غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب==فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب==وفاة سعد بن معاذ ==مقتل أبي رافع== قصة عمرو بن العاص مع النجاشي بعد وقعة الخندق==
وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة " الأحزاب " فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا ( الأحزاب : 9 - 27 ) ، [ ص: 9 ] وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في " التفسير " ، ولله الحمد والمنة ، ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .
وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة . نص على ذلك ابن إسحاق ، وعروة بن الزبير ، وقتادة ، والبيهقي ، وغير واحد من العلماء ، سلفا وخلفا .
[ ص: 10 ] وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري ، أنه قال : ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع . وكذلك قال الإمام مالك بن أنس ، فيما رواه أحمد بن حنبل ، عن موسى بن داود ، عنه .
قال البيهقي : ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس . ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل ، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع ، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام ، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين ، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس . والله أعلم .
وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين ، ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث ، إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة التالية لسنة الهجرة ، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها ، كما حكاه البيهقي ، وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي ، وقد صرح بأن بدرا في الأولى ، وأحدا في سنة ثنتين ، وبدرا الموعد في شعبان سنة ثلاث ، والخندق في شوال سنة أربع . وهذا [ ص: 11 ] مخالف لقول الجمهور ؛ فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة . وعن مالك : من ربيع الأول سنة الهجرة . فصارت الأقوال ثلاثة . والله أعلم .
والصحيح قول الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث ، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة . والله أعلم .
فأما الحديث المتفق عليه في " الصحيحين " من طريق عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني . فقد أجاب عنها جماعة من العلماء ، منهم البيهقي بأنه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة ، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة .
قلت : ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه يوم الأحزاب ، كان قد استكمل خمس عشرة سنة ، التي يجاز لمثلها الغلمان ، فلا يبقى على هذا زيادة عليها . ولهذا لما بلغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال : إن هذا لفرق بين الصغير والكبير . ثم كتب به إلى الآفاق . واعتمد على ذلك جمهور [ ص: 12 ] العلماء . والله أعلم .
وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره :
قال ابن إسحاق : ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس ، فحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة ، ومن لا أتهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القرظي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا ، وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض ، قالوا : إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود - منهم : سلام بن أبي الحقيق النضري ، وحيي بن أخطب النضري ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل ، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم - خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إنا سنكون معكم عليه ، حتى نستأصله . فقالت لهم قريش : يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه . 5 فهم الذين أنزل الله فيهم : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا الآيات [ ص: 13 ] ( النساء 51 52 ) . فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له ، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان ، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه ، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، في بني فزارة ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، في بني مرة ، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع .
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر ، ضرب الخندق على المدينة . قال ابن هشام يقال إن الذي أشار [ ص: 14 ] به سلمان . قال الطبري والسهيلي : أول من حفر الخنادق منوشهر بن إيرج بن أفريدون ، وكان في زمن موسى عليه السلام .
قال ابن إسحاق : فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر ، وعمل فيه المسلمون ، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف ، ومنهم من ينسل خفية بغير إذنه ولا علمه ، عليه الصلاة والسلام . وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم
( النور : 62 64 ) قال ابن إسحاق : فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه ، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له : جعيل . سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا ، فقالوا فيما يقولون :
[ ص: 15 ]
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
وكانوا إذا قالوا عمرا . قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عمرا " وإذا قالوا : ظهرا . قال لهم : " ظهرا " . .
وقد قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا أبو إسحاق ، عن حميد ، سمعت أنسا ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق ، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم ، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال : " اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجره فقالوا مجيبين له :
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وفي " الصحيحين " من حديث شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس ، نحوه وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، وحميد ، عن أنس بنحوه .
[ ص: 16 ] وقال البخاري : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس قال : جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ، ويقولون :
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
قال : يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم : اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ، فبارك في الأنصار والمهاجره قال : يؤتون بملء كفي من الشعير ، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع ، وهي بشعة في الحلق ، ولها ريح منتن .
وقال البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، وهم يحفرون ، ونحن ننقل التراب على أكتادنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم لا عيش إلا [ ص: 17 ] عيش الآخره فاغفر للمهاجرين والأنصار ورواه مسلم ، عن القعنبي ، عن عبد العزيز ، به .
وقال البخاري : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه - أو اغبر بطنه - يقول :
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
ورفع بها صوته : " أبينا أبينا ورواه مسلم ، من حديث شعبة به .
ثم قال البخاري : حدثنا أحمد بن عثمان ، حدثنا شريح بن مسلمة ، حدثني إبراهيم بن يوسف ، حدثني أبي ، عن أبي إسحاق ، عن البراء يحدث قال : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأيته ينقل من [ ص: 18 ] تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة ، وهو ينقل من التراب يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد صوته بآخرها .
وقال البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخي ، حدثنا المسيب بن شريك ، عن زياد بن أبي زياد ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق وقال :
بسم الله وبه هدينا ولو عبدنا غيره شقينا يا حبذا ربا وحب دينا وهذا حديث غريب من هذا الوجه . [ ص: 19 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وهم يحفرون الخندق : " اللهم لا خير إلا خير الآخرة فأصلح الأنصار والمهاجرة " وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث غندر ، عن شعبة .
قال ابن إسحاق : وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني ، فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقيق نبوته ، عاين ذلك المسلمون ؛ فمن ذلك أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية ، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا بإناء من ماء ، فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضح الماء على تلك الكدية ، فيقول من حضرها : فوالذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه .
[ ص: 20 ] وقد قال البخاري ، رحمه الله : حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه قال : أتيت جابرا فقال : إنا يوم الخندق نحفر ، فعرضت كيدة شديدة ، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق . فقال : " أنا نازل " ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب ، فعاد كثيبا أهيل أو أهيم ، فقلت : يا رسول الله ائذن لي إلى البيت . فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق . فذبحت العناق ، وطحنت الشعير ، حتى جعلنا اللحم في البرمة ، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم ، والعجين قد انكسر ، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت : طعيم لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان . قال : " كم هو ؟ " فذكرت له ، فقال : " كثير طيب ، قل لها لا تنزع البرمة ولا [ ص: 21 ] الخبز من التنور حتى آتي " . فقال : " قوموا " فقام المهاجرون والأنصار ، فلما دخل على امرأته قال : ويحك ، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم . قالت : هل سألك ؟ قلت : نعم . فقال : " ادخلوا ولا تضاغطوا " فجعل يكسر الخبز ، ويجعل عليه اللحم ، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ، ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا ، وبقي بقية ، قال : " كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة تفرد به البخاري .
وقد رواه الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم ، عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم .
ورواه البيهقي في " الدلائل " عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر بقصة الكدية والطعام ، وطوله أتم من رواية البخاري ؛ قال فيه : لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعا : " قوموا إلى جابر " فقاموا ، قال : فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ، وقلت : جاء بالخلق على صاع من شعير وعناق! ودخلت على امرأتي أقول : افتضحت ؛ جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 22 ] بالخندق أجمعين . فقالت : هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت : نعم فقالت : الله ورسوله أعلم . قال : فكشفت عني غما شديدا . قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " خذي ودعيني من اللحم " . وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد ويغرف اللحم ، ثم يخمر هذا ويخمر هذا ، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلي وأهدي " فلم تزل تأكل وتهدي يومنا أجمع .
وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر ، به ، وأبسط أيضا ، وقال في آخره : وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال : ثلاثمائة . وقال يونس بن بكير ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، فذكر القصة بطولها في الطعام فقط ، وقال : وكانوا ثلاثمائة .
ثم قال البخاري : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان ، أخبرنا سعيد بن ميناء ، سمعت جابر بن عبد الله قال : لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا فانكفأت إلى امرأتي ، فقلت : هل عندك شيء ؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا . [ ص: 23 ] فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير ، ولنا بهيمة داجن فذبحتها ، وطحنت ، ففرغت إلى فراغي ، وقطعتها في برمتها ، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه . فجئته فساررته فقلت : يا رسول الله ، ذبحنا بهيمة لنا ، وطحنا صاعا من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك . فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا ، فحي هلا بكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تنزلن برمتكم ، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء " . فجئت ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس ، حتى جئت امرأتي فقالت : بك وبك . فقلت : قد فعلت الذي قلت . فأخرجت لنا عجينا ، فبصق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ، ثم قال : " ادع خبازة فلتخبز معك ، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها " . وهم ألف ، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر ، عن أبي عاصم ، به نحوه .
[ ص: 24 ] وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث ، وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه ، فقال : حدثني سعيد بن ميناء ، عن جابر بن عبد الله ، قال : عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، وكانت عندي شويهة غير جد سمينة ، قال : فقلت : والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير ، فصنعت لنا منه خبزا ، وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق ، قال : وكنا نعمل فيه نهارا ، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا . قال : فقلت : يا رسول الله ، إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير ، فأنا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي . قال : وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده قال : فلما أن قلت ذلك قال : " نعم " ثم أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله . قال : قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون . قال : فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل الناس معه ، فجلس وأخرجناها إليه . قال : فبرك وسمى الله تعالى ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس ، حتى صدر أهل الخندق عنها والعجب أن الإمام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عنه ، عن جابر مثله سواء .
قال محمد بن إسحاق : وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة [ ص: 25 ] لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت : دعتني أمي عمرة بنت رواحة ، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت : أي بنية ، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما . قالت : فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي فقال : " تعالي يا بنية ، ما هذا معك ؟ " . قالت : قلت : يا رسول الله ، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه . فقال : " هاتيه " . قالت : " فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ملأتهما ، ثم أمر بثوب فبسط له ، ثم دحا بالتمر عليه ، فتبدد فوق الثوب ، ثم قال لإنسان عنده : " اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء " . فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيد ، حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب هكذا رواه ابن إسحاق ، وفيه انقطاع ، وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ، ولم يزد .
قال ابن إسحاق وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال : ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي صخرة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني ، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي ، نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى . قال : ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى . قال : قلت : بأبي أنت [ ص: 26 ] وأمي يا رسول الله ، ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال : " أو قد رأيت ذلك يا سلمان ؟ " قال : قلت : نعم . قال : " أما الأولى ، فإن الله فتح علي بها اليمن ، وأما الثانية ، فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب ، وأما الثالثة ، فإن الله فتح علي بها المشرق قال البيهقي : وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في " مغازيه " وذكره أبو الأسود ، عن عروة .
ثم روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي ، وفي حديثه نظر ، لكن رواه ابن جرير في " تاريخه " عن محمد بن بشار بندار ، كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة ، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، فذكر حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا . قال : واحتق المهاجرون والأنصار في سلمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلمان منا أهل البيت " قال عمرو بن عوف : فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعا ، فحفرنا [ ص: 27 ] حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة ، فكسرت حديدنا وشقت علينا ، فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية ، فأخبره عنها ، فجاء فأخذ المعول من سلمان ، فضرب الصخرة ضربة فصدعها ، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعني المدينة - حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح ، وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فكذلك ، ثم الثالثة فكذلك وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألوه عن ذلك النور ، فقال : " لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى ، كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم ، كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا " . واستبشر المسلمون ، وقالوا : الحمد لله ، موعود صادق . قال : ولما طلعت الأحزاب قال المؤمنون : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما وقال المنافقون : يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم ، وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا ؟! فنزل فيهم : [ ص: 28 ] وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وهذا حديث غريب .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا هارون بن ملول ، حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا : يا رسول الله ، إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقمنا معه فلما أتاها أخذ المعول ، فضرب به ضربة وكبر ، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط ، فقال : " فتحت فارس " ثم ضرب أخرى فكبر ، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط ، فقال : " فتحت الروم " ثم ضرب أخرى فكبر ، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط ، فقال : " جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا وهذا أيضا غريب من هذا الوجه ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي فيه ضعف . فالله أعلم .
وقال الطبراني أيضا : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني سعيد بن محمد الجرمي ، حدثنا أبو تميلة ، حدثنا نعيم بن سعيد العبدي أن [ ص: 29 ] عكرمة حدث عن ابن عباس ، قال : احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع ، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ؟ " . قال رجل : نعم ، قال : " إما لا فتقدم فدلنا عليه " . فانطلقوا إلى بيت الرجل ، فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه ، فأرسلت امرأته أن جئ ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا . فجاء الرجل يسعى وقال : بأبي وأمي . وله معزة ومعها جديها ، فوثب إليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الجدي من ورائها " . فذبح الجدي ، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت ، فأدركت القدر ، فثردت قصعتها ، فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها ، وقال : " بسم الله ، اللهم بارك فيها ، اطعموا " . فأكلوا منها حتى صدروا ، ولم يأكلوا منها إلا ثلثها ، وبقي ثلثاها ، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه ، أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم . فذهبوا ، فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا ، ثم قام ودعا لربة البيت ، وسمت عليها وعلى أهل بيتها ، ثم مشوا إلى الخندق فقال : " اذهبوا بنا إلى سلمان " . وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوني فأكون أول من ضربها " فقال : " بسم الله " . فضربها فوقعت فلقة ثلثها ، فقال : " الله أكبر ، قصور الروم ورب الكعبة " . ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة ، فقال : " الله أكبر ، قصور فارس ورب [ ص: 30 ] الكعبة " ، فقال عندها المنافقون : نحن نخندق على أنفسنا ، وهو يعدنا قصور فارس والروم .
ثم قال الحافظ البيهقي : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا محمد بن غالب بن حرب ، حدثنا هوذة ، حدثنا عوف ، عن ميمون بن أستاذ الزهري ، حدثني البراء بن عازب الأنصاري ، قال : لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة ، لا تأخذ فيها المعاول ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآها أخذ المعول وقال : " بسم الله " وضرب ضربة فكسر ثلثها ، وقال : " الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله " . ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر ، فقال : " الله أكبر ، أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض " ثم ضرب الثالثة فقال : " بسم الله " . فقطع بقية الحجر ، فقال : " الله أكبر ، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة وهذا حديث غريب أيضا ، تفرد به ميمون بن أستاذ هذا ، وهو بصري روى عن البراء وعبد الله بن عمرو ، وعنه حميد الطويل والجريري وعوف الأعرابي ، قال أبو حاتم ، عن إسحاق بن منصور ، عن ابن معين : كان ثقة . وقال علي [ ص: 31 ] بن المديني : كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه .
وقال النسائي : حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا ضمرة ، عن أبي زرعة السيباني ، عن أبي سكينة - رجل من المحررين - عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ، ووضع رداءه ناحية الخندق ، وقال : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ( الأنعام : 115 ) فندر ثلث الحجر ، وسلمان الفارسي قائم ينظر ، فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة ثم ضرب الثانية ، وقال : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم فندر الثلث الآخر ، وبرقت برقة فرآها سلمان ، ثم ضرب الثالثة ، وقال : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم فندر الثلث الباقي ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس ، فقال سلمان : يا رسول الله ، رأيتك حين ضربت لا تضرب إلا كانت معها برقة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا سلمان ، رأيت ذلك ؟ " . قال : إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله . قال : " فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة ، حتى رأيتها بعيني " فقال له من حضره من أصحابه : يا رسول الله ، ادع الله أن [ ص: 32 ] يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ، ونخرب بأيدينا بلادهم ، فدعا بذلك ، قال : " ثم ضربت الضربة الثانية ، فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها ، حتى رأيتها بعيني " قالوا : يا رسول الله ، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ، ونخرب بأيدينا بلادهم . فدعا ، ثم قال : " ثم ضربت الضربة الثالثة ، فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى ، حتى رأيتها بعيني " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوا الحبشة ما ودعوكم ، واتركوا الترك ما تركوكم " هكذا رواه النسائي مطولا ، وإنما روى منه أبو داود : " دعوا الحبشة ما ودعوكم ، واتركوا الترك ما تركوكم " . عن عيسى بن محمد الرملي ، عن ضمرة بن ربيعة ، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني ، به .
ثم قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده : افتتحوا ما بدا لكم ، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة ، إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك . وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا ، وقد وصل من غير وجه ، ولله الحمد .
فقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا ليث ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : سمعت [ ص: 33 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض ، فوضعت في يدي وقد رواه البخاري منفردا به ، عن يحيى بن بكير ، وسعد بن عفير ، كلاهما عن الليث ، به ، وعنده ، قال أبو هريرة فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي " وهذا إسناد جيد قوي على شرط مسلم ولم يخرجوه . وفي " الصحيحين " : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وفي الحديث الصحيح : ( إن الله زوى لي الأرض ؛ مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) .============== فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب
وكيف صرفهم الله تعالى ، بحوله وقوته ؛ استجابة لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وصيانة لحوزته الشريفة ، فزلزل قلوبهم ، ثم أرسل عليهم الريح الشديدة ؛ فزلزل أبدانهم .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا الزبير - يعني ابن عبد الله - ، حدثنا ربيح بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه قال : قلنا يوم الخندق : يا رسول الله هل من شيء نقوله ؟ فقد بلغت القلوب الحناجر . قال : " نعم ، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا " قال : فضرب الله وجوه أعدائه بالريح ، فهزمهم الله بالريح . وقد رواه ابن أبي حاتم في " تفسيره " عن أبيه ، عن أبي عامر ، وهو العقدي ، عن الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان ، عن ربيح بن [ ص: 58 ] عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي سعيد فذكره ، وهذا هو الصواب
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، عن ابن أبي ذئب ، عن رجل من بني سلمة ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الأحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ، ولم يصل . قال : ثم جاء ودعا عليهم وصلى
وثبت في " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال : " اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم " وفي رواية : " اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم " .
وروى البخاري ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لا إله إلا الله وحده ، أعز جنده ، ونصر عبده ، وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده " .
وقال ابن إسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ما وصف الله من الخوف والشدة ؛ لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل [ ص: 59 ] منهم . قال : ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة " . فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال : يا بني قريظة ، قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا : صدقت ، لست عندنا بمتهم . فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ؛ ثقة لكم على أن تقاتلوا معهممحمدا حتى تناجزوه . قالوا : لقد أشرت بالرأي . ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه ؛ نصحا لكم ، فاكتموا عني . قالوا : نفعل . قال : تعلموا أن معشر [ ص: 60 ] يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم ، فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم ؟ فأرسل إليهم أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم ، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا . ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال : يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ، ولا أراكم تتهموني ، قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم . قال : فاكتموا عني . قالوا : نفعل . ثم قال لهم مثل ما قال لقريش ، وحذرهم ما حذرهم ، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صنع الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقال لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه . فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ؛ ثقة لنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى [ ص: 61 ] إن ضرستكم الحرب ، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلادنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان : والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق . فأرسلوا إلى بني قريظة : إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا . فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا : إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم . فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم ، وخذل الله بينهم ، وبعث الله الريح في ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم .
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة وقد أورده عنه البيهقي في " الدلائل " . فإنه ذكر ما حاصله أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث فاتفق أنه مر برسول الله [ ص: 62 ] صلى الله عليه وسلم ذات يوم عشاء ، فأشار إليه أن تعال ، فجاء فقال : " ما وراءك ؟ " فقال : إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك ، فقالت بنو قريظة : نعم ، فأرسلوا إلينا بالرهن . وقد ذكر كما تقدم أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب ، بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة ، قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني مسر إليك شيئا فلا تذكره " . قال : " إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم " . فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحرب خدعة ، وعسى أن يصنع الله لنا " . فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم ، فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه ، واتفق ذلك ليلة السبت ، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت ، ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة ، فأوقع الله بينهم واختلفوا .
قلت : وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون منه الصلح على أن يرد بني النضير إلى المدينة . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم ، وما فرق الله من جماعتهم ، دعا حذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا .
[ ص: 63 ] قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال : نعم يا ابن أخي . قال : فكيف كنتم تصنعون ؟ قال : والله لقد كنا نجتهد . قال : والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا . قال : فقال حذيفة : يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال : " من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع " فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة " - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة " - فما قام رجل من القوم ؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد ، فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ، فقال : " يا حذيفة ، اذهب فادخل في القوم ، فانظر ماذا يفعلون ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا " . قال : فذهبت فدخلت في القوم ، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه . قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت : من أنت ؟ قال : فلان ابن فلان . ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا [ ص: 64 ] بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ؛ ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا ، فإني مرتحل . ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم ، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي : " لا تحدث شيئا حتى تأتيني " ثم شئت ؛ لقتلته بسهم قال حذيفة : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مراجل ، فلما رآني أدخلني إلى رجليه ، وطرح علي طرف المرط ، ثم ركع وسجد وإني لفيه ، فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم وهذا منقطع من هذا الوجه .
وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في " صحيحه " من حديث الأعمش ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبيه قال : كنا عند حذيفة فقال له رجل : لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت . فقال له حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة ؟ " فلم يجبه منا أحد ثم الثانية ثم الثالثة مثله ، ثم قال : " يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم " . فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن [ ص: 65 ] أقوم ، فقال : " ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي " . قال : فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم ، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه ، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تذعرهم علي " . ولو رميته لأصبته ، فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني البرد حين رجعت وقررت ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى الصبح ، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم يا نومان .
وقد روى الحاكم والحافظ البيهقي في " الدلائل " هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، عن عبد العزيز بن أخي حذيفة قال : ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه : أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا . فقال حذيفة : لا تمنوا [ ص: 66 ] ذلك ، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل منا ، نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها ، في أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه ، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : إن بيوتنا عورة . وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، ويأذن لهم ويتسللون ، ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا ، حتى أتى علي ، وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي . قال : فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : " من هذا ؟ " فقلت : حذيفة . فقال : " حذيفة ! " فتقاصرت بالأرض ، فقلت : بلى يا رسول الله . كراهية أن أقوم . قال : " قم " . فقمت ، فقال : " إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم " قال : وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا . قال : فخرجت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته " قال : فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي ، فما أجد فيه شيئا . قال : فلما وليت قال : " يا حذيفة ، لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني " . قال : فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد ، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ، ويمسح خاصرته [ ص: 67 ] ويقول : الرحيل الرحيل . ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك ، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش ، فأضعه على كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني " فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي ، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر ، يقولون : يا آل عامر ، الرحيل الرحيل ، لا مقام لكم . وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا ، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم ، الريح تضربهم بها ، ثم خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت بي الطريق أو نحو من ذلك ، إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين ، فقالوا : أخبر صاحبك أن الله قد كفاه قال : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلي ، فوالله ما عدا أن رجعت ؛ راجعني القر وجعلت أقرقف ، فأومأ إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، وهو يصلي ، فدنوت منه فأسبل علي شملته ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ، فأخبرته خبر القوم ؛ أخبرته أني تركتهم يرحلون . قال : وأنزل الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا يعني الآيات كلها إلى قوله : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ( الأحزاب : 9 - 25 ) . أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التي بعثها الله إليهم وكفى الله المؤمنين القتال أي ؛ لم [ ص: 68 ] يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم ، بل صرف القوي العزيز بحوله وقوته .
لهذا ثبت في " الصحيحين " عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده " . وفي قوله وكفى الله المؤمنين القتال إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبينهم . وهكذا وقع ، ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين كما قال محمد بن إسحاق ، رحمه الله : فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم " قال : فلم تغزهم قريش بعد ذلك وكان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة . وهذا بلاغ من ابن إسحاق
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني أبو إسحاق ، سمعت سليمان بن صرد رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الآن نغزوهم ولا يغزونا " وهكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل وسفيان الثوري كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي ، عن سليمان بن صرد ، به .
[ ص: 69 ] قال ابن إسحاق : واستشهد من المسلمين يوم الخندق ستة ؛ ثلاثة من بني عبد الأشهل ، وهم سعد بن معاذ - وستأتي وفاته مبسوطة - وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو ، وعبد الله بن سهل ، والطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان ، وكعب بن زيد النجاري ، أصابه سهم غرب فقتله . قال : وقتل من المشركين ثلاثة ، وهم : منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار ، أصابه سهم فمات منه بمكة ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة ؛ اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك ، وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم ، وعمرو بن عبد ود العامري ، قتله علي بن أبي طالب
قال ابن هشام : وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري ، أنه قال : قتل علي يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو . قال ابن هشام : يقال : عمرو بن عبد ود . ويقال : عمرو بن عبد . ==============وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه
قد تقدم أن حبان بن العرقة ، لعنه الله ، رماه بسهم فأصاب أكحله ، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيا بالنار ، فاستمسك الجرح ، وكان سعد قد دعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهود والمواثيق والذمام ، ومالوا عليه مع الأحزاب ، فلما ذهب الأحزاب وانقشعوا عن المدينة وباءت بنو قريظة بسواد الوجه والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاصرهم ، كما تقدم ، فلما ضيق عليهم وأخذهم من كل جانب أنابوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم فيهم بما أراه الله ، فرد الحكم فيهم إلى رئيس الأوس ، وكانوا حلفاءهم في الجاهلية ، وهو سعد بن معاذ ، فرضوا بذلك ، ويقال : بل نزلوا ابتداء على حكم سعد ؛ لما يرجون من حنوه عليهم وإحسانه وميله إليهم ، ولم يعلموا بأنهم أبغض إليه من أعدادهم من القردة والخنازير ؛ لشدة إيمانه وصديقيته ، رضي الله عنه وأرضاه ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في خيمة في المسجد النبوي ، فجيء به على حمار [ ص: 99 ] تحته إكاف قد وطئ تحته لمرضه ، ولما قارب خيمة الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عليه السلام من هناك بالقيام له ، قيل : لينزل من شدة مرضه . وقيل : توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم ؛ ليكون أبلغ في نفوذ حكمه . والله أعلم . فلما حكم فيهم بالقتل والسبي وأقر الله عينه وشفى صدره منهم وعاد إلى خيمته من المسجد النبوي صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعا الله عز وجل أن تكون له شهادة ، واختار الله له ما عنده ، فانفجر جرحه من الليل ، فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق ، فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه ، فمات منه شهيدا ، حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي قال : حدثني من شئت من رجال قومي أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل ، معتجرا بعمامة من إستبرق ، فقال : يا محمد ، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش ؟ قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد فوجده قد مات رضي الله عنه . هكذا ذكره ابن إسحاق رحمه الله .
وقد قال الحافظ البيهقي في " الدلائل " : حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبي ، وشعيب بن الليث قالا : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن [ ص: 100 ] الهاد ، عن معاذ بن رفاعة ، عن جابر بن عبد الله قال : جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من هذا العبد الصالح الذي مات ففتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش ؟ قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سعد بن معاذ قال : فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره وهو يدفن ، فبينما هو جالس إذ قال : " سبحان الله " مرتين . فسبح القوم . ثم قال : " الله أكبر الله أكبر " فكبر القوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجبت لهذا العبد الصالح ، شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له .
وروى الإمام أحمد والنسائي من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، ويحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لسعد يوم مات وهو يدفن : " سبحان الله لهذا العبد الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن ، وفتحت له أبواب السماء ، شدد عليه ، ثم فرج الله عنه .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني معاذ بن رفاعة ، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح ، عن جابر بن عبد الله قال : لما دفن سعد ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسبح الناس معه ، ثم كبر فكبر الناس معه ، فقالوا : يا رسول الله ، مم سبحت ؟ قال : " لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عنه وهكذا رواه الإمام أحمد ، [ ص: 101 ] عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، به .
قال ابن هشام : ومجاز هذا الحديث قول عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن للقبر ضمة ، لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ .
قلت : وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها لنجا سعد بن معاذ وهذا الحديث سنده على شرط " الصحيحين " إلا أن الإمام أحمد رواه عن غندر ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن إنسان ، عن عائشة ، به .
وقد رواه الحافظ البزار ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : حدثنا عبد الأعلى [ ص: 102 ] بن حماد ، حدثنا داود ، عن عبد الرحمن ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف ملك إلى الأرض لم يهبطوا قبل ذلك ولقد ضمه القبر ضمة قال : ثم بكى نافع . وهذا إسناد جيد لكن قال البزار : رواه غيره ، عن عبيد الله ، عن نافع مرسلا .
ثم رواه البزار ، عن سليمان بن سيف ، عن أبي عتاب ، عن مسكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبلها وقال حين دفن : سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد .
قال البزار : حدثنا إسماعيل بن حفص ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا عطاء بن السائب ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : اهتز العرش لحب لقاء الله سعد بن معاذ . قال : فقال : إنما يعني السرير . [ ص: 103 ] ورفع أبويه على العرش ( يوسف : 1 ) قال : تفسخت أعواده . قال : ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبره فاحتبس ، فلما خرج قيل له : يا رسول الله ، ما حبسك ؟ قال : " ضم سعد في القبر ضمة ، فدعوت الله فكشف عنه قال البزار : تفرد به عطاء بن السائب . قلت : وهو متكلم فيه .
وقد ذكر البيهقي رحمه الله بعد روايته ضمة سعد رضي الله عنه في القبر ، أثرا غريبا فقال : حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق ، حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد : ما بلغكم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ فقالوا : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : " كان يقصر في بعض الطهور من البول "
وقال البخاري : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا الفضل بن مساور ، حدثنا أبو عوانة عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : سمعت النبي [ ص: 104 ] صلى الله عليه وسلم يقول : " اهتز العرش لموت سعد بن معاذ وعن الأعمش ، حدثنا أبو صالح ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، فقال رجل لجابر : فإن البراء بن عازب يقول : اهتز السرير . فقال : إنه كان بين هذين الحيين ضغائن ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ورواه مسلم ، عن عمرو الناقد ، عن عبد الله بن إدريس ، وابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن أبي معاوية ، كلاهما عن الأعمش ، به . وليس عندهما زيادة قول الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر .
وقال أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم : اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم ، عن عبد بن حميد والترمذي ، عن محمود بن غيلان ، كلاهما عن عبد الرزاق ، به .
[ ص: 105 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عوف ، حدثنا أبو نضرة ، سمعت أبا سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ ورواه النسائي ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن يحيى ، به .
وقال أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، قال قتادة : حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وجنازته موضوعة - : اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم ، عن محمد بن عبد الله الرزي ، عن عبد الوهاب ، به
وقد روى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحسن البصري قال : اهتز عرش الرحمن فرحا بروحه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا زهير بن محمد ، حدثنا [ ص: 106 ] عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : لما حملت جنازة سعد قال المنافقون : ما أخف جنازته . وذلك لحكمه في بني قريظة ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا ، ولكن الملائكة كانت تحمله إسناد جيد .
فائدة : قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : حديث اهتزاز العرش ثابت متواتر . قال السهيلي : رواه جماعة من الصحابة ؛ منهم جابر ، وأبو سعيد ، وأسيد بن حضير ، ورميثة بنت عمرو . قال : وهو محمول على الحقيقة ؛ لأن العرش لا يمتنع عليه الحركة والاهتزاز . قال : وما روي عن مالك من تضعيفه لهذا الحديث ، وتوهينه للتحدث به ، فلعله لم يصح عنه ذلك ، والله أعلم .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب يقول : أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير ، فجعل أصحابه يمسونها ، ويعجبون من لينها ، فقال : " أتعجبون من لين هذه ، لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين " ثم قال : رواه قتادة والزهري ، سمعنا أنسا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 107 ] .
وقال أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، هو ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة ، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها ، فعجب الناس منها ، فقال : والذي نفسي بيده ، لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه وهذا إسناد على شرط الشيخين ، ولم يخرجوه ، وإنما ذكره البخاري تعليقا .
وقال أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا محمد بن عمرو ، حدثني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ - قال محمد وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم - قال : دخلت على أنس بن مالك فقال لي : من أنت ؟ قلت : أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ . فقال : إنك بسعد لشبيه . ثم بكى وأكثر البكاء ، وقال : رحمة الله على سعد ، كان من أعظم الناس وأطولهم . ثم قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى أكيدر دومة ، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة من ديباج ، منسوج فيها الذهب ، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام على المنبر أو جلس فلم يتكلم ، ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجبة ، وينظرون إليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتعجبون منها ، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون " وهكذا رواه الترمذي والنسائي من [ ص: 108 ] حديث محمد بن عمرو به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
قال ابن إسحاق ، : بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ وفي ذلك يقول رجل من الأنصار :
وما اهتز عرش الله من موت هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
قال : وقالت أمه - يعني كبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدرية الخزرجية - حين احتمل سعد على نعشه تندبه :
ويل ام سعد سعدا صرامة وحدا
وسؤددا ومجدا وفارسا معدا
سد به مسدا يقد هاما قدا
قال : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ .
قلت : كانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة ، وكان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم ، فأقاموا قريبا من [ ص: 109 ] شهر ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحصار بني قريظة فأقام عليهم خمسا وعشرين ليلة ، ثم نزلوا على حكم سعد ، فمات بعد حكمه عليهم بقليل ، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس . والله أعلم وهكذا قال محمد بن إسحاق : إن فتح بني قريظة كان في ذي القعدة وصدر ذي الحجة . قال : وولي تلك الحجة المشركون .
قال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت يرثي سعد بن معاذ رضي الله عنه :
لقد سجمت من دمع عيني عبرة وحق لعيني أن تفيض على سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به عيون ذواري الدمع دائمة الوجد
على ملة الرحمن وارث جنة مع الشهداء وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودعتنا وتركتنا وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد
[ ص: 110 ] فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد كريم وأثواب المكارم والحمد
بحكمك في حيي قريظة بالذي قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا إلى الله يوما للوجاهة والقصد =================مقتل أبي رافع
عبد الله - ويقال : سلام - بن أبي الحقيق اليهودي ، لعنه الله ، وكان في قصر له في أرض خيبر وكان تاجرا مشهورا بأرض الحجاز .
قال ابن إسحاق : ولما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة ، وكان سلام بن أبي الحقيق - وهو أبو رافع - فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف ، فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر ، فأذن لهم .
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، قال : وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار ؛ الأوس والخزرج ، كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين ، لا تصنع الأوس شيئا فيه غناء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قالت الخزرج : والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام . فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها ، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس [ ص: 128 ] مثل ذلك . قال : ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت الخزرج : والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا . قال : فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف ، فذكروا ابن أبي الحقيق ، وهو بخيبر ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ، فأذن لهم ، فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر ، عبد الله بن عتيك ، ومسعود بن سنان ، وعبد الله بن أنيس ، وأبو قتادة الحارث بن ربعي ، وخزاعي بن أسود ، حليف لهم من أسلم ، فخرجوا ، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة ، فخرجوا ، حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا ، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله . قال : وكان في علية ، له إليها عجلة . قال : فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه ، فاستأذنوا ، فخرجت إليهم امرأته فقالت : من أنتم ؟ قالوا : أناس من العرب نلتمس الميرة . قالت : ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه . قال : فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة ؛ تخوفا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه . قال : فصاحت امرأته ، فنوهت بنا ، فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا ، فوالله [ ص: 129 ] ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه ، كأنه قبطية ملقاة . قال : فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ، ثم يذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده ، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل . قال : فلما ضربناه بأسيافنا ، تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول : قطني قطني . أي حسبي حسبي . قال : وخرجنا ، وكان عبد الله بن عتيك رجلا سيئ البصر . قال : فوقع من الدرجة ، فوثئت يده وثئا شديدا ، وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه ، فأوقدوا النيران ، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي . قال : فقلنا : كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ قال : فقال رجل منا : أنا أذهب فأنظر لكم . فانطلق حتى دخل في الناس ، قال : فوجدتها - يعني امرأته - ورجال يهود حوله ، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول : أما ، سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي و قلت : أنى ابن عتيك بهذه البلاد ؟ ثم أكبت عليه تنظر في وجهه ، فقالت : فاظ وإله [ ص: 130 ] يهود . فما سمعت كلمة كانت ألذ على نفسي منها . قال : ثم جاءنا فأخبرنا الخبر ، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرناه بقتل عدو الله ، واختلفنا عنده في قتله ، كلنا يدعيه . قال : فقال : " هاتوا أسيافكم " فجئنا بها ، فنظر إليها ، فقال لسيف عبد الله بن أنيس : " هذا قتله ، أرى فيه أثر الطعام " قال ابن إسحاق : فقال حسان بن ثابت في ذلك :
لله در عصابة لاقيتهم يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم
مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم
فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم
مستصغرين لكل أمر مجحف
هكذا أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق ، رحمه الله .
وقد قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثنا إسحاق بن نصر ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله .
قال البخاري : حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، [ ص: 131 ] عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار ، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك ، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعين عليه ، وكان في حصن له بأرض الحجاز ، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم ، قال عبد الله لأصحابه : اجلسوا مكانكم ، فإني منطلق ومتلطف للبواب ؛ لعلي أن أدخل . فأقبل حتى دنا من الباب ، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته ، وقد دخل الناس ، فهتف به البواب : يا عبد الله ، إن كنت تريد أن تدخل فادخل ، فإني أريد أن أغلق الباب . فدخلت فكمنت ، فلما دخل الناس أغلق الباب ، ثم علق الأغاليق على ود . قال : فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب ، وكان أبو رافع يسمر عنده ، وكان في علالي له ، فلما ذهب عنه أهل سمره ، صعدت إليه ، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل ، فقلت : إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله . فانتهيت إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله ، لا أدري أين هو من البيت ، قلت : أبا رافع . قال : من هذا ؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش ، فما أغنيت شيئا ، وصاح فخرجت من البيت ، فأمكث غير بعيد ، ثم دخلت إليه فقلت : [ ص: 132 ] ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ فقال : لأمك الويل ، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف . قال : فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ، ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه ، حتى أخذ في ظهره ، فعرفت أني قتلته ، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي ، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض ، فوقعت في ليلة مقمرة ، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ، حتى انطلقت حتى جلست على الباب ، فقلت : لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته . فلما صاح الديك ، قام الناعي على السور فقال : أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز . فانطلقت إلى أصحابي ، فقلت : النجاء ، فقد قتل الله أبا رافع . فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال لي : " ابسط رجلك " فبسطت رجلي فمسحها ، فكأنما لم أشتكها قط .
ثم قال البخاري ، حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ، حدثنا شريح ، حدثنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، سمعت البراء قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم ، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله بن عتيك امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر ، قال : فتلطفت حتى أدخل الحصن ، ففقدوا [ ص: 133 ] حمارا لهم ، فخرجوا بقبس يطلبونه . قال : فخشيت أن أعرف . قال : فغطيت رأسي ، وجلست كأني أقضي حاجة ، فقال البواب : من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه . فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن ، فتعشوا عند أبي رافع ، وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل ، ثم رجعوا إلى بيوتهم ، فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة ، خرجت ، قال : ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة ، فأخذته ففتحت به باب الحصن . قال : قلت : إن نذر بي القوم انطلقت على مهل ، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر ، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم ، فإذا البيت مظلم ، قد طفئ سراجه ، فلم أدر أين الرجل ؟ فقلت : يا أبا رافع ، قال : من هذا ؟ قال : فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح ، فلم تغن شيئا . قال : ثم جئت كأني أغيثه ، فقلت : ما لك يا أبا رافع ؟ وغيرت صوتي . قال : ألا أعجبك ، لأمك الويل ، دخل علي رجل فضربني بالسيف . قال : فعمدت إليه أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا ، فصاح وقام أهله ، ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث ، فإذا هو مستلق على ظهره ، فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ عليه ، حتى سمعت صوت العظم ، ثم خرجت دهشا ، حتى أتيت السلم أريد أن أنزل ، فأسقط منه ، فانخلعت رجلي ، فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل ، فقلت : انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية . فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال : أنعى [ ص: 134 ] أبا رافع . قال : فقمت أمشي ما بي قلبة ، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشرته . تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة .
قلت : يحتمل أن عبد الله بن عتيك لما سقط من تلك الدرجة ، انفكت قدمه ، وانكسرت ساقه ، ووثئت رجله ويده ، فلما عصبها استكن ما به ؛ لما هو فيه من الأمر الباهر ، ولما أراد المشي أعين على ذلك ؛ لما هو فيه من الجهاد النافع ، ثم وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقرت نفسه ، ثاوره الوجع في رجله ، فلما بسط رجله ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذهب ما كان بها من بأس في الماضي ، ولم يبق بها وجع يتوقع حصوله في المستقبل ، جمعا بين هذه الرواية والتي تقدمت . والله أعلم . هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في " مغازيه " مثل سياق محمد بن إسحاق ، وسمى الجماعة الذين ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق
ثم قال : قال الزهري : قال ابن كعب : فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 135 ] وهو على المنبر فقال : " أفلحت الوجوه " . قالوا : أفلح وجهك يا رسول الله . قال : " أقتلتموه ؟ " . قالوا : نعم . قال : " ناولني السيف " . فسله فقال : " أجل هذا طعامه في ذباب السيف ======================قصة عمرو بن العاص مع النجاشي بعد وقعة الخندق ، وإسلامه على يديه
قال محمد بن إسحاق ، بعد مقتل أبي رافع : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي ، عن حبيب بن أبي أوس ، حدثني عمرو بن العاص ، من فيه ، قال : لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق ، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، فقلت لهم : تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا ، وإني قد رأيت أمرا ، فما ترون فيه ؟ قالوا : وما رأيت ؟ قال : رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي ، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا ، فلن يأتينا منهم إلا خير قالوا : إن هذا لرأي . قلت : فاجمعوا لنا ما نهدي له . وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا له أدما كثيرا ، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه ، فوالله إنا لعنده ، إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه . قال : فدخل عليه ثم خرج من عنده . قال : فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، لو [ ص: 141 ] قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد . قال : فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع . فقال : مرحبا بصديقي ، هل أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال : قلت : نعم أيها الملك ، قد أهديت لك أدما كثيرا . قال : ثم قربته إليه ، فأعجبه واشتهاه ، ثم قلت له : أيها الملك ، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا ، فأعطنيه لأقتله ؛ فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا . قال : فغضب ثم مد يده ، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا منه . ثم قلت له : أيها الملك ، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه . قال : أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟! قال : قلت : أيها الملك ، أكذاك هو ؟ قال : ويحك يا عمرو ! أطعني واتبعه ، فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده . قال : قلت : أفتبايعني له على الإسلام ؟ قال : نعم فبسط يده فبايعته على الإسلام ، ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه ، وكتمت أصحابي إسلامي ، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم ، فلقيت خالد بن الوليد ، وذلك قبيل الفتح ، وهو مقبل من مكة فقلت : أين أبا سليمان ؟ فقال : والله لقد استقام الميسم ، وإن الرجل لنبي ، [ ص: 142 ] أذهب والله فأسلم ، فحتى متى ؟ قال : قلت : والله ما جئت إلا لأسلم . قال : فقدمنا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ، ثم دنوت فقلت : يا رسول الله ، إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ، ولا أذكر ما تأخر . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عمرو ، بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها " قال : فبايعته ثم انصرفت .
قال ابن إسحاق : وقد حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما ، أسلم حين أسلما ، فقال عبد الله بن أبي الزبعرى السهمي :
أنشد عثمان بن طلحة حلفنا وملقى نعال القوم عند المقبل وما عقد الآباء من كل حلفة
وما خالد من مثلها بمحلل أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي
وما تبتغي من بيت مجد مؤثل فلا تأمنن خالدا بعد هذه
وعثمان جاءا بالدهيم المعضل
قلت : كان إسلامهم بعد الحديبية ، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ [ ص: 143 ] في خيل المشركين ، كما سيأتي بيانه ، فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب ، ولكن ذكرنا ذلك تبعا للإمام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى ؛ لأن أول ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشي كان بعد وقعة الخندق ، والظاهر أنه ذهب في بقية سنة خمس . والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق