فصل تعليم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة وأوقاتها==
فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
==
فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق ====
ولما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صبيحة ليلة الإسراء ، جاءه جبريل عند الزوال ، فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فاجتمعوا ، وصلى به جبريل في ذلك اليوم إلى الغد ، والمسلمون يأتمون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقتدي بجبريل ، كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر ، أمني جبريل عند البيت مرتين ، فبين له الوقتين ، فهما الأول والآخر ، وما بينهما الوقت الموسع ، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب . وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في " صحيح مسلم " وموضع بسط ذلك في كتابنا الأحكام ، ولله الحمد .
فأما ما ثبت في " صحيح البخاري " من طريق سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر . وكذا رواه الأوزاعي [ ص: 292 ] ، عن الزهري ورواه الشعبي عن مسروق عنها . وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر ، وكذا عثمان بن عفان وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا [ النساء : 101 ] . قال البيهقي : وقد ذهب الحسن البصري إلى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا ، كما ذكره مرسلا من صلاته عليه السلام صبيحة الإسراء الظهر أربعا ، والعصر أربعا ، والمغرب ثلاثا ، يجهر في الأوليين ، والعشاء أربعا يجهر في الأوليين ، والصبح ركعتين يجهر فيهما .
قلت : فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الإسراء تكون ركعتين ركعتين ، ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه ، ورخص في السفر أن يصلى ركعتين ، كما كان الأمر عليه قديما وعلى هذا لا يبقى إشكال بالكلية ، والله أعلم===في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها
وقيل : بل هي توفيت قبله . والمشهور الأول . وهما المشفقان; هذاك في الظاهر ، وهذه في الباطن هذاك كافر ، وهذه مؤمنة صديقة ، رضي الله عنها وأرضاها .
قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب ، بهلك خديجة ، وكانت له وزير صدق على الإسلام ، يسكن إليها ، وبهلك عمه أبي طالب ، وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين ، فلما هلك أبو طالب ، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر [ ص: 305 ] على رأسه ترابا ، فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسله وتبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تبكي يا بنية; فإن الله مانع أباك " . - ويقول بين ذلك - " ما نالتني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب " .
وذكر ابن إسحاق قبل ذلك ، أن أحدهم ربما طرح الأذى في برمته صلى الله عليه وسلم إذا نصبت له . قال : فكان إذا فعلوا ذلك - كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة - يخرج بذلك الشيء على العود فيقف به على بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ، أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق .
قال ابن إسحاق : لما اشتكى أبو طالب ، وبلغ قريشا ثقله ، قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا ، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا .
وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة ، إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس هذا الحديث : يا ابن أخي! لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها . يعني لا إله إلا الله .
والجواب عن هذا من وجوه; أحدها ، أن في السند مبهما لا يعرف حاله ، وهو قوله : عن بعض أهله . وهذا إبهام في الاسم والحال ، ومثله يتوقف فيه لو انفرد .
وقد روى الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن جرير نحوا من هذا السياق ، من طريق أبي أسامة ، عن الأعمش ، حدثنا عباد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فذكره ، ولم يذكر قول العباس . ورواه الثوري أيضا ، عن [ ص: 308 ] الأعمش ، عن يحيى بن عمارة الكوفي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فذكره بغير زيادة قول العباس . ورواه الترمذي وحسنه ، والنسائي وابن جرير أيضا ، ولفظ الحديث من سياق البيهقي ، فيما رواه من طريق الثوري ، عن الأعمش ، عن يحيى بن عمارة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : مرض أبو طالب ، فجاءت قريش ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل ، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك ، وشكوه إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي ، ما تريد من قومك ؟ فقال : " يا عم ، إنما أريد منهم كلمة ، تذل لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم ، كلمة واحدة " . قال : ما هي ؟ قال : " لا إله إلا الله " . قال : فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب! قال : ونزل فيهم : ص والقرآن ذي الذكر الآيات ، إلى قوله إلا اختلاق [ ص : 1 - 7 ]
ثم قد عارضه - أعني سياق ابن إسحاق - ما هو أصح منه ، وهو ما رواه البخاري رحمه الله قائلا : حدثنا محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبيه ، رضي الله عنه ، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة ، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، فقال : " أي عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله " . فقال أبو جهل وعبد الله [ ص: 309 ] بن أبي أمية : يا أبا طالب ، ترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانه ، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " . فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم [ التوبة : 113 ] ونزلت : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين [ القصص : 56 ] ورواه مسلم ، عن إسحاق بن إبراهيم وعبد ، عن عبد الرزاق .
وأخرجاه أيضا من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبيه بنحوه . وقال فيه : فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعودان له بتلك المقالة ، حتى قال آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما لأستغفرن لك ، ما لم أنه عنك " . فأنزل الله - يعني بعد ذلك - : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ونزل في أبي طالب : إنك لا تهدي من أحببت .
وهكذا روى الإمام أحمد ، ومسلم ، والترمذي من حديث يزيد بن [ ص: 310 ] كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : لما حضرت وفاة أبي طالب ، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا عماه ، قل : لا إله إلا الله ، أشهد لك بها يوم القيامة " . فقال : لولا أن تعيرني قريش; يقولون : ما حمله عليه إلا جزع الموت . لأقررت بها عينك ، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك . فأنزل الله عز وجل : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين
وهكذا قال عبد الله بن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، والشعبي ، وقتادة : إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : لا إله إلا الله . فأبى أن يقولها ، وقال : هو على ملة الأشياخ . وكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب .
ويؤكد هذا كله ما قال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، حدثني عبد الله بن الحارث ، حدثنا العباس بن عبد المطلب ، أنه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك . قال : هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " . ورواه مسلم في " صحيحه " من طرق عن [ ص: 311 ] عبد الملك بن عمير به .
وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث الليث ، حدثني ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر عنده عمه ، فقال : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار ، يبلغ كعبيه ، يغلي منه دماغه " . لفظ البخاري ، وفي رواية : " تغلي منه أم دماغه " .
وروى مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي عثمان ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أهون أهل النار عذابا أبو طالب ، منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه " .
وفي " مغازي " يونس بن بكير : " يغلي منهما دماغه ، حتى يسيل على قدميه " . . ذكره السهيلي .
وقال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : حدثنا عمر ، هو ابن إسماعيل بن مجالد ، حدثنا أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر ، قال : [ ص: 312 ] سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قيل له - : هل نفعت أبا طالب ؟ قال : " أخرجته من النار إلى ضحضاح منها " . تفرد به البزار .
قال السهيلي : وإنما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس لأخيه ، أنه قال الكلمة ، وقال : " لم أسمع " ; لأن العباس كان إذ ذاك كافرا ، غير مقبول الشهادة .
قلت : وعندي أن الخبر بذلك ما صح ، لضعف سنده كما تقدم ، ومما يدل على ذلك ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبي طالب ، فذكر له ما تقدم . وبتقدير صحته ، لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة ، حين لا ينفع نفسا إيمانها . والله أعلم .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت ناجية بن كعب ، يقول : سمعت عليا ، يقول : لما توفي أبي ، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إن عمك قد توفي ، فقال : " اذهب فواره " . فقلت : إنه مات مشركا . فقال : " اذهب فواره ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " . ففعلت ، ثم أتيته فأمرني أن أغتسل . ورواه النسائي ، عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة به . ورواه أبو داود ، والنسائي ، من حديث سفيان ، عن [ ص: 313 ] أبي إسحاق ، عن ناجية ، عن علي : لما مات أبو طالب ، قلت : يا رسول الله ، إن عمك الشيخ الضال قد مات ، فمن يواريه ؟ قال : " اذهب فوار أباك ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " . فأتيته ، فأمرني فاغتسلت ، ثم دعا لي بدعوات ، ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء .
قلت : قد روى عنه غير واحد; منهم الفضل بن موسى السيناني ، ومحمد بن سلام البيكندي ، ومع هذا قال ابن عدي : ليس بمعروف ، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة .
وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة ، والمحاجة ، والممانعة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه ، وعن أصحابه ، وما قاله فيه من الممادح والثناء ، [ ص: 314 ] وما أظهر له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها ، وما تضمنته من العيب والتنقص لمن خالفه وكذبه ، بتلك العبارة الفصيحة ، البليغة ، الهاشمية ، المطلبية ، التي لا تدانى ولا تسامى ، ولا يمكن عربيا مقاربتها ، ولا معارضتها ، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق ، بار ، راشد ، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه . وفرق بين علم القلب وتصديقه ، كما قررنا ذلك في شرح كتاب الإيمان من - صحيح البخاري - وشاهد ذلك قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون [ البقرة : 146 ] . وقال تعالى في قوم فرعون : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : 14 ] . وقال موسى لفرعون : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا [ الإسراء : 102 ] ، وقول بعض السلف في قوله تعالى : وهم ينهون عنه وينأون عنه [ الأنعام : 26 ] إنها نزلت في أبي طالب ، حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق ، فقد روي عن ابن عباس ، والقاسم بن مخيمرة ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعطاء بن دينار ، ومحمد بن كعب ، وغيرهم ، وفيه نظر . والله أعلم .
والأظهر - والله أعلم - الرواية الأخرى عن ابن عباس : وهم ينهون [ ص: 315 ] الناس عن محمد أن يؤمنوا به . وبهذا قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وغير واحد . وهو اختيار ابن جرير ، وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين ، حيث كانوا يصدون الناس عن اتباع الحق ، ولا ينتفعون هم أيضا به ، ولهذا قال ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون [ الأنعام : 25 ، 26 ] وهذا اللفظ وهو قوله : " وهم " ، يدل على أن المراد بهذا جماعة ، وهم المذكورون في سياق الكلام ، وقوله : وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون يدل على تمام الذم ، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة ، بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ، ونفس ومال ، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان; لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة ، والحجة القاطعة البالغة الدامغة ، التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه========في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها ، بعائشة بنت الصديق ، وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما
والصحيح أن عائشة - تزوجها أولا لما سيأتي; قال البخاري في باب تزويج عائشة : حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا وهيب ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : أريتك في المنام مرتين; أرى أنك في [ ص: 325 ] سرقة من حرير ، ويقول : هذه امرأتك ، فاكشف عنها . فإذا هي أنت ، فأقول : إن يك هذا من عند الله ، يمضه " .
قال البخاري : باب نكاح الأبكار : وقال ابن أبي مليكة : قال ابن عباس لعائشة : لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرك . حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثني أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها ، ووجدت شجرة لم يؤكل منها ، في أيها كنت ترتع بعيرك ؟ قال : " في التي لم يرتع منها " تعني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها . انفرد به البخاري .
ثم قال : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أريتك في المنام مرتين ، إذا رجل يحملك في سرقة حرير ، فيقول : هذه امرأتك . فأكشفها فإذا هي أنت ، فأقول : إن يكن هذا من عند الله ، يمضه " . ورواه مسلم من طريق هشام بن عروة به .
ورواه البخاري في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج ، ثنا مسدد ، ثنا حماد بن زيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أريتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير ، فقال لي : [ ص: 326 ] هذه امرأتك . فكشفت عن وجهك الثوب ، فإذا أنت هي ، فقلت : إن يك هذا من عند الله ، يمضه " . - وفي رواية - : " أريتك في المنام ثلاث ليال " . وعند الترمذي : أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء ، فقال : هذه زوجتك في الدنيا والآخرة .
وقال البخاري : باب تزويج الصغار من الكبار ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، عن يزيد ، عن عراك ، عن عروة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر ، فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك . فقال : " أنت أخي في دين الله وكتابه ، وهي لي حلال " . هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل ، وهو عند البخاري والمحققين متصل; لأنه من حديث عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ، وهذا من أفراد البخاري رحمه الله .
وقال يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بعد موت خديجة بثلاث سنين ، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين ، وبنى بها وهي ابنة تسع ، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة ابنة ثماني عشرة سنة . وهذا غريب .
وقد روى البخاري ، عن عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 327 ] بثلاث سنين ، فلبث سنتين أو قريبا من ذلك ، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين ، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين . وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الأمر . وقوله : تزوجها وهي ابنة ست سنين ، وبنى بها وهي ابنة تسع . ما لا خلاف فيه بين الناس ، وقد ثبت في الصحاح وغيرها . وكان بناؤه بها ، عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة .
وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو ثلاث سنين ، ففيه نظر; فإن يعقوب بن سفيان الحافظ ، قال : حدثنا الحجاج ، حدثنا حماد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة ، قبل مخرجه من مكة ، وأنا ابنة سبع - أو ست - سنين ، فلما قدمنا المدينة ، جاءني نسوة وأنا العب في أرجوحة ، وأنا مجممة ، فهيأنني وصنعنني ، ثم أتين بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة تسع سنين . فقوله في هذا الحديث " " متوفى خديجة " يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا ، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة : بعد متوفى خديجة . فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه . والله أعلم .
وقال البخاري : حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت [ ص: 328 ] ست سنين ، فقدمنا المدينة ، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج ، فوعكت فتمزق شعري فوفى لي جميمة ، فأتتني أمي أم رومان - وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي - فصرخت بي ، فأتيتها ما أدري ما تريد بي ، فأخذت بيدي ، حتى أوقفتني على باب الدار ، وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ، ثم أخذت شيئا من ماء ، فمسحت به وجهي ورأسي ، ثم أدخلتني الدار ، فإذا نسوة من الأنصار في البيت ، فقلن : على الخير والبركة ، وعلى خير طائر ، فأسلمتني إليهن ، فأصلحن من شأني ، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى ، فأسلمنني إليه ، وأنا يومئذ بنت تسع سنين .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود ، حدثنا شريك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لما كبرت سودة وهبت يومها لي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه . قالت : وكانت أول امرأة تزوجها بعدي
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الحميد ، حدثني شهر ، حدثني عبد الله بن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة من قومه ، يقال لها : سودة ، وكانت مصبية كان لها خمسة صبية - أو ستة - من بعل لها مات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يمنعك مني ؟ " قالت : والله يا نبي الله ، ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي ، ولكني أكرمك أن يضغو هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية . قال : " فهل منعك مني غير ذلك ؟ " قالت : لا والله . قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحمك الله إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالح نساء قريش; أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على بعل بذات يده " .
قلت : وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو ، أخو سهيل [ ص: 333 ] بن عمرو وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة ، كما تقدم ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضي الله عنه .
فهذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة ، وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل ، ورواه يونس عن الزهري ، واختار ابن عبد البر أن العقد على سودة قبل عائشة ، وحكاه عن قتادة وأبي عبيدة . قال : ورواه عقيل عن الزهري .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق