كتاب أخبار الماضين==قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم ===قصة أصحاب الأخدود==ذكر أمتي يأجوج ومأجوج وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد =====
قصة الرجلين المؤمن والكافر
من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة سوى أيام العرب وجاهليتهم ، فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى . قال الله تعالى : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا [ طه : 99 ] . وقال : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [ يوسف : 3 ] .
[ ص: 536 ] خبر ذي القرنين قال الله تعالى : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا [ الكهف : 83 - 98 ] .
ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا ، وأثنى عليه بالعدل ، وأنه بلغ المشارق والمغارب ، وملك الأقاليم وقهر أهلها ، وسار فيهم بالمعدلة التامة ، والسلطان [ ص: 537 ] المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط . والصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين ، وقيل : كان نبيا . وقيل : كان رسولا . وأغرب من قال : ملكا من الملائكة . وقد حكي هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فإنه سمع رجلا يقول لآخر : يا ذا القرنين ، فقال : مه ، ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة . ذكره السهيلي .
وقد روى وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان ذو القرنين نبيا . وروى الحافظ ابن عساكر ، من حديث أبي محمد بن أبي نصر ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت ، حدثنا محمد بن حماد ، أنبأنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أدري أتبع كان لعينا أم لا ، ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ، ولا أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا وهذا غريب من هذا الوجه . وقال إسحاق بن بشر ، عن عثمان بن الساج ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان [ ص: 538 ] ذو القرنين ملكا صالحا ، رضي الله عمله ، وأثنى عليه في كتابه ، وكان منصورا ، وكان الخضر وزيره . وذكر أن الخضر ، عليه السلام ، كان على مقدمة جيشه وكان عنده بمنزلة المشاور ، الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم . وقد ذكر الأزرقي وغيره ، أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل ، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل ، عليه السلام . وروي عن عبيد بن عمير ، وابنه عبد الله وغيرهما ، أن ذا القرنين حج ماشيا ، وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه ، وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد . والله أعلم .
واختلفوا في السبب الذي سمي به ذا القرنين ; فقيل : لأنه كان له في رأسه شبه القرنين . وقال وهب بن منبه : كان له قرنان من نحاس في رأسه . وهذا ضعيف . وقال بعض أهل الكتاب : لأنه ملك فارس والروم . وقيل : لأنه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا ، وملك ما بينهما من الأرض . وهذا أشبه من غيره ، وهو قول الزهري . وقال الحسن البصري : كانت له غديرتان من شعر يطأ فيهما ; فسمي ذا القرنين . وقال إسحاق بن بشر ، [ ص: 539 ] عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أنه قال : دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه ، ثم دعاه فدق قرنه الثاني ، فكسره ، فسمي ذا القرنين . وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن علي بن أبي طالب ، أنه سئل عن ذي القرنين فقال : كان عبدا ناصح الله فناصحه ، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات ، فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فمات ، فسمي ذا القرنين . وهكذا رواه شعبة ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن أبي الطفيل ، عن علي به . وفي بعض الروايات ، عن أبي الطفيل عن علي ، قال : لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا ، ولكن كان عبدا صالحا .
وقد اختلف في اسمه ; فروى الزبير بن بكار ، عن ابن عباس : كان اسمه عبد الله بن الضحاك بن معد . وقيل : مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان .
[ ص: 540 ] وقد جاء في حديث أنه كان من حمير ، وأمه رومية ، وأنه كان يقال له : ابن الفيلسوف ; لعقله . وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرا يفخر بكونه أحد أجداده فقال :
قد كان ذو القرنين جدي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد بلغ المشارق والمغارب يبتغي
أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها
في عين ذي خلب وثأط حرمد من بعده بلقيس كانت عمتي
ملكتهم حتى أتاها الهدهد
قال السهيلي : وقيل : كان اسمه مرزبى بن مرذبة ، ذكره ابن هشام ، وذكر في موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مراثد . وهو أول التبابعة ، وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع . وقيل : إنه أفريدون [ ص: 541 ] بن أسفيان ، الذي قتل الضحاك . وفي خطبة قس : يا معشر إياد ، أين الصعب ذو القرنين ، ملك الخافقين ، وأذل الثقلين ، وعمر ألفين ، ثم كان كلحظة عين ، ثم أنشد ابن هشام للأعشى :
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا بالحنو في جدث أميم مقيم
وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس . ويقال : هرديس بن فيطون بن رومي بن لنطي بن كسلوجين بن يونان بن يافث بن نوح . فالله أعلم . وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة قال : إسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة ، وكان من ولد سام بن نوح ، عليه السلام . فأما ذو القرنين الثاني فهو إسكندر بن فيليبس بن مضريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن نونة بن سرحون بن رومة بن ثرنط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن [ ص: 542 ] العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " المقدوني اليوناني المصري ، باني إسكندرية ، الذي يؤرخ بأيامه الروم ، وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل ، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة ، وكان أرسطاطاليس الفيلسوف وزيره ، وهو الذي قتل دارا بن دارا ، وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم . وإنما نبهنا عليه ; لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد ، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيره ، فيقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير ، فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا ، وكان وزيره الخضر ، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا . وأما الثاني ، فكان مشركا ، وكان وزيره فيلسوفا ، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة . فأين هذا من هذا ، لا يستويان ولا يشتبهان ، إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور .
قوله تعالى : ويسألونك عن ذي القرنين [ الكهف : 83 ] . كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا لهم : سلوه عن رجل طواف في الأرض ، وعن فتية خرجوا لا يدرى ما فعلوا . فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين . ولهذا قال : قل سأتلو عليكم منه ذكرا أي من خبره وشأنه [ ص: 543 ] ذكرا أي خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره وشرح حاله . فقال : إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا أي : وسعنا مملكته في البلاد وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة والمقاصد الجسيمة .
قال قتيبة ، عن أبي عوانة ، عن سماك ، عن حبيب بن حماز ، قال : كنت عند علي بن أبي طالب ، وسأله رجل عن ذي القرنين ، كيف بلغ المشرق والمغرب ؟ فقال : سخر له السحاب ، ومدت له الأسباب ، وبسط له في النور . وقال : أزيدك ؟ فسكت الرجل ، وسكت علي ، رضي الله عنه .
وعن أبي إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن عبد الله الوادعي ، سمعت معاوية يقول : ملك الأرض أربعة : سليمان بن داود النبي ، عليهما السلام ، وذو القرنين ، ورجل من أهل حلوان ورجل آخر . فقيل له : الخضر ؟ قال : لا .
وقال الزبير بن بكار حدثني إبراهيم بن المنذر ، عن محمد بن الضحاك ، عن أبيه ، عن سفيان الثوري ، قال : بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة : مؤمنان وكافران ; سليمان النبي ، وذو القرنين ، ونمرود ، وبخت نصر . وهكذا قال سعيد بن بشير ، سواء .
[ ص: 544 ] وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : كان ذو القرنين ، ملك بعد النمرود وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا أتى المشرق والمغرب ، مد الله له في الأجل ونصره ، حتى قهر البلاد واحتوى على الأموال ، وفتح المدائن وقتل الرجال وجال في البلاد والقلاع ، فسار حتى أتى المشرق والمغرب ، فذلك قول الله : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا أي : خبرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا أي : علما بطلب أسباب المنازل .
قال إسحاق : وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز ، فمن اتبعه على دينه وتابعه عليه ، وإلا قتله . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وعبيد بن يعلى ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك وآتيناه من كل شيء سببا يعني علما . وقال قتادة ، ومطر الوراق : معالم الأرض ومنازلها وأعلامها وآثارها . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني تعليم الألسنة ، كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم .
والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها; فإنه كان يأخذ من كل إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الإقليم الآخر .
وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض ، [ ص: 545 ] ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وفي كل هذه المدة نظر . والله أعلم . وقد روى البيهقي ، وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله : وآتيناه من كل شيء سببا مطولا جدا ، وهو منكر جدا . وفي إسناده محمد بن يونس الكديمي وهو متهم ، فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا . والله أعلم .
وقوله : فأتبع سببا أي : طريقا حتى إذا بلغ مغرب الشمس يعني من الأرض ، انتهى إلى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه ، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له : أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات ، التي هي مبدأ الأطوال ، على أحد قولي أرباب الهيئة ، والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا . وعنده شاهد مغيب الشمس - فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته - تغرب في عين حمئة والمراد بها البحر في نظره ، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه ، ولهذا قال وجدها ، أي : في نظره ، ولم يقل : فإذا هي تغرب في عين حمئة . أي : ذات حمأة . قال كعب الأحبار وهو الطين الأسود . وقرأه بعضهم ( حامية ) . فقيل : يرجع إلى الأول . وقيل : من الحرارة . وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها .
[ ص: 546 ] وقد روى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب ، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو ، عن عبد الله قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال : في نار الله الحامية ، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض فيه غرابة ، وفيه رجل مبهم لم يسم ، ورفعه فيه نظر ، وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو ، فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين ، فكان يحدث منها ، والله أعلم .
ومن زعم من القصاص ، أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس ، وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مددا طويلة ، فقد أخطأ ، وأبعد النجعة ، وقال ما يخالف العقل والنقل .========قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
قال الله تعالى ، في سورة " الأعراف " : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين [ الأعراف : 163 - 166 ] .
وقال تعالى في سورة " البقرة " : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين [ البقرة : 65 ، 66 ] .
وقال تعالى في سورة " النساء " : أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا [ النساء : 47 ] .
[ ص: 583 ] قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم : هم أهل أيلة . زاد ابن عباس : بين مدين والطور . قالوا : وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان ، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم ; وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب ، فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر ; فتأتي من هاهنا وهاهنا ظاهرة آمنة مسترسلة فلا يهيجونها ولا يذعرونها . ويوم لا يسبتون لا تأتيهم وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت . قال الله تعالى : كذلك نبلوهم أي : نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت . بما كانوا يفسقون أي : بسبب فسقهم المتقدم ، فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت ، بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص ، وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها ، إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ، ففعلوا ذلك في يوم الجمعة ، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت ، علقت بهذه المصايد ، فإذا خرج سبتهم أخذوها ، فغضب الله عليهم ولعنهم ; لما احتالوا على خلاف أمره ، وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر ، وهي في الباطن مخالفة محضة ، فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين ; فرقة أنكروا عليهم صنيعهم [ ص: 584 ] هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان ، وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا ، بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا يقولون لهم : ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة ؟ فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا : معذرة إلى ربكم أي : فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنقوم به خوفا من عذابه . ولعلهم يتقون أي : ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع ، فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا . قال الله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به أي : لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع أنجينا الذين ينهون عن السوء وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر وأخذنا الذين ظلموا وهم المرتكبون الفاحشة بعذاب بئيس وهو الشديد المؤلم الموجع . بما كانوا يفسقون ثم فسر العذاب الذي أصابهم بقوله : فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وسنذكر ما ورد من الآثار في ذلك .
والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين ، ونجى المؤمنين المنكرين ، وسكت عن الساكتين ، وقد اختلف فيهم العلماء على قولين ; فقيل : إنهم من الناجين . وقيل : إنهم من الهالكين . والصحيح الأول عند المحققين ، وهو الذي رجع إليه ابن عباس ، إمام المفسرين ، وذلك عند مناظرة [ ص: 585 ] مولاه عكرمة ، فكساه من أجل ذلك حلة سنية ; تكرمة . قلت : وإنما لم يذكروا مع الناجين ; لأنهم وإن كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة ، إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولي ، الذي هو أوسط المراتب الثلاث ، التي أعلاها الإنكار باليد ذات البنان ، وبعدها الإنكار القولي باللسان ، وثالثها الإنكار بالجنان . فلما لم يذكروا ، لم يذكروا مع الناجين ، إذ لم يفعلوا الفاحشة ، بل أنكروا . وقد روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وحكى مالك ، عن ابن رومان ، وشيبان ، عن قتادة ، وعطاء الخراساني ، ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنع ، اعتزلهم بقية أهل البلد ، ونهاهم من نهاهم منهم ، فلم يقبلوا ، فكانوا يبيتون وحدهم ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا ، حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها ، وارتفع النهار واشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم ، فلما أشرف عليهم ، إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون ، ففتحوا عليهم الأبواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم ، ولا تعرفهم قراباتهم ، فجعلوا يلوذون بهم ، ويقول لهم الناهون : ألم ننهكم عن صنيعكم ؟ فتشير القردة برءوسها أن نعم . ثم بكى عبد [ ص: 586 ] الله بن عباس ، وقال : إنا لنرى منكرات كثيرة ، ولا ننكرها ، ولا نقول فيها شيئا . وقال العوفي ، عن ابن عباس : صار شباب القرية قردة ، وشيوخها خنازير . وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد ، عن ابن عباس ، أنهم لم يعيشوا إلا فواقا ، ثم هلكوا ، ما كان لهم نسل . وقال الضحاك عن ابن عباس : إنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا . وقد استقصينا الآثار في ذلك ، في تفسير سورتي " البقرة " ، و " الأعراف " . ولله الحمد والمنة . وقد روى ابن أبي حاتم ، وابن جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة وخنازير ، وإنما هو مثل ضربه الله ، كمثل الحمار يحمل أسفارا . وهذا صحيح إليه ، وغريب منه جدا ، ومخالف لظاهر القرآن ، ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف . والله أعلم =========قال الله تعالى والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق [ البروج : 10 ] قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة ولله الحمد . وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح ، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله . وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ، ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع ، وأثر أورده ابن إسحاق ، وهما متعارضان ، وها نحن نوردهما لتقف عليهما .
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر ، قال للملك [ ص: 24 ] إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما فلأعلمه السحر . فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه ، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال : ما حبسك ، وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا : ما حبسك ، فشكا ذلك إلى الراهب فقال : إذا أراد الساحر أن يضربك فقل : حبسني أهلي ، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل : حبسني الساحر .
قال : فبينا هو ذات يوم ، إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال : اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب قال : فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ، ورماها فقتلها ، ومضى فأخبر الراهب بذلك فقال : أي بني أنت أفضل مني ، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي . فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ، وسائر الأدواء ويشفيهم .
وكان جليس للملك فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال : اشفني ولك ما هاهنا أجمع . فقال : ما أنا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله عز وجل فإن آمنت به ، ودعوت الله شفاك ، فآمن فدعا الله فشفاه ، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك : يا فلان من رد عليك بصرك ؟ فقال : ربي قال : أنا قال : لا . ربي وربك الله . قال : ولك رب غيري ؟ قال : نعم ربي وربك الله . فلم يزل يعذبه ، [ ص: 25 ] حتى دل على الغلام فأتي به فقال : أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء ، قال : ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله عز وجل ، قال : أنا ؟ قال : لا ، قال : أولك رب غيري ؟ قال : ربي وربك الله قال : فأخذه أيضا بالعذاب ، ولم يزل به حتى دل على الراهب فأتي بالراهب فقال : ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه ، وقال للأعمى : ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه .
وقال للغلام : ارجع عن دينك فأبى ، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا ، وقال : إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه ، فذهبوا به فلما علوا الجبل قال : اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون ، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك فقال : كفانيهم الله فبعث به مع نفر في قرقور فقال : إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه في البحر ، فلججوا به البحر فقال الغلام : اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون ، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك فقال : كفانيهم الله .
ثم قال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني ، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي . قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد ، ثم تصلبني على جذع ، وتأخذ سهما من كنانتي ، ثم قل : بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . ففعل [ ص: 26 ] ووضع السهم في كبد القوس ، ثم رماه وقال : بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس : آمنا برب الغلام فقيل للملك : أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد ، وأضرمت فيها النيران ، وقال : من رجع عن دينه فدعوه ، وإلا فأقحموه فيها . وقال : فكانوا يتعادون فيها ، ويتدافعون ، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي : اصبري يا أماه فإنك على الحق كذا رواه الإمام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة زاد النسائي : وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به ، ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ثابت بإسناده ، نحوه ، وحرر إيراده ، كما بسطنا ذلك في التفسير
[ ص: 27 ] وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال : حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب ، وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها فيميون - ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه قالوا : رجل نزلها - فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر ، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس إليه ، ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده ، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه ، جعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه . وقال له : يا ابن أخي إنك لن تحمله أخشى ضعفك عنه .
والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان ، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه ، وتخوف ضعفه فيه ، عمد إلى قداح فجمعها ، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح ، لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أوقد نارا ، ثم جعل يقذفها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم ، قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره [ ص: 28 ] شيئا فأخذه ، ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه فقال : وما هو ؟ قال : كذا وكذا قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع قال : أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل .
فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال : يا عبد الله أتوحد الله ، وتدخل في ديني ، وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول : نعم فيوحد الله ويسلم ويدعو له فيشفى . حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ، ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال : أفسدت علي أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال : لا تقدر على ذلك ، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس ، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك ، فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس ، فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر : إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني ، قال : فوحد الله ذلك الملك ، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر ، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله ، وهلك الملك مكانه ، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحكمه ، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران .
[ ص: 29 ] قال ابن إسحاق : فهذا حديث محمد بن كعب ، وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر فالله أعلم أي ذلك كان . قال : فسار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل فخدوا الأخدود ، وحرق بالنار ، وقتل بالسيف ، ومثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين ألفا ففي ذي نواس ، وجنده أنزل الله على رسوله قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود الآيات . وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم .
وقد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان عن عبد الرحمن بن جبير قال : كانت الأخدود في اليمن زمان تبع ، وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد ، واتخذ أتونا ، وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد ، وفي العراق في أرض بابل في زمان بختنصر حين صنع الصنم ، وأمر الناس فسجدوا له فامتنع دانيال ، وصاحباه عزريا ومشايل فأوقد لهم أتونا وألقى فيها الحطب والنار ، ثم ألقاهم فيه فجعلها الله عليهم بردا وسلاما ، وأنقذهم منها ، وألقى فيها الذين بغوا عليه ، وهم تسعة رهط فأكلتهم النار .
وقال أسباط عن السدي في قوله قتل أصحاب الأخدود [ ص: 30 ] قال : كان الأخدود ثلاثة ، خد بالشام ، وخد بالعراق ، وخد باليمن . رواه ابن أبي حاتم وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج من كتابنا " التفسير " ولله الحمد والمنة . ============ ذكر أمتي يأجوج ومأجوج وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد
هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه ، ثم الدليل على ذلك ، ما ثبت في " الصحيحين " من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى يوم القيامة : يا آدم ، قم فابعث بعث النار من ذريتك . فيقول : يا رب ، وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة . فحينئذ يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد . قالوا : يا رسول الله ، أينا ذلك الواحد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبشروا ; فإن منكم واحدا ، ومن يأجوج ومأجوج ألفا وفي رواية : فقال : أبشروا فإن فيكم أمتين ; ما كانتا في شيء إلا كثرتاه - أي غلبتاه - كثرة وهذا يدل على كثرتهم ، وأنهم أضعاف الناس مرارا عديدة . ثم هم من ذرية نوح ; لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [ نوح : 26 ] . وقال تعالى : فأنجيناه وأصحاب السفينة [ العنكبوت : 15 ] . وقال : وجعلنا ذريته هم الباقين [ الصافات : 77 ] . وتقدم في الحديث المروي في " المسند " و " السنن " : أن نوحا ولد له ثلاثة ; وهم سام ، وحام ، ويافث ، فسام أبو العرب ، وحام أبو السودان ويافث أبو الترك ، فيأجوج ومأجوج طائفة من الترك ، وهم مغل المغول ، وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء ، ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم . وقد قيل : إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد وألجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه ، فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه . فلهذا قيل لهم : الترك .
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم ، فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك ، وأنهم ليسوا من حواء ، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي ، في " شرح مسلم " وغيره ، وضعفوه ، وهو جدير بذلك ; إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح ، بنص القرآن . وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا ; فمنهم من هو كالنخلة السحوق ، ومنهم من هو غاية في القصر ، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى ، فكل هذه أقوال بلا دليل ، ورجم بالغيب بغير برهان .
[ ص: 554 ] والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن وهذا فيصل في هذا الباب وغيره . وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا ، فإن صح في خبر قلنا به ، وإلا فلا نرده ، إذ يحتمله العقل ، والنقل أيضا قد يرشد إليه . والله أعلم . بل قد ورد حديث مصرح بذلك ، إن صح ; قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني ، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا المغيرة ، عن مسلم ، عن أبي إسحاق ، عن وهب بن جابر ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معائشهم ، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا . وإن من ورائهم ثلاث أمم : تاويل ، وتاريس ، ومنسك وهو حديث غريب جدا وإسناده ضعيف . وفيه نكارة شديدة . وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في " تاريخه " ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم ليلة الإسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا من إجابته ومتابعته ، وأنه دعا تلك الأمم التي هناك ; تاريس ، وتاويل ، ومنسك ، فأجابوه ، فهو حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمر بن [ ص: 555 ] الصبح أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث . والله أعلم .
فإن قيل : فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة ، وأنهم في النار ، ولم يبعث إليهم رسل وقد قال الله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ؟ فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم ، والإعذار إليهم ، كما قال تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فإن كانوا في الزمن الذي قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم قد أتتهم رسل منهم ، فقد قامت على أولئك الحجة ، وإن لم يكن قد بعث الله إليهم رسلا ، فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة . وقد دل الحديث المروي من طرق عن جماعة من الصحابة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن من كان كذلك يمتحن في عرصات القيامة ، فمن أجاب الداعي دخل الجنة ، ومن أبى دخل النار . وقد أوردنا الحديث بطرقه وألفاظه ، وكلام الأئمة عليه في تفسيرنا عند قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعا عن أهل السنة والجماعة ، وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم ولا ينافي الإخبار عنهم بأنهم من أهل النار ; لأن الله يطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يشاء من أمر الغيب ، وقد أطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء ، وأن سجاياهم تأبى قبول الحق والانقياد له ، فهم لا يجيبون الداعي يوم القيامة ، فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم [ ص: 556 ] فيها ; لأن في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا ، فإيقاع الإيمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في الدنيا . والله أعلم . كما قال تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون [ السجدة : 12 ] . وقال تعالى : أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا [ مريم : 38 ] . وأما الحديث الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم ليلة الإسراء فلم يجيبوا ، فإنه حديث منكر ، بل موضوع ، وضعه عمر بن الصبح .
وأما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس ، وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال ، فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ، ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم . قال البخاري : وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : رأيت السد . قال : وكيف رأيته ؟ قال : مثل البرد المحبر . فقال : رأيته هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ، ولم أره مسندا من وجه متصل أرتضيه ، غير أن ابن جرير رواه في " تفسيره " مرسلا فقال : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا قال : يا رسول [ ص: 557 ] الله ، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج . قال : انعته لي قال : كالبرد المحبر ، طريقة سوداء وطريقة حمراء . قال : قد رأيته .
وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته ، وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينتهوا إلى السد ، فيكشفوا عن خبره وينظروا كيف بناه ذو القرنين ، وعلى أي صفة ، فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه بابا عظيما وعليه أقفال ، وأنه بناء محكم شاهق منيف جدا ، وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك ، وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ، ومحلته في شرقي الأرض في جهة الشمال ، في زاوية الأرض الشرقية الشمالية . ويقال : إن بلادهم متسعة جدا ، وإنهم يقتاتون بأصناف من المعايش ، من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر ، وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم . فإن قيل : فما الجمع بين قوله تعالى : فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا [ الكهف : 97 ] . وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، قالت : استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوم ، محمرا وجهه وهو يقول : لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق تسعين . قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟! قال : نعم ، إذا كثر الخبث وأخرجاه في " الصحيحين " ، من حديث وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي [ ص: 558 ] هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ، مثل هذا وعقد تسعين فالجواب : أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن ، وأن هذا استعارة محضة وضرب مثل ، فلا إشكال . وأما على قول من جعل ذلك إخبارا عن أمر محسوس ، كما هو الظاهر المتبادر ، فلا إشكال أيضا ; لأن قوله : فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا أي : في ذلك الزمان ، لأن هذه صيغة خبر ماض ، فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدرا ، وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا ، حتى يتم الأجل وينقضي الأمد المقدور ، فيخرجون ، كما قال الله تعالى : وهم من كل حدب ينسلون [ الأنبياء : 96 ] . ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا ، وهو ما رواه الإمام أحمد في " مسنده " قائلا : حدثنا روح ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، حدثنا أبو رافع ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا . فيعودون إليه كأشد ما كان ، حتى إذا بلغت مدتهم ، وأراد الله أن يبعثهم على الناس ، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله . ويستثني ، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه ، فيحفرونه ويخرجون [ ص: 559 ] على الناس فينشفون المياه ، ويتحصن الناس منهم في حصونهم ، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم ، فيقولون : قهرنا أهل الأرض ، وعلونا أهل السماء . فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم ، فيقتلهم بها " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده ، إن دواب الأرض لتسمن شكرا من لحومهم ودمائهم " ورواه أحمد أيضا عن حسن بن موسى ، عن شيبان ، عن قتادة به . وهكذا رواه ابن ماجه من حديث سعيد ، عن قتادة ، إلا أنه قال : حدث أبو رافع . ورواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن ، قتادة به . ثم قال : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه ، حتى كادوا ينظرون شعاع الشمس من ورائه ; لرقته ، فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا ، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار ، كما قاله بعضهم ، فقد استرحنا من المئونة ، وإن كان محفوظا فيكون محمولا على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان [ ص: 560 ] عند اقتراب خروجهم ، كما هو المروي عن كعب الأحبار ، أو يكون المراد بقوله : وما استطاعوا له نقبا أي : نافذا منه ، فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه . والله أعلم . وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في " الصحيحين " عن أبي هريرة ، رضي الله عنه : فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين . أي : فتح فتحا نافذا فيه . والله أعلم ============================== قصة الرجلين ; المؤمن والكافر
قال الله تعالى في سورة " الكهف " بعد قصة أصحاب الكهف : واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا [ الكهف : 32 - 44 ] . قال بعض الناس : هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا . والجمهور أنه أمر قد وقع ، وقوله : واضرب لهم مثلا يعني لكفار قريش ، [ ص: 573 ] في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء ، وازدرائهم بهم ، وافتخارهم عليهم كما قال تعالى : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون [ يس : 13 ] . كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة ، موسى ، عليه السلام ، والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين ، وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا ، ويقال : إنه كان لكل منهما مال ، فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه ، وأما الكافر فإنه اتخذ له بستانين ، وهما الجنتان المذكورتان في الآية ، على الصفة والنعت المذكور ; فيهما أعناب ، ونخل تحف تلك الأعناب والزروع في خلال ذلك ، والأنهار سارحة هاهنا وهاهنا للسقي والتنزه ، وقد استوسقت فيهما الثمار ، واضطربت فيهما الأنهار ، وابتهجت الزروع والثمار ، وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له : أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أي : وأمنع جنابا . ومراده أنه خير منه ، ومعناه ، ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه ؟ كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي . فافتخر على صاحبه ودخل جنته وهو ظالم لنفسه أي : وهو على غير طريقة مرضية قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وذلك لما رأى من اتساع أرضها ، وكثرة مائها وحسن نبات أشجارها ; ولو قد بادت كل واحدة من هذه [ ص: 574 ] الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها ، وزروعها دارة لكثرة مياهها . ثم قال : وما أظن الساعة قائمة فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية ، وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة ، ثم قال : ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا أي : ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا . وذلك لأنه اغتر بدنياه ، واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له وحظوته عنده ، كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا [ مريم : 77 ، 78 ] . وقال تعالى إخبارا عن الإنسان إذا أنعم الله عليه ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى [ فصلت : 50 ] . قال الله تعالى : فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ [ فصلت : 50 ] . وقال قارون إنما أوتيته على علم عندي [ القصص : 78 ] . أي لعلم الله في أني أستحقه . قال الله تعالى : أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [ القصص : 78 ] . وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى . وقال تعالى : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون [ سبأ : 37 ] . وقال تعالى : [ ص: 575 ] أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [ المؤمنون : 55 ، 56 ] . ولما اغتر هذا الجاهل بما خوله الله به في الدنيا ، فجحد الآخرة ، وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه ، وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له صاحبه وهو يحاوره أي : يجادله أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا أي : أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب ، ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا ، تعلم وتبطش وتفهم ، فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة لكنا هو الله ربي أي : لكن أنا أقول بخلاف ما قلت وأعتقد خلاف معتقدك هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا أي : لا أعبد سواه ، وأعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها ، ويعيد الأموات ، ويجمع العظام الرفات ، وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ، ولا في ملكه ، ولا إله غيره . ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ولهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك .
وقد ورد فيه حديث مرفوع ، في صحته نظر ; قال أبو يعلى الموصلي : حدثنا جراح بن مخلد ، حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عيسى بن عون ، حدثنا عبد الملك بن زرارة ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 576 ] ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله . فيرى فيه آفة دون الموت وكان يتأول هذه الآية : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله قال الحافظ أبو الفتح الأزدي : عيسى بن عون ، عن عبد الملك بن زرارة ، عن أنس ، لا يصح .
ثم قال المؤمن للكافر : فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك أي : في الدار الآخرة ويرسل عليها حسبانا من السماء قال ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة : أي : عذابا من السماء . والظاهر أنه المطر المزعج الباهر ، الذي يقتلع زروعها وأشجارها فتصبح صعيدا زلقا وهو التراب الأملس الذي لا نبات فيه أو يصبح ماؤها غورا وهو ضد المعين السارح فلن تستطيع له طلبا يعني ، فلا تقدر على استرجاعه . قال الله تعالى : وأحيط بثمره أي : جاءه أمر أحاط بجميع حواصله ، وخرب جنته ، ودمرها فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها أي : خربت بالكلية ، فلا عودة لها ، وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال : وما أظن أن تبيد هذه أبدا وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه بالله العظيم ، فهو يقول : يا ليتني لم أشرك بربي أحدا قال الله تعالى : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك أي : لم يكن له أحد يتدارك ما فرط من أمره ، وما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك ، كما قال تعالى : فما له من قوة ولا ناصر [ الطارق : 10 ] . [ ص: 577 ] وقوله : الولاية لله الحق ومنهم من يبتدئ بقوله : هنالك الولاية لله الحق وهو حسن أيضا ، كقوله : الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا [ الفرقان : 26 ] . فالحكم الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب - في تلك الحال وفي كل حال - لله الحق . ومنهم من رفع ( الحق ) جعله صفة ل ( الولاية ) وهما متلازمتان . وقوله : هو خير ثوابا وخير عقبا أي : معاملته خير لصاحبها ثوابا ، وهو الجزاء ، وخير عقبا ; وهو العاقبة في الدنيا والآخرة .
وهذه القصة تضمنت أنه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ، ولا يغتر بها ، ولا يثق بها ، بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه ، وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده . وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والإنفاق في سبيله ، عذب به ، وربما سلب منه ; معاملة له بنقيض قصده . وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق ، وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة . وفيها ، أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ، ونفذ الأمر الحتم . والله المستعان وعليه التكلان
أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها
في عين ذي خلب وثأط حرمد من بعده بلقيس كانت عمتي
ملكتهم حتى أتاها الهدهد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق