في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن ; ===فصل ما أخبرت به خديجة ابن عمها ورقة من أمر النبي عليه الصلاة والسلام ====
تعظيم قريش لأمر الحرم =====لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا ، فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر ويختلط الحق
فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء ، كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا [ الجن : 8 - 10 ] وقال تعالى وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون [ الشعراء : 210 - 212 ]
قال الحافظ أبو نعيم : حدثنا سليمان بن أحمد ، وهو الطبراني حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن يوسف الفريابي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي ، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا ، فأما الكلمة فتكون حقا ، وأما ما زادوا فيكون باطلا ، فلما بعث [ ص: 44 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - منعوا مقاعدهم ، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس : هذا لأمر قد حدث في الأرض ، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما ، يصلي بين جبلين فأتوه فأخبروه ، فقال : هذا الأمر الذي قد حدث في الأرض
وقال أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب . فقالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها . فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة ، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء . فرجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا [ الجن : 1 ، 2 ] فأوحى الله إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن [ الجن : 1 ] الآية أخرجاه في " الصحيحين " .
[ ص: 45 ] وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع ، فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا . قال : فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا ، فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل ، فإذا نزل قال بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم ؟ فإن كان مما يكون في السماء ، قالوا : الحق ، وهو العلي الكبير ، وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب ، أو موت ، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به . فقالوا يكون كذا وكذا . فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم . فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - دحروا بالنجوم ، فكان أول من علم بها ثقيف ، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه ، فيذبح كل يوم شاة ، وذو الإبل فينحر كل يوم بعيرا ، فأسرع الناس في أموالهم ، فقال بعضهم لبعض : لا تفعلوا ، فإن كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لأمر حدث . فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شيء فكفوا ، وصرف الله الجن فسمعوا القرآن ، فلما حضروه ، قالوا : أنصتوا . وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه ، فقال : هذا حدث حدث في الأرض فأتوني من كل أرض [ ص: 46 ] بتربة . فأتوه بتربة تهامة ، فقال : هاهنا الحدث ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب به .
وقال الواقدي : حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمر بن عبدان العبسي عن ابن كعب قال : لم يرم بنجم منذ رفع عيسى ، حتى تنبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرمي بها ، فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ، ويعتقون أرقاءهم ، يظنون أنه الفناء ، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف ، ففعلت ثقيف مثل ذلك ، فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف ، قال : ولم فعلتم ما أرى ؟ قالوا : رمي بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء . فقال : إن إفادة المال بعد ذهابه شديد ، فلا تعجلوا ، وانظروا ; فإن تكن نجوما تعرف ، فهو عندنا من فناء الناس ، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو لأمر قد حدث . فانظروا فإذا هي لا تعرف ، فأخبروه ، فقال : الأمر فيه مهلة بعد ، هذا عند ظهور نبي . فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله ، فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم ، فقال أبو سفيان : ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل . فقال عبد ياليل فعند ذلك رمي بها .
[ ص: 47 ] وقال سعيد بن منصور عن خالد عن حصين عن عامر الشعبي قال : كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسيبوا أنعامهم ، وأعتقوا رقيقهم ، فقال عبد ياليل : انظروا ، فإن كانت النجوم التي تعرف فهو عند فناء الناس ، وإن كانت لا تعرف فهو لأمر قد حدث . فنظروا فإذا هي لا تعرف . قال : فأمسكوا . فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وروى البيهقي والحاكم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد ، صلوات الله عليهما وسلامه ، فلعل مراد من نفى ذلك أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة ، ويجب حمل ذلك على هذا لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس إذ رمي بنجم فاستنار ، فقال : " ما كنتم تقولون إذا رمي بهذا ؟ " قال : كنا نقول مات عظيم ، وولد عظيم . فقال : " لا ولكن . . . " فذكر الحديث كما تقدم عند خلق السماء ، وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق . ولله الحمد
[ ص: 48 ] وقد ذكر ابن إسحاق في " السيرة " قصة رمي النجوم ، وذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر في النجوم : إن كانت أعلام السماء أو غيرها . ولكن سماه عمرو بن أمية . فالله أعلم .
وقال السدي : لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر ، وكانت الشياطين قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا ، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر ، فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبيا ، رجموا ليلة من الليالي ، ففزع لذلك أهل الطائف ، فقالوا : هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب ، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ، ويسيبون مواشيهم ، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير : ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم ، وانظروا إلى معالم النجوم ، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء ، وإنما هو من أجل ابن أبي كبشة وإن أنتم لم تروها فقد هلك أهل السماء . فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم ، وفزعت الشياطين في تلك الليلة فأتوا إبليس ، فقال : ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب ، فأتوه ، فشم ، فقال : صاحبكم بمكة . فبعث سبعة نفر من جن نصيبين ، فقدموا مكة ، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الحرام يقرأ القرآن ، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه ، ثم [ ص: 49 ] أسلموا فأنزل الله أمرهم على نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
وقال الواقدي : حدثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم يعني إسماعيل عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبح كل صنم منكسا ، فأتت الشياطين إبليس ، فقالوا له : ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسا . قال : هذا نبي قد بعث ، فالتمسوه في قرى الأرياف . فالتمسوه ، فقالوا : لم نجده . فقال : أنا صاحبه . فخرج يلتمسه ، فنودي : عليك بحبة القلب . يعني مكة ، فالتمسه بها ، فوجده بها عند قرن الثعالب ، فخرج إلى الشياطين ، فقال : إني قد وجدته معه جبريل ، فما عندكم ؟ قالوا : نزين الشهوات في أعين أصحابه ، ونحببها إليهم . قال : فلا آسى إذا .
وقال الواقدي : حدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو قال : لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منعت الشياطين السماء ، ورموا بالشهب ، فجاؤوا إلى إبليس فذكروا ذلك له ، فقال : أمر قد حدث ، هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج [ ص: 50 ] بني إسرائيل قال : فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه ، فقالوا : ليس بها أحد . فقال إبليس : أنا صاحبه . فخرج في طلبه بمكة ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحراء منحدرا معه جبريل ، فرجع إلى أصحابه ، فقال : قد بعث أحمد ومعه جبريل ، فما عندكم ؟ قالوا : الدنيا نحببها إلى الناس . قال فذاك إذا .
قال الواقدي : وحدثني طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس : قال كانت الشياطين يستمعون الوحي ، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - منعوا ، فشكوا ذلك إلى إبليس ، فقال : لقد حدث أمر . فرقي فوق أبي قبيس ، وهو أول جبل وضع على الأرض ، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي خلف المقام . فقال أذهب فأكسر عنقه . فجاء يخطر ، وجبريل عنده ، فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا ، فولى الشيطان هاربا . ثم رواه الواقدي وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبي معروف عن قيس بن سعد عن مجاهد فذكر مثل هذا . وقال : فركضه برجله فرماه بعدن))فصل
قال ابن إسحاق وقد كانت خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى - وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب ، وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامها من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه فقال ورقة : لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة ، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه أو كما قال فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول حتى متى ؟ وقال في ذلك :
لججت وكنت في الذكرى لجوجا لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف
فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي
حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس
من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود فينا
ويخصم من يكون له حجيجا [ ص: 471 ] ويظهر في البلاد ضياء نور
يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا
ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتني إذا ما كان ذاكم
شهدت وكنت أولهم ولوجا ولوجا في الذي كرهت قريش
ولو عجت بمكتها عجيجا أرجي بالذي كرهوا جميعا
إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر
بمن يختار من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق يكن أمور
يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى
من الأقدار متلفة حروجا
وقال ورقة أيضا فيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق عنه :
أتبكر أم أنت العشية رائح وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد يخبرها عنه إذا غاب ناصح
[ ص: 472 ] فتاك الذي وجهت يا خير حرة بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت وهن من الأحمال قعص دوالح
فيخبرنا عن كل خير بعلمه وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيا لؤي وغالب شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وزاد الأموي
[ ص: 473 ]
فمتبع دين الذي أسس البنا وكان له فضل على الناس راجح
وأسس بنيانا بمكة ثابتا تلألأ فيه بالظلام المصابح
مثابا لأفناء القبائل كلها تخب إليه اليعملات الطلائح
حراجيج أمثال القداح من السرى يعلق في أرساغهن السرايح
ومن شعره فيما أورده أبو القاسم السهيلي في روضه
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدن إلها غير خالقكم فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له وقبلنا سبح الجودي والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له . لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
لا شيء مما نرى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودي المال والولد
[ ص: 474 ] لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به والجن والإنس فيما بينها مرد
أين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوما كما وردوا
ثم قال : هكذا نسبه أبو الفرج إلى ورقة . قال : وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبي الصلت
قلت : وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستشهد في بعض الأحيان بشيء من هذه الأبيات . والله أعلم . ))))
وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس ، وهو الشدة في الدين والصلابة; وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة كانوا يقولون : نحن أبناء الحرم ، وقطان بيت الله فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة ، وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا ولا سمنا ولا يسلئون شحما وهم حرم ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إن استظلوا إلا ببيت من أدم ، وكانوا يمنعون الحجيج والعمار ما داموا محرمين أن يأكلوا إلا من طعام قريش ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس - وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة - طاف عريانا ولو كانت امرأة ، ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك ، وضعت يدها على فرجها ، وتقول
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسي فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا ، [ ص: 494 ] فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك ، وليس له ولا لغيره أن يمسها . وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى . قال بعض الشعراء
كفى حزنا كري عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريم
قال ابن إسحاق : فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس [ البقرة : 199 ] أي : جمهور العرب من عرفات واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [ البقرة : 199 ] وقد قدمنا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له ، وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية [ الأعراف : 31 ، 32 ] وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق ولا أدري أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده . )))))))))
فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي
حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس
من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود فينا
ويخصم من يكون له حجيجا [ ص: 471 ] ويظهر في البلاد ضياء نور
يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا
ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتني إذا ما كان ذاكم
شهدت وكنت أولهم ولوجا ولوجا في الذي كرهت قريش
ولو عجت بمكتها عجيجا أرجي بالذي كرهوا جميعا
إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر
بمن يختار من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق يكن أمور
يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى
من الأقدار متلفة حروجا
لفرقة قوم لا أحب فراقهم كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد يخبرها عنه إذا غاب ناصح
[ ص: 472 ] فتاك الذي وجهت يا خير حرة بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت وهن من الأحمال قعص دوالح
فيخبرنا عن كل خير بعلمه وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيا لؤي وغالب شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وأسس بنيانا بمكة ثابتا تلألأ فيه بالظلام المصابح
مثابا لأفناء القبائل كلها تخب إليه اليعملات الطلائح
حراجيج أمثال القداح من السرى يعلق في أرساغهن السرايح
لا تعبدن إلها غير خالقكم فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له وقبلنا سبح الجودي والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له . لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
لا شيء مما نرى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودي المال والولد
[ ص: 474 ] لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به والجن والإنس فيما بينها مرد
أين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوما كما وردوا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق