قصة بيعة العقبة الثانية=فصل في أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية
== فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة == فصل في دخوله عليه السلام المدينة وأين استقر منزله بها====
قال ابن إسحاق : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة ، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك ، حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق ، حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه ، وإعزاز الإسلام وأهله ، فحدثني معبد بن كعب بن مالك ، أن أخاه عبد الله بن كعب ، وكان من أعلم الأنصار ، حدثه أن أباه كعبا حدثه ، وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، قال : خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ، وقد صلينا وفقهنا ، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا ، فلما وجهنا لسفرنا ، وخرجنا من المدينة ، قال البراء : يا هؤلاء ، إني قد رأيت رأيا ، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا ؟ قال : قلنا : وما ذاك ؟ قال : قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها . قال : فقلنا : والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه . فقال إني لمصل إليها . قال : فقلنا له : لكنا لا نفعل . قال : فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام ، وصلى هو إلى الكعبة ، حتى قدمنا مكة . قال : وقد كنا عبنا عليه ما صنع ، وأبى إلا الإقامة على ذلك ، فلما قدمنا مكة ، قال لي : يا ابن أخي ، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا ، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء لما [ ص: 395 ] رأيت من خلافكم إياي فيه . قال : فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك ، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : هل تعرفانه ؟ فقلنا : لا . فقال : هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قال : قلنا : نعم . وقد كنا نعرف العباس ، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا . قال : فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس . قال : فدخلنا المسجد ، وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه ، فسلمنا ثم جلسنا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ " قال : نعم ، هذا البراء بن معرور سيد قومه ، وهذا كعب بن مالك . قال : فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشاعر ؟ " قال : نعم . فقال له البراء بن معرور : يا نبي الله ، إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للإسلام ، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر ، فصليت إليها ، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء ، فماذا ترى يا رسول الله ؟ قال : " قد كنت على قبلة لو صبرت عليها " . قال : فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام . قال : وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أعلم به منهم . قال كعب بن مالك : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ، فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ، سيد من سادتنا ، وشريف من أشرافنا ، أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ، فكلمناه [ ص: 396 ] وقلنا له : يا أبا جابر ، إنك سيد من سادتنا ، وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه ، أن تكون حطبا للنار غدا . ثم دعوناه إلى الإسلام ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة ، قال : فأسلم وشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا .
وقد روى البخاري : حدثني إبراهيم ، حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم ، قال عطاء : قال جابر : أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة . قال عبد الله بن محمد : قال ابن عيينة : أحدهما البراء بن معرور .
حدثنا علي بن المديني ، حدثنا سفيان ، قال : كان عمرو يقول : سمعت جابر بن عبد الله ، يقول : شهد بي خالاي العقبة
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر [ ص: 397 ] سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ، ومجنة ، وفي المواسم بمنى ، يقول : " من يؤويني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة ؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه ، فيقولون : احذر غلام قريش لا يفتنك . ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع ، حتى بعثنا الله إليه من يثرب ، فآويناه وصدقناه ، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ، ويقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام ، ثم ائتمروا جميعا ، فقلنا : حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف ؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم ، فواعدناه شعب العقبة ، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا ، فقلنا : يا رسول الله ، علام نبايعك ؟ قال : " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن [ ص: 398 ] تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة " . فقمنا إليه ، وأخذ بيده أسعد بن زرارة ، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي : وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال : رويدا يا أهل يثرب ، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وقتل خياركم ، وأن تعضكم السيوف ، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه ، وأجركم على الله ، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة ، فبينوا ذلك ، فهو أعذر لكم عند الله ، قالوا : أمط عنا يا أسعد ، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ، ولا نسلبها أبدا . قال فقمنا إليه فبايعناه ، وأخذ علينا وشرط ، ويعطينا على ذلك الجنة
وقد رواه الإمام أحمد أيضا ، والبيهقي ، من طريق داود بن عبد الرحمن العطار ، زاد البيهقي عن الحاكم بسنده إلى يحيى بن سليم ، كلاهما عن [ ص: 399 ] عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير به نحوه . وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ، ولم يخرجوه . وقال البزار : ورواه غير واحد عن ابن خثيم ، ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا ، فلما فرغنا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخذت وأعطيت " .
وقال البزار : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان هو الثوري ، عن جابر ، يعني الجعفي ، وداود ، هو ابن أبي هند ، عن الشعبي ، عن جابر ، يعني ابن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الأنصار : " تؤووني وتمنعوني ؟ " قالوا : نعم . قالوا : فما لنا ؟ قال : " الجنة " ثم قال : لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد عن جابر .
ثم قال ابن إسحاق : عن معبد ، عن عبد الله ، عن أبيه كعب بن مالك ، [ ص: 400 ] ، قال : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل ، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نتسلل تسلل القطا ، مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا; نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار ، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة ، وهي أم منيع . وقد صرح ابن إسحاق ، في رواية يونس بن بكير عنه ، بأسمائهم وأنسابهم .
قلت : وما ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا سبعين ، فالعرب كثيرا ما تحذف الكسر . وقال عروة بن الزبير ، وموسى بن عقبة ، كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة . قال : منهم أربعون من ذوي أسنانهم ، وثلاثون من شبابهم . قال : وأصغرهم أبو مسعود ، وجابر بن عبد الله . وقول محمد بن إسحاق أنهم خمسة وسبعون ، أثبت . والله أعلم .
[ ص: 401 ] قال كعب بن مالك : فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له ، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج - قال : وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج ، خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عزة من قومه ، ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم ، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده . قال : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت . قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام ، ثم قال : " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " . قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله ، فنحن والله أبناء الحروب ، وأهل الحلقة ، ورثناها كابرا عن كابر . قال : فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - [ ص: 402 ] أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله ، أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم " . قال كعب : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس .
قال ابن إسحاق : وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة - المتقدم - وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان - المتقدم - والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج [ ص: 403 ] وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ، وعبادة بن الصامت - المتقدم - وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج . فهؤلاء تسعة من الخزرج . ومن الأوس ثلاثة وهم : أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس ورفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس .
قال ابن هشام : وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ، بدل رفاعة هذا . وهو كذلك في رواية يونس ، عن ابن إسحاق ، واختاره السهيلي ، وابن الأثير في " الغابة " . ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما [ ص: 404 ] رواه عن أبي زيد الأنصاري ، فيما ذكره من شعر كعب بن مالك ، في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة ، ليلة العقبة الثانية ، حين قال :
فأبلغ أبيا أنه فال رأيه وحان غداة الشعب والحين واقع أبى الله ما منتك نفسك إنه
بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا
بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترعين في حشد أمر تريده
وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا
أباه عليك الرهط حين تتابعوا أباه البراء وابن عمرو كلاهما
وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ومنذر
لأنفك إن حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده
بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة
وإخفاره من دونه السم ناقع وفاء به والقوقلي بن صامت
بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفي بمثلها
وفاء بما أعطى من العهد خانع [ ص: 405 ] وما ابن حضير إن أردت بمطمع
فهل أنت عن أحموقة الغي نازع وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه
ضروح لما حاولت ملأمر مانع أولاك نجوم لا يغبك منهم
عليك بنحس في دجى الليل طالع
قال ابن هشام : فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ، ولم يذكر رفاعة .
قلت : وذكر سعد بن معاذ : وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة . والله أعلم .
وروى يعقوب بن سفيان ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن مالك ، قال : كان الأنصار ليلة العقبة سبعين رجلا ، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .
وحدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة ، وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة . رواه البيهقي .
[ ص: 406 ] وقال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال للنقباء : " أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي " . قالوا : نعم . وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري ، أخو بني سالم بن عوف : يا معشر الخزرج ، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم . قال : إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة ، وأشرافكم قتل ، أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله - إن فعلتم - خزي الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال ، وقتل الأشراف ، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة . قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال : " الجنة " . قالوا : ابسط يدك . فبسط يده فبايعوه قال عاصم بن عمر بن قتادة : وإنما قال العباس بن عبادة ذلك; ليشد العقد في أعناقهم ، وزعم عبد الله بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة; رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي ابن سلول سيد الخزرج; ليكون أقوى لأمر القوم ، فالله أعلم أي ذلك كان .
قال ابن إسحاق : فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان [ ص: 407 ] أول من ضرب على يده ، وبنو عبد الأشهل يقولون : بل أبو الهيثم بن التيهان .
قال ابن إسحاق : وحدثني معبد بن كعب ، عن أخيه عبد الله ، عن أبيه كعب بن مالك ، قال : فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ، ثم بايع القوم .
وقال ابن الأثير في " أسد الغابة " : وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك . وقد ثبت في " صحيح " البخاري ومسلم من حديث الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ، عن أبيه ، عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك قال ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها
وقال البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا عمرو بن السماك ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر الشعبي ، قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة ، فقال : " ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة; فإن عليكم من المشركين عينا ، وإن يعلموا بكم يفضحوكم " . فقال قائلهم ، وهو أبو أمامة : سل يا محمد لربك ما شئت ، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت ، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك . قال : [ ص: 408 ] " أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم " . قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : " لكم الجنة " . قالوا : فلك ذلك . ثم رواه حنبل ، عن الإمام أحمد ، عن يحيى بن زكريا ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن أبي مسعود الأنصاري ، فذكره قال : وكان أبو مسعود أصغرهم .
وقال أحمد ، عن يحيى ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، قال : فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها .
وقال البيهقي : أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش ، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام ، أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي ، أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي ، حدثنا زهير ، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة ، عن أبيه ، قال : قدمت روايا خمر فأتاها عبادة بن الصامت ، فخرقها ، وقال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم ، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب ، بما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ، ولنا الجنة ، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها وهذا إسناد [ ص: 409 ] جيد قوي ، ولم يخرجوه . وقد روى يونس ، عن ابن إسحاق ، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه ، عن جده عبادة بن الصامت ، قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ، ومنشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .
قال ابن إسحاق في حديثه : عن معبد بن كعب ، عن أخيه عبد الله ، عن كعب بن مالك ، قال : فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط : يا أهل الجباجب - والجباجب : المنازل - هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أزب العقبة ، هذا ابن أزيب " . قال ابن هشام : ويقال ابن أزيب - " أتسمع أي عدو الله ؟ أما والله لأتفرغن لك " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفضوا إلى رحالكم " . قال : فقال العباس بن عبادة بن نضلة : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا . [ ص: 410 ] قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم " . قال : فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا ، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا ، تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم . قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون : ما كان من هذا شيء وما علمناه . قال : وصدقوا ، لم يعلموا . قال : وبعضنا ينظر إلى بعض . قال : ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي ، وعليه نعلان له جديدان . قال : فقلت له كلمة ، كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا : يا أبا جابر ، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا ، مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال : فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ، ثم رمى بهما إلي ، قال : والله لتنتعلنهما . قال : يقول أبو جابر : مه ، أحفظت والله الفتى ، فاردد إليه نعليه . قال : قلت : والله لا أردهما ، فأل والله صالح ، لئن صدق الفأل لأسلبنه .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، أنهم أتوا عبد الله بن أبي ابن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول . فقال لهم : إن هذا الأمر [ ص: 411 ] جسيم ، ما كان قومي ليتفرقوا على مثل هذا ، وما علمته كان . قال : فانصرفوا عنه . قال : ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر ، فوجدوه قد كان ، فخرجوا في طلب القوم ، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ، وكلاهما كان نقيبا ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته ، وكان ذا شعر كثير ، قال سعد : فوالله إني لفي أيديهم ، إذ طلع علي نفر من قريش ، فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال ، فقلت في نفسي : إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا . فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة ، فقلت في نفسي : لا والله ، ما عندهم بعد هذا من خير . قال : فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني ، إذ أوى لي رجل ممن معهم ، فقال : ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ قال : قلت : بلى والله ، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجاره ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي ، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس . فقال : ويحك! فاهتف باسم الرجلين ، واذكر ما بينك وبينهما . قال : ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما ، فوجدهما في المسجد عند الكعبة ، فقال لهما : إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بكما . [ ص: 412 ] قالا : ومن هو ؟ قال : سعد بن عبادة قالا : صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده . قال : فجاء فخلصا سعدا من أيديهم ، فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو
قال ابن هشام : وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام .
وروى البيهقي بسنده عن عبد الحميد بن أبي عبس بن جبر ، عن أبيه ، قال : سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس :
فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان : من السعدان ؟ أسعد بن بكر ، أم سعد بن هذيم ؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول :
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان : هو والله سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة .====وجملتهم على ما ذكره ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان ، فمن الأوس أحد عشر رجلا; أسيد بن حضير أحد النقباء ، وأبو الهيثم بن التيهان ، بدري أيضا ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، بدري أيضا ، وظهير بن رافع ، وأبو بردة بن نيار ، بدري ، ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة ، وسعد بن خيثمة أحد النقباء ، بدري ، وقتل بها شهيدا ، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنبر ، نقيب بدري ، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك ، بدري ، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة ، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوي ، حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها ، وقتل باليمامة شهيدا ، وعويم بن ساعدة ، شهد بدرا وما بعدها ، ومن الخزرج اثنان وستون رجلا; أبو أيوب خالد بن زيد ، وشهد بدرا وما بعدها ، ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا ، ومعاذ بن الحارث ، وأخواه عوف ومعوذ ، وهم بنو عفراء ، بدريون ، وعمارة بن حزم ، شهد بدرا وما بعدها ، وقتل باليمامة ، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء ، مات قبل بدر ، وسهل بن [ ص: 416 ] عتيك بدري ، وأوس بن ثابت بن المنذر ، بدري ، وأبو طلحة زيد بن سهل ، بدري ، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ، كان أميرا على الساقة يوم بدر ، وعمرو بن غزية ، وسعد بن الربيع أحد النقباء ، شهد بدرا وقتل يوم أحد ، وخارجة بن زيد ، شهد بدرا وقتل يوم أحد ، وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحدا والخندق وقتل يوم مؤتة أميرا ، وبشير بن سعد ، بدري ، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ، الذي أري النداء ، وهو بدري ، وخلاد بن سويد ، بدري أحدي خندقي ، وقتل يوم بني قريظة شهيدا ، طرحت عليه رحى فشدخته ، فيقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن له لأجر شهيدين " . وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري ، - قال ابن إسحاق : وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا - وزياد بن لبيد ، بدري ، وفروة بن عمرو بن ودفة ، بدري ، وخالد بن قيس بن مالك ، بدري ، ورافع بن مالك أحد النقباء ، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن رزيق وهو الذي يقال له : مهاجري أنصاري لأنه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد وعباد بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن رزيق ، بدري ، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر ، بدري أيضا ، والبراء بن معرور ، [ ص: 417 ] أحد النقباء ، وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة ، وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأوصى له بثلث ماله ، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته ، وابنه بشر بن البراء ، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ، ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة رضي الله عنه ، وسنان بن صيفي بن صخر ، بدري ، والطفيل بن النعمان بن خنساء ، بدري ، قتل يوم الخندق ، ومعقل بن المنذر بن سرح ، بدري ، وأخوه يزيد بن المنذر ، بدري ، ومسعود بن زيد بن سبيع ، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة ، بدري ، ويزيد بن خذام بن سبيع ، وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد ، بدري ، والطفيل بن مالك بن خنساء ، بدري ، وكعب بن مالك ، وسليم بن عمرو بن حديدة ، بدري ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، بدري ، وأخوه أبو المنذر يزيد ، بدري أيضا ، وأبو اليسر كعب بن عمرو ، بدري ، وصيفي بن سواد بن عباد ، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي ، بدري واستشهد بالخندق ، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي ، وعبس بن عامر بن عدي ، بدري ، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي ، وعبد الله بن أنيس ، حليف لهم من قضاعة ، وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء ، بدري ، واستشهد يوم أحد ، وابنه جابر بن عبد الله ، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ، بدري ، وثابت بن الجذع ، بدري وقتل شهيدا بالطائف ، وعمير بن الحارث بن ثعلبة ، بدري ، وخديج بن سلامة ، حليف لهم من بلي ، ومعاذ بن جبل ، شهد بدرا وما بعدها ، ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب ، وعبادة بن الصامت أحد النقباء ، [ ص: 418 ] شهد بدرا وما بعدها ، والعباس بن عبادة بن نضلة ، وقد أقام بمكة حتى هاجر منها ، فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا ، وقتل يوم أحد شهيدا ، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم ، حليف لهم من بلي ، وعمرو بن الحارث بن لبدة ، ورفاعة بن عمرو بن زيد ، بدري ، وعقبة بن وهب بن كلدة ، حليف لهم بدري ، وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها ، فهو ممن يقال له : مهاجري أنصاري أيضا . وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء ، والمنذر بن عمرو ، نقيب بدري أحدي وقتل يوم بئر معونة أميرا ، وهو الذي يقال له : أعنق ليموت .
وأما المرأتان; فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية . قال ابن إسحاق : وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهدت معها أختها ، وزوجها زيد بن عاصم بن كعب ، وابناها حبيب وعبد الله ، وابنها حبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب ، حين جعل يقول له : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول : نعم . فيقول أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول : لا أسمع . فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه ، لا يزيده على ذلك ، فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسملين حين قتل مسيلمة ، ورجعت وبها اثنا عشر جرحا ، من بين طعنة وضربة رضي الله عنها وأرضاها ، والأخرى [ ص: 419 ] أم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها========
إظهار التشكيل | إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء الرابع
التحليل الموضوعي
[ ص: 437 ] فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة
قال الله تعالى : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [ الإسراء : 80 ] أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء ، أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا ، فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبوية حيث الأنصار والأحباب ، فصارت له دارا وقرارا وأهلها له أنصارا .
قال أحمد بن حنبل ، وعثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه عن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة وأنزل عليه : " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا "
وقال قتادة أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق الهجرة من مكة واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [ ص: 438 ] كتاب الله وفرائضه وحدوده .
قال ابن إسحاق : وأقام رسول الله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ، ولم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن ، إلا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما ، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، فيقول له : " لا تعجل; لعل الله يجعل لك صاحبا " . فيطمع أبو بكر أن يكونه ، فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة ، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم ، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه .
قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم من أصحابنا ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر ، عن عبد الله بن عباس ، وغيره ممن لا أتهم ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لما اجتمعوا لذلك ، واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة; ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا [ ص: 439 ] له ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة ، فاعترضهم إبليس ، لعنه الله ، في هيئة شيخ جليل عليه بت له ، فوقف على باب الدار ، فلما رأوه واقفا على بابها ، قالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له ، فحضر معكم; ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا . قالوا : أجل فادخل . فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش; عتبة ، وشيبة ، وأبو سفيان ، وطعيمة بن عدي ، وجبير بن مطعم بن عدي ، والحارث بن عامر بن نوفل ، والنضر بن الحارث ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، وأبو جهل بن هشام ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف ، ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش . فقال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأيا . قال : فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم - قيل : إنه أبو البختري بن هشام - احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه بابا ، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله; زهيرا والنابغة ومن مضى منهم ، من هذا الموت; حتى يصيبه ما أصابهم . فقال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه كما تقولون ، [ ص: 440 ] ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي ، فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنا ، فوالله ما نبالي أين ذهب ، ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه ، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت . قال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي; ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ؟ والله لو فعلتم ذلك ، ما أمنت أن يحل على حي من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم ، فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ، أديروا فيه رأيا غير هذا . فقال أبو جهل بن هشام : والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد . قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه فنستريح منه ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم . قال : يقول الشيخ النجدي : القول ما قال الرجل ، هذا الرأي ولا رأي غيره . فتفرق القوم على ذلك ، وهم مجمعون له ، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : لا [ ص: 441 ] تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه . قال : فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه ، يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم ، قال لعلي بن أبي طالب : " نم على فراشي ، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم " . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام
وهذه القصة التي ذكرها ابن إسحاق ، قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة ، وابن عباس ، وعلي ، وسراقة بن مالك بن جعشم ، وغيرهم ، دخل حديث بعضهم في بعض ، فذكر نحو ما تقدم .
قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن أبي زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل قال ، وهم على بابه : إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره ، كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن ، وإن لم تفعلوا ، كان فيكم ذبح ، ثم بعثتم بعد موتكم ، ثم جعلت لكم نار ، تحرقون فيها! قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : " نعم أنا أقول [ ص: 442 ] ذلك ، أنت أحدهم " . وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم إلى قوله وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون . ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمدا . فقال : خيبكم الله ، قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا يتطلعون ، فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علي عن الفراش فقالوا : والله لقد كان صدقنا الذي كان حدثنا .
قال ابن إسحاق : فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له ، قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [ الأنفال : 30 ] وقوله أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين [ الطور : 31 ، 30 ] قال ابن إسحاق : فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة
====فصل في دخوله عليه السلام المدينة وأين استقر منزله بها ، وما يتعلق بذلك
قد تقدم فيما رواه البخاري ، عن الزهري ، عن عروة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة .
قلت : ولعل ذلك كان بعد الزوال; لما ثبت في " الصحيحين " من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ، عن أبي بكر ، في حديث الهجرة ، قال : فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزل على بني النجار ، أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك " . وهذا والله أعلم ، إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء ، فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة ، وأقام تحت تلك النخلة ، ثم سار بالمسلمين فنزل قباء ، وذلك ليلا ، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا ، فإن العشي من الزوال . وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء - كما سيأتي - فسار فما انتهى إلى بني النجار إلا عشاء ، كما سيأتي بيانه ، والله أعلم .
وذكر البخاري ، عن الزهري ، عن عروة ، أنه نزل في بني عمرو بن [ ص: 486 ] عوف بقباء ، وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الأيام ، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده ، وكان مربدا لغلامين يتيمين ، وهما سهل وسهيل ، فابتاعه منهما ، واتخذه مسجدا ، وذلك في دار بني النجار رضي الله عنهم .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة ، قال : حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا : لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، وتوكفنا قدومه ، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال ، فإذا لم نجد ظلا دخلنا ، وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس ، حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت ، فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا جدكم قد جاء . فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه ، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر ، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه ، فعرفناه عند ذلك . وقد تقدم مثل [ ص: 487 ] ذلك في سياق البخاري ، وكذا ذكر موسى بن عقبة في " مغازيه " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، ثنا سليمان ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : إني لأسعى في الغلمان يقولون : جاء محمد . فأسعى ولا أرى شيئا ، ثم يقولون : جاء محمد . فأسعى ولا أرى شيئا . قال : حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض حرار المدينة ، ثم بعثا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار ، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار ، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار : انطلقا آمنين مطاعين . فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم ، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن : أيهم هو ؟ أيهم هو ؟ فما رأينا منظرا شبيها به يومئذ . قال أنس : فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض ، فلم أر يومين مشبها بهما . ورواه البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، عن [ ص: 488 ] أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس بنحوه أو مثله .
وفي " الصحيحين " من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، عن أبي بكر ، في حديث الهجرة ، قال : وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت ، والغلمان والخدم يقولون : الله أكبر ، جاء رسول الله ، الله أكبر ، جاء محمد ، الله أكبر ، جاء محمد ، الله أكبر ، جاء رسول الله . فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر
وقال البيهقي : أخبرنا أبو عمرو الأديب ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، سمعت أبا خليفة يقول : سمعت ابن عائشة ، يقول : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
قال محمد بن إسحاق : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون - يعني حين نزل بقباء - على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ، ثم أحد بني عبيد ، ويقال : بل نزل على سعد بن خيثمة . ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم : إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن [ ص: 489 ] الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة . وذلك أنه كان عزبا لا أهل له ، وكان يقال لبيته : بيت العزاب . والله أعلم . ونزل أبو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف ، أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح ، وقيل : على خارجة بن زيد بن أبي زهير ، أخي بني الحارث بن الخزرج .
قال ابن إسحاق : وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها ، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل معه على كلثوم بن الهدم ، فكان علي بن أبي طالب - وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين - يقول : كانت بقباء امرأة لا زوج لها ، مسلمة ، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل ، فيضرب عليها بابها فتخرج إليه ، فيعطيها شيئا معه فتأخذه ، فاستربت بشأنه فقلت لها : يا أمة الله ، من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة ، فتخرجين إليه ، فيعطيك شيئا لا أدري ما هو ، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ؟ قالت : هذا سهل بن حنيف ، وقد عرف أني امرأة لا أحد لي ، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ، ثم جاءني بها ، فقال : احتطبي بهذا . فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق .
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ، ويوم الثلاثاء ، ويوم الأربعاء ، ويوم الخميس ، وأسس مسجده ، ثم [ ص: 490 ] أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة ، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك .
وقال عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، قال : وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشرة ليلة .
قلت : وقد تقدم فيما رواه البخاري ، من طريق الزهري ، عن عروة ، أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة .
وحكى موسى بن عقبة ، عن مجمع بن يزيد بن جارية ، أنه قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا - يعني في بني عمرو بن عوف بقباء - اثنتين وعشرين ليلة . وقال الواقدي : ويقال : أقام فيهم أربع عشرة ليلة .
قال ابن إسحاق : فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف ، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي; وادي رانوناء ، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ، فأتاه عتبان بن مالك ، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم ، فقالوا : يا رسول الله ، أقم عندنا في العدد والعدة [ ص: 491 ] والمنعة . قال : " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " . لناقته . فخلوا سبيلها . فانطلقت حتى إذا وازت دار بني بياضة ، تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة . قال : " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " . فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة ، اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة . قال : " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " . فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج ، اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة . قال : " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " . فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار - وهم أخواله دنيا ، أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن النجار ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلى أخوالك ، إلى العدد والعدة والمنعة . قال : " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " . فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده عليه السلام ، اليوم ، وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار ، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو ، وكانا في حجر معاذ ابن عفراء
[ ص: 492 ] قلت : وقد تقدم في رواية البخاري ، من طريق الزهري ، عن عروة ، أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم .
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله بن أبي ابن سلول وهو في بيت ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل ، وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم ، فقال عبد الله : انظر الذين دعوك فانزل عليهم . فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الأنصار ، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه : لقد من الله علينا بك يا رسول الله ، وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا .
قال موسى بن عقبة : وكانت الأنصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف ، فمشوا حول ناقته ، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيما له ، وكلما مر بدار من دور الأنصار دعوه إلى المنزل ، فيقول صلى الله عليه وسلم : " دعوها فإنها مأمورة ، فإنما أنزل حيث أنزلني الله " . فلما انتهت إلى دار أبي أيوب ، بركت به على الباب ، فنزل فدخل بيت أبي أيوب ، حتى ابتنى مسجده ومساكنه .
وقال ابن إسحاق : لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها ، حتى وثبت فسارت غير بعيد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا [ ص: 493 ] يثنيها به ، ثم التفتت خلفها ، فرجعت إلى مبركها أول مرة ، فبركت فيه ، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله ، فوضعه في بيته ، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد : " لمن هو ؟ " فقال له معاذ ابن عفراء : هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو ، وهما يتيمان لي ، وسأرضيهما منه ، فاتخذه مسجدا . فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب ، حتى بنى مسجده ومساكنه ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والأنصار ، وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله .
وقال البيهقي في " الدلائل " : وقال أبو عبد الله : أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ ، ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ، ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد ، ثنا إبراهيم بن صرمة ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها ، فقالوا : إلينا يا رسول الله . فقال : " دعوا الناقة فإنها مأمورة " . فبركت على باب أبي أيوب ، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن :
[ ص: 494 ]
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أتحبوني ؟ " فقالوا : إي والله يا رسول الله . فقال : " وأنا والله أحبكم ، وأنا والله أحبكم ، وأنا والله أحبكم " . هذا حديث غريب من هذا الوجه ، لم يروه أحد من أصحاب السنن ، وقد خرجه الحاكم في " مستدركه " كما ترى .
ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد ، ثنا عمر بن الحسن الحلبي ، حدثنا أبو خيثمة المصيصي ، ثنا عيسى بن يونس ، عن عوف الأعرابي ، عن ثمامة ، عن أنس ، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بحي من بني النجار ، وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن :
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعلم الله أن قلبي يحبكن " . ورواه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن عيسى بن يونس به .
وفي " صحيح البخاري " عن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، عن عبد [ ص: 495 ] العزيز ، عن أنس ، قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين - حسبت أنه قال : من عرس - فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا ، فقال : " اللهم ، أنتم من أحب الناس إلي " . قالها ثلاث مرار
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثني أبي ، حدثني عبد العزيز بن صهيب ، ثنا أنس بن مالك ، قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وهو مردف أبا بكر ، وأبو بكر شيخ يعرف ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف . قال : فيلقى الرجل أبا بكر ، فيقول : يا أبا بكر ، من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل . فيحسب الحاسب أنه إنما يهديه الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير . فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم ، فقال : يا نبي الله ، هذا فارس قد لحق بنا . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " اللهم اصرعه " . فصرعته فرسه ، ثم قامت تحمحم ، ثم قال : يا نبي الله ، مرني بما شئت . قال : " قف مكانك ، ولا تتركن أحدا يلحق بنا " . قال : فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان آخر النهار مسلحة له . قال : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة ، ثم بعث إلى الأنصار ، فجاءوا فسلموا عليهما ، وقالوا : اركبا آمنين مطمئنين . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 496 ] وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح ، فقيل في المدينة : جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فاستشرفوا نبي الله ينظرون إليه ويقولون : جاء نبي الله . قال : فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب . قال : فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم ، فعجل أن يضع الذي يخترف فيها ، فجاء وهي معه ، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله ، وقال نبي الله : " أي بيوت أهلنا أقرب ؟ " فقال أبو أيوب : أنا يا نبي الله ، هذه داري وهذا بابي . قال : " فانطلق فهيئ لنا مقيلا " . فذهب فهيأ لهما مقيلا ، ثم جاء فقال : يا رسول الله ، قد هيأت لكما مقيلا ، قوما على بركة الله فقيلا . فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام ، فقال : أشهد أنك نبي الله حقا ، وأنك جئت بحق ، ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم ، وأعلمهم وابن أعلمهم ، فادعهم فاسألهم . فدخلوا عليه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر اليهود ، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا ، وأني جئت بحق ، أسلموا " . فقالوا : ما نعلمه . ثلاثا وكذا رواه البخاري منفردا به ، عن محمد غير منسوب ، عن عبد الصمد به .
وقال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب : عن مرثد بن عبد الله اليزني ، عن أبي رهم السماعي ، حدثني أبو أيوب ، قال : لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 497 ] في بيتي نزل في السفل ، وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل ، فقال : " يا أبا أيوب ، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت " . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله ، وكنا فوقه في المسكن ، فلقد انكسر حب لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا - ما لنا لحاف غيرها - ننشف بها الماء; تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه ، قال : وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه ، فإذا رد علينا فضلة ، تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه ، نبتغي بذلك البركة ، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه ، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما ، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا . قال : فجئته فزعا ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، رددت عشاءك ، ولم أر فيه موضع يدك ؟ فقال : " إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة ، وأنا رجل أناجى ، فأما أنتم فكلوه " . قال : فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد . وكذلك رواه البيهقي ، من طريق الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الحسن - أو أبي الخير - مرثد بن عبد الله اليزني ، عن أبي رهم ، عن أبي أيوب ، فذكره . ورواه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد المؤدب ، عن الليث .
وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو عمرو الحيري ، [ ص: 498 ] ثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي ، ثنا أبو النعمان ، ثنا ثابت بن يزيد ، ثنا عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أفلح مولى أبي أيوب ، عن أبي أيوب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل ، وأبو أيوب في العلو ، فانتبه أبو أيوب ليلته ، فقال : نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنحوا فباتوا في جانب ، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم - يعني في ذلك - فقال : " السفل أرفق بنا " . فقال : لا أعلو سقيفة أنت تحتها ، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو ، وأبو أيوب في السفل ، فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ، فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه ، فيتتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصنع له طعاما فيه ثوم ، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : لم يأكل . ففزع وصعد إليه ، فقال : أحرام ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ، ولكني أكرهه " . قال : فإني أكره ما تكره - أو ما كرهت - قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى . يعني يأتيه الملك ورواه مسلم عن أحمد بن سعيد به .
وثبت في " الصحيحين " عن أنس بن مالك ، قال : جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر - وفي رواية : بقدر - فيه خضرات من بقول . قال : فسأل [ ص: 499 ] فأخبر بما فيها من البقول ، فلما رآه كره أكلها ، قال : " كل ، فإني أناجي من لا تناجي " .
وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة - لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب - أخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده .
وروى عن زيد بن ثابت أنه قال : أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها ، قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن ، فقلت : أرسلت بهذه القصعة أمي . فقال : " بارك الله فيك " . ودعا أصحابه فأكلوا ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم ، وما كانت من ليلة ، إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ، وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر . قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو نازل في دار أبي أيوب - مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ، ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجيئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسودة بنت زمعة زوجته ، وأسامة بن زيد ، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان ، وزينب عند زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع ، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة ، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ، وفيهم [ ص: 500 ] عائشة أم المؤمنين ، ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البيهقي : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا خلف بن عمرو العكبري ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا عطاف بن خالد ، ثنا صديق بن موسى ، عن عبد الله بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد ، فأتاه الناس فقالوا : يا رسول الله ، المنزل . فانبعثت به راحلته ، فقال : " دعوها فإنها مأمورة " . ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر ، فاستناخت ثم تخللت الناس ، وثم عريش كانوا يرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه ، فآوى إلى الظل ، فأتاه أبو أيوب فقال : يا رسول الله ، إن منزلي أقرب المنازل إليك ، فانقل رحلك إلي . قال : " نعم " . فذهب برحله إلى المنزل ، ثم أتاه رجل فقال : يا رسول الله ، أين تحل ؟ قال : " إن الرجل مع رحله حيث كان " . وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن علي بن [ ص: 501 ] عبد الله بن عباس ، رضي الله عنه ، أنه لما قدم أبو أيوب البصرة - وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه - فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها ، كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره ، وملكه كل ما أغلق عليه بابها ، ولما أراد الانصراف ، أعطاه ابن عباس عشرين الفا وأربعين عبدا . وقد صارت دار أبي أيوب بعده إلى مولاه أفلح ، فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار ، وصلح ما وهى من بنيانها ، ووهبها لأهل بيت فقراء من أهل المدينة .
وكذلك نزوله عليه السلام ، في دار بني النجار ، واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة لهم ، وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا ، كل دار محلة مستقلة بمساكنها ، ونخيلها ، وزروعها ، وأهلها كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم ، وهي كالقرى المتلاصقة ، فاختار الله لرسول الله دار بني مالك بن النجار .
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث شعبة ، سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن أبي أسيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير دور الأنصار بنو النجار ، ثم بنو عبد الأشهل ، ثم بنو الحارث بن [ ص: 502 ] الخزرج ، ثم بنو ساعدة ، وفي كل دور الأنصار خير " . فقال سعد بن عبادة : ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا . فقيل : قد فضلكم على كثير . هذا لفظ البخاري .
وكذلك رواه البخاري ومسلم ، من حديث أنس وأبي سلمة ، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة ، ومن حديث عباس بن سهل ، عن أبي حميد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله سواء . زاد في حديث أبي حميد : فقال : أبو أسيد لسعد بن عبادة : ألم تر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الأنصار فجعلنا آخرا ؟ فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا . قال : " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار ؟ " .
بل قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة - وهم الأنصار - الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة . قال الله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [ التوبة : 100 ] [ ص: 503 ] وقال تعالى والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [ الحشر : 9 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم ، الأنصار شعار والناس دثار " . وقال : " الأنصار كرشي وعيبتي " وقال : " أنا سلم لمن سالمهم ، وحرب لمن حاربهم " .
وقال البخاري : حدثنا حجاج بن منهال ، ثنا شعبة ، حدثني عدي بن ثابت ، قال : سمعت البراء بن عازب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق ، فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله " . وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به .
وقال البخاري أيضا : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا شعبة ، عن [ ص: 504 ] عبد الله بن عبد الله بن جبر ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار " . ورواه البخاري أيضا عن أبي الوليد الطيالسي ، ومسلم من حديث خالد بن الحارث ، وعبد الرحمن بن مهدي ، أربعتهم عن شعبة به .
والآيات والأحاديث في فضائل الأنصار كثيرة جدا ، وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس - المتقدم ذكره ، أحد شعراء الأنصار - في قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ونصرهم إياه ، ومواساتهم له ولأصحابه رضي الله عنهم أجمعين .
قال ابن إسحاق : وقال أبو قيس صرمة بن أبي أنس أيضا ، يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام ، وما خصهم به من رسوله عليه السلام :
ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنت به النوى وكان له عونا من الله باديا
[ ص: 505 ] يقص لنا ما قال نوح لقومه وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من الناس واحدا قريبا ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الأموال من حل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا ولو كان الحبيب المواسيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره وأن كتاب الله أصبح هاديا
أقول إذا صليت في كل بيعة حنانيك لا تظهر علينا الأعاديا
أقول إذا جاوزت أرضا مخيفة تباركت إسم الله أنت المواليا
فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة وإنك لا تبقي لنفسك باقيا
فوالله ما يدري الفتى كيف سعيه إذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولا تحفل النخل المعيمة ربها إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا
ذكرها ابن إسحاق وغيره : ورواها عبد الله بن الزبير الحميدي وغيره عن سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عجوز من الأنصار ، [ ص: 506 ] قالت : رأيت عبد الله بن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يروي هذه الأبيات . رواه البيهقي . = =========
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق