الأحد، 1 نوفمبر 2015

ذكر حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان
قصة بقرة بني إسرائيل
   
قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام
ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها إلى آخرها=قال الله تعالى :
وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون [ الأعراف : 142 - 147 ] . قال جماعة من السلف; منهم ابن عباس ، ومسروق ، ومجاهد : الثلاثون ليلة هي; شهر ذي القعدة [ ص: 139 ] بكماله ، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة . فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر ، وفي مثله أكمل الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه ، وأقام حجته وبراهينه .

والمقصود أن موسى ، عليه السلام ، لما استكمل الميقات ، وكان فيه صائما ، يقال : إنه لم يستطعم الطعام . فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه ، ليطيب ريح فمه ، فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى ، فصارت أربعين ليلة . ولهذا ثبت في الحديث أن : خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فلما عزم على الذهاب ، استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل ، وهو ابن أمه وأبيه ، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه ، فوصاه وأمره ونهاه ، وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة ، قال الله تعالى : ولما جاء موسى لميقاتنا أي; في الوقت الذي أمر بالمجيء فيه ، وكلمه ربه أي; كلمه الله من وراء حجاب ، إلا أنه أسمعه الخطاب ، فناداه وناجاه ، وقربه وأدناه ، وهذا مقام رفيع ، ومعقل منيع ، ومنصب شريف ، ومنزل منيف ، فصلوات الله عليه تترى وسلامه عليه في الدنيا والأخرى . ولما أعطي هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية ، وسمع الخطاب ، سأل رفع الحجاب ، فقال للعظيم الذي لا تدركه الأبصار ، القوي البرهان : ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى; لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا ، وأشد ثباتا من الإنسان ، لا يثبت عند التجلي من الرحمن ، ولهذا قال : [ ص: 140 ] ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .

وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له : يا موسى ، إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده . وفي " الصحيحين " ، عن أبي موسى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : حجابه النور وفي رواية : النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وقال ابن عباس ، في قوله تعالى : لا تدركه الأبصار ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء; ولهذا قال تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال مجاهد : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فإنه أكبر منك وأشد خلقا ، فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك ، وأقبل الجبل فدك على أوله ، ورأى موسى ما يصنع الجبل ، فخر صعقا . وقد ذكرنا في " التفسير " ما رواه الإمام أحمد والترمذي ، وصححه ابن جرير ، والحاكم ، من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، زاد ابن جرير ، وليث ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال : هكذا بأصبعه ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى [ ص: 141 ] من الخنصر ، فساخ الجبل . لفظ ابن جرير وقال السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ما تجلى - يعني من العظمة - إلا قدر الخنصر ، فجعل الجبل دكا ، قال : ترابا وخر موسى صعقا أي; مغشيا عليه . وقال قتادة : ميتا . والصحيح الأول; لقوله : فلما أفاق فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي . قال : سبحانك تنزيه ، وتعظيم ، وإجلال أن يراه بعظمته أحد . تبت إليك أي : فلست أسأل بعد هذا الرؤية : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده .

وقد ثبت في " الصحيحين " ، من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور لفظ البخاري ، وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري ، حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخيروني من بين الأنبياء وفي [ ص: 142 ] " الصحيحين " ، من طريق الزهري ، عن أبي سلمة ، وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وفيه : لا تخيروني على موسى . وذكر تمامه . وهذا من باب الهضم والتواضع ، أو نهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية ، أو ليس هذا إليكم ، بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات ، وليس ينال هذا بمجرد الرأي ، بل بالتوقيف . ومن قال : إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ، ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم . ففي قوله نظر; لأن هذا من رواية أبي سعيد ، وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر متأخرا ، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا . والله أعلم . ولا شك أنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أفضل البشر ، بل الخليقة . قال الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران : 110 ] . وما كملوا إلا بشرف نبيهم ، وثبت بالتواتر عنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون ، حتى أولو العزم الأكملون; نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ابن مريم . وقوله صلى الله عليه وسلم : فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش - أي; آخذا بها - فلا أدري أفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور . [ ص: 143 ] دليل على أن هذا الصعق ، الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة ، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده ، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال ، فيكون أولهم إفاقة محمد ، خاتم الأنبياء ، ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء ، فيجد موسى باطشا بقائمة العرش . قال الصادق المصدوق : لا أدري أصعق ، فأفاق قبلي أي كانت صعقته خفيفة; لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق ، أو جوزي بصعقة الطور ، يعني فلم يصعق بالكلية ، وهذا فيه شرف كبير وعلو مرتبة لموسى ، عليه السلام ، من هذه الحيثية ، ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه; ولهذا نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة; لأن المسلم لما ضرب وجه اليهودي ، حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى ، عليه السلام ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلته وشرفه . وقوله تعالى : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي أي في ذلك الزمان ، لا ما قبله; لأن إبراهيم الخليل أفضل منه ، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم ، ولا ما بعده; لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما; كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء ، وكما ثبت أنه قال : سأقوم مقاما يرغب إلي الخلق حتى إبراهيم وقوله تعالى : فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين أي; فخذ ما أعطيتك من الرسالة [ ص: 144 ] والكلام ، ولا تسأل زيادة عليه ، وكن من الشاكرين على ذلك .

قال الله تعالى : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء وكانت الألواح من جوهر نفيس ، ففي " الصحيح " أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ عن الآثام ، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، فخذها بقوة أي; بعزم ونية صادقة قوية ، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي ، يضعوها على أحسن وجوهها ، وأجمل محاملها ، سأوريكم دار الفاسقين أي; ستروا عاقبة الخارجين عن طاعتي ، المخالفين لأمري ، المكذبين لرسلي . سأصرف عن آياتي أي; عن فهمها ، وتدبرها ، وتعقل معناها الذي أريد منها ، ودل عليه مقتضاها ، الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها أي; ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق ، والمعجزات ، لا ينقادوا لاتباعها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا أي; لا يسلكوه ، ولا يتبعوه وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا أي; صرفناهم عن ذلك; لتكذيبهم بآياتنا ، وتغافلهم عنها ، وإعراضهم عن التصديق بها ، والتفكر في معناها ، وترك العمل بمقتضاها ، والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون . ===
ذكر حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان

قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن موسى قال : أي رب ، عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا . قال : ففتح له باب من الجنة ، فنظر إليها ، قال : يا موسى ، هذا ما أعددت له . فقال موسى : يا رب ، وعزتك وجلالك ، لو كان أقطع اليدين والرجلين ، يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة ، وكان هذا مصيره ، لم ير بؤسا قط . قال : ثم قال : أي رب ، عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا . قال : ففتح له باب إلى النار ، فيقول : يا موسى ، هذا ما أعددت له . فقال : أي رب ، وعزتك وجلالك ، لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة ، وكان هذا مصيره ، لم ير خيرا قط تفرد به أحمد من هذا الوجه . وفي صحته نظر والله أعلم .

وقال ابن حبان : ذكر سؤال كليم الله ربه ، جل وعلا ، أن يعلمه شيئا يذكره به ، حدثنا ابن سلم ، حدثنا حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، إن دراجا حدثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، [ ص: 161 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : قال موسى : يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به . قال : قل يا موسى : لا إله إلا الله . قال : يا رب كل عبادك يقول هذا . قال : قل : لا إله إلا الله . قال : إنما أريد شيئا تخصني به . قال : يا موسى لو أن أهل السماوات السبع والأرضين السبع في كفة ، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا اللهويشهد لهذا الحديث حديث البطاقة . وأقرب شيء إلى معناه الحديث المروي في " السنن " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفضل الدعاء ، دعاء عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير .

وقال ابن أبي حاتم ، عند تفسير آية الكرسي : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن بني إسرائيل قالوا لموسى : هل ينام ربك؟ قال : اتقوا الله . فناداه ربه : يا موسى سألوك هل ينام ربك ، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ، ففعل موسى ، فلما ذهب من الليل ثلث ، نعس فوقع لركبتيه ، ثم انتعش ، [ ص: 162 ] فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس ، فسقطت الزجاجتان ، فانكسرتا . فقال : يا موسى ، لو كنت أنام ، لسقطت السماوات والأرض ، فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك . قال : وأنزل الله على رسوله آية الكرسي .

وقال ابن جرير : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شبل ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى ، عليه السلام ، على المنبر ، قال : وقع في نفس موسى ، عليه السلام ، هل ينام الله ، عز وجل؟ فأرسل الله إليه ملكا ، فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين ، في كل يد قارورة ، وأمره أن يحتفظ بهما ، قال : فجعل ينام ، وكادت يداه تلتقيان فيستيقظ ، فيحبس إحداهما على الأخرى ، حتى نام نومة ، فاصطفقت يداه ، فانكسرت القارورتان قال : ضرب الله له مثلا ، أن لو كان ينام ، لم تستمسك السماء والأرض . وهذا حديث غريب رفعه ، والأشبه أن يكون موقوفا ، وأن يكون أصله إسرائيليا .

وقال الله تعالى : [ ص: 163 ] وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين [ البقرة : 63 ، 64 ] . وقال تعالى : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون [ الأعراف : 171 ] . قال ابن عباس ، وغير واحد من السلف : لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة ، أمرهم بقبولها ، والأخذ بها بقوة وعزم ، فقالوا : انشرها علينا ، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة ، قبلناها . فقال : بل اقبلوها بما فيها . فراجعوه مرارا فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رءوسهم ، حتى صار كأنه ظلة ، أي غمامة على رءوسهم ، وقيل لهم : إن لم تقبلوها بما فيها ، وإلا سقط هذا الجبل عليكم . فقبلوا ذلك ، وأمروا بالسجود فسجدوا ، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم ، فصارت سنة لليهود إلى اليوم ، يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب . وقال سنيد بن داود ، عن حجاج بن محمد ، عن أبي بكر بن عبد الله ، قال : فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر ، إلا اهتز ، فليس على وجه الأرض يهودي صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ، ونفض لها رأسه . [ ص: 164 ] قال الله تعالى : ثم توليتم من بعد ذلك أي; ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم ، والأمر الجسيم ، نكثتم عهودكم ومواثيقكم ، فلولا فضل الله عليكم ورحمته بأن تدارككم بالإرسال إليكم ، وإنزال الكتاب عليكم لكنتم من الخاسرين .
======
قصة موسى والخضر ، عليهما الصلاة والسلام

قال الله تعالى : وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم . ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا [ الكهف : 60 - 82 ] .

[ ص: 170 ] قال بعض أهل الكتاب : إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر ، هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم ، وينقل عن كتبهم ، منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي ، ويقال : إنه دمشقي . وكانت أمه زوجة كعب الأحبار . والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ، ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه ، أنه موسى بن عمران ، صاحب بني إسرائيل .

قال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار ، أخبرني سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل . قال ابن عباس : كذب عدو الله; حدثنا أبي بن كعب ، أنه سمع رسول الله [ ص: 171 ] صلى الله عليه وسلم يقول إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل ، فسئل : أي الناس أعلم؟ فقال : أنا . فعتب الله عليه; إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه ، إن لي عبدا بمجمع البحرين ، هو أعلم منك . قال موسى : يا رب ، وكيف لي به؟ قال : تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم . فأخذ حوتا فجعله بمكتل ، ثم انطلق ، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ، حتى إذا أتيا الصخرة ، وضعا رءوسهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل ، فخرج منه فسقط في البحر ، واتخذ سبيله في البحر سربا ، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء ، فصار عليه مثل الطاق ، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، حتى إذا كان من الغد " قال " موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به " قال " له فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال : فكان للحوت سربا ، ولموسى ولفتاه عجبا قال : ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا قال : فرجعا يقصان أثرهما ، حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى بثوب ، فسلم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام . قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نعم ، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا . " قال إنك لن تستطيع معي صبرا " ، يا موسى ، إني على علم من علم الله علمنيه الله ، لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ، فقال موسى : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا . قال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا [ ص: 172 ] فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ، فمرت سفينة ، فكلمهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر ، فحملوهم بغير نول ، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها " لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا " قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأولى من موسى نسيانا . قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر . ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله ، فقال له موسى : " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا " قال : وهذه أشد من الأولى ، " قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض " قال : مائل . فقال الخضر بيده " فأقامه " فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ، ولم يضيفونا " لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى كان [ ص: 173 ] صبر ، حتى يقص الله علينا من خبرهما قال سعيد بن جبير : فكان ابن عباس يقرأ : ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) . وكان يقرأ : ( وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ) .

ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، بإسناده نحوه . وفيه : فخرج موسى ، ومعه فتاه يوشع بن نون ، ومعهما الحوت ، حتى انتهيا إلى الصخرة ، فنزلا عندها . قال : فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان : وفي حديث غير عمرو ، قال : وفي أصل الصخرة عين يقال لها : الحياة . لا يصيب من مائها شيء إلا حيي ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين ، قال : فتحرك ، وانسل من المكتل ، ودخل البحر ، فلما استيقظ قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا كذا قال . وساق الحديث ، وقال : ووقع عصفور على حرف السفينة ، فغمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما علمي وعلمك وعلم الخلائق ، في علم الله ، إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمام الحديث .

وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف ، أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير - يزيد أحدهما على صاحبه ، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير - قال : إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال : سلوني . فقلت : أي أبا عباس ، جعلني الله فداك ، بالكوفة رجل قاص ، يقال له : نوف . يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل . أما عمرو فقال لي : قال : قد كذب عدو الله .

[ ص: 174 ] وأما يعلى ، فقال لي : قال ابن عباس : حدثني أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : موسى رسول الله ، قال : ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ، ولى ، فأدركه رجل ، فقال : أي رسول الله ، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال : لا . فعتب الله عليه; إذ لم يرد العلم إلى الله . قيل : بلى . قال : أي رب فأين؟ قال : بمجمع البحرين . قال : أي رب ، اجعل لي علما أعلم ذلك به . قال لي عمرو : قال : حيث يفارقك الحوت . وقال لي يعلى : قال : خذ حوتا ميتا ، حيث ينفخ فيه الروح ، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت . قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله : وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نون - ليست عن سعيد بن جبير - قال : فبينما هو في ظل صخرة ، في مكان ثريان ; إذ تضرب الحوت ، وموسى نائم ، فقال فتاه : لا أوقظه . حتى إذا استيقظ ، نسي أن يخبره ، وتضرب الحوت حتى دخل البحر ، فأمسك الله عنه جرية البحر ، حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو : هكذا كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما . [ ص: 175 ] لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال : " وقد قطع الله عنك النصب " ليست هذه عن سعيد ، " أخبره فرجعا ، فوجدا خضرا ، قال لي عثمان بن أبي سليمان : " على طنفسة خضراء ، على كبد البحر " . قال سعيد : " مسجى بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى ، فكشف عن وجهه ، وقال : هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نعم . قال : فما شأنك؟ قال : جئتك ل " تعلمني مما علمت رشدا " قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى ، إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه ، فأخذ طائر بمنقاره من البحر ، فقال : والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله ، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر ، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا ، تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر ، عرفوه فقالوا : عبد الله الصالح؟ " قال : فقلنا لسعيد : خضر؟ قال : نعم . " لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا " قال " موسى : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا - قال مجاهد : منكرا - قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا كانت الأولى ، نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال يعلى : قال سعيد : وجد غلمانا يلعبون ، فأخذ غلاما كافرا ظريفا ، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين [ ص: 176 ] قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لم تعمل بالخبث " . ابن عباس قرأها : ( زكية زاكية مسلمة ) . كقولك : غلاما زكيا . فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه " قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام . قال يعلى : حسبت أن سعيدا قال : " فمسحه بيده فاستقام قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال سعيد : أجرا نأكله وكان وراءهم ( وكان أمامهم ) قرأها ابن عباس . أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون : جيسور . ملك يأخذ كل سفينة غصبا فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها . منهم من يقول : سدوها بقارورة . ومنهم من يقول : بالقار . فكان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أي; يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما لقوله : أقتلت نفسا زكية " وأقرب رحما " هما به أرحم منها بالأول ، الذي قتل خضر . وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية ، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد : إنها جارية .

[ ص: 177 ] وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : خطب موسى بني إسرائيل ، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني . فأمر أن يلقى هذا الرجل . فذكر نحو ما تقدم .

وهكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنحو ما تقدم أيضا ، ورواه العوفي عنه موقوفا .

وقال الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري ، في صاحب موسى ، فقال ابن عباس : هو خضر . فمر بهما أبي بن كعب ، فدعاه ابن عباس ، فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه ، فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا؟ قال : نعم . وذكر الحديث ، وقد تقصينا طرق هذا الحديث ، وألفاظه في تفسير سورة الكهف ، ولله الحمد والمنة .

وقوله : وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا [ ص: 178 ] قال السهيلي : وهما أصرم وصريم ، ابنا كاشح . وكان تحته كنز لهما قيل : كان ذهبا . قاله عكرمة ، وقيل : علما . قاله ابن عباس ، والأشبه أنه كان لوحا من ذهب ، مكتوبا فيه علم .

قال البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا بشر بن المنذر ، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي ، عن عياش بن عباس الغساني ، عن ابن حجيرة ، عن أبي ذر ، رفعه قال : إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت : عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب ، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك ، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل لا إله إلا الله . وهكذا روي عن الحسن البصري ، وعمر مولى غفرة ، وجعفر الصادق ، نحو هذا . وقوله : وكان أبوهما صالحا وقد قيل : إنه كان الأب السابع ، وقيل : العاشر . وعلى كل تقدير ، فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته ، فالله المستعان .

وقوله رحمة من ربك دليل على أنه كان نبيا ، وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه ، بل بأمر ربه ، فهو نبي وقيل : رسول . وقيل : ولي . وأغرب [ ص: 179 ] من هذا من قال : كان ملكا . قلت : وقد أغرب جدا من قال : هو ابن فرعون . وقيل : إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة . قال ابن جرير والذي عليه جمهور أهل الكتاب ، أنه كان في زمن أفريدون . ويقال : إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل : إنه كان أفريدون ، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل . وزعموا أنه شرب من ماء الحياة ، فخلد ، وهو باق إلى الآن . وقيل : إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل . وقيل : اسمه ملكان . وقيل : إرميا بن حلقيا . وقيل : كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب . قال ابن جرير : وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة ، لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب . قال ابن جرير ، والصحيح أنه كان في زمن أفريدون ، واستمر حيا إلى أن أدركه موسى ، عليه السلام ، وكانت نبوة موسى في زمن منوشهر ، الذي هو من ولد إيرج بن أفريدون ، أحد ملوك الفرس وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده ، وكان عادلا ، وهو أول من خندق الخنادق ، وأول من جعل في كل قرية دهقانا ، وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة . ويقال : إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم . وقد ذكر عنه من الخطب الحسان ، والكلم البليغ النافع الفصيح ، ما يبهر العقل ، ويحير السامع ، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل . والله أعلم .

[ ص: 180 ] وقد قال الله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم [ آل عمران : 81 ] .

فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء ، وينصره ، فلو كان الخضر حيا في زمانه ، لما وسعه إلا اتباعه ، والاجتماع به ، والقيام بنصره ، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر ، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة ، وقصارى الخضر ، عليه السلام ، أن يكون نبيا ، وهو الحق ، أو رسولا ، كما قيل ، أو ملكا فيما ذكر ، وأيا ما كان ، فجبريل رئيس الملائكة ، وموسى أشرف من الخضر ، ولو كان حيا لوجب عليه الإيمان بمحمد ونصرته ، فكيف إن كان الخضر وليا ، كما يقوله طوائف كثيرون ، فأولى أن يدخل في عموم البعثة ، وأحرى .

ولم ينقل في حديث حسن ، بل ولا ضعيف يعتمد ، أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا اجتمع به ، وما ذكر من حديث التعزية فيه ، وإن كان الحاكم قد رواه ، فإسناده ضعيف . والله أعلم . وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا .
====
ذكر بناء قبة الزمان

قال أهل الكتاب : وقد أمر الله موسى ، عليه السلام ، بعمل قبة من خشب الشمشار ، وجلود الأنعام ، وشعر الأغنام ، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ ، والذهب ، والفضة ، على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ، ولها عشر سرادقات ، طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا ، وعرضه أربعة أذرع ، ولها أربعة أبواب ، وأطناب من حرير ، ودمقس مصبغ ، وفيها رفوف وصفائح ، من ذهب وفضة ، ولكل زاوية بابان ، وأبواب أخر كبيرة ، وستور من حرير مصبغ ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، وبعمل تابوت من خشب الشمشار ، يكون طوله ذراعين ونصفا ، وعرضه ذراعين ، وارتفاعه ذراعا ونصفا ، ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه ، وله أربع حلق ، في أربع زواياه ، ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب ، يعنون صفة ملكين بأجنحة ، وهما متقابلان صنعه رجل اسمه بصليال . وأمره أن يعمل مائدة من خشب الشمشار ، طولها ذراعان ، وعرضها ذراع ونصف ، لها ضباب ذهب ، وإكليل ذهب بشفة مرتفعة ، بإكليل من ذهب ، وأربع حلق من نواحيها من ذهب; خرزه مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا ، واعمل صحافا ومصافي وقصاعا على المائدة ، واصنع منارة من ذهب دلي فيها ست قصبات من ذهب ، من كل [ ص: 198 ]
جانب ثلاث ، على كل قصبة ثلاث سرج ، وليكن في المنارة أربع قناديل ، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب ، صنع ذلك بصليال أيضا ، وهو الذي عمل المذبح أيضا ، ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم ، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة ، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .

[ البقرة : 248 ] . وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا ، وفيه شرائع لهم وأحكام ، وصفة قربانهم ، وكيفيته ، وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل ، الذي هو متقدم على مجيئهم بيت المقدس ، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها وإليها ، ويتقربون عندها ، وأن موسى ، عليه السلام ، كان إذا دخلها يقفون عندها ، وينزل عمود الغمام على بابها فيخرون عند ذلك سجدا لله ، عز وجل ، ويكلم الله موسى ، عليه السلام ، من ذلك العمود الغمام ، الذي هو نور ويخاطبه ، ويناجيه ، ويأمره ، وينهاه ، وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين ، فإذا فصل الخطاب ، يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله ، عز وجل ، إليه من الأوامر والنواهي ، وإذا تحاكموا إليه في شيء ، ليس عنده من الله فيه شيء ، يجيء إلى قبة الزمان ، ويقف عند التابوت ، ويصمد لما بين ذينك الكروبيين ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة ، وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم ، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ ، [ ص: 199 ] واللآليء في معبدهم ، وعند مصلاهم ، فأما في شريعتنا فلا ، بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها; لئلا تشغل المصلين ، كما قال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لما وسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذي وكله على عمارته : ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم .

وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه ، فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم; إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه إليه ، والإقبال عليه ، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة ، فلله الحمد والمنة .

وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه ، يصلون إليها ، وهي قبلتهم وكعبتهم ، وإمامهم كليم الله موسى ، عليه السلام ، ومقدم القربان أخوه هارون ، عليه السلام .

فلما مات هارون ، ثم موسى ، عليهما السلام ، استمرت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان ، وهو فيهم إلى الآن ، وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده ، فتاه يوشع بن نون ، عليه السلام ، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس; كما سيأتي بيانه .

[ ص: 200 ] والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس ، نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس ، فكانوا يصلون إليها ، فلما بادت صلوا إلى محلتها ، وهي الصخرة ، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صلى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وكان يجعل الكعبة بين يديه ، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس ، فصلى إليها ستة عشر وقيل : سبعة عشر شهرا . ثم حولت القبلة إلى الكعبة ، وهي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين ، في وقت صلاة العصر . وقيل : الظهر ، كما بسطنا ذلك في " التفسير " ، عند قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها إلى قوله : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 142 - 144 ] .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق