الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015


غزوة ذات الرقاع == قصة الذي أصيبت امرأته في هذه الغزوة =
قصة غورث بن الحارث= قصة جمل جابر في هذه الغزوة======
فصل في جمل من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة======= قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادى ، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر . قال ابن هشام : ويقال : عثمان بن عفان . قال ابن إسحاق : فسار حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع . قال ابن هشام : لأنهم رقعوا فيها راياتهم ، ويقال : لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع . وقال الواقدي : بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض . وفي حديث أبي موسى : إنما سميت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق من شدة الحر . قال ابن إسحاق : فلقي بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ، ولم يكن بينهم حرب ، وقد خاف الناس بعضهم بعضا ، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف .

وقد أسند ابن هشام حديث صلاة الخوف هاهنا عن عبد الوارث بن [ ص: 560 ] سعيد التنوري
، عن
يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله ، وعن عبد الوارث ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، وعن عبد الوارث ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجد ولا ذات الرقاع ولم يتعرض لزمان ولا مكان . وفي كون غزوة ذات الرقاع - التي كانت بنجد لقتال بني محارب وبني ثعلبة بن غطفان - قبل الخندق نظر . وقد ذهب البخاري إلى أن ذلك كان بعد خيبر واستدل على ذلك ، بأن أبا موسى الأشعري شهدها ، كما سيأتي ، وقدومه إنما كان ليالي خيبر صحبة جعفر وأصحابه ، وكذلك أبو هريرة وقد قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف . ومما يدل على أنها بعد الخندق أن ابن عمر إنما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال أول ما أجازه يوم الخندق . وقد ثبت عنه في " الصحيح " أنه قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد . فذكر صلاة الخوف . وقول الواقدي : إنه عليه السلام خرج إلى ذات الرقاع في أربعمائة ، ويقال : سبعمائة ، من أصحابه ليلة السبت ، لعشر خلون من المحرم سنة خمس . فيه نظر ، ثم لا يحصل به نجاة من أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق ; لأن الخندق كان في شوال سنة خمس على المشهور [ ص: 561 ] وقيل : في شوال سنة أربع . فتحصل على هذا القول مخلص من حديث ابن عمر فأما حديث أبي موسى ، وأبي هريرة فلا==========                                      قصة الذي أصيبت امرأته في هذه الغزوة

قال محمد بن إسحاق : حدثني عمي صدقة بن يسار ، عن عقيل بن جابر ، عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل ، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا ، أتى زوجها وكان غائبا ، فلما أخبر الخبر ، حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما ، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال : من رجل يكلؤنا ليلتنا ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار . فقالا : نحن يا رسول الله . قال : فكونا بفم الشعب من الوادي . وهما عمار بن ياسر ، وعباد بن بشر ، فلما خرجا إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري : أي الليل تحب أن [ ص: 567 ] أكفيكه ; أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفني أوله . فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاري يصلي . قال : وأتى الرجل ، فلما رأى شخص الرجل ، عرف أنه ربيئة القوم ، فرمى بسهم فوضعه فيه ، فانتزعه ووضعه ، وثبت قائما . قال : ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه . قال : فانتزعه ، فوضعه وثبت قائما . قال : ثم عاد له بالثالث ، فوضعه فيه فنزعه فوضعه ، ثم ركع وسجد ، ثم أهب صاحبه ، فقال : اجلس فقد أثبت . قال : فوثب الرجل ، فلما رآهما الرجل ، عرف أنه قد نذرا به ، فهرب . قال : ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان الله ! أفلا أهببتني أول ما رماك ؟ ! قال : كنت في سورة أقرؤها ، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك ، وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها . هكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي . وقد رواه أبو داود ، عن أبي توبة ، عن عبد الله بن المبارك ، عن ابن إسحاق به . [ ص: 568 ]

وقد ذكر الواقدي ، عن عبد الله العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات عن أبيه حديث صلاة الخوف بطوله قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب في محالهم نسوة ، وكان في السبي جارية وضيئة ، وكان زوجها يحبها ، فحلف ليطلبن محمدا ، ولا يرجع حتى يصيب دما أو يخلص صاحبته . ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق .

قال الواقدي : وكان جابر بن عبد الله يقول : بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ، فأقبل إليه أبواه أو أحدهما ، حتى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه ، فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعجبون من هذا الطائر ؟ ! أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه ، فوالله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه =============قصة غورث بن الحارث

قال ابن إسحاق في هذه الغزوة : حدثني عمرو بن عبيد ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله أن رجلا من بني محارب يقال له : غورث . قال لقومه من غطفان ومحارب : ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله ؟ قال : أفتك به . قال : فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس ، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ، فقال : يا محمد ، أنظر إلى سيفك هذا ؟ قال : نعم . فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم ، فيكبته الله . ثم قال : يا محمد ، أما تخافني ؟ قال : لا ، وما أخاف منك ؟ قال : أما تخافني وفي يدي السيف ؟ قال : لا ، يمنعني الله منك . ثم عمد إلى سيف النبي صلى الله عليه وسلم ، فرده عليه ، فأنزل الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ المائدة : 11 ]

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان أنها إنما نزلت في عمرو بن [ ص: 563 ] جحاش أخي بني النضير وما هم به . هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورث هذا ، عن عمرو بن عبيد القدري رأس الفرقة الضالة ، وهو وإن كان لا يتهم بتعمد الكذب في الحديث ، إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروى عنه ؛ لبدعته ودعائه إليها ، وهذا الحديث ثابت في " الصحيحين " من غير هذا الوجه ، ولله الحمد .

فقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا طرقا لهذا الحديث من عدة أماكن ، وهي ثابتة في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن سنان بن أبي سنان ، وأبي سلمة ، عن جابر أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أدركته القائلة في واد كثير العضاه ، فتفرق الناس يستظلون بالشجر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة ، فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا ، فأجبناه ، وإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال : من يمنعك مني ؟ قلت : الله ، فقال : من يمنعك مني ؟ قلت : الله ، فشام السيف وجلس ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك . [ ص: 564 ]

وقد رواه مسلم أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عفان ، عن أبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة ، فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تخافني ؟ قال : لا ، قال : فمن يمنعك مني ؟ قال : الله يمنعني منك . قال : فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأغمد السيف وعلقه . قال : ونودي بالصلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين . قال : فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان . وقد علقه البخاري بصيغة الجزم ، عن أبان به .

قال البخاري : وقال مسدد ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر : إن اسم الرجل غورث بن الحارث .

وأسند البيهقي من طريق أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة بنخل ، فرأوا من المسلمين غرة ، فجاء رجل منهم يقال له : غورث بن الحارث . [ ص: 565 ] حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ، وقال : من يمنعك مني ؟ قال : الله . فسقط السيف من يده ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال : من يمنعك مني ؟ فقال : كن خير آخذ . قال : تشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : لا ، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك . فخلى سبيله ، فأتى أصحابه ، فقال : جئتكم من عند خير الناس . ثم ذكر صلاة الخوف ، وأنه صلى أربع ركعات ، بكل طائفة ركعتين . وقد أورد البيهقي هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع عن صالح بن خوات بن جبير ، عن سهل بن أبي حثمة وحديث الزهري ، عن سالم عن أبيه في صلاة الخوف بنجد وموضع ذلك كتاب " الأحكام " . والله تعالى أعلم=================قصة جمل جابر في هذه الغزوة

قال محمد بن إسحاق : حدثني وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على جمل لي ضعيف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك يا جابر ؟ قلت : يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا . قال : أنخه . قال : فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أعطني هذه العصا من يدك أو : اقطع عصا من شجرة . ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ، ثم قال : اركب . فركبت فخرج - والذي بعثه بالحق - يواهق ناقته مواهقة . قال : وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال : قلت : بل أهبه لك . قال : لا ، ولكن بعنيه . قال : قلت : فسمنيه . قال : قد أخذته بدرهم . قال : قلت : لا ، إذا تغبنني يا رسول الله . قال : [ ص: 570 ] فبدرهمين . قال : قلت : لا . قال : فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بلغ الأوقية . قال : فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال : نعم . قلت : فهو لك . قال : قد أخذته . ثم قال : يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قال : قلت : نعم يا رسول الله . قال : أثيبا أم بكرا ؟ قال : قلت : بل ثيبا . قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رءوسهن فتقوم عليهن . قال : أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو قد جئنا صرارا ، أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك ، وسمعت بنا فنفضت نمارقها . قال : فقلت : والله يا رسول الله ، ما لنا من نمارق . قال : إنها ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا . قال : فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت ، فأقمنا عليها ذلك اليوم ، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا . قال : فحدثت المرأة الحديث ، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فدونك ، فسمع وطاعة . فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلست في المسجد قريبا منه . قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى الجمل ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، هذا جمل جاء به جابر . قال : فأين جابر ؟ فدعيت له . قال : فقال : يا ابن أخي ، خذ برأس جملك ، فهو لك . قال : ودعا بلالا ، فقال : اذهب [ ص: 571 ] بجابر فأعطه أوقية قال : فذهبت معه ، فأعطاني أوقية ، وزادني شيئا يسيرا . قال : فوالله ما زال ينمي عندي ويرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا . يعني يوم الحرة . وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمري ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بنحوه .

قال السهيلي : في هذا الحديث إشارة إلى ما كان أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله أن الله أحيا والده وكلمه ، فقال له : تمن علي . وذلك أنه شهيد ، وقد قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم وزادهم على ذلك في قوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ثم جمع لهم بين العوض والمعوض ، فرد عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم ، فقال : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون والروح للإنسان بمنزلة المطية ، كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز قال : فلذلك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر جمله وهو مطيته فأعطاه ثمنه ، ثم رده عليه ، وزاده مع ذلك . قال : ففيه تحقيق لما كان أخبره [ ص: 572 ] به ، عن أبيه . وهذا الذي سلكه السهيلي هاهنا إشارة غريبة وتخيل بديع . والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقد ترجم الحافظ البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال : باب ما ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه .

وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة ، وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع . وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من " الأحكام " . والله أعلم . وقد جاء تقييده بهذه الغزوة ، وجاء تقييده بغيرها ، كما سيأتي ، ومستبعد تعداد ذلك . والله أعلم .
==================فصل في جمل من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة

قال ابن جرير : وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان رضي الله عنه - قلت : من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ست سنين ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان رضي الله عنه .

قلت : وفيه توفي أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ، وأمه برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ارتضعا من ثويبة مولاة أبي لهب وكان إسلام أبي سلمة وأبي عبيدة ، وعثمان بن عفان ، والأرقم بن أبي الأرقم [ ص: 580 ] قديما في يوم واحد ، وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة إلى أرض الحبشة ، ثم عاد إلى مكة ، وقد ولد لهما بالحبشة أولاد ، ثم هاجر من مكة إلى المدينة وتبعته أم سلمة إلى المدينة كما تقدم ، وشهد بدرا وأحدا ، ومات من آثار جرح جرحه بأحد رضي الله عنه وأرضاه ، له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة ، سيأتي في سياق تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة قريبا .

قال ابن جرير : وفي ليال خلون من شعبان منها ولد الحسين بن علي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنهم .

قال : وفي شهر رمضان من هذه السنة ، تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية .

وقد حكى أبو عمر بن عبد البر عن علي بن عبد العزيز الجرجاني أنه قال : كانت أخت ميمونة بنت الحارث . ثم استغربه وقال : لم أره لغيره . [ ص: 581 ] وهي التي يقال لها : أم المساكين . لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها إليهم ، وأصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشا ، ودخل بها في رمضان ، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها .

قال أبو عمر بن عبد البر ، عن علي بن عبد العزيز الجرجاني : ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف .

قال ابن الأثير : في الغابة : وقيل : كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد .

قال أبو عمر : ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت ، رضي الله عنها .

وقال الواقدي : في شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبي أمية .

قلت : وكانت قبله عند زوجها ، أبي أولادها أبي سلمة بن عبد الأسد وقد كان شهد بدرا وأحدا كما تقدم ، وجرح يوم أحد فداوى جرحه [ ص: 582 ] شهرا حتى برأ ، ثم خرج في سرية ، فغنم منها نعما ومغنما جيدا ، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يوما ، ثم انتقض عليه جرحه ، فمات لثلاث بقين من جمادى الأولى من هذه السنة ، فلما حلت في شوال خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها بنفسه الكريمة ، وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مررا ، فتذكر أنها امرأة غيرى ; أي شديدة الغيرة ، وأنها مصبية ; أي لها صبيان يشغلونها عنه ، ويحتاجون إلى مؤنة ، تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم ، فقال : أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله - أي نفقتهم - ليس إليك ، وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها . فأذنت في ذلك ، وقالت لعمر آخر ما قالت له : قم ، فزوج النبي صلى الله عليه وسلم . تعني : قد رضيت وأذنت . فتوهم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة ، وقد كان إذ ذاك صغيرا لا يلي مثله العقد ، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه الصواب في ذلك ، ولله الحمد والمنة ، وأن الذي ولي عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة وهو أكبر ولدها ، وساغ هذا ; لأن أباه ابن عمها فللابن ولاية أمه إذا كان سببا لها من غير جهة البنوة بالإجماع . وكذا إذا كان معتقا أو حاكما ، فأما محض البنوة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعي وحده ، وخالفه الثلاثة أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد بن [ ص: 583 ] حنبل رحمهم الله ، ولبسط هذا موضع آخر يذكر فيه ، وهو كتاب النكاح من " الأحكام الكبير " إن شاء الله .

قال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا ليث ، يعني ابن سعد ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أم سلمة قالت : أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا فسررت به ; قال : لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة ، فيسترجع عند مصيبته ، ثم يقول : اللهم أجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيرا منها . إلا فعل به . قالت أم سلمة : فحفظت ذلك منه ، فلما توفي أبو سلمة استرجعت ، وقلت : اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها . ثم رجعت إلى نفسي ، قلت : من أين لي خير من أبي سلمة ؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهابا لي ، فغسلت يدي من القرظ ، وأذنت له ، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف ، فقعد عليها ، فخطبني إلى نفسي ، فلما فرغ من مقالته قلت : يا رسول الله ، ما بي أن لا [ ص: 584 ] تكون بك الرغبة ، ولكني امرأة في غيرة شديدة ; فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به ، وأنا امرأة قد دخلت في السن ، وأنا ذات عيال . فقال : أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك ، وأما ما ذكرت من السن ; فقد أصابني مثل الذي أصابك ، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي . فقالت : فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : أم سلمة : فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه ; رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد رواه الترمذي ، والنسائي من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أمه أم سلمة ، عن أبي سلمة به . وقال الترمذي : حسن غريب . . وفي رواية للنسائي ، عن ثابت ، عن ابن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه به . ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبى شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن عبد الملك بن قدامة الجمحي ، عن أبيه عمر بن أبي سلمة به .

وقال ابن إسحاق : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني من بدر الموعد - راجعا إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة ، وولي تلك الحجة [ ص: 585 ] المشركون وهي سنة أربع .

وقال الواقدي : وفي هذه السنة - يعني سنة أربع - أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود

قلت : فثبت عنه في الصحيح أنه قال : تعلمته في خمسة عشر يوما . والله أعلم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق