السبت، 21 نوفمبر 2015

مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله

ذكر فرح النجاشي رضي الله عنه بوقعة بدر=

 

فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة

فصل في بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم

=====

 

  

فصل في ما نزل من القرآن في قصة بدر

فصل في تسمية من شهد بدرا من المسلمين

  

 فصل في جملة من شهد بدرا من المسلمين

  

فصل في قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرة بعد وقعة بدر

فصل فيما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى

  

فصل أشعار من جهة المشركين يرثون بها قتلاهم يوم بدر=====مقتل النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، لعنهما الله

قال ابن إسحاق : حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث ، قتله علي بن أبي طالب ، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة ، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط .

قال ابن إسحاق : فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله : فمن للصبية يا محمد ؟ قال : النار . وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف ، كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر . وكذا قال موسى بن عقبة في " مغازيه " ، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الأسارى أسيرا غيره . قال : ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت ، قال : يا معشر قريش ، علام أقتل من بين من هاهنا ؟ قال : على عداوتك الله ورسوله .

وقال حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن الشعبي ، قال : لما أمر [ ص: 189 ] النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة ، قال : أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟ قال : نعم ! أتدرون ما صنع هذا بي ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها ، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران ، وجاء مرة أخرى بسلى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد ، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي . قال ابن هشام : ويقال : بل قتل عقبة علي بن أبي طالب ، فيما ذكره الزهري وغيره من أهل العلم .

قلت : كان هذان الرجلان من شر عباد الله ، وأكثرهم كفرا ، وعنادا ، وبغيا ، وحسدا ، وهجاء للإسلام وأهله ، لعنهما الله ، وقد فعل .

قال ابن هشام : فقالت قتيلة بنت الحارث ، أخت النضر بن الحارث في مقتل أخيها :

يا راكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق     أبلغ بها ميتا بأن تحية

ما إن تزال بها النجائب تخفق     مني إليك وعبرة مسفوحة

جادت بواكفها وأخرى تخنق [ ص: 190 ]     هل يسمعن النضر إن ناديته

أم كيف يسمع ميت لا ينطق     أمحمد يا خير ضنء كريمة

من قومها والفحل فحل معرق     ما كان ضرك لو مننت وربما

من الفتى وهو المغيظ المحنق     أو كنت قابل فدية فلينفقن

بأعز ما يغلو به ما ينفق     والنضر أقرب من أسرت قرابة

وأحقهم إن كان عتق يعتق     ظلت سيوف بني أبيه تنوشه

لله أرحام هنالك تشقق     صبرا يقاد إلى المنية متعبا

رسف المقيد وهو عان موثق

قال ابن هشام : ويقال ، والله أعلم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال : لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه .

قال ابن إسحاق : وقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الموضع أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي حجامه ، عليه الصلاة والسلام ، ومعه زق مملوء حيسا وهو التمر والسويق بالسمن - هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منه ، ووصى به الأنصار .

قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل [ ص: 191 ] الأسارى بيوم .

قال ابن إسحاق : وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه ، وقال : استوصوا بهم خيرا . قال : وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه ، في الأسارى ، قال أبو عزيز : مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال : شد يديك به ، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك . قال أبو عزيز : فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر ، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر ، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها ، فأستحي فأردها فيردها علي ما يمسها .

قال ابن هشام : وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث ، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر ، وهو الذي أسره ، ما قال ، قال له أبو عزيز : يا أخي ، هذه وصايتك بي ؟ فقال له مصعب : إنه أخي دونك . فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي ، فقيل لها : أربعة آلاف درهم . فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها . [ ص: 192 ]

قلت : وأبو عزيز هذا اسمه زرارة ، فيما قاله ابن الأثير في " غابة الصحابة " ، وعده خليفة بن خياط في أسماء الصحابة . وكان أخا مصعب بن عمير لأبويه ، وكان لهما أخ آخر لأبويهما ، وهو أبو الروم بن عمير ، وقد غلط من جعله قتل يوم أحد كافرا ، ذاك أبو عزة ، كما سيأتي في موضعه . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، قال : قدم بالأسارى حين قدم بهم ، وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء . قال : وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب . قال : تقول سودة : والله إني لعندهم إذ أتينا ، فقيل : هؤلاء الأسارى قد أتي بهم . قالت فرجعت إلى بيتي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل . قالت : فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت : أي أبا يزيد ، أعطيتم بأيديكم ، ألا متم كراما ؟ فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة ، أعلى الله وعلى رسوله تحرضين ؟ قالت : قلت : يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت [ ص: 193 ] ما قلت . ثم كان من قصة الأسارى بالمدينة ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من كيفية فدائهم وكميته ، إن شاء الله ======فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة

قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي ، فقالوا له : ما وراءك ؟ قال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام . فلما جعل يعدد أشراف قريش ، قال صفوان بن أمية : والله إن يعقل هذا ، فسلوه عني . فقالوا : ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال : هو ذاك جالسا في الحجر ، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا .

قال موسى بن عقبة : ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهن ، وعقرت خيول كثيرة ورواحل .

وذكر السهيلي عن كتاب " الدلائل " لقاسم بن ثابت أنه قال : لما كانت وقعة بدر سمع أهل مكة هاتفا من الجن يقول : [ ص: 197 ]

أزار الحنيفيون بدرا وقيعة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا     أبادت رجالا من لؤي وأبرزت

خرائد يضربن الترائب حسرا     فيا ويح من أمسى عدو محمد

لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا

قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أم الفضل ، وأسلمت ، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم ، وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه ، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة ، وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا ، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش ، كبته الله وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا . قال : وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم ، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجرة ، فكان ظهره إلى ظهري ، فبينا هو جالس إذ قال [ ص: 198 ] الناس : هذا أبو سفيان - واسمه المغيرة - ابن الحارث بن عبد المطلب قد قدم . قال : فقال أبو لهب : هلم إلي ، فعندك لعمري الخبر . قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال : يا بن أخي ، أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ، ويأسروننا كيف شاءوا ، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء . قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت : تلك والله الملائكة . قال : فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة . قال : وثاورته ، فاحتملني وضرب بي الأرض ، ثم برك علي يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته ، فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة ، وقالت : أستضعفته أن غاب عنه سيده ؟ فقام موليا ، ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته . زاد يونس ، عن ابن إسحاق : فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثا ، ما دفناه حتى أنتن ، وكانت قريش تتقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون ، حتى قال لهما رجل من قريش : ويحكما ، ألا تستحيان ! إن أباكما قد أنتن في بيته ، لا تدفنانه ؟! فقالا : إنا [ ص: 199 ] نخشى عدوى هذه القرحة . فقال : انطلقا فأنا أعينكما عليه . فوالله ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ، ما يدنون منه ، ثم احتملوه إلى أعلى مكة ، فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة .

قال يونس ، عن ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا تمر على مكان أبي لهب هذا إلا تسترت بثوبها حتى تجوز .

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد ، عن أبيه قال : ناحت قريش على قتلاهم ، ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم ، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء .

قلت : وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت ، وهو تركهم النوح على قتلاهم ، فإن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين .

قال ابن إسحاق : وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده ، [ ص: 200 ] زمعة ، وعقيل ، والحارث ، وكان يحب أن يبكي على بنيه . قال : فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل ، فقال لغلام له ، وكان قد ذهب بصره : انظر هل أحل النحب ؟ هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة - يعني ولده زمعة - فإن جوفي قد احترق . قال : فلما رجع إليه الغلام قال : إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته . قال : فذاك حين يقول الأسود :

أتبكي أن أضل لها بعير     ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر ولكن     على بدر تقاصرت الجدود

على بدر سراة بني هصيص     ومخزوم ورهط أبي الوليد

وبكي إن بكيت على عقيل     وبكي حارثا أسد الأسود

وبكيهم ولا تسمي جميعا     وما لأبي حكيمة من نديد

ألا قد ساد بعدهم رجال     ولولا يوم بدر لم يسودوا

=ثم إن الإمام محمد بن إسحاق ، رحمه الله تكلم على ما نزل من القرآن في قصة بدر ، وهو من أول سورة الأنفال إلى آخرها ، فأجاد وأفاد ، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا " التفسير " فمن أراد الاطلاع على ذلك فلينظره ثم ، ولله الحمد والمنة====فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ، منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال البخاري : حدثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير ثنا أبو إسحاق ، سمعت البراء بن عازب يقول : حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ورضي عنهم ، ممن شهد بدرا ، أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، بضعة عشر وثلاثمائة . قال البراء : لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن . ثم رواه البخاري من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء نحوه .

قال ابن جرير : وهذا قول عامة السلف ، أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا . [ ص: 250 ] وقال البخاري أيضا : حدثنا محمود ، ثنا وهب ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر ، وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين ، والأنصار نيفا وأربعين ومائتين . هكذا وقع في هذه الرواية .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، ثنا أبو مالك الجنبي ، عن الحجاج وهو - ابن أرطاة - عن الحكم ، عن مقسم عن ابن عباس قال : كان المهاجرون يوم بدر سبعين رجلا ، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا ، وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، وحامل راية الأنصار سعد بن عبادة . وهذا يقتضي أنهم كانوا ثلاثمائة وستة رجال . قال ابن جرير : وقيل : كانوا ثلاثمائة وسبعة رجال .

قلت : وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم ، والأول عدهم بدونه . فالله أعلم . وقد تقدم عن ابن إسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا ، وأن الأوس أحد وستون رجلا ، والخزرج مائة وسبعون رجلا ، وسردهم وهذا مخالف لما ذكره البخاري ، ولما روي عن ابن عباس فالله أعلم . [ ص: 251 ] وفي " الصحيح " عن أنس ، أنه قيل له شهدت بدرا ؟ فقال : وأين أغيب ؟

وفي سنن أبي داود عن سعيد بن منصور ، عن أبى معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنه قال : كنت أميح لأصحابي الماء يوم بدر . وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء . فالله أعلم .

قلت : وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها ، تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببه ، وكانوا ثمانية أو تسعة ، وهم ، عثمان بن عفان ، تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت ، فضرب له بسهمه وأجره ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، كان بالشام ، فضرب له بسهمه وأجره ، وطلحة بن عبيد الله ، كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره ، وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر ، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة ، فاستعمله على المدينة ، وضرب له بسهمه وأجره ، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية ، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا من الطريق ، وضرب له بسهمه وأجره ، والحارث بن الصمة ، كسر بالروحاء فرجع ، فضرب له بسهمه - زاد [ ص: 252 ] الواقدي : وأجره - وخوات بن جبير ، لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره ، وأبو الضياح بن ثابت ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصاب ساقه فصيل حجر ، فرجع ، وضرب له بسهمه وأجره . قال الواقدي : وسعد بن مالك تجهز ليخرج فمات وقيل إنه مات بالروحاء . فضرب له بسهمه وأجره .

وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ، من المهاجرين ستة وهم ، عبيدة بن الحارث بن المطلب ، قطعت رجله فمات بالصفراء ، رحمه الله ، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهري ، قتله العاص بن سعيد ، وهو ابن ست عشرة سنة ، ويقال : إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى ، فأذن له في الذهاب ، فقتل ، رضي الله [ ص: 253 ] عنه . وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي ، وصفوان بن بيضاء ، وعاقل بن البكير الليثي ، حليف بني عدي ، ومهجع مولى عمر بن الخطاب ، وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ . ومن الأنصار ثمانية وهم : حارثة بن سراقة ، رماه حبان بن العرقة بسهم ، فأصاب حنجرته ، فمات ، ومعوذ وعوف ابنا عفراء ، ويزيد بن الحارث - ويقال ابن فسحم - وعمير بن الحمام ، ورافع بن المعلى بن لوذان ، وسعد بن خيثمة . ومبشر بن عبد المنذر ، رضي الله عن جميعهم .

وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم . قال ابن إسحاق : وكان معهم فرسان ، على أحدهما المقداد بن الأسود ، واسمها بعزجة - ويقال : سبحة - وعلى الأخرى الزبير بن العوام ، واسمها اليعسوب . وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير ، ورايتان ، يحمل إحداهما للمهاجرين علي بن أبي طالب ، والتي للأنصار يحملها سعد بن عبادة ، وكان رأس مشورة المهاجرين أبو بكر الصديق ، ورأس مشورة الأنصار سعد بن معاذ

وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم : إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا . [ ص: 254 ] وقال الواقدي : كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا . وهذا التحديد يحتاج إلى دليل . وقد تقدم في بعض الأحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف ، فلعله عدد أتباعهم معهم . والله أعلم . وقد تقدم في الحديث الصحيح عند البخاري ، عن البراء أنه قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون . وهذا قول الجمهور ، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له :

فأقام بالعطن المعطن منهم سبعون عتبة منهم والأسود

وقد حكى الواقدي الإجماع على ذلك ، وفيما قاله نظر ، فإن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك ، وهما من أئمة هذا الشأن ، فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما ، وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم . وقد سرد أسماء القتلى والأسارى ابن إسحاق وغيره ، وحرر ذلك الحافظ الضياء في " أحكامه " جيدا ، وقد [ ص: 255 ] تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم ، وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وأول من فر ، وهو خالد بن الأعلم الخزاعي - أو العقيلي - حليف بني مخزوم ، وما أفاده ذلك ، فإنه أسر ، وهو القائل في شعره :

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا يقطر الدم

فما صدق في ذلك ، وأول من أسروا : عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، قتلا صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسارى ، وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين ، وأنه عليه الصلاة والسلام ، أطلق جماعة من الأسارى مجانا بلا فداء ، منهم ، أبو العاص بن الربيع الأموي ، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي ، وصيفي بن أبي رفاعة كما تقدم ، وأبو عزة الشاعر ، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي ، كما تقدم ، وفادى بقيتهم ، حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى ، لئلا يحابيه لكونه عمه ، مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه ، فأبى عليهم ذلك ، وقال " لا تتركوا منه درهما " . وقد كان فداؤهم متفاوتا ، فأقل ما أخذ أربعمائة ، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب . قاله موسى بن عقبة . [ ص: 256 ] وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب ، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم قال : قال داود ثنا عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة . قال : فجاء غلام يوما يبكي إلى أبيه فقال : ما شأنك ؟ فقال : ضربني معلمي . فقال : الخبيث يطلب بذحل بدر ، والله لا تأتيه أبدا . انفرد به أحمد ، وهو على شرط السنن . وتقدم بسط ذلك كله ، ولله الحمد والمنة ========فصل في قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ، مهاجرة من مكة إلى المدينة بعد وقعة بدر بشهر ، بمقتضى ما كان شرط زوجها أبو العاص للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم

قال ابن إسحاق : ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلي سبيله - يعني كما تقدم - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب ، فتصاحباها فتأتياني بها فخرجا مكانهما ، وذلك بعد بدر بشهر - أو شيعه - فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فخرجت تجهز . [ ص: 262 ]

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال : حدثت عن زينب أنها قالت : بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت : يا ابنة محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ قالت : فقلت : ما أردت ذلك . فقالت : أي ابنة عم ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال . قالت : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل . قالت ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك . قال ابن إسحاق : فتجهزت ، فلما فرغت من جهازها قدم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقود بها ، وهي في هودج لها ، وتحدث بذلك رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والفهري ، فروعها هبار بالرمح ، وهي في [ ص: 263 ] الهودج ، وكانت حاملا - فيما يزعمون - فطرحت ، وبرك حموها كنانة ، ونثر كنانته ، ثم قال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما . فتكركر الناس عنه ، وأتى أبو سفيان في جلة من قريش ، فقال : يا أيها الرجل ، كف عنا نبلك حتى نكلمك . فكف ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ، فقال : إنك لم تصب ، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا ، أن ذلك عن ذل أصابنا ، وأن ذلك منا ضعف ووهن ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا من ثؤرة ، ولكن ارجع بالمرأة ، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سرا وألحقها بأبيها . قال : ففعل . وقد ذكر ابن إسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك :

أفي السلم أعيار جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء العوارك

وقد قيل : إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر ، بعدما قتل منهم الذين قتلوا .

[ ص: 264 ] قال ابن إسحاق : فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها ليلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى البيهقي في " الدلائل " من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه ، لتجيء معه ، فتلطف زيد ، فأعطاه راعيا من مكة ، فأعطى الخاتم لزينب ، فلما رأته عرفته ، فقالت : من دفع إليك هذا ؟ قال : رجل في ظاهر مكة . فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هي أفضل بناتي أصيبت في قال : فبلغ ذلك علي بن الحسين بن زين العابدين ، فأتى عروة فقال : ما حديث بلغني أنك تحدثه تنتقص فيه فاطمة ؟ فقال عروة : والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة حقا هو لها ، وأما بعد فلك أن لا أحدثه أبدا . قال ابن إسحاق : فقال في ذلك عبد الله بن رواحة ، أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف - قال ابن هشام : هي لأبي خيثمة - :

أتاني الذي لا يقدر الناس قدره     لزينب فيهم من عقوق ومأثم [ ص: 265 ]

وإخراجها لم يخز فيها محمد     على مأقط وبيننا عطر منشم

وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم     ومن حربنا في رغم أنف ومندم

قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه     بذي حلق جلد الصلاصل محكم

فأقسمت لا تنفك منا كتائب     سراة خميس من لهام مسوم

نروع قريش الكفر حتى نعلها     بخاطمة فوق الأنوف بميسم

ننزلهم أكناف نجد ونخلة     وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم

يد الدهر حتى لا يعوج سربنا     ونلحقهم آثار عاد وجرهم

[ ص: 266 ] ويندم قوم لم يطيعوا محمدا     على أمرهم وأي حين تندم

فأبلغ أبا سفيان إما لقيته     لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم

فأبشر بخزي في الحياة معجل     وسربال قار خالدا في جهنم

قال ابن إسحاق : ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه الشاعر ، هو عامر بن الحضرمي .

وقال ابن هشام : إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي ، فأما عامر بن الحضرمي ، فإنه قتل يوم بدر .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي إسحاق الدوسي ، عن أبي هريرة قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها ، فقال : " إن ظفرتم بهبار بن الأسود ، والرجل الذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار " فلما كان الغد بعث إلينا ، فقال : إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يحرق بالنار إلا الله ، عز وجل ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما . تفرد به ابن إسحاق ، وهو على شرط السنن ولم يخرجوه . [ ص: 267 ]

وقال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن بكير ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث ، فقال إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج : إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا ، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما

وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره ، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة ، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش ، فلما قفل من الشام لقيته سرية ، فأخذوا ما معه ، وأعجزهم هربا ، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح ، وكبر ، وكبر الناس ، صرخت من صفة النساء : أيها الناس ، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع . فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أقبل على الناس ، فقال ، أيها الناس ، هل سمعتم الذي سمعت ؟ . قالوا : نعم . قال : أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم ، وإنه يجير على المسلمين أدناهم . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 268 ] فدخل على ابنته زينب فقال : أي بنية ، أكرمي مثواه ، ولا يخلصن إليك ، فإنك لا تحلين له . قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه ، فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا ، فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة ، فأعطى كل إنسان ما كان له ، ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق : فحدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، زينب على النكاح الأول ، ولم يحدث شيئا . وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق ، وقال الترمذي : ليس بإسناده بأس ، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ، ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين . [ ص: 269 ]

وقال السهيلي : لم يقل به أحد من الفقهاء ، فيما علمت . وفي لفظ : ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين . وفي رواية : بعد سنتين بالنكاح الأول . رواه ابن جرير ، وفي رواية لم يحدث نكاحا . وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء ، فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر ، فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة ، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة ، فإن أسلم فيها استمر على نكاحها ، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها ، وزينب ، رضي الله عنها ، أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهاجرت بعد بدر بشهر ، وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست ، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان ، فمن قال : ردها عليه بعد ست سنين . أي من حين هجرتها ، فهو صحيح ، ومن قال : بعد سنتين . أي من حين حرمت المسلمات على المشركين ، فهو صحيح أيضا ، وعلى كل تقدير ، فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها ، فكيف ردها عليه بالنكاح الأول ؟ فقال قائلون : يحتمل أن عدتها لم تنقض ، وهذه قصة عين يتطرق إليها الاحتمال . وعارض آخرون هذا [ ص: 270 ] الحديث بالحديث الأول الذي رواه أحمد والترمذي ، وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد بنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد .

قال الإمام أحمد : هذا حديث ضعيف واه ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب ، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي ، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئا ، والحديث الصحيح الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على النكاح الأول .

وهكذا قال الدارقطني : لا يثبت هذا الحديث ، والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول .

وقال الترمذي : هذا حديث في إسناده مقال ، والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال آخرون : بل الظاهر انقضاء عدتها ، ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف ، ففي قضية زينب ، والحالة هذه ، دليل على أن المرأة إذا أسلمت [ ص: 271 ] وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك ، بل تبقى بالخيار ، إن شاءت تزوجت غيره ، وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان ، وهي امرأته ما لم تتزوج ، وهذا القول فيه قوة ، وله حظ من جهة الفقه . والله تعالى أعلم .

ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال : نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن . حدثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا هشام ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلونهم ويقاتلونه ، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، فإذا طهرت حل لها النكاح ، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه ، وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد . هذا لفظه بحروفه ، فقوله : فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر . يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة ، لا تعتد بثلاثة قروء ، وقد ذهب قوم إلى هذا . وقوله : فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه . يقتضي أنه ، وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة ، أنها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجا غيره ، كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 272 ] وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء . والله أعلم===========

وقد ذكر ابن إسحاق أشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة ، يرثون بها قتلاهم يوم بدر ، فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخي بني محارب بن فهر ، وقد أسلم بعد ذلك ، والسهيلي في " روضه " يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك :

عجبت لفخر الأوس والحين دائر عليهم غدا والدهر فيه بصائر     وفخر بني النجار أن كان معشر

أصيبوا ببدر كلهم ثم صائر     فإن تك قتلى غودرت من رجالنا

فإنا رجالا بعدهم سنغادر     وتردي بنا الجرد العناجيج وسطكم

بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر [ ص: 293 ]     ووسط بني النجار سوف نكرها

لها بالقنا والدارعين زوافر     فنترك صرعى تعصب الطير حولهم

وليس لهم إلا الأماني ناصر     وتبكيهم من أهل يثرب نسوة

لهن بها ليل عن النوم ساهر     وذلك أنا لا تزال سيوفنا

بهن دم ممن يحاربن مائر     فإن تظفروا في يوم بدر فإنما

بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر     وبالنفر الأخيار هم أولياؤه

يحامون في اللأواء والموت حاضر     يعد أبو بكر وحمزة فيهم

ويدعى علي وسط من أنت ذاكر     أولئك لا من نتجت في ديارها

بنو الأوس والنجار حين تفاخر     ولكن أبوهم من لؤي بن غالب

إذا عدت الأنساب كعب وعامر     هم الطاعنون الخيل في كل معرك

غداة الهياج الأطيبون الأكاثر

[ ص: 294 ] فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها ، وهي قوله :

عجبت لأمر الله والله قادر     على ما أراد ليس لله قاهر

قال ابن إسحاق : وقال أبو بكر واسمه شداد بن الأسود بن شعوب قلت : وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبي بكر الصديق ، حين طلقها الصديق ، وذلك لما حرم الله المشركات على المسلمين ، واسمها أم بكر - :

تحيي بالسلامة أم بكر     وهل لي بعد قومي من سلام

فماذا بالقليب قليب بدر     من القينات والشرب الكرام

وماذا بالقليب قليب بدر     من الشيزى تكلل بالسنام

وكم لك بالطوي طوي بدر     من الحومات والنعم المسام

وكم لك بالطوي طوي بدر     من الغايات والدسع العظام

[ ص: 295 ] وأصحاب الكريم أبي علي     أخي الكأس الكريمة والندام

وإنك لو رأيت أبا عقيل     وأصحاب الثنية من نعام

إذا لظللت من وجد عليهم     كأم السقب جائلة المرام

يخبرنا الرسول لسوف نحيا     وكيف حياة أصداء وهام

قلت : وقد أورد البخاري بعضها في " صحيحه " ليعرف به حال قائلها .

قال ابن إسحاق وقال أمية بن أبي الصلت ، يرثي من قتل من قريش يوم بدر :

ألا بكيت على الكرا     م بني الكرام أولي الممادح

[ ص: 296 ] كبكا الحمام على فرو     ع الأيك في الغصن الجوانح

يبكين حرى مستكي     نات يرحن مع الروائح

أمثالهن الباكيا     ت المعولات من النوائح

من يبكهم يبكي على     حزن ويصدق كل مادح

ماذا ببدر والعقن     قل من مرازبة جحاجح

فمدافع البرقين فال     حنان

من طرف الأواشح شمط     وشبان بها ليل مغاوير وحاوح

ألا ترون لما أرى     ولقد أبان لكل لامح

أن قد تغير بطن مك     ة فهي موحشة الأباطح

[ ص: 297 ] من كل بطريق لبط     ريق نقي الود واضح

دعموص أبواب الملو     ك وجائب للخرق فاتح

ومن السراطمة الخلا     جمة الملاوثة المناجح

القائلين الفاعلي     ن الآمرين بكل صالح

المطعمين الشحم فو     ق الخبز شحما كالأنافح

نقل الجفان مع الجفا     ن إلى جفان كالمناضح

ليست بأصفار لمن     يعفو ولا رح رحارح

للضيف ثم الضيف بع     د الضيف والبسط السلاطح

[ ص: 298 ] وهب المئين من المئي     ن إلى المئين من اللواقح

سوق المؤبل للمؤبل     صادرات عن بلادح

لكرامهم فوق الكرا     م مزية وزن الرواجح

كتثاقل الأرطال بال     قسطاس بالأيدي الموائح

خذلتهم فئة وهم     يحمون عورات الفضائح

الضاربين التقدمية     بالمهندة الصفائح

ولقد عناني صوتهم     من بين مستسق وصائح

لله در بني علي     أيم منهم وناكح

[ ص: 299 ] إن لم يغيروا غارة     شعواء تجحر كل نابح

بالمقربات المبعدا     ت الطامحات مع الطوامح

مردا على جرد إلى     أسد مكالبة كوالح

ويلاق قرن قرنه     مشي المصافح للمصافح

بزهاء ألف ثم أل     ف بين ذي بدن ورامح

قال ابن هشام : تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس ، الذي حمله كثرة جهله وقلة عقله ، على أن مدح المشركين وذم المؤمنين ، واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام ، وأضرابه من الكفرة اللئام ، والجهلة الطغام ، ولم يستوحش بها من [ ص: 300 ] عبد الله ورسوله ، وحبيبه وخليله ، فخر البشر ، ومن وجهه أنور من القمر ، ذي العلم الأكمل ، والعقل الأشمل ، ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق ، والسابق إلى الخيرات ، وفعل المكرمات ، وبذل الألوف والمئات ، في طاعة رب الأرض والسماوات ، وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام ، الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والإسلام ، رضي الله عن جميعهم ، ما اختلط الضياء والظلام ، وما تعاقبت الليالي والأيام ، وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن إسحاق ، رحمه الله خوف الإطالة وخشية الملالة ، وفيما أوردنا كفاية ، ولله الحمد والمنة .

وقد قال الأموي في " مغازيه " : سمعت أبي ، حدثنا سليمان بن أرقم ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن شعر الجاهلية . قال سليمان : فذكر ذلك الزهري فقال : عفا عنه إلا قصيدتين ، كلمة أمية التي ذكر فيها أهل بدر ، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الأحوص . وهذا حديث غريب ، وسليمان بن أرقم هذا متروك . والله أعلم

  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق