين ، عن جابر في حديثه الطويل الذي سيأتي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته . سالمة عن المعارض . والله أعلم .
وروى البخاري من طريق الأوزاعي ، سمعت عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته .
[ ص: 439 ] فأما الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق بن يسار ، عن أبي الزناد ، عن عائشة بنت سعد قالت : قال سعد : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته ، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا علا على شرف البيداء . فرواه أبو داود والبيهقي ، من حديث ابن إسحاق ، وفيه غرابة ونكارة . والله أعلم . فهذه الطرق كلها دالة - على القطع أو الظن الغالب - أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أحرم بعد الصلاة وبعدما ركب راحلته وابتدأت به السير . زاد ابن عمر في روايته : وهو مستقبل القبلة ======================================مسألة: الجزء السابع التحليل الموضوعي
ذكر من قال أنه صلى الله عليه وسلم حج متمتعا
قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، ثنا ليث ، حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى ، فساق الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي [ ص: 448 ] الحليفة ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل ، ثم ليهل بالحج وليهد ، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله " . وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة ، استلم الركن أول شيء ، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ، ومشى أربعة أطواف ، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم ، فانصرف ، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ، ونحر هديه يوم النحر ، وأفاض فطاف بالبيت ، ثم حل من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس
قال الإمام أحمد : وحدثنا حجاج ، ثنا ليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج ، وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روى هذا الحديث البخاري ، عن يحيى بن بكير ، ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب ، عن الليث ، عن أبيه ، والنسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي ، عن حجين بن المثنى ، ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن عقيل ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه [ ص: 449 ] به . وأخرجاه صاحبا " الصحيح " من طريق الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة كما ذكره الإمام أحمد ، رحمه الله .
وهذا الحديث من المشكلات على كل من الأقوال الثلاثة ; أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه ، وأما على قول التمتع الخاص فلأنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعدما طاف بالصفا والمروة ، وليس هذا شأن المتمتع ، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت : يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال : " إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر " . فقولهم بعيد ; لأن الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه ، عليه الصلاة والسلام ، إنما أهل أولا بعمرة ، ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج ، فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بإسناد صحيح ، بل ولا حسن ولا ضعيف . وقوله في هذا الحديث : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج . إن أريد بذلك التمتع الخاص ، وهو الذي يحل منه بعد السعي ، فليس كذلك ، فإن في سياق الحديث ما يرده ، ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجه ، عليه الصلاة والسلام ، ما يأباه ، وإن أريد به التمتع العام دخل فيه القران ، وهو المراد . وقوله : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج . إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال : " لبيك اللهم عمرة وحجا " . فهذا سهل ولا ينافي القران ، وإن أريد به أنه أهل [ ص: 450 ] بالعمرة أولا ، ثم أدخل عليها الحج بتراخ ، ولكن قبل الطواف ، قد صار قارنا أيضا ، وإن أريد به أنه أهل بالعمرة ، ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي - كما زعمه زاعمون - ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه إلى منى ، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا ، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود ; لعدم نقله ، ومخالفته الأحاديث الواردة في إثبات القران كما سيأتي ، بل والأحاديث الواردة في الإفراد كما سبق . والله أعلم . والظاهر ، والله أعلم ، أن حديث الليث هذا عن عقيل ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر مروي من الطريق الأخرى عن ابن عمر حين أراد الحج زمن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له : إن الناس كائن بينهم شيء ، فلو أخرت الحج عامك هذا ؟ فقال : إذن أفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . يعني زمن حصر عام الحديبية . فأحرم بعمرة من ذي الحليفة ، ثم لما علا شرف البيداء قال : ما أرى أمرهما إلا واحدا . فأهل بحج معها ، فاعتقد الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل سواء ; بدأ فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، فرووه كذلك ، وفيه نظر ; لما سنبينه .
وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب : أخبرني مالك بن أنس وغيره ، أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال : إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فخرج فأهل بالعمرة ، وسار حتى إذا ظهر على ظاهر البيداء التفت إلى أصحابه فقال : ما أمرهما إلا [ ص: 451 ] واحد ، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة . فخرج حتى جاء البيت ، فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه ، ورأى أن ذلك مجزئ عنه وأهدى . وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث مالك ، وأخرجاه من حديث عبيد الله ، عن نافع به . ورواه عبد الرزاق ، عن عبيد الله ، وعبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به نحوه ، وفيه : ثم قال في آخره : هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفيما رواه البخاري حيث قال : حدثنا قتيبة ، ثنا ليث ، عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير ، فقيل له : إن الناس كائن بينهم قتال ، وإنا نخاف أن يصدوك . قال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة . ( الأحزاب : 21 ) ، إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة . ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال : ما شأن الحج والعمرة إلا واحد ، أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي . فأهدى هديا اشتراه بقديد ، ولم يزد على ذلك ، ولم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ، ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول . وقال ابن عمر : كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن [ ص: 452 ] نافع أن ابن عمر دخل ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال : إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت . قال : قد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت ، فإن يحل بيني وبينه ، أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " . إني أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجا . ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا . وهكذا رواه البخاري ، عن أبي النعمان ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني ، عن نافع به . ورواه مسلم من حديثهما عن أيوب به . فقد اقتدى ابن عمر ، رضي الله عنه ، برسول الله صلى الله عليه وسلم ، في التحلل عند حصر العدو ، والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة ; وذلك لأنه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا ، فخشي أن يكون حصر فجمعهما ، وأدخل الحج على العمرة قبل الطواف ، فصار قارنا ، وقال : ما أرى أمرهما إلا واحدا . يعني لا فرق بين أن يحصر الإنسان عن الحج أو العمرة أو عنهما . فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الأول ، كما صرح به في السياق الأول الذي أوردناه ، وهو قوله : ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول . قال ابن عمر : كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . يعني أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد . يعني بين الصفا والمروة . وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران ; ولهذا روى النسائي ، عن محمد بن منصور ، عن سفيان بن [ ص: 453 ] عيينة ، عن أيوب بن موسى ، عن نافع ، أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا .
ثم رواه النسائي ، عن علي بن ميمون الرقي ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أمية ، وأيوب بن موسى ، وأيوب السختياني ، وعبيد الله بن عمر ، أربعتهم عن نافع ، أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة ، فخشي أن يصد عن البيت . فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا .
والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر : إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف ، فرواه بمعنى ما فهم ، ولم يرد ابن عمر ذلك وإنما أراد ما ذكرناه . والله أعلم بالصواب . ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة ، أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف ، فإنه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص ، فيكون فيه دلالة لمن ذهب إلى أفضلية التمتع . والله تعالى أعلم .
وأما الحديث الذي رواه البخاري في " صحيحه " حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا همام ، عن قتادة ، حدثني مطرف ، عن عمران قال : تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن ، قال رجل برأيه ما شاء فقد رواه مسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن همام ، عن [ ص: 454 ] قتادة به . والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص .
ويدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عبد الله بن الشخير ، عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة . وذكر تمام الحديث .
وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران ، كما قال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا حجاج بن محمد الأعور ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن المسيب قال : اختلف علي وعثمان ، رضي الله عنهما ، وهما بعسفان في المتعة ، فقال علي : ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا . ورواه مسلم من حديث شعبة .
وأخرجه البخاري من حديث شعبة أيضا ، عن الحكم بن عيينة ، عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به . وقال علي : ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد .
ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا ، عن قتادة ، عن عبد الله بن شقيق عنهما ، فقال له علي : ولقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أجل ، ولكنا كنا خائفين .
[ ص: 455 ] وأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث غندر ، عن شعبة ، وعن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة ، عن مسلم بن مخراق القري سمع ابن عباس يقول : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرة ، وأهل أصحابه بحج ، فلم يحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من ساق الهدي من أصحابه ، وحل بقيتهم . فقد رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " وروح بن عبادة ، عن شعبة ، عن مسلم القري ، عن ابن عباس قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج - وفي رواية أبي داود : أهل رسول الله وأصحابه بالحج - فمن كان منهم لم يكن له متعة هدي حل ، ومن كان معه هدي لم يحل . . . الحديث . فإن صححنا الروايتين جاء القران ، وإن توقفنا في كل منهما وقف الدليل ، وإن رجحنا رواية مسلم في " صحيحه " في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الإفراد ، وهو الإحرام بالحج ، فتكون هذه زيادة على الحج ، فيجيء القول بالقران لا سيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك .
وروى مسلم من حديث غندر ومعاذ بن معاذ ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أن رسول الله قال هذه عمرة استمتعنا بها ، فمن لم يكن معه هدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة .
[ ص: 456 ] وروى البخاري ، عن آدم بن أبي إياس ، ومسلم من حديث غندر ، كلاهما عن شعبة ، عن أبي جمرة قال : تمتعت فنهاني ناس ، فسألت ابن عباس فأمرني بها ، فرأيت في المنام كأن رجلا يقول : حج مبرور ومتعة متقبلة . فأخبرت ابن عباس فقال : الله أكبر سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه . والمراد بالمتعة هاهنا القران .
وقال القعنبي وغيره عن مالك بن أنس عن ابن شهاب ، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله . فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي . فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها . فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه . ورواه الترمذي والنسائي ، عن قتيبة ، عن مالك ، وقال الترمذي : صحيح .
وقال عبد الرزاق ، عن معتمر بن سليمان ، وعبد الله بن المبارك ، كلاهما عن سليمان التيمي ، حدثني غنيم بن قيس ، سألت سعد بن أبي وقاص عن التمتع بالعمرة إلى الحج قال : فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر في العرش . يعني مكة ويعني به معاوية .
[ ص: 457 ] ورواه مسلم من حديث شعبة ، وسفيان الثوري ، ويحيى بن سعيد ، ومروان الفزاري ، أربعتهم عن سليمان التيمي ، سمعت غنيم بن قيس ، سألت سعدا عن المتعة فقال : قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش . وفي رواية يحيى بن سعيد : يعني معاوية . وهذا كله من باب إطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص ، وهو الإحرام بالعمرة والفراغ منها ، ثم الإحرام بالحج ، ومن القران ، بل كلام سعد فيه دلالة على إطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج ، وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج ، إما عمرة الحديبية أو عمرة القضاء ، وهو الأشبه ، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح ، وروينا أنه قصر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص في بعض عمره ، وهي عمرة الجعرانة لا محالة . والله أعلم . ==================================فصل ( الجمع بين الروايات التي قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج والروايات التي قالت أنه حج قارنا بين الحج والعمرة )
إن قيل : قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أفرد الحج ، ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم ، أنه جمع بين الحج والعمرة ، فما الجمع بين ذلك ؟ فالجواب : أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج ، ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا ، وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها ، كما هو مذهب الجمهور في القارن ، خلافا لأبي حنيفة ، رحمه الله ، حيث ذهب إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ، واعتمد على ما روي في ذلك عن علي بن أبي طالب ، وفي الإسناد إليه نظر . وأما من روى التمتع ثم روى القران ، فقد قدمنا الجواب عن ذلك بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران ، بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج ، كما قال سعد بن أبي [ ص: 488 ] وقاص تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا - يعني معاوية - يومئذ كافر بالعرش . يعني بمكة . وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين ; إما الحديبية أو القضاء ، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم ; لأنها كانت بعد الفتح ، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر ، وهذا بين واضح . والله أعلم================================ذكر مستند من قال : أنه عليه الصلاة والسلام أطلق الإحرام ، ولم يعين حجا ولا عمرة أولا ، ثم بعد ذلك صرفه إلى معين
وقد حكي عن الشافعي أنه الأفضل ، إلا أنه قول ضعيف . قال الشافعي رحمه الله : أنبأنا سفيان ، أنبأنا ابن طاوس ، وإبراهيم بن ميسرة ، سمعا طاوسا يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء ، فنزل عليه القضاء ، وهو بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه : من كان منهم [ ص: 493 ] أهل بالحج ولم يكن معه هدي ، أن يجعلها عمرة ، وقال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ،ولكن لبدت رأسي وسقت هديي ، فليس لي محل إلا محل هديي " . فقام إليه سراقة بن مالك فقال : يا رسول الله ، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ; أعمرتنا هذه لعامنا هذا ، أم للأبد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " . قال : فدخل علي من اليمن فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : " بم أهللت ؟ " فقال أحدهما عن طاوس : قلت : لبيك إهلال النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر : لبيك حجة النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا مرسل طاوس ، وفيه غرابة . وقاعدة الشافعي ، رحمه الله ، أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره ، اللهم إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في " الرسالة " ; لأن الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة . والله أعلم . وهذا المرسل ليس من هذا القبيل ، بل هو مخالف للأحاديث المتقدمة كلها ; أحاديث الإفراد وأحاديث التمتع وأحاديث القران ، وهي مسندة صحيحة كما تقدم ، فهي مقدمة عليه ; ولأنها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل ، والمثبت مقدم على النافي لو تكافآ ، فكيف والمسند صحيح والمرسل من حيث لا ينهض حجة لانقطاع سنده . والله تعالى أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا محاضر ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر [ ص: 494 ] حجا ولا عمرة ، فلما قدمنا أمرنا أن نحل ، فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية بنت حيي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " حلقى عقرى ، ما أراها إلا حابستكم " . قال : " هل كنت طفت يوم النحر ؟ " قالت : نعم . قال : " فانفري " . قالت : قلت : يا رسول الله إني لم أكن أهللت . قال : " فاعتمري من التنعيم " . قال : فخرج معها أخوها . قالت : فلقينا مدلجا ، فقال : " موعدك كذا وكذا " هكذا رواه البيهقي .
وقد رواه البخاري عن محمد - قيل : هو ابن يحيى الذهلي - عن محاضر بن المورع به ، إلا أنه قال : قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج . وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة .
لكن روى مسلم ، عن سويد بن سعيد ، عن علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة .
وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود [ ص: 495 ] عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج . وهذا أصح وأثبت . والله أعلم . وفي رواية لها من هذا الوجه : خرجنا نلبي ولا نذكر حجا ولا عمرة .
وهو محمول على أنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية ، وإن كانوا قد سموه حال الإحرام ، كما في حديث أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك اللهم حجا وعمرة " . قال أنس : وسمعتهم يصرخون بهما جميعا .
فأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن جابر وأبي سعيد الخدري قالا : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا ، فإنه حديث مشكل على هذا . والله أعلم . ===================================] فصل في إيراد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو وحده منسك مستقل ، رأينا أن إيراده هاهنا أنسب ; لتضمنه التلبية وغيرها مما سلف وما سيأتي ، فنورد طرقه وألفاظه ، ثم نتبعه بشواهده من الأحاديث الواردة في معناه ، وبالله المستعان .
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، ثنا جعفر بن محمد ، حدثني أبي قال : أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة ، فسألناه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث فيالمدينة تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج هذا العام . قال : فنزل المدينة بشر كثير ، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعل ما يفعل ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر بقين من ذي القعدة وخرجنا معه ، حتى إذا أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصنع ؟ قال : " اغتسلي ثم استثفري بثوب ، ثم أهلي " . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء ، أهل بالتوحيد : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " . ولبى الناس ، والناس [ ص: 504 ] يزيدون : ذا المعارج . ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ، فلم يقل لهم شيئا ، فنظرت مد بصري بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش ، ومن خلفه مثل ذلك ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن شماله مثل ذلك . قال جابر : ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، عليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملناه ، فخرجنا لا ننوي إلا الحج ، حتى إذا أتينا الكعبة ، فاستلم نبي الله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود ، ثم رمل ثلاثة ، ومشى أربعة ، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم ، فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( البقرة : 125 ) قال أحمد : وقال أبو عبد الله - يعني جعفرا - : فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون . ثم استلم الحجر ، وخرج إلى الصفا ، ثم قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله ( البقرة : 158 ) . ثم قال : " نبدأ بما بدأ الله به " . فرقي على الصفا ، حتى إذا نظر إلى البيت كبر ، ثم قال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، وصدق عبده ، وهزم - أو غلب - الأحزاب وحده " . ثم دعا ، ثم رجع إلى هذا الكلام ثم نزل ، حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل ، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ، فرقي عليها حتى نظر إلى البيت ، فقال عليها كما قال على الصفا ، فلما كان السابع عند المروة قال : " يا أيها الناس ، إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، فمن لم يكن معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة " . فحل الناس كلهم ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم وهو في أسفل الوادي : يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم [ ص: 505 ] للأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه ، فقال : " للأبد " . ثلاث مرات . ثم قال : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " . قال : وقدم علي من اليمن بهدي ، وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه من هدي المدينة هديا ، فإذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت ، فأنكر ذلك علي عليها ، فقالت : أمرني به أبي . قال : قال علي بالكوفة - قال جعفر : قال أبي : هذا الحرف لم يذكره جابر - : فذهبت محرشا أستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت فاطمة ، قلت : إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت ، وقالت : أمرني به أبي . قال : " صدقت صدقت صدقت ، أنا أمرتها به " . وقال جابر : وقال لعلي : " بم أهللت ؟ " قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك . قال : ومعي الهدي . قال : " فلا تحل " . قال : وكان جماعة الهدي الذي أتى به علي من اليمن ، والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين ، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر ، وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فأكلا من لحمها ، وشربا من مرقها ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد نحرت هاهنا ، ومنى كلها منحر " . ووقف بعرفة فقال : " وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف " . ووقف بالمزدلفة وقال : " وقفت هاهنا ، والمزدلفة كلها موقف " . هكذا أورد الإمام أحمد هذا الحديث ، وقد اختصر آخره جدا . ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في المناسك من " صحيحه " ، عن أبي بكر بن [ ص: 506 ] أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، فذكره .
وقد أعلمنا على الزيادات المتفاوتة من سياق أحمد ومسلم إلى قوله ، عليه الصلاة والسلام ، لعلي : " صدقت صدقت ، ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ " قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم . قال : " فإن معي الهدي فلا تحل " . قال : فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة . قال : فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة له من شعر ، فضربت له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي ، فخطب الناس وقال : " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم ، هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم [ ص: 507 ] ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربانا ; ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ، واتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ; كتاب الله ، وأنتم تسألون عني ; فما أنتم قائلون ؟ " قالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت . فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ، وينكتها إلى الناس : " اللهم اشهد ، اللهم اشهد " . ثلاث مرات ، ثم أذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل جبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة بن زيد خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : [ ص: 508 ] " أيها الناس ، السكينة السكينة " . كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ، فدعاه وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ودفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن العباس ، وكان رجلا حسن الشعر ، أبيض وسيما ، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت ظعن يجرين ، فطفق الفضل ينظر إليهن ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل ، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر ، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل ، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر ، حتى إذا أتى بطن محسر ، فحرك قليلا ، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة ، فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - حصى الخذف ، رمى من بطن الوادي ، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر ، وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكلا من لحمها وشربا من [ ص: 509 ] مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم ، فقال : " انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم ، لنزعت معكم " . فناولوه دلوا فشرب منه . ثم رواه مسلم ، عن عمر بن حفص ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، فذكره بنحوه ، وذكر قصة أبي سيارة ، وأنه كان يدفع بأهل الجاهلية على حمار عري ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف ، ووقفت هاهنا ، وجمع كلها موقف " . وقد رواه أبو داود بطوله عن النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن - وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء - أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر ، بنحو من رواية مسلم ، وقد رمزنا لبعض زياداته عليه . ورواه أبو داود أيضا والنسائي ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن جعفر به . ورواه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى ، عن يحيى بن سعيد ببعضه ، وعن إبراهيم بن هارون البلخي ، عن حاتم بن إسماعيل ببعضه .=====================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق