والمقصود أن موسى ، عليه السلام ، لما استكمل الميقات ، وكان فيه صائما ، يقال : إنه لم يستطعم الطعام . فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه ، ليطيب ريح فمه ، فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى ، فصارت أربعين ليلة . ولهذا ثبت في الحديث أن : خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فلما عزم على الذهاب ، استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل ، وهو ابن أمه وأبيه ، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه ، فوصاه وأمره ونهاه ، وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة ، قال الله تعالى : ولما جاء موسى لميقاتنا أي; في الوقت الذي أمر بالمجيء فيه ، وكلمه ربه أي; كلمه الله من وراء حجاب ، إلا أنه أسمعه الخطاب ، فناداه وناجاه ، وقربه وأدناه ، وهذا مقام رفيع ، ومعقل منيع ، ومنصب شريف ، ومنزل منيف ، فصلوات الله عليه تترى وسلامه عليه في الدنيا والأخرى . ولما أعطي هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية ، وسمع الخطاب ، سأل رفع الحجاب ، فقال للعظيم الذي لا تدركه الأبصار ، القوي البرهان : ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى; لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا ، وأشد ثباتا من الإنسان ، لا يثبت عند التجلي من الرحمن ، ولهذا قال : [ ص: 140 ] ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له : يا موسى ، إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده . وفي " الصحيحين " ، عن أبي موسى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : حجابه النور وفي رواية : النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وقال ابن عباس ، في قوله تعالى : لا تدركه الأبصار ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء; ولهذا قال تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال مجاهد : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فإنه أكبر منك وأشد خلقا ، فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك ، وأقبل الجبل فدك على أوله ، ورأى موسى ما يصنع الجبل ، فخر صعقا . وقد ذكرنا في " التفسير " ما رواه الإمام أحمد والترمذي ، وصححه ابن جرير ، والحاكم ، من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، زاد ابن جرير ، وليث ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال : هكذا بأصبعه ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى [ ص: 141 ] من الخنصر ، فساخ الجبل . لفظ ابن جرير وقال السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ما تجلى - يعني من العظمة - إلا قدر الخنصر ، فجعل الجبل دكا ، قال : ترابا وخر موسى صعقا أي; مغشيا عليه . وقال قتادة : ميتا . والصحيح الأول; لقوله : فلما أفاق فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي . قال : سبحانك تنزيه ، وتعظيم ، وإجلال أن يراه بعظمته أحد . تبت إليك أي : فلست أسأل بعد هذا الرؤية : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده .
وقد ثبت في " الصحيحين " ، من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور لفظ البخاري ، وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري ، حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخيروني من بين الأنبياء وفي [ ص: 142 ] " الصحيحين " ، من طريق الزهري ، عن أبي سلمة ، وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وفيه : لا تخيروني على موسى . وذكر تمامه . وهذا من باب الهضم والتواضع ، أو نهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية ، أو ليس هذا إليكم ، بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات ، وليس ينال هذا بمجرد الرأي ، بل بالتوقيف . ومن قال : إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ، ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم . ففي قوله نظر; لأن هذا من رواية أبي سعيد ، وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر متأخرا ، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا . والله أعلم . ولا شك أنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أفضل البشر ، بل الخليقة . قال الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران : 110 ] . وما كملوا إلا بشرف نبيهم ، وثبت بالتواتر عنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون ، حتى أولو العزم الأكملون; نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ابن مريم . وقوله صلى الله عليه وسلم : فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش - أي; آخذا بها - فلا أدري أفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور . [ ص: 143 ] دليل على أن هذا الصعق ، الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة ، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده ، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال ، فيكون أولهم إفاقة محمد ، خاتم الأنبياء ، ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء ، فيجد موسى باطشا بقائمة العرش . قال الصادق المصدوق : لا أدري أصعق ، فأفاق قبلي أي كانت صعقته خفيفة; لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق ، أو جوزي بصعقة الطور ، يعني فلم يصعق بالكلية ، وهذا فيه شرف كبير وعلو مرتبة لموسى ، عليه السلام ، من هذه الحيثية ، ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه; ولهذا نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة; لأن المسلم لما ضرب وجه اليهودي ، حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى ، عليه السلام ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلته وشرفه . وقوله تعالى : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي أي في ذلك الزمان ، لا ما قبله; لأن إبراهيم الخليل أفضل منه ، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم ، ولا ما بعده; لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما; كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء ، وكما ثبت أنه قال : سأقوم مقاما يرغب إلي الخلق حتى إبراهيم وقوله تعالى : فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين أي; فخذ ما أعطيتك من الرسالة [ ص: 144 ] والكلام ، ولا تسأل زيادة عليه ، وكن من الشاكرين على ذلك .
قال الله تعالى : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء وكانت الألواح من جوهر نفيس ، ففي " الصحيح " أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ عن الآثام ، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، فخذها بقوة أي; بعزم ونية صادقة قوية ، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي ، يضعوها على أحسن وجوهها ، وأجمل محاملها ، سأوريكم دار الفاسقين أي; ستروا عاقبة الخارجين عن طاعتي ، المخالفين لأمري ، المكذبين لرسلي . سأصرف عن آياتي أي; عن فهمها ، وتدبرها ، وتعقل معناها الذي أريد منها ، ودل عليه مقتضاها ، الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها أي; ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق ، والمعجزات ، لا ينقادوا لاتباعها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا أي; لا يسلكوه ، ولا يتبعوه وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا أي; صرفناهم عن ذلك; لتكذيبهم بآياتنا ، وتغافلهم عنها ، وإعراضهم عن التصديق بها ، والتفكر في معناها ، وترك العمل بمقتضاها ، والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون . ===ذكر حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن موسى قال : أي رب ، عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا . قال : ففتح له باب من الجنة ، فنظر إليها ، قال : يا موسى ، هذا ما أعددت له . فقال موسى : يا رب ، وعزتك وجلالك ، لو كان أقطع اليدين والرجلين ، يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة ، وكان هذا مصيره ، لم ير بؤسا قط . قال : ثم قال : أي رب ، عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا . قال : ففتح له باب إلى النار ، فيقول : يا موسى ، هذا ما أعددت له . فقال : أي رب ، وعزتك وجلالك ، لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة ، وكان هذا مصيره ، لم ير خيرا قط تفرد به أحمد من هذا الوجه . وفي صحته نظر والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم ، عند تفسير آية الكرسي : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن بني إسرائيل قالوا لموسى : هل ينام ربك؟ قال : اتقوا الله . فناداه ربه : يا موسى سألوك هل ينام ربك ، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ، ففعل موسى ، فلما ذهب من الليل ثلث ، نعس فوقع لركبتيه ، ثم انتعش ، [ ص: 162 ] فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس ، فسقطت الزجاجتان ، فانكسرتا . فقال : يا موسى ، لو كنت أنام ، لسقطت السماوات والأرض ، فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك . قال : وأنزل الله على رسوله آية الكرسي .
[ ص: 170 ] قال بعض أهل الكتاب : إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر ، هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم ، وينقل عن كتبهم ، منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي ، ويقال : إنه دمشقي . وكانت أمه زوجة كعب الأحبار . والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ، ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه ، أنه موسى بن عمران ، صاحب بني إسرائيل .
وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف ، أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير - يزيد أحدهما على صاحبه ، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير - قال : إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال : سلوني . فقلت : أي أبا عباس ، جعلني الله فداك ، بالكوفة رجل قاص ، يقال له : نوف . يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل . أما عمرو فقال لي : قال : قد كذب عدو الله .
[ ص: 174 ] وأما يعلى ، فقال لي : قال ابن عباس : حدثني أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : موسى رسول الله ، قال : ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ، ولى ، فأدركه رجل ، فقال : أي رسول الله ، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال : لا . فعتب الله عليه; إذ لم يرد العلم إلى الله . قيل : بلى . قال : أي رب فأين؟ قال : بمجمع البحرين . قال : أي رب ، اجعل لي علما أعلم ذلك به . قال لي عمرو : قال : حيث يفارقك الحوت . وقال لي يعلى : قال : خذ حوتا ميتا ، حيث ينفخ فيه الروح ، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت . قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله : وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نون - ليست عن سعيد بن جبير - قال : فبينما هو في ظل صخرة ، في مكان ثريان ; إذ تضرب الحوت ، وموسى نائم ، فقال فتاه : لا أوقظه . حتى إذا استيقظ ، نسي أن يخبره ، وتضرب الحوت حتى دخل البحر ، فأمسك الله عنه جرية البحر ، حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو : هكذا كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما . [ ص: 175 ] لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال : " وقد قطع الله عنك النصب " ليست هذه عن سعيد ، " أخبره فرجعا ، فوجدا خضرا ، قال لي عثمان بن أبي سليمان : " على طنفسة خضراء ، على كبد البحر " . قال سعيد : " مسجى بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى ، فكشف عن وجهه ، وقال : هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نعم . قال : فما شأنك؟ قال : جئتك ل " تعلمني مما علمت رشدا " قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى ، إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه ، فأخذ طائر بمنقاره من البحر ، فقال : والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله ، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر ، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا ، تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر ، عرفوه فقالوا : عبد الله الصالح؟ " قال : فقلنا لسعيد : خضر؟ قال : نعم . " لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا " قال " موسى : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا - قال مجاهد : منكرا - قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا كانت الأولى ، نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال يعلى : قال سعيد : وجد غلمانا يلعبون ، فأخذ غلاما كافرا ظريفا ، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين [ ص: 176 ] قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لم تعمل بالخبث " . ابن عباس قرأها : ( زكية زاكية مسلمة ) . كقولك : غلاما زكيا . فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه " قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام . قال يعلى : حسبت أن سعيدا قال : " فمسحه بيده فاستقام قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال سعيد : أجرا نأكله وكان وراءهم ( وكان أمامهم ) قرأها ابن عباس . أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون : جيسور . ملك يأخذ كل سفينة غصبا فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها . منهم من يقول : سدوها بقارورة . ومنهم من يقول : بالقار . فكان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أي; يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما لقوله : أقتلت نفسا زكية " وأقرب رحما " هما به أرحم منها بالأول ، الذي قتل خضر . وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية ، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد : إنها جارية .
[ ص: 177 ] وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : خطب موسى بني إسرائيل ، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني . فأمر أن يلقى هذا الرجل . فذكر نحو ما تقدم .
وهكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنحو ما تقدم أيضا ، ورواه العوفي عنه موقوفا .
وقال الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري ، في صاحب موسى ، فقال ابن عباس : هو خضر . فمر بهما أبي بن كعب ، فدعاه ابن عباس ، فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه ، فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا؟ قال : نعم . وذكر الحديث ، وقد تقصينا طرق هذا الحديث ، وألفاظه في تفسير سورة الكهف ، ولله الحمد والمنة .
وقوله رحمة من ربك دليل على أنه كان نبيا ، وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه ، بل بأمر ربه ، فهو نبي وقيل : رسول . وقيل : ولي . وأغرب [ ص: 179 ] من هذا من قال : كان ملكا . قلت : وقد أغرب جدا من قال : هو ابن فرعون . وقيل : إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة . قال ابن جرير والذي عليه جمهور أهل الكتاب ، أنه كان في زمن أفريدون . ويقال : إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل : إنه كان أفريدون ، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل . وزعموا أنه شرب من ماء الحياة ، فخلد ، وهو باق إلى الآن . وقيل : إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل . وقيل : اسمه ملكان . وقيل : إرميا بن حلقيا . وقيل : كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب . قال ابن جرير : وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة ، لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب . قال ابن جرير ، والصحيح أنه كان في زمن أفريدون ، واستمر حيا إلى أن أدركه موسى ، عليه السلام ، وكانت نبوة موسى في زمن منوشهر ، الذي هو من ولد إيرج بن أفريدون ، أحد ملوك الفرس وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده ، وكان عادلا ، وهو أول من خندق الخنادق ، وأول من جعل في كل قرية دهقانا ، وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة . ويقال : إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم . وقد ذكر عنه من الخطب الحسان ، والكلم البليغ النافع الفصيح ، ما يبهر العقل ، ويحير السامع ، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل . والله أعلم .
فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء ، وينصره ، فلو كان الخضر حيا في زمانه ، لما وسعه إلا اتباعه ، والاجتماع به ، والقيام بنصره ، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر ، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة ، وقصارى الخضر ، عليه السلام ، أن يكون نبيا ، وهو الحق ، أو رسولا ، كما قيل ، أو ملكا فيما ذكر ، وأيا ما كان ، فجبريل رئيس الملائكة ، وموسى أشرف من الخضر ، ولو كان حيا لوجب عليه الإيمان بمحمد ونصرته ، فكيف إن كان الخضر وليا ، كما يقوله طوائف كثيرون ، فأولى أن يدخل في عموم البعثة ، وأحرى .
ولم ينقل في حديث حسن ، بل ولا ضعيف يعتمد ، أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا اجتمع به ، وما ذكر من حديث التعزية فيه ، وإن كان الحاكم قد رواه ، فإسناده ضعيف . والله أعلم . وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا . ====ذكر بناء قبة الزمان
قال أهل الكتاب : وقد أمر الله موسى ، عليه السلام ، بعمل قبة من خشب الشمشار ، وجلود الأنعام ، وشعر الأغنام ، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ ، والذهب ، والفضة ، على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ، ولها عشر سرادقات ، طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا ، وعرضه أربعة أذرع ، ولها أربعة أبواب ، وأطناب من حرير ، ودمقس مصبغ ، وفيها رفوف وصفائح ، من ذهب وفضة ، ولكل زاوية بابان ، وأبواب أخر كبيرة ، وستور من حرير مصبغ ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، وبعمل تابوت من خشب الشمشار ، يكون طوله ذراعين ونصفا ، وعرضه ذراعين ، وارتفاعه ذراعا ونصفا ، ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه ، وله أربع حلق ، في أربع زواياه ، ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب ، يعنون صفة ملكين بأجنحة ، وهما متقابلان صنعه رجل اسمه بصليال . وأمره أن يعمل مائدة من خشب الشمشار ، طولها ذراعان ، وعرضها ذراع ونصف ، لها ضباب ذهب ، وإكليل ذهب بشفة مرتفعة ، بإكليل من ذهب ، وأربع حلق من نواحيها من ذهب; خرزه مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا ، واعمل صحافا ومصافي وقصاعا على المائدة ، واصنع منارة من ذهب دلي فيها ست قصبات من ذهب ، من كل [ ص: 198 ] جانب ثلاث ، على كل قصبة ثلاث سرج ، وليكن في المنارة أربع قناديل ، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب ، صنع ذلك بصليال أيضا ، وهو الذي عمل المذبح أيضا ، ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم ، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة ، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .
[ البقرة : 248 ] . وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا ، وفيه شرائع لهم وأحكام ، وصفة قربانهم ، وكيفيته ، وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل ، الذي هو متقدم على مجيئهم بيت المقدس ، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها وإليها ، ويتقربون عندها ، وأن موسى ، عليه السلام ، كان إذا دخلها يقفون عندها ، وينزل عمود الغمام على بابها فيخرون عند ذلك سجدا لله ، عز وجل ، ويكلم الله موسى ، عليه السلام ، من ذلك العمود الغمام ، الذي هو نور ويخاطبه ، ويناجيه ، ويأمره ، وينهاه ، وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين ، فإذا فصل الخطاب ، يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله ، عز وجل ، إليه من الأوامر والنواهي ، وإذا تحاكموا إليه في شيء ، ليس عنده من الله فيه شيء ، يجيء إلى قبة الزمان ، ويقف عند التابوت ، ويصمد لما بين ذينك الكروبيين ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة ، وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم ، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ ، [ ص: 199 ] واللآليء في معبدهم ، وعند مصلاهم ، فأما في شريعتنا فلا ، بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها; لئلا تشغل المصلين ، كما قال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لما وسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذي وكله على عمارته : ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم .
وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه ، فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم; إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه إليه ، والإقبال عليه ، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة ، فلله الحمد والمنة .
وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه ، يصلون إليها ، وهي قبلتهم وكعبتهم ، وإمامهم كليم الله موسى ، عليه السلام ، ومقدم القربان أخوه هارون ، عليه السلام .
فلما مات هارون ، ثم موسى ، عليهما السلام ، استمرت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان ، وهو فيهم إلى الآن ، وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده ، فتاه يوشع بن نون ، عليه السلام ، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس; كما سيأتي بيانه . [ ص: 200 ] والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس ، نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس ، فكانوا يصلون إليها ، فلما بادت صلوا إلى محلتها ، وهي الصخرة ، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صلى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وكان يجعل الكعبة بين يديه ، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس ، فصلى إليها ستة عشر وقيل : سبعة عشر شهرا . ثم حولت القبلة إلى الكعبة ، وهي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين ، في وقت صلاة العصر . وقيل : الظهر ، كما بسطنا ذلك في " التفسير " ، عند قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها إلى قوله : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 142 - 144 ] .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق