سنة إحدى عشرة من الهجرة= ذكر أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يصلي بالصحابة أجمعين
= فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته وقبل دفنه عليه الصلاة والسلام
=كر اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة= فصل في ذكر الوقت الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبلغ سنه حال وفاته = فصل في صفة كفنه عليه الصلاة والسلام ===فصل في صفة دفنه عليه الصلاة والسلام وأين دفن=متى وقع دفنه ، عليه الصلاة والسلام==ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته صلى الله عليه وسلم ==
استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة مرجعه من حجة الوداع ، وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام ، من أعظمها خطبا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه ، عليه الصلاة والسلام ، نقله الله ، عز وجل من هذه الدار الفانية إلى النعيم الأبدي في محلة عالية رفيعة ، ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى ، كما قال تعالى : وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى [ الضحى : 4 ، 5 ] . وذلك بعد ما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها ، ونصح أمته ، ودلهم على خير ما يعلمه لهم ، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم .
وقد قدمنا ما رواه صاحبا " الصحيح " من حديث عمر بن الخطاب ، أنه قال : نزل قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [ المائدة : 3 ] يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة .
[ ص: 6 ] وروينا من طريق جيد أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى ، فقيل : ما يبكيك ؟ فقال : إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان . وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد أشار ، عليه الصلاة والسلام ، إلى ذلك فيما رواه مسلم من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند جمرة العقبة وقال لنا : " خذوا عني مناسككم ; فلعلي لا أحج بعد عامي هذا " .
وقد قدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي ، عن صدقة بن يسار ، عن ابن عمر قال : نزلت هذه السورة : إذا جاء نصر الله والفتح . في أوسط أيام التشريق ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع ، فأمر براحلته القصواء فرحلت . ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم .
وهكذا قال عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، لعمر بن الخطاب ; حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة ; ليريهم فضل ابن عباس وتقدمه وعلمه ، حين لامه بعضهم على تقديمه وإجلاسه له مع مشايخ بدر ، فقال : إنه من حيث تعلمون . ثم سألهم وابن عباس حاضر عن تفسير هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [ : 1 - 3 ] . [ ص: 7 ] فقالوا : أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر الله ونحمده ونستغفره . فقال : ما تقول يا ابن عباس ؟ فقال : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه . فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تعلم . وقد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه ، وإن كان لا ينافي ما فسرها به الصحابة أيضا ، رضي الله عنهم .
وكذلك ما رواه الإمام أحمد ، حدثنا وكيع ، عن ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج بنسائه قال : " إنما هي هذه الحجة ، ثم الزمن ظهور الحصر " تفرد به أحمد من هذا الوجه . وقد رواه أبو داود في " سننه " من وجه آخر جيد .
والمقصود أن النفوس استشعرت بوفاته ، عليه الصلاة والسلام في هذه السنة ، ونحن نذكر ذلك ونورد ما روي فيما يتعلق به من الأحاديث والآثار ، وبالله المستعان ، ولنقدم على ذلك ما ذكره الأئمة محمد بن إسحاق بن يسار ، وأبو جعفر بن جرير ، وأبو بكر البيهقي في هذا الموضع قبل الوفاة ; من تعداد حججه وغزواته وسراياه وكتبه ورسله إلى الملوك ، فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا ، ثم نتبعه بالوفاة .
ففي " الصحيحين " من حديث أبي إسحاق السبيعي ، عن زيد بن أرقم ، [ ص: 8 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة ، وحج بعد ما هاجر حجة الوداع ، ولم يحج بعدها . قال أبو إسحاق : وواحدة بمكة . كذا قال أبو إسحاق السبيعي .
وقد قال زيد بن الحباب ، عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجات ; حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة بعد ما هاجر ، معها عمرة ، وساق ستا وثلاثين بدنة ، وجاء علي بتمامها من اليمن .
وقد قدمنا عن غير واحد من الصحابة ، منهم أنس بن مالك في " الصحيحين " أنه ، عليه الصلاة والسلام ، اعتمر أربع عمر ; عمرة الحديبية وعمرة القضاء ، وعمرة الجعرانة والعمرة التي مع حجة الوداع .
وأما الغزوات فروى البخاري ، عن أبي عاصم النبيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ، ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي " الصحيحين " عن قتيبة ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد ، عن سلمة قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ، وفيما يبعث من البعوث تسع غزوات ، مرة علينا أبو بكر ، ومرة علينا أسامة بن زيد .
[ ص: 9 ] وفي " صحيح البخاري " من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة .
وفي " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة ، شهد معه منها سبع عشرة ، أولها العشير أو العسير .
وروى مسلم ، عن أحمد بن حنبل ، عن معتمر ، عن كهمس بن الحسن ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة . وفي رواية لمسلم من طريق الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة ، قاتل منها في ثمان . وفي رواية عنه بهذا الإسناد : وبعث أربعا وعشرين سرية ، قاتل يوم بدر وأحد ، والأحزاب ، والمريسيع وقديد ، وخيبر ، ومكة ، وحنين .
وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا إحدى وعشرين غزوة ، غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ، [ ص: 10 ] ولم أشهد بدرا ولا أحدا ، منعني أبي ، فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن غزوة غزاها .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة . قال : وسمعته مرة أخرى يقول : أربعا وعشرين غزوة . فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك .
وقال قتادة : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة ، قاتل في ثمان منها ، وبعث من البعوث أربعا وعشرين ، فجميع غزواته وسراياه ثلاث وأربعون .
وقد ذكر عروة بن الزبير ، والزهري ، وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وغير واحد من أئمة هذا الشأن ، أنه عليه الصلاة والسلام ، قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين ، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث ، ثم في الخندق وبني قريظة في شوال أيضا من سنة أربع ، وقيل : خمس . ثم في بني المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس ، ثم في خيبر في صفر سنة سبع ، ومنهم من يقول : سنة ست . والصحيح أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست ، ثم قاتل [ ص: 11 ] أهل مكة في رمضان سنة ثمان ، وقاتل هوازن وحاصر أهل الطائف في شوال وبعض ذي القعدة سنة ثمان ، كما تقدم تفصيله ، وحج في سنة ثمان بالناس عتاب بن أسيد نائب مكة ثم في سنة تسع أبو بكر الصديق ، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر
وقال محمد بن إسحاق : وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة ; غزوة ودان وهي غزوة الأبواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر ، ثم غزوة بدر العظمى التي قتل الله فيها صناديد قريش ، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب ، ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر ، ثم غزوة نجران - معدن بالحجاز - ثم غزوة أحد ثم حمراء الأسد ثم غزوة بني النضير ، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ، ثم غزوة بدر الآخرة ، ثم غزوة دومة الجندل ، ثم غزوة الخندق ، ثم غزوة بني قريظة ، ثم غزوة بني لحيان من هذيل ، ثم غزوة ذي قرد ، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ، ثم غزوة خيبر ثم عمرة القضاء ، ثم غزوة الفتح ، ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك .
قال ابن إسحاق قاتل منها في تسع غزوات ; غزوة بدر وأحد ، والخندق ، [ ص: 12 ] وقريظة ، والمصطلق ، وخيبر ، والفتح ، وحنين ، والطائف .
قلت : وقد تقدم ذلك كله مبسوطا في أماكنه بشواهده وأدلته . ولله الحمد .
قال ابن إسحاق وكانت بعوثه ، عليه الصلاة والسلام ، وسراياه ثمانيا وثلاثين ، من بين بعث وسرية . ثم شرع ، رحمه الله ، في ذكر تفصيل ذلك .
وقد قدمنا ذلك كله أو أكثره مفصلا في مواضعه ، ولله الحمد والمنة . ولنذكر ملخص ما ذكره ابن إسحاق ; بعث عبيدة بن الحارث إلى أسفل ثنية المرة . ثم بعث حمزة بن عبد المطلب إلى الساحل من ناحية العيص ، ومن الناس من يقدم هذا على بعث عبيدة ، كما تقدم . فالله أعلم . بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار . بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة . بعث زيد بن حارثة إلى القردة . بعث محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف . بعث مرثد بن أبي مرثد إلى الرجيع . بعث المنذر بن عمرو إلى بئر معونة . بعث أبي عبيدة إلى ذي القصة . بعث عمر بن الخطاب إلى تربة في أرض بني عامر . بعث علي إلى اليمن . بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى الكديد فأصاب بني الملوح ، أغار عليهم في الليل ، فقتل طائفة منهم واستاق نعمهم ، فجاء نفيرهم في طلب النعم ، فلما اقتربوا حال بينهم وبينهم واد من السيل ، وأسروا في مسيرهم هذا [ ص: 13 ] الحارث بن مالك بن البرصاء . وقد حرر ابن إسحاق هذا هاهنا ، وتقدم بيانه . بعث علي بن أبي طالب إلى أرض فدك . بعث أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم ، أصيب هو وأصحابه . بعث عكاشة إلى الغمرة . بعث أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن ، وهو ماء بنجد لبني أسد . بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء من هوازن . بعث بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك ، وبعثه أيضا إلى ناحية حنين . بعث زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم . بعث زيد بن حارثة إلى جذام من أرض بني خشين . قال ابن هشام : وهي من أرض حسمى . وكان سببها ، فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ، أن دحية بن خليفة لما رجع من عند قيصر وقد أبلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الله ، فأعطاه من عنده تحفا وهدايا ، فلما بلغ واديا في أرض بني جذام يقال له : شنار . أغار عليه الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الصليعيان ، والصليع بطن من جذام ، فأخذا ما معه ، فنفر حي منهم قد أسلموا ، فاستنقذوا ما كان أخذ لدحية فردوه عليه ، فلما رجع دحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر ، واستسقاه دم الهنيد وابنه عوص ، فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش إليهم ، فساروا إليهم من ناحية الأولاج ، فأغار بالماقص من ناحية الحرة ، فجمعوا ما وجدوا من مال وناس ، وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الأحنف ورجلا من بني خصيب ، فلما احتاز زيد أموالهم وذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد ، وكان قد جاءه كتاب من [ ص: 14 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله ، فقرأه عليهم رفاعة ، فاستجاب له طائفة منهم ولم يكن زيد بن حارثة يعلم بذلك ، فركبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ثلاثة أيام ، فأعطوه الكتاب ، فأمر بقراءته جهرة على الناس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع بالقتلى ؟ ثلاث مرات . فقال رجل منهم يقال له : أبو زيد بن عمرو : أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ، ومن قتل فهو تحت قدمي هذه . فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، فقال علي : إن زيدا لا يطيعني . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه علامة ، فسار معهم على جمل لهم ، فلقوا زيدا وجيشه ومعهم الأموال والذراري بفيفاء الفحلتين ، فسلمهم علي جميع ما كان أخذ لهم لم يفقدوا منه شيئا . بعث زيد بن حارثة أيضا إلى بني فزارة بوادي القرى ، فقتل طائفة من أصحابه ، وارتث هو من بين القتلى ، فلما رجع آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا ، فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا في جيش ، فقتلهم بوادي القرى ، وأسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر ، وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر ، ومعها ابنة لها ، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمري ، فقتل أم قرفة واستبقى ابنتها ، وكانت من بيت شرف ، يضرب بأم قرفة المثل في عزها ، وكانت بنتها مع سلمة بن الأكوع ، فاستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها ، فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخاله حزن بن أبي وهب ، فولدت له ابنه عبد الرحمن . بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر مرتين ; إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام ، [ ص: 15 ] وكان يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في نفر ، منهم عبد الله بن أنيس ، فقدموا عليه ، فلم يزالوا يرغبونه ; ليقدموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسار معهم ، فلما كانوا بالقرقرة على ستة أميال من خيبر ندم اليسير على مسيره ، ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف ، فضربه بالسيف فأطن قدمه ، وضربه اليسير بمخرش من شوحط في رأسه فأمه ، ومال كل رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فقتله ، إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه ، فلما قدم ابن أنيس تفل في رأسه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقح جرحه ولم يؤذه .
قلت : وأظن البعث الآخر إلى خيبر لما بعثه ، عليه الصلاة والسلام ، خارصا على نخيل خيبر . والله أعلم . بعث عبد الله بن عتيك وأصحابه إلى خيبر فقتلوا أبا رافع اليهودي . بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح ، فقتله بعرنة . وقد روى ابن إسحاق قصته هاهنا مطولة ، وقد تقدم ذكرها في سنة خمس . والله أعلم . بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا ، كما تقدم . بعث كعب بن عمير إلى ذات أطلاح من أرض الشام فأصيبوا جميعا أيضا . بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر إلى بني العنبر من تميم ، فأغار عليهم ، فأصاب منهم أناسا ، وسبى منهم أناسا ، [ ص: 16 ] ثم ركب وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسراهم ، فأعتق بعضا وفدى بعضا . بعث غالب بن عبد الله أيضا إلى أرض بني مرة ، فأصيب بها مرداس بن نهيك حليف لهم من الحرقة من جهينة ، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار أدركاه ، فلما شهرا السلاح قال : لا إله إلا الله . فلما رجعا لامهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد اللوم ، فاعتذرا بأنه ما قال ذلك إلا تعوذا من القتل ، فقال لأسامة هلا شققت عن قلبه ؟ ! وجعل يقول لأسامة " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ " قال أسامة : فما زال يكررها حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك . وقد تقدم الحديث بذلك . بعث عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من أرض بني عذرة يستنفر العرب إلى أرض الشام وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلي ، فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ; ليكون أنجع فيهم ، فلما وصل إلى ماء لهم يقال له : السلسل . خافهم ، فبعث يستمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ; فيهم أبو بكر وعمر ، وعليها أبو عبيدة بن الجراح ، فلما انتهوا إليه تأمر عليهم كلهم عمرو ، وقال : إنما بعثتم مددا لي . فلم يمانعه أبو عبيدة ; لأنه كان رجلا سهلا لينا ، هينا عليه أمر الدنيا ، فسلم له وانقاد معه ، فكان عمرو يصلي بهم كلهم ، ولهذا لما رجع قال : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك ؟ قال " عائشة " قال فمن الرجال قال " أبوها " بعث عبد الله بن أبي حدرد إلى بطن إضم ، وذلك قبل فتح مكة وفيها قصة محلم بن [ ص: 17 ] جثامة ، وقد تقدم مطولا في سنة سبع . بعث ابن أبي حدرد أيضا إلى الغابة . بعث عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل .
قال محمد بن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن عطاء بن أبي رباح قال : سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم . قال : فقال عبد الله : أخبرك ، إن شاء الله ، عن ذلك بعلم ; كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده ; أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو سعيد الخدري ، وأنا ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ، فقال : يا رسول الله ، أي المؤمنين أفضل ؟ قال " أحسنهم خلقا " . قال فأي المؤمنين أكيس ؟ قال " أكثرهم ذكرا للموت ، وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به ، أولئك الأكياس " ثم سكت الفتى ، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا معشر المهاجرين ، خمس خصال إذا نزلن بكم ، وأعوذ بالله أن تدركوهن ; إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون ، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، فلولا البهائم ما مطروا ، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم ، فأخذ بعض ما كان في [ ص: 18 ] أيديهم ، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتحيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " قال : ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها ، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء ، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نقضها ، ثم عممه بها ، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك . ثم قال : هكذا " يا ابن عوف فاعتم ; فإنه أحسن وأعرف " ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء ، فدفعه إليه ، فحمد الله وصلى على نفسه ثم قال : " خذه يا ابن عوف ، اغزوا جميعا في سبيل الله ، فقاتلوا من كفر بالله ، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا " ، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم ، فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء . قال ابن هشام : فخرج إلى دومة الجندل . بعث أبي عبيدة بن الجراح وأصحابه ، وكانوا قريبا من ثلاثمائة راكب إلى سيف البحر ، وتزويده ، عليه الصلاة والسلام ، إياهم جرابا من تمر ، وفيها قصة العنبر ، وهي الحوت العظيم الذي دسره البحر ، وأكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا ، وتزودوا منه وشائق - أي شرائح - حتى رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعموه منه ، فأكل منه ، كما تقدم بذلك الحديث .
قال ابن هشام : ومما لم يذكر ابن إسحاق من البعوث - يعني هاهنا - بعث عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب [ ص: 19 ] بن عدي وأصحابه . فكان من أمره ما قدمناه ، وكان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر ، ولم يتفق لهما قتل أبي سفيان ، بل قتلا رجلا غيره ، وأنزلا خبيبا عن جذعه . وبعث سالم بن عمير أحد البكائين إلى أبي عفك أحد بني عمرو بن عوف ، وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن الصامت ، كما تقدم ، فقال يرثيه ويذم ، قبحه الله ، الدخول في الدين :
لقد عشت دهرا وما إن أرى من الناس دارا ولا مجمعا أبر عهودا وأوفى لمن
يعاقد فيهم إذا ما دعا من اولاد قيلة في جمعهم
يهد الجبال ولم يخضعا فصدعهم راكب جاءهم
حلال حرام لشتى معا فلو أن بالعز صدقتم
أو الملك تابعتم تبعا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لي بهذا الخبيث ؟ فانتدب له سالم بن عمير هذا ، فقتله . فقالت أمامة المريدية في ذلك
تكذب دين الله والمرء أحمد لعمر الذي أمناك بئس الذي يمني
[ ص: 20 ] حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك خذها على كبر السن
وبعث عمير بن عدي الخطمي لقتل العصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد ، وكانت تهجو الإسلام وأهله ، ولما قتل أبو عفك المذكور أظهرت النفاق وقالت في ذلك :
باست بني مالك والنبيت وعوف وباست بني الخزرج أطعتم أتاوي من غيركم
فلا من مراد ولا مذحج ترجونه بعد قتل الرءوس
كما يرتجى مرق المنضج ألا أنف يبتغي غرة
فيقطع من أمل المرتجي
قال : فأجابها حسان بن ثابت فقال :
بنو وائل وبنو واقف وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرقه كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما ء بعد الهدو فلم يحرج
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك : " ألا آخذ لي من ابنة مروان " [ ص: 21 ] فسمع ذلك عمير بن عدي ، فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها فقتلها ، ثم أصبح فقال : يا رسول الله ، قتلتها . فقال " نصرت الله ورسوله يا عمير " قال : يا رسول الله هل علي شيء من شأنها ؟ قال : " لا ينتطح فيها عنزان " فرجع عمير إلى قومه وهم يختلفون في قتلها ، وكان لها بنون خمسة ، فقال : أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . فذلك أول يوم عز الإسلام في بني خطمة ، فأسلم منهم بشر كثير لما رأوا من عز الإسلام . ثم ذكر البعث الذين أسروا ثمامة بن أثال الحنفي ، وما كان من أمره في إسلامه ، وقد تقدم ذلك في الأحاديث الصحاح ، وذكر ابن هشام أنه هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " المؤمن يأكل في معي واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء " لما كان من قلة أكله بعد إسلامه ، وأنه لما انفصل عن المدينة دخل مكة معتمرا وهو يلبي ، فنهاه أهل مكة عن ذلك فأبى عليهم ، وتوعدهم بقطع الميرة عنهم من اليمامة فلما عاد إلى اليمامة منعهم الميرة حتى كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادها إليهم . وقال بعض بني حنيفة
ومنا الذي لبى بمكة محرما برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم وبعث علقمة بن مجزز المدلجي ; ليأخذ بثأر أخيه وقاص بن مجزز يوم قتل بذي قرد ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; ليرجع في آثار القوم ، فأذن له وأمره على طائفة من الناس ، فلما قفلوا أذن لطائفة منهم في التقدم ، واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة ، وكانت فيه دعابة ، فاستوقد نارا وأمرهم أن يدخلوها ، فلما [ ص: 22 ] عزم بعضهم على الدخول قال : إنما كنت أضحك . فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه " والحديث في هذا ذكره ابن هشام ، عن الدراوردي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان ، عن أبي سعيد الخدري .
وبعث كرز بن جابر لقتل أولئك النفر الذين قدموا المدينة وكانوا من قيس كبة من بجيلة ، فاستوخموا المدينة واستوبئوها ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبله فيشربوا من أبوالها وألبانها ، فلما صحوا قتلوا راعيها ، وهو يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه ، واستاقوا اللقاح ، فبعث في آثارهم كرز بن جابر في نفر من الصحابة ، فجاء بأولئك النفر من بجيلة مرجعه ، عليه الصلاة والسلام ، من غزوة ذي قرد ، فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، وهؤلاء النفر إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه : أن نفرا ثمانية من عكل أو عرينة قدموا المدينة . الحديث ، والظاهر أنهم هم ، فقد تقدم قصتهم مطولة ، وإن كانوا غيرهم فها قد أوردنا عيون ما ذكره ابن هشام والله أعلم .
قال ابن هشام وغزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن ، غزاها مرتين ، قال أبو عمرو المدني : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى اليمن ، وخالدا في جند آخر ، وقال إن اجتمعتم فالأمير علي بن أبي طالب قال : وقد ذكر [ ص: 23 ] ابن إسحاق بعث خالد ، ولم يذكره في عدد البعوث والسرايا ، فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعة وثلاثين .
قال ابن إسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون . قال ابن هشام وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال البخاري : حدثنا إسماعيل ، ثنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن الناس في إمارته ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده " ورواه الترمذي من حديث مالك . وقال : حديث صحيح حسن . وقد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الأولين والأنصار في جيشه ، فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب ، ومن قال : إن أبا بكر كان فيهم . فقد غلط ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد به المرض وجيش أسامة مخيم بالجرف ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس ، كما سيأتي ، فكيف يكون في الجيش وهو إمام المسلمين بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم من رب العالمين ؟ ! ولو فرض أنه كان قد انتدب معهم ، فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للإمامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام ، ثم لما توفي عليه الصلاة والسلام استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب ، فأذن له في المقام عند الصديق ، ونفذ الصديق جيش أسامة ، كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه ، إن شاء الله تعالى ======== =============================ذكر أمره ، عليه الصلاة والسلام ، أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، أن يصلي بالصحابة أجمعين مع حضورهم كلهم وخروجه ، عليه الصلاة والسلام ، فصلى وراءه مقتديا به في بعض الصلوات على ما سنذكره ، وإماما له ولمن بعده من الصحابة
قال الإمام أحمد : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق قال : وقال ابن شهاب الزهري : حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن [ ص: 46 ] أسد قال : لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا عنده في نفر من المسلمين ، دعا بلال للصلاة ، فقال : " مروا من يصلي بالناس " قال : فخرجت فإذا عمر في الناس ، وكان أبو بكر غائبا فقلت : قم يا عمر فصل بالناس . قال : فقام ، فلما كبر عمر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته ، وكان عمر رجلا مجهرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فأين أبو بكر ؟ ! يأبى الله ذلك والمسلمون ، يأبى الله ذلك والمسلمون " قال : فبعث إلى أبي بكر ، فجاء بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس . وقال عبد الله بن زمعة : قال لي عمر : ويحك ماذا صنعت يا ابن زمعة ، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ، ولولا ذلك ما صليت . قال : قلت : والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة . وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق حدثني الزهري . ورواه يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني يعقوب بن عتبة ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن زمعة ، فذكره .
[ ص: 47 ] وقال أبو داود : ثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، حدثني موسى بن يعقوب ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر ، قال : لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت عمر . قال ابن زمعة : خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أطلع رأسه من حجرته ، ثم قال " لا لا لا ، ليصل للناس ابن أبي قحافة " يقول ذلك مغضبا
وقال البخاري : ثنا عمر بن حفص ، ثنا أبي ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، قال الأسود : كنا عند عائشة رضي الله عنها ، فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها ، قالت : لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن بلال ، فقال " مروا أبا بكر فليصل بالناس " فقيل له : إن أبا بكر رجل أسيف ، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس . وأعاد فأعادوا له ، فأعاد الثالثة ، فقال " إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل [ ص: 48 ] بالناس " فخرج أبو بكر فصلى ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين ، كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخر ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه . قيل للأعمش : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه نعم . ثم قال البخاري : رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة بعضه ، وزاد أبو معاوية ، عن الأعمش جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما . وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه ، ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة ، عن الأعمش به ، منها ما رواه البخاري ، عن قتيبة ، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية به .
[ ص: 49 ] وقال البخاري : ثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " مروا أبا بكر يصلي بالناس " قالت عائشة : قلت : إن أبا بكر إذا قام مقامك ، لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ، فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ، ففعلت حفصة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مه إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل للناس " فقالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا . ورواه الترمذي والنسائي ، من حديث مالك به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال البخاري : ثنا زكريا بن يحيى ثنا ابن نمير ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه فكان يصلي بهم . قال عروة : فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ، فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس ، فلما رآه أبو بكر استأخر ، فأشار إليه أن كما أنت . فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حذاء أبي بكر إلى جنبه ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة [ ص: 50 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، رضي الله عنه . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن نمير به .
وفي " صحيح البخاري " من حديث ابن وهب عن يونس ، عن الزهري ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ، قيل له في الصلاة ، فقال " مروا أبا بكر فليصل بالناس " فقالت له عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق ، إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء . فقال : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " فعاودته مثل مقالتها ، فقال : " أنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس " قال ابن شهاب : فأخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة أنها قالت : لقد عاودت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر ، وإلا أني علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به ، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن أبي بكر إلى غيره .
وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر ، عن عائشة قالت : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي قال : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " قالت : قلت : يا رسول الله ، إن [ ص: 51 ] أبا بكر رجل رقيق ، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ، فلو أمرت غير أبي بكر . قالت : والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : فراجعته مرتين أو ثلاثا . فقال " ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف " .
وفي " الصحيحين " من حديث عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " فقالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق ، متى يقم مقامك لا يستطع يصلي بالناس . قال : فقال " مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فإنكن صواحب يوسف " قال : فصلى أبو بكر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله قال : دخلت على عائشة ، فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : بلى ، ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أصلى الناس ؟ " فقلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . فقال : " ضعوا لي ماء في المخضب " ففعلنا ، قالت : فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : " أصلى الناس ؟ " قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول [ ص: 52 ] الله . قال " ضعوا لي ماء في المخضب " ففعلنا فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال " أصلى الناس ؟ " قلنا : لا هم ينتظرونك يا رسول الله . قالت : والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ، وكان أبو بكر رجلا رقيقا ، فقال : يا عمر صل بالناس . فقال : أنت أحق بذلك . فصلى بهم تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة ، فخرج بين رجلين ، أحدهما العباس لصلاة الظهر ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه أن لا يتأخر ، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه ، فجعل أبو بكر يصلي قائما ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا . قال عبيد الله : فدخلت على ابن عباس ، فقلت : ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هات . فحدثته فما أنكر منه شيئا ، غير أنه قال : سمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت : لا . قال هو علي . وقد رواه البخاري ومسلم جميعا ، عن أحمد بن يونس ، عن زائدة به . وفي رواية : فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد .
قال البيهقي : ففي هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم في هذه الصلاة ، وعلق أبو بكر [ ص: 53 ] صلاته بصلاته
قال : وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة ، وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس . يعني بذلك ما رواه الإمام أحمد . حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثني أبي ، عن أبي إسحاق ، عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس قال : لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، ثم وجد خفة فخرج ، فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره ، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر رضي الله عنه . ثم رواه أيضا ، عن وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم ، عن ابن عباس بأطول من هذا . وقال وكيع مرة : فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر . ورواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس بنحوه .
وقد قال الإمام أحمد : ثنا شبابة بن سوار ، ثنا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه . وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث شعبة ، وقال الترمذي حسن صحيح .
[ ص: 54 ] وقال أحمد : ثنا بكر بن عيسى ، سمعت شعبة بن الحجاج ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف .
وقال البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، أنبأنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر . وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه . قال البيهقي : وكذلك رواه حميد ، عن أنس بن مالك ويونس ، عن الحسن مرسلا .
ثم أسند ذلك من طريق هشيم ; أخبرنا يونس ، عن الحسن ، قال هشيم : وأنبأنا حميد ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأبو بكر يصلي بالناس ، فجلس إلى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها فصلى بصلاته .
قال البيهقي : وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا عبيد بن شريك ، أنبأنا ابن أبي مريم ، أنبأنا محمد بن جعفر ، أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول : آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به ، خلف أبي بكر . قلت : وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح ، ولم يخرجوه . وهذا التقييد جيد بأنها آخر صلاة صلاها مع الناس ، صلوات الله وسلامه عليه .
[ ص: 55 ] وقد ذكر البيهقي من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه ، فلما أراد أن يقوم قال : " ادع لي أسامة بن زيد " فجاء فأسند ظهره إلى نحره ، فكانت آخر صلاة صلاها .
قال البيهقي : ففي هذا دلالة أن هذه الصلاة كانت صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة ; لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفي ضحى يوم الاثنين . وهذا الذي قاله البيهقي أخذه مسلما من " مغازي موسى بن عقبة " فإنه كذلك ذكر . وكذا روى أبو الأسود ، عن عروة ، وذلك ضعيف ، بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم ، كما تقدم تقييده في الرواية الأخرى ، والحديث واحد فيحمل مطلقه على مقيده ، ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة ، لأن تلك لم يصلها مع الجماعة ، بل في بيته لما به من الضعف ، صلوات الله وسلامه عليه .
والدليل على ذلك ما قال البخاري ، رحمه الله ، في " صحيحه " : حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني أنس بن مالك ، وكان تبع النبي صلى الله عليه وسلم وخدمه وصحبه ، أن أبا بكر كان يصلي لهم في [ ص: 56 ] وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه ، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، تبسم يضحك ، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف ، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة ، فأشار إلينا صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر ، فتوفي من يومه صلى الله عليه وسلم . وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وصالح بن كيسان ومعمر ، عن الزهري ، عن أنس .
ثم قال البخاري : ثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، ثنا عبد العزيز ، عن أنس بن مالك قال : لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا ، فأقيمت الصلاة ، فذهب أبو بكر يتقدم ، فقال نبي الله : " عليكم بالحجاب " فرفعه فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا ، فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم ، وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب ، فلم يقدر عليه حتى مات صلى الله عليه وسلم . ورواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه به . فهذا أوضح دليل على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس ، وأنه كان قد انقطع عنهم ; لم يخرج إليهم ثلاثا .
[ ص: 57 ] قلنا فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر ، كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم ، ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ، ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن " مغازي موسى بن عقبة " ، وهو ضعيف ; لما قدمنا من خطبته بعدها ، ولأنه انقطع عنهم يوم الجمعة ، والسبت ، والأحد ، وهذه ثلاثة أيام كوامل .
وقال الواقدي ، عن أبي بكر بن أبي سبرة ، أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة . وقال غيره : عشرين صلاة . فالله أعلم . ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها ، ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به ، ولسان حالهم يقول ، كما قال بعضهم :
وكنت أرى كالموت من بين ساعة فكيف ببين كان موعده الحشر
والعجب أن الحافظ البيهقي أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين ، ثم قال ما حاصله : فلعله عليه الصلاة والسلام ، احتجب عنهم في أول ركعة ، ثم خرج في الركعة الثانية ، فصلى خلف أبي بكر ، كما قال عروة وموسى بن عقبة وخفي ذلك على أنس بن مالك ، أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن آخره . وهذا الذي ذكره أيضا بعيد جدا ; لأن أنسا قال : فلم يقدر عليه حتى مات . وفي رواية قال : فكان ذلك آخر العهد به . وقول الصحابي مقدم على قول التابعي . والله أعلم .
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر الصديق إماما للصحابة كلهم في [ ص: 58 ] الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية .
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري : وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام . قال : وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم ; لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا ، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم سلما " قلت : وهذا من كلام الأشعري ، رحمه الله ، مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ، ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ، رضي الله عنه وأرضاه ، وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم خلفه في بعض الصلوات ، كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة ، لا ينافي ما روي في " الصحيح " أن أبا بكر ائتم به عليه الصلاة والسلام ; لأن ذلك في صلاة أخرى ، كما نص على ذلك الشافعي وغيره من الأئمة ، رحمهم الله عز وجل
فائدة : استدل مالك والشافعي وجماعة من العلماء ، ومنهم البخاري ، بصلاته ، عليه الصلاة والسلام ، قاعدا ، وأبو بكر مقتديا به قائما ، والناس بأبي بكر ، على نسخ قوله ، عليه الصلاة والسلام ، في الحديث [ ص: 59 ] المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا ، وقد وقع عن فرس فجحش شقه فصلوا وراءه قياما فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : " كذلك والذي نفسي بيده تفعلون كفعل فارس والروم ; يقومون على عظمائهم وهم جلوس . وقال إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " قالوا : ثم إنه ، عليه الصلاة والسلام ، أمهم قاعدا ، وهم قيام في مرض الموت ، فدل على نسخ ما تقدم . والله أعلم .
وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة ، موضع ذكرها كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .
وملخص ذلك أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لأمره المتقدم ، وإنما استمر أبو بكر قائما لأجل التبليغ عنه صلى الله عليه وسلم . ومن الناس من قال : بل كان أبو بكر هو الإمام في نفس الأمر كما صرح به بعض الرواة كما تقدم ، وكان أبو بكر لشدة أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبادره بل يقتدي به ، فكأنه عليه الصلاة والسلام ، صار إمام الإمام ، فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر ، وهو قائم ولم يجلس الصديق لأجل أنه إمام ، ولأنه يبلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحركات والسكنات والانتقالات . والله أعلم . ومن الناس من قال فرق بين أن يبتدئ [ ص: 60 ] الصلاة خلف الإمام في حال القيام فيستمر فيها قائما وإن طرأ جلوس الإمام في أثنائها كما في هذه الحال ، وبين أن يبتدئ الصلاة خلف إمام جالس فيجب الجلوس للحديث المتقدم . والله أعلم . ومن الناس من قال : هذا الصنيع والحديث المتقدم دليل على جواز القيام والجلوس وإن كلا منهما سائغ جائز ; الجلوس لما تقدم والقيام للفعل المتأخر . والله أعلم =================================فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته وقبل دفنه ، عليه الصلاة والسلام
ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله بيعة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وذلك لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما مات كان الصديق ، رضي الله عنه ، قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح ، وكان إذ ذاك قد أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع ، وكشف ستر الحجرة ، ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر ، فأعجبه ذلك وتبسم ، صلوات الله وسلامه عليه ، حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة ; لفرحهم به ، وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ; ليصل الصف ، فأشار إليهم أن يمكثوا كما هم ، وأرخى الستارة ، وكان آخر العهد به ، عليه الصلاة والسلام ، فلما انصرف أبو بكر ، رضي الله عنه ، من الصلاة دخل عليه ، وقال لعائشة : ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد أقلع عنه من الوجع ، وهذا يوم بنت خارجة . يعني إحدى زوجتيه ، وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة فركب على فرس له وذهب إلى منزله ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم . وقيل : عند زوال الشمس . والله أعلم
فلما مات واختلف الصحابة فيما بينهم ، فمن قائل يقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن قائل : لم يمت . فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق إلى السنح ، [ ص: 80 ] فأعلمه بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء الصديق من منزله حين بلغه الخبر ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله وكشف الغطاء عن وجهه وقبله ، وتحقق أنه قد مات ، فخرج إلى الناس فخطبهم إلى جانب المنبر ، وبين لهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا ، وأزاح الجدال ، وأزال الإشكال ، ورجع الناس كلهم إليه ، وبايعه في المسجد جماعة من الصحابة ، ووقعت شبهة لبعض الأنصار ، وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار ، وتوسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار ، حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش ، فرجعوا إليه ، وأجمعوا عليه ، كما سنبينه وننبه عليه ====================== ======================ذكر اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ، في طائفة من المدينة . قال : فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال : فدى لك أبي وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا ، مات محمد ورب الكعبة . فذكر الحديث . قال : فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم ، فتكلم أبو بكر ، فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره ، وقال : لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو سلك الناس واديا ، وسلكت الأنصار واديا ، سلكت وادي الأنصار " ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد : " قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم " فقال له سعد : صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عياش ، ثنا الوليد بن مسلم ، أخبرني يزيد بن سعيد بن ذي عصوان العبسي ، عن عبد الملك بن [ ص: 88 ] عمير اللخمي ، عن رافع الطائي رفيق أبي بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل قال : وسألته عما قيل في بيعتهم ، فقال وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار ، وما كلمهم به ، وما كلم به عمر بن الخطاب الأنصار ، وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فبايعوني لذلك وقبلتها منهم ، وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة ، وهذا إسناد جيد قوي . ومعنى هذا أنه رضي الله عنه إنما قبل الإمامة ; تخوفا أن تقع فتنة أربى من تركه قبولها رضي الله عنه وأرضاه .
قلت : كان هذا في بقية يوم الاثنين ، فلما كان الغد صبيحة يوم الثلاثاء اجتمع الناس في المسجد فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة ، وكان ذلك قبل تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .
قال البخاري : ثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام ، عن معمر ، عن الزهري أخبرني أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر ، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر صامت لا يتكلم . قال : كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به ، به هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين ، وإنه أولى الناس بأموركم ، فقوموا فبايعوه . وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك [ ص: 89 ] في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المنبر . قال الزهري ، عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول يومئذ لأبي بكر : اصعد المنبر . فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه الناس عامة .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني الزهري ، حدثني أنس بن مالك قال : لما بويع أبو بكر في السقيفة ، وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر ، وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أيها الناس إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا - يقول : يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم ; صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه . فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ، ثم تكلم أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه ، إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه ، إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله [ ص: 90 ] ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله . وهذا إسناد صحيح فقوله رضي الله عنه : وليتكم ولست بخيركم . من باب الهضم والتواضع ، فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنهم .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحافظ الإسفراييني ، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب ، قالا : حدثنا بندار بن بشار ، حدثنا أبو هشام المخزومي ، حدثنا وهيب ، حدثنا داود بن أبي هند ، حدثنا أبو نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر . قال : فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين ، وخليفته من المهاجرين ، ونحن كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره . قال : فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكم . أما لو قلتم غير هذا لم نتابعكم . وأخذ بيد أبي بكر وقال : هذا صاحبكم فبايعوه . فبايعه عمر ، وبايعه المهاجرون والأنصار . قال : فصعد أبو بكر المنبر ، فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير . قال : فدعا بالزبير فجاء ، فقال : قلت : ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه ، أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ ! فقال : لا تثريب يا خليفة رسول [ ص: 91 ] الله . فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء . فقال : قلت : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ ! قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله . فبايعه . هذا أو معناه . قال أبو علي الحافظ : سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج ، فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة ، وقرأته عليه وقال : هذا حديث يسوى بدنة ، فقلت : يسوى بدنة ؟ ! بل يسوى بدرة .
وقد رواه البيهقي ، عن الحاكم وأبي محمد بن أبي حامد المقرئ ، كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم ، عن جعفر بن محمد بن شاكر ، عن عفان بن سلم ، عن وهيب به . ولكن ذكر أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر . وفيه : أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، ثم انطلقوا . فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا ، فسأل عنه ، فقام ناس من الأنصار فأتوا به . فذكر نحو ما تقدم ، ثم ذكر قصة الزبير بعد علي . فالله أعلم .
وقد رواه الإمام أحمد ، عن الثقة ، عن وهيب ، مختصرا . وقد رواه علي بن عاصم ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري فذكر [ ص: 92 ] نحو ما تقدم وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة ، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ، وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة . وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه ، كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة ، لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبينه قريبا ، ولكن لما حصل من فاطمة رضي الله عنها عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعلم بما أخبرها به الصديق رضي الله عنه ، أنه قال " لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح ، كما سنبين ذلك في موضعه ، فسألته أن ينظر علي زوجها في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك ، فلم يجبها إلى ذلك ; لأنه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة - عتب وتغضب ، ولم تكلم الصديق حتى ماتت رضي الله عنها ، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ، رضي الله عنه كما سنذكره من " الصحيحين " وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى ، مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في " مغازيه " ، [ ص: 93 ] عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ثم خطب أبو بكر ، واعتذر إلى الناس وقال : والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية . فقبل المهاجرون مقالته ، وقال علي والزبير : ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة ، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها ، إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخبره ، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي . إسناد جيد ، ولله الحمد==============================فصل في ذكر الوقت الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومبلغ سنه حال وفاته ، وفي كيفية غسله ، عليه الصلاة والسلام ، وتكفينه ، والصلاة عليه ، ودفنه ، وموضع قبره ، صلوات الله وسلامه عليه
لا خلاف أنه ، عليه الصلاة والسلام ، توفي يوم الاثنين . قال ابن عباس : ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، ونبئ يوم الاثنين ، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، ومات يوم الاثنين . رواه الإمام أحمد والبيهقي .
وقال سفيان الثوري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال لي أبو بكر : أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : يوم الاثنين . فقال : إني لأرجو أن أموت فيه . فمات فيه . رواه البيهقي من حديث الثوري به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا هريم ، حدثني ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 105 ] يوم الاثنين ، ودفن ليلة الأربعاء . تفرد به أحمد .
وقال عروة بن الزبير في " مغازيه " ، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب : لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه أرسلت عائشة إلى أبي بكر ، وأرسلت حفصة إلى عمر ، وأرسلت فاطمة إلى علي ، فلم يجتمعوا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في صدر عائشة وفي يومها يوم الاثنين ، حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول .
وقد قال أبو يعلى : ثنا أبو خيثمة ، ثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس قال : آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، كشف الستارة والناس خلف أبي بكر ، فنظرت إلى وجهه ، كأنه ورقة مصحف ، فأراد الناس أن ينحرفوا ، فأشار إليهم أن امكثوا ، وألقى السجف ، وتوفي من آخر ذلك اليوم . وهذا الحديث في " الصحيح " ، وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال . والله أعلم .
وروى يعقوب بن سفيان ، عن عبد الحميد بن بكار ، عن محمد بن شعيب ، وعن صفوان ، عن عمر بن عبد الواحد ، جميعا عن الأوزاعي أنه قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار .
[ ص: 106 ] وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أحمد بن كامل ، ثنا الحسن بن علي البزار ، ثنا محمد بن عبد الأعلى ، ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه - وهو سليمان بن طرخان التيمي في كتاب " المغازي " - قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر ، وبدأه وجعه عند وليدة له يقال لها : ريحانة . كانت من سبي اليهود ، وكان أول يوم مرض يوم السبت ، وكانت وفاته ، عليه الصلاة والسلام ، يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه ، عليه الصلاة والسلام ، المدينة .
وقال الواقدي : حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة في بيت زينب بنت جحش ، شكوى شديدة . فاجتمع عنده نساؤه كلهن ، فاشتكى ثلاثة عشر يوما ، وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة .
وقال الواقدي : وقالوا : بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر ، وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول . وهكذا جزم به محمد بن سعد كاتبه ، وزاد : ودفن يوم الثلاثاء .
[ ص: 107 ] قال الواقدي : وحدثني سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض ، عن المقبري ، عن عبد الله بن رافع ، عن أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدئ في بيت ميمونة .
وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أحمد بن يونس ، ثنا أبو معشر ، عن محمد بن قيس قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر يوما ، فكان إذا وجد خفة صلى ، وإذا ثقل صلى أبو بكر ، رضي الله عنه .
وقال محمد بن إسحاق : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجرا ، واستكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته عشر سنين كوامل . قال الواقدي : وهو الثبت عندنا . وجزم به محمد بن سعد كاتبه .
وقال يعقوب بن سفيان ، عن يحيى بن بكير ، عن الليث أنه قال : توفي رسول الله يوم الاثنين لليلة خلت من ربيع الأول ، وفيه قدم المدينة على رأس عشر سنين من مقدمه .
وقال سعد بن إبراهيم الزهري : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول ، لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة رواه ابن عساكر ، ورواه الواقدي عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس مثله سواء . وقاله خليفة بن خياط أيضا .
[ ص: 108 ] وقال أبو نعيم الفضل بن دكين توفي رسول الله يوم الاثنين مستهل ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة . رواه ابن عساكر أيضا . وقد تقدم قريبا عن عروة ، وموسى بن عقبة والزهري ، مثله فيما نقلناه عن " مغازييهما " . فالله أعلم . والمشهور قول ابن إسحاق والواقدي .
ورواه الواقدي عن ابن عباس وعائشة ، رضي الله عنها ، فقال : حدثني إبراهيم بن يزيد ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس . وحدثني محمد بن عبد الله ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالا : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول .
ورواه ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن أبيه مثله ، وزاد : ودفن ليلة الأربعاء .
وروى سيف بن عمر ، عن محمد بن عبيد الله العرزمي ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ارتحل ، فأتى المدينة فأقام بها بقية ذي الحجة ، والمحرم وصفرا ، ومات يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول .
وروى أيضا عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة . وفي حديث فاطمة ، عن عمرة ، عن عائشة مثله ، إلا أن ابن عباس قال في أوله : لأيام مضين [ ص: 109 ] منه . وقالت عائشة : بعد ما مضى أيام منه .
فائدة : قال أبو القاسم السهيلي في " الروض " ما مضمونه : لا يتصور وقوع وفاته ، عليه الصلاة والسلام ، يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة ; وذلك لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، وقف في حجة الوداع سنة عشر يوم الجمعة ، فكان أول ذي الحجة يوم الخميس ، فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة ، أو بعضها تام وبعضها ناقص ، لا يتصور أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول .
وقد اشتهر هذا الإيراد على هذا القول ، وقد حاول جماعة الجواب عنه ولا يمكن الجواب عنه ، إلا بمسلك واحد ، وهو اختلاف المطالع ; بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس ، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة ، ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة - يعني من المدينة - إلى حجة الوداع . ويتعين - كما ذكرنا - أنه خرج يوم السبت ، وليس كما زعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس ; لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك ، ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة ; لأن أنسا قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين . فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين ، فعلى هذا إنما رأى أهل المدينة [ ص: 110 ] هلال ذي الحجة ليلة الجمعة ، وإذا كان أول ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة ، وحسبت الشهور بعده كوامل ، يكون أول ربيع الأول يوم الخميس ، فيكون ثاني عشره يوم الاثنين . والله أعلم .
وثبت في " الصحيحين " من حديث مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ، ولا بالجعد القطط ولا بالسبط ، بعثه الله ، عز وجل ، على رأس أربعين سنة ، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين ، وتوفاه الله على رأس ستين سنة ، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء . وهكذا رواه ابن وهب ، عن قرة ، عن الزهري ، عن أنس ، وعن قرة ، عن ربيعة ، عن أنس ، مثل ذلك .
قال الحافظ ابن عساكر : حديث قرة عن الزهري غريب ، وأما من رواية ربيعة عن أنس ، فرواها عنه جماعة كذلك . ثم أسند من طريق سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد وربيعة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين .
وكذلك رواه ابن البربري ونافع بن أبي نعيم ، عن ربيعة ، عن أنس به . قال : والمحفوظ عن ربيعة ، عن أنس : ستون .
ثم أورده ابن عساكر من طريق مالك ، والأوزاعي ، ومسعر ، وإبراهيم بن [ ص: 111 ] طهمان ، وعبد الله بن عمر ، وسليمان بن بلال ، وأنس بن عياض ، والدراوردي ، ومحمد بن قيس المدني ، كلهم عن ربيعة ، عن أنس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ستين سنة .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو الحسين بن بشران ، ثنا أبو عمرو بن السماك ، ثنا حنبل بن إسحاق ، ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو ، حدثنا عبد الوارث ، ثنا أبو غالب الباهلي قال : قلت لأنس بن مالك : بسن أي الرجال كان رسول الله إذ بعث ؟ قال : كان ابن أربعين سنة . قال : ثم كان ماذا ؟ قال : كان بمكة عشر سنين ، وبالمدينة عشر سنين ، فتمت له ستون سنة يوم قبضه الله ، عز وجل ، وهو كأشد الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه . ورواه الإمام أحمد ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه به .
وقد روى مسلم ، عن أبي غسان محمد بن عمرو الرازي الملقب بزنيج ، عن حكام بن سلم ، عن عثمان بن زائدة ، عن الزبير بن عدي ، عن أنس بن مالك قال : قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وستين ، وقبض أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين ، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين . انفرد به مسلم . [ ص: 112 ] وهذا لا ينافي ما تقدم عن أنس ; لأن العرب كثيرا ما تحذف الكسر .
وثبت في " الصحيحين " من حديث الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة . قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب مثله .
وروى موسى بن عقبة وعقيل ، ويونس بن يزيد ، وابن جريج ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وستين . قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب مثل ذلك .
وقال البخاري : ثنا أبو نعيم ، ثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، وابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشرا . لم يخرجه مسلم .
وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده " : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عامر بن سعد ، عن جرير بن عبد الله ، عن معاوية بن أبي سفيان قال : قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين ، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين ، وعمر وهو ابن ثلاث وستين . وهكذا رواه مسلم من حديث غندر ، عن شعبة ، وهو من [ ص: 113 ] أفراده دون البخاري . ومنهم من يقول : عن عامر بن سعد ، عن معاوية ، والصواب ما ذكرناه ، عن عامر بن سعد ، عن جرير عن معاوية ، وروينا من طريق عامر بن شراحيل الشعبي ، عن جرير بن عبد الله البجلي ، عن معاوية ، فذكره .
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق القاضي أبي يوسف ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أنس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وستين ، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين ، وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين .
وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة قالت : تذاكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ميلادهما عندي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من أبي بكر ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وستين ، وتوفي أبو بكر بعده وهو ابن ثلاث وستين .
وقال الثوري ، عن الأعمش ، عن القاسم بن عبد الرحمن قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وهم بنو ثلاث وستين .
وقال حنبل : حدثنا الإمام أحمد ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وأربعين ، فأقام بمكة عشرا ، وبالمدينة عشرا . وهذا غريب عنه ، وصحيح إليه .
وقال أحمد : ثنا هشيم ، ثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال : نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة ، فمكث ثلاث سنين ، ثم بعث إليه جبريل [ ص: 114 ] بالرسالة ، ثم مكث بعد ذلك عشر سنين ، ثم هاجر إلى المدينة فقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة .
قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل : الثبت عندنا ثلاث وستون سنة .
قلت : وهكذا روى مجاهد ، عن الشعبي ، وروي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عنه .
وفي " الصحيحين " من حديث روح بن عبادة ، عن زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة ، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة .
وفي " صحيح البخاري " من حديث روح بن عبادة أيضا ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة ، فمكث بمكة ثلاث عشرة ، ثم أمر بالهجرة ، فهاجر عشر سنين ، ثم مات وهو ابن ثلاث وستين . وكذلك رواه الإمام أحمد ، عن روح بن عبادة ، ويحيى بن سعيد ، ويزيد بن هارون ، كلهم عن هشام بن حسان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به . وقد رواه أبو يعلى الموصلي ، عن الحسن بن عمر بن شقيق ، عن جعفر بن سليمان ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس فذكر مثله . ثم أورده من طرق ، عن ابن عباس مثل ذلك .
[ ص: 115 ] ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه ، وبالمدينة عشرا ، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة .
وقد أسند الحافظ ابن عساكر من حديث سلم بن جنادة ، عن عبد الله بن عمر ، عن كريب ، عن ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وستين . ومن حديث أبي نضرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس مثله . وهذا القول هو الأشهر ، وعليه الأكثر .
وقال الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، عن خالد الحذاء ، حدثني عمار مولى بني هاشم قال : سمعت ابن عباس يقول : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن خمس وستين سنة . ورواه مسلم من حديث خالد الحذاء به .
وقال أحمد : ثنا حسن بن موسى ، ثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أقام بمكة خمس عشرة سنة ; ثمان سنين أو سبعا يرى الضوء ويسمع الصوت ، وثمانيا أو سبعا يوحى إليه ، وأقام [ ص: 116 ] بالمدينة عشرا . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به .
وقال أحمد أيضا : حدثنا عفان ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا يونس ، عن عمار مولى بني هاشم قال : سألت ابن عباس : كم أتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ؟ قال : ما كنت أرى مثلك في قومه يخفى عليه ذلك ! قال : قلت : إني قد سألت فاختلف علي ، فأحببت أن أعلم قولك فيه . قال أتحسب ؟ قلت : نعم قال : أمسك ; أربعين بعث لها ، وخمس عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف ، وعشرا مهاجره بالمدينة . وهكذا رواه مسلم من حديث يزيد بن زريع وشعبة بن الحجاج ، كلاهما عن يونس بن عبيد ، عن عمار ، عن ابن عباس بنحوه .
وقال الإمام أحمد : ثنا ابن نمير ، ثنا العلاء بن صالح ، ثنا المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير أن رجلا أتى ابن عباس فقال : أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرا بمكة ، وعشرا بالمدينة ؟ فقال : من يقول ذلك ؟ لقد أنزل عليه بمكة خمس عشرة ، وبالمدينة عشرا ; خمسا وستين وأكثر . وهذا من أفراد أحمد إسنادا ومتنا .
وقال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن خمس وستين سنة . تفرد به أحمد .
وقد روى الترمذي في كتاب " الشمائل " ، وأبو يعلى الموصلي ، والبيهقي [ ص: 117 ] من حديث قتادة ، عن الحسن البصري ، عن دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين . ثم قال الترمذي : دغفل لا يعرف له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان في زمانه رجلا . وقال البيهقي : وهذا يوافق رواية عمار ومن تابعه عن ابن عباس ، ورواية الجماعة عن ابن عباس : في ثلاث وستين . أصح ، فهم أوثق وأكثر ، وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة ، عن عائشة وإحدى الروايتين عن أنس ، والرواية الصحيحة عن معاوية ، وهي قول سعيد بن المسيب ، وعامر الشعبي ، وأبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنهم . قلت : وعبد الله بن عتبة والقاسم بن عبد الرحمن ، والحسن البصري ، وعلي بن الحسين ، وغير واحد .
ومن الأقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خياط عن معاذ بن هشام : حدثني أبي عن قتادة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن اثنتين وستين سنة . ورواه يعقوب بن سفيان ، عن محمد بن المثنى ، عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ، مثله . ورواه زيد العمي ، عن يزيد ، عن أنس .
ومن ذلك ما رواه محمد بن عائذ ، عن القاسم بن حميد ، عن النعمان بن [ ص: 118 ] المنذر الغساني ، عن مكحول قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهر .
ورواه يعقوب بن سفيان ، عن عبد الحميد بن بكار ، عن محمد بن شعيب ، عن النعمان بن المنذر ، عن مكحول قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف .
وأغرب من ذلك كله ما رواه الإمام أحمد ، عن روح ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن قال : نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين بمكة ، وعشرا بعد ما هاجر . فإن كان الحسن ممن يقول بقول الجمهور وهو أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنزل عليه القرآن وعمره أربعون سنة ، فقد ذهب إلى أنه ، عليه الصلاة والسلام ، عاش ثمانيا وخمسين سنة . وهذا غريب جدا .
لكن روينا من طريق مسدد ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن أنه قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ستين سنة .
وقال خليفة بن خياط حدثنا أبو عاصم ، عن أشعث ، عن الحسن قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وأربعين ، فأقام بمكة عشرا ، وبالمدينة ثمانيا ، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين . وهذا بهذه الصفة غريب جدا ============================== فصل في صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
قال الإمام أحمد : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب حبرة ثم أخذ عنه . قال القاسم : إن بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد . وهذا الإسناد على شرط الشيخين . وإنما رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، والنسائي عن محمد بن مثنى ، ومجاهد بن موسى ، فرقهما ، كلهم عن الوليد بن مسلم به .
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : ثنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ، ولا عمامة . وكذا رواه البخاري ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة [ ص: 126 ] قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض . وأخرجه مسلم من حديث سفيان بن عيينة ، وأخرجه البخاري ، عن أبي نعيم ، عن سفيان الثوري ، كلاهما عن هشام بن عروة به .
وقال أبو داود : ثنا قتيبة ، ثنا حفص بن غياث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة . قال : فذكر لعائشة قولهم : في ثوبين وبرد حبرة . فقالت : قد أتي بالبرد ، ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه . وهكذا رواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن حفص بن غياث به .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن سلمة ، ثنا هناد بن السري ، ثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة ، فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها ، إنما اشتريت له حلة ، ليكفن فيها ، فتركت ، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال : لأحبسنها لنفسي ; حتى أكفن فيها . ثم قال : لو رضيها [ ص: 127 ] الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لكفنه فيها . فباعها وتصدق بثمنها . رواه مسلم في " الصحيح " ، عن يحيى بن يحيى ، وغيره ، عن أبي معاوية .
ثم رواه البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبي بكر ، ولف فيها ، ثم نزعت عنه ، فكان عبد الله بن أبي بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه ; حتى يكفن فيها إذا مات ، ثم قال بعد أن أمسكها : ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكفن فيه . فتصدق بثمنها عبد الله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض . ورواه النسائي ، عن إسحاق بن راهويه ، عن عبد الرزاق .
قال الإمام أحمد : حدثنا مسكين بن بكير ، عن سعيد ، يعني ابن [ ص: 128 ] عبد العزيز قال : قال مكحول : حدثني عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة رياط يمانية . انفرد به أحمد .
وقال أبو يعلى الموصلي : ثنا سهل بن حبيب الأنصاري ، ثنا عاصم بن هلال إمام مسجد أيوب ، ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية .
وقال سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن سالم عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب . ووقع في بعض الروايات : ثوبين صحاريين وبرد حبرة .
وقال الإمام أحمد : ثنا ابن إدريس ، ثنا يزيد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ; في قميصه الذي مات فيه ، وحلة نجرانية ، الحلة ثوبان .
ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، وعثمان بن أبي شيبة ، وابن ماجه ، عن علي بن محمد ، ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس ، عن يزيد بن أبي [ ص: 129 ] زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس بنحوه . وهذا غريب جدا .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين ، وبرد أحمر . انفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أبو بكر الشافعي : ثنا علي بن الحسن ، ثنا حميد بن الربيع ، ثنا بكر ، يعني ابن عبد الرحمن ، ثنا عيسى ، يعني ابن المختار ، عن محمد بن عبد الرحمن ، هو ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن الفضل بن عباس قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين ، وبرد أحمر .
وقال أبو يعلى : ثنا سليمان الشاذكوني ، ثنا يحيى بن أبي الهيثم ، ثنا عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن الفضل قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين سحوليين . زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : وبرد أحمر .
[ ص: 130 ] وقد رواه غير واحد ، عن أبي إسماعيل المؤدب ، عن يعقوب بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن الفضل قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين . وفي رواية : سحوليين . فالله أعلم .
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي طاهر المخلص ، ثنا أحمد بن إسحاق بن البهلول ، ثنا عباد بن يعقوب ، ثنا شريك ، عن أبي إسحاق قال : وقعت على مجلس بني عبد المطلب وهم متوافرون ، فقلت لهم : في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة . قلت : كم أسر منكم يوم بدر ؟ قالوا : العباس ونوفل وعقيل .
وقد روى البيهقي من طريق الزهري ، عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب ; أحدها برد حبرة .
وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر ، عن علي بن أبي طالب قال : كفنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين وبرد حبرة .
[ ص: 131 ] وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي : حدثنا إبراهيم بن الوليد ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا هشام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريطتين وبرد نجراني . وكذا رواه أبو داود الطيالسي ، عن هشام ، وعمران القطان ، عن قتادة ، عن سعيد ، عن أبي هريرة به .
وقد رواه الربيع بن سليمان ، عن أسد بن موسى ، ثنا نصر بن طريف ، عن قتادة ، ثنا ابن المسيب ، عن أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ، أحدها برد نجراني .
وقال البيهقي : وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس ; وأن الحبرة أخرت عنه . والله أعلم .
ثم روى الحافظ البيهقي ، من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي ، عن حسن بن صالح ، عن هارون بن سعد قال : كان عند علي مسك ، فأوصى أن يحنط به ، وقال : هو من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه من طريق إبراهيم بن موسى ، عن حميد ، عن حسن ، عن هارون ، عن أبي وائل ، عن علي ، فذكره ================================ فصل في صفة دفنه ، عليه الصلاة والسلام ، وأين دفن ، وذكر الخلاف في دفنه ليلا كان أم نهارا
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا ابن جريج ، أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جريج - أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يدروا أين يقبرون النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يقبر نبي إلا حيث يموت " فأخروا فراشه ، وحفروا له تحت فراشه صلى الله عليه وسلم . وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق ، فإنه لم يدركه .
لكن رواه الحافظ أبو يعلى من حديث ابن عباس وعائشة ، عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهم ، فقال : حدثنا أبو موسى الهروي ، ثنا أبو معاوية ، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض ، فقال أبو بكر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه " فقال : ادفنوه حيث قبض .
[ ص: 137 ] وهكذا رواه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه ، فقال أبو بكر : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته . قال : " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه " ادفنوه في موضع فراشه . ثم إن الترمذي ضعف المليكي ، ثم قال : وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه ، رواه ابن عباس ، عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الأموي ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عن رجل حدثه ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنه لم يدفن نبي قط إلا حيث قبض " .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني محمد بن سهل التميمي ، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان بالمدينة حفاران ، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : أين ندفنه ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : في المكان الذي مات فيه . وكان أحدهما يلحد والآخر يشق ، فجاء الذي يلحد فلحد للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد رواه مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه منقطعا .
وقال أبو يعلى : حدثنا جعفر بن مهران ثنا عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما أرادوا [ ص: 138 ] أن يحفروا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد ، فدعا العباس رجلين ، فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة . وللآخر : اذهب إلى أبي طلحة . اللهم خر لرسولك . قال : فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة ، فجاء به ، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء ، وضع على سريره في بيته ، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه ; فقال قائل : ندفنه في مسجده . وقال قائل : ندفنه مع أصحابه . فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض " فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه فحفروا له تحته ، ثم أدخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا ; الرجال حتى إذا فرغ منهم أدخل النساء ، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوسط الليل ليلة الأربعاء .
وهكذا رواه ابن ماجه ، عن نصر بن علي الجهضمي ، عن وهب بن جرير عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق فذكر بإسناده مثله . وزاد في آخره : ونزل في حفرته علي بن أبي طالب ، والفضل وقثم ابنا العباس ، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أوس بن خولي ، وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب : [ ص: 139 ] أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال له علي : انزل . وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها في القبر ، وقال : والله لا يلبسها أحد بعدك . فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رواه الإمام أحمد ، عن حسين بن محمد ، عن جرير بن حازم ، عن ابن إسحاق مختصرا . وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق به .
وروى الواقدي ، عن ابن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أبي بكر الصديق ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض " .
وروى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أو محمد بن جعفر بن الزبير قال : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه ، فقالوا : كيف ندفنه ; مع الناس أو في بيوته ؟ فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض " فدفن حيث كان فراشه ، رفع الفراش وحفر تحته .
[ ص: 140 ] وقال الواقدي : حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن عثمان بن محمد الأخنسي ، عن عبد الرحمن بن سعيد ، يعني ابن يربوع ، قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في موضع قبره ; فقال قائل : في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم . وقال قائل : عند منبره . وقال قائل : في مصلاه . فجاء أبو بكر فقال : إن عندي من هذا خبرا وعلما ; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي " قال الحافظ البيهقي : وهو في حديث يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وفي حديث ابن جريج ، عن أبيه ، كلاهما عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .
وقال البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن نبيط بن شريط ، عن أبيه ، عن سالم بن عبيد ، وكان من أصحاب الصفة ، قال : دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ثم خرج ، فقيل له : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم . فعلموا أنه كما قال ، وقيل له : أنصلي عليه ؟ وكيف نصلي عليه ؟ قال تجيئون عصبا عصبا فتصلون . فعلموا أنه كما قال ، قالوا : هل يدفن ؟ وأين ؟ قال : حيث قبض الله روحه ، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب . فعلموا أنه كما قال .
وروى البيهقي من حديث سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب قال : عرضت عائشة على أبيها رؤيا ، وكان [ ص: 141 ] من أعبر الناس ، قالت : رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري فقال لها : إن صدقت رؤياك دفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة . فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا عائشة هذا خير أقمارك ، ورواه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عائشة منقطعا .
وفي " الصحيحين " عنها أنها قالت : توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي ، وبين سحري ونحري ، وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة .
وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي عوانة ، عن هلال الوزان ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه يقول : " لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا .
وقال ابن ماجه : حدثنا محمود بن غيلان ، ثنا هاشم بن القاسم ، ثنا مبارك بن فضالة ، حدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح ، فقالوا : نستخير ربنا ، ونبعث إليهما ، فأيهما سبق تركناه . فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد ، [ ص: 142 ] فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم . تفرد به ابن ماجه . وقد رواه الإمام أحمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به .
وقال ابن ماجه أيضا : حدثنا عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد ، ثنا عبيد بن طفيل ، ثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة ، حدثني ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق ، حتى تكلموا في ذلك ، وارتفعت أصواتهم فقال عمر : لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا . أو كلمة نحوها ، فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا ، فجاء اللاحد ، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن صلى الله عليه وسلم . تفرد به ابن ماجه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وعن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد له لحد . تفرد به أحمد من هذين الوجهين .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن شعبة ، وابن جعفر ، ثنا شعبة ، حدثني أبو جمرة عن ابن عباس قال : جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء . [ ص: 143 ] وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق ، عن شعبة به . وقد رواه وكيع ، عن شعبة . وقال وكيع : كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه ابن عساكر .
وقال ابن سعد : أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته سمل قطيفة حمراء كان يلبسها قال : وكانت أرضا ندية .
وقال هشيم عن منصور ، عن الحسن قال : جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء ، كان أصابها يوم خيبر . قال الحسن : جعلها لأن المدينة أرض سبخة . قال : ففرشت تحته .
وقال محمد بن سعد : ثنا حماد بن خالد الخياط ، عن عقبة بن أبي الصهباء ، سمعت الحسن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " افرشوا لي قطيفتي [ ص: 144 ] في لحدي ; فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء " .
وروى الحافظ البيهقي من حديث مسدد ، ثنا عبد الواحد ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : قال علي : غسلت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا ، وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم . قال : وولي دفنه ، عليه الصلاة والسلام ، وإجنانه دون الناس أربعة ; علي ، والعباس ، والفضل ، وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولحد للنبي صلى الله عليه وسلم لحد ، ونصب عليه اللبن نصبا .
وذكر البيهقي عن بعضهم أنه نصب على لحده عليه الصلاة والسلام تسع لبنات .
وروى الواقدي ، عن ابن أبي سبرة ، عن عباس بن عبد الله بن معبد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء ، يصلي الناس عليه وسريره على شفير قبره ، فلما أرادوا أن يقبروه ، عليه الصلاة والسلام نحوا السرير قبل رجليه ، فأدخل من هناك ، ودخل في حفرته العباس وعلي وقثم والفضل وشقران .
وروى البيهقي من حديث إسماعيل السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ ص: 145 ] قال : دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل ، وسوى لحده رجل من الأنصار ، وهو الذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر . قال ابن عساكر : صوابه يوم أحد . وقد تقدم رواية ابن إسحاق ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي والفضل وقثم وشقران . وذكر الخامس ، وهو أوس بن خولي ، وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران .
وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو طاهر الفقيه ، أنا أبو طاهر المحمداباذي ، ثنا أبو قلابة ، ثنا أبو عاصم ، ثنا سفيان بن سعيد - هو الثوري - عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي قال : حدثني أبو مرحب قال : كأني أنظر إليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ; أحدهم عبد الرحمن بن عوف وهكذا رواه أبو داود ، عن محمد بن الصباح ، عن سفيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد به . ثم رواه عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن إسماعيل ، عن الشعبي ، حدثني مرحب أو أبو مرحب ، أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف ، فلما فرغ [ ص: 146 ] علي قال : إنما يلي الرجل أهله . وهذا حديث غريب جدا ، وإسناده جيد قوي ، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وقد قال أبو عمر بن عبد البر في " استيعابه " أبو مرحب اسمه سويد بن قيس . وذكر أبا مرحب آخر ، وقال : لا أعرف خبره . قال ابن الأثير في " الغابة " : فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما . ولله الحمد =======================متى وقع دفنه ، عليه الصلاة والسلام
قال يونس عن ابن إسحاق حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن أبي بكر - وأدخلني عليها ، قال : حتى تسمعه منها - عن عمرة ، عن [ ص: 149 ] عائشة ، أنها قالت : ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء .
وقال الواقدي : حدثنا ابن أبي سبرة عن الحليس بن هاشم ، عن عبد الله بن وهب ، عن أم سلمة قالت : بينا نحن مجتمعون نبكي لم ننم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا ، ونحن نتسلى برؤيته على السرير ، إذ سمعنا صوت الكرازين في السحر . قالت أم سلمة : فصحنا وصاح أهل المسجد ، فارتجت المدينة صيحة واحدة ، وأذن بلال بالفجر ، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فانتحب ، فزادنا حزنا ، وعالج الناس الدخول إلى قبره ، فغلق دونهم ، فيا لها من مصيبة ! ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم .
وقد روى الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين ، ودفن ليلة الأربعاء . وقد تقدم مثله في غير ما حديث ، وهو الذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفا وخلفا ، منهم سليمان بن طرخان التيمي ، وجعفر بن محمد [ ص: 150 ] الصادق ، وابن إسحاق ، وموسى بن عقبة وغيرهم .
وقد روى يعقوب بن سفيان ، عن عبد الحميد بن بكار ، عن محمد بن شعيب ، عن الأوزاعي أنه قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار ، ودفن يوم الثلاثاء .
وهكذا روى الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين ، ودفن من الغد في الضحى .
وقال سعيد بن منصور ، عن الدراوردي ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أبي سلمة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، ودفن يوم الثلاثاء .
[ ص: 151 ] وقال ابن خزيمة حدثنا سلم بن جنادة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عمر ، عن كريب ، عن ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، ودفن يوم الثلاثاء .
وقال الواقدي : حدثني أبي بن العباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، ودفن ليلة الثلاثاء .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا عن محمد بن سعد : توفي رسول الله يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، ودفن يوم الثلاثاء .
وقال عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا : ثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيري ، ثنا عيسى بن يونس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء . وهكذا قال سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو جعفر الباقر .
[ ص: 152 ] وقال يعقوب بن سفيان : ثنا سعيد بن منصور ، ثنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، وعن ابن جريج ، عن أبي جعفر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين . فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار . فهو قول غريب ، والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه ، عليه الصلاة والسلام ، توفي يوم الاثنين ، ودفن ليلة الأربعاء .
ومن الأقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان ، عن عبد الحميد بن بكار ، عن محمد بن شعيب ، عن النعمان ، عن مكحول قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، وأوحي إليه يوم الاثنين ، وهاجر يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف ، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن ، يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ، ولا يؤمهم عليه أحد . فقوله : إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن . غريب ، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله ، ودفن ليلة الأربعاء كما قدمنا . والله أعلم .
وضده ما رواه سيف ، عن هشام ، عن أبيه قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم [ ص: 153 ] الاثنين ، وغسل يوم الاثنين ، ودفن ليلة الثلاثاء . قال سيف : وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه ، عن عمرة ، عن عائشة مثله ، وهذا غريب جدا .
وقال الواقدي : حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن ابن أبي عون ، عن أبي عتيق ، عن جابر بن عبد الله قال : رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا ، وكان الذي رشه بلال بن رباح بقربة ، بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه ، ثم ضرب بالماء إلى الجدار ; لم يقدر على أن يدور من الجدار .== =================== ===========ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته صلى الله عليه وسلم
قال البخاري : ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا ثابت ، عن أنس قال : لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب ، فقالت فاطمة : واكرب أبتاه . فقال لها : " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب ربا دعاه ، يا أبتاه ، من جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه ، إلى جبريل ننعاه . فلما دفن قالت فاطمة : يا أنس ، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟ ! تفرد به البخاري ، رحمه الله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا ثابت البناني ، قال أنس : فلما دفنا النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة : يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم [ ص: 157 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم ؟ ! وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به . وعنده : قال حماد : فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه . وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، وإنما قلنا هذا ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة .
وقد روى الإمام أحمد والنسائي من حديث شعبة ، سمعت قتادة ، سمعت مطرفا يحدث ، عن حكيم بن قيس بن عاصم ، عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال : ولا تنوحوا علي ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه . وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في " النوادر " ، عن عمرو بن مرزوق ، عن شعبة به . ثم رواه عن علي بن المديني ، عن المغيرة بن سلمة ، عن الصعق بن حزن ، عن القاسم بن مطيب ، عن الحسن البصري ، عن قيس بن عاصم به قال : لا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه ، وقد سمعته ينهى عن النياحة . ثم رواه عن علي ، عن محمد بن الفضل ، عن الصعق ، عن القاسم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن عاصم به .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : ثنا عقبة بن سنان ، ثنا عثمان بن عثمان ، ثنا [ ص: 158 ] محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه .
وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا جعفر بن سليمان ، ثنا ثابت ، عن أنس قال : لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء . قال : وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا . وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا ، عن بشر بن هلال الصواف ، عن جعفر بن سليمان الضبعي به . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح غريب .
قلت ، وإسناده على شرط " الصحيحين " ، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان ، وقد أخرج له الجماعة ، رواه الناس عنه كذلك .
وقد أغرب الكديمي ، وهو محمد بن يونس ، رحمه الله ، في روايته له حيث قال : ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن ثابت ، عن أنس قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض ، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها ، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا . رواه البيهقي من طريقه كذلك ، وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ ، عن أبي الوليد الطيالسي ، كما قدمنا ، [ ص: 159 ] وهو المحفوظ ، والله أعلم .
وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من طريق أبي حفص بن شاهين ، ثنا حسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة ، ثنا محمد بن يزيد الرواسي ، ثنا مسلمة بن علقمة ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء .
وقال ابن ماجه : ثنا إسحاق بن منصور ، ثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي ، عن ابن عون ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد ، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا .
وقال أيضا : ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، ثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي ، حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي ، حدثني مصعب بن عبد الله ، عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلي يصلي لم يعد [ ص: 160 ] بصر أحدهم موضع قدميه ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه ، فتوفي أبو بكر ، وكان عمر ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة ، فتوفي عمر وكان عثمان ، وكانت الفتنة ، فتلفت الناس يمينا وشمالا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس ، أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لها : ما يبكيك على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : إني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت ، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا . هكذا رواه مختصرا .
وقد قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي قالا : ثنا الحسن بن علي الحلواني ، ثنا عمرو بن عاصم الكلابي ، ثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس قال : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن زائرا ، وذهبت معه ، فقربت إليه شرابا ، فإما كان صائما وإما كان لا يريده ، فرده ، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه . فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها . فلما انتهينا إليها بكت ، فقالا لها : ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم . قالت : والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء . فهيجتهما على البكاء فجعلا [ ص: 161 ] يبكيان . ورواه مسلم منفردا به ، عن زهير بن حرب ، عن عمرو بن عاصم به .
وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخطبة أبي بكر فيها ، قال : ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة ، وأم أيمن قاعدة تبكي ، فقيل لها ما يبكيك ؟ قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأدخله جنته ، وأراحه من نصب الدنيا . فقالت : إنما أبكي على خبر السماء ، كان يأتينا غضا جديدا ، كل يوم وليلة ، فقد انقطع ورفع ، فعليه أبكي . فعجب الناس من قولها .
وقد قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه " : وحدثت ، عن أبي أسامة ، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري : ثنا أبو أسامة ، حدثني بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها ، فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها ، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي ، فأهلكها وهو ينظر إليها ، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره " تفرد به مسلم إسنادا ومتنا .
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يوسف بن موسى ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن سفيان ، عن عبد الله بن السائب ، عن [ ص: 162 ] زاذان ، عن عبد الله ، هو ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة سياحين ، يبلغوني عن أمتي السلام " قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حياتي خير لكم تحدثون ، ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم " ثم قال البزار : لا نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه . قلت : وأما أوله ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام " فقد رواه النسائي من طرق متعددة ، عن سفيان الثوري ، وعن الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب ، به .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن علي الجعفي ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا : يا رسول الله ، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ يعني قد [ ص: 163 ] بليت . قال : " إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام " وهكذا رواه أبو داود ، عن هارون بن عبد الله ، وعن الحسن بن علي ، والنسائي عن إسحاق بن منصور ، ثلاثتهم عن حسين بن علي به . ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن حسين بن علي ، عن ابن جابر ، عن أبي الأشعث ، عن شداد بن أوس ، فذكره . قال شيخنا أبو الحجاج المزي : وذلك وهم من ابن ماجه ، والصحيح أوس بن أوس ، وهو الثقفي رضي الله عنه .
قلت : وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب كما رواه أحمد ، وأبو داود والنسائي : عن أوس بن أوس .
ثم قال ابن ماجه : حدثنا عمرو بن سواد المصري ، ثنا عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أيمن ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكثروا الصلاة علي يوم [ ص: 164 ] الجمعة ، فإنه مشهود تشهده الملائكة ، وإن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها "قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال : " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، عليهم السلام ، فنبي الله حي يرزق " وهذا من أفراد ابن ماجه رحمه الله .
وقد عقد الحافظ ابن عساكر هاهنا بابا في إيراد الأحاديث المروية في زيارة قبره الشريف ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ، وموضع استقصاء ذلك في كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله تعالى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق