الأربعاء، 25 نوفمبر 2015

فصل في قتال أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد= وفرغ الناس لقتلاهم=فصل في عدد الشهداء=خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في أثر أبي سفيان= آخر الكلام على وقعة أحد ======   وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد ، فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول : دخلت على أم عمارة ، فقلت لها : يا خالة ، أخبريني خبرك . فقالت : خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه ، والدولة والريح للمسلمين ، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقمت أباشر القتال ، وأذب عنه بالسيف ، وأرمي عن القوس ، حتى خلصت الجراح إلي . قالت : فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور ، فقلت لها : من أصابك بهذا ؟ قالت : ابن قمئة أقمأه الله ، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول : دلوني على محمد ، لا نجوت إن نجا . فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة ، ولقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكن عدو الله كانت عليه درعان . [ ص: 410 ]
قال ابن إسحاق : وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، يقع النبل في ظهره ، وهو منحن عليه ، حتى كثر فيه النبل .

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها ، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده .

قال ابن إسحاق : وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال : انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : فما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ ! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ، وبه سمي أنس بن مالك .

فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك ، قال : لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة ، فما عرفه إلا أخته ، عرفته ببنانه . [ ص: 411 ]

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ ، فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، أصابه بعضها في رجله فعرج .

صلى الله عليه وسلم لم يمت في أحد ]
    

قال ابن إسحاق : وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد الهزيمة وقول الناس : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما ذكر لي الزهري - كعب بن مالك قال : رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ، أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت .

قال ابن إسحاق : فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ، ونهض معهم نحو الشعب ، معه أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين ، فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي [ ص: 412 ] بن خلف . فذكر قتله عليه الصلاة والسلام أبيا كما تقدم .

قال ابن إسحاق : وكان أبي بن خلف - كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول : يا محمد ، إن عندي العود ; فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة ، أقتلك عليه . فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك إن شاء الله ، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير ، فاحتقن الدم ، فقال : قتلني والله محمد . فقالوا له : ذهب والله فؤادك ، والله إن بك بأس . قال : إنه قد كان قال لي بمكة : أنا أقتلك . فوالله لو بصق علي لقتلني . فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة .

قال ابن إسحاق : فقال حسان بن ثابت : في ذلك :


لقد ورث الضلالة عن أبيه أبي يوم بارزه الرسول [ ص: 413 ]     أتيت إليه تحمل رم عظم
وتوعده وأنت به جهول     وقد قتلت بنو النجار منكم
أمية إذ يغوث يا عقيل     وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا
أبا جهل لأمهما الهبول     وأفلت حارث لما شغلنا
بأسر القوم أسرته فليل
وقال حسان بن ثابت أيضا :


ألا من مبلغ عني أبيا     فقد ألقيت في سحق السعير
تمنى بالضلالة من بعيد     وتقسم إن قدرت مع النذور
تمنيك الأماني من بعيد     وقول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ     كريم البيت ليس بذي فجور
له فضل على الأحياء طرا     إذا نابت ملمات الأمور [ ص: 414 ]
قال ابن إسحاق : فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب ، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس ، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه ، فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدم ، وصب على رأسه وهو يقول : " اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه " وقد تقدم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية .

قال ابن إسحاق : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ، معه أولئك النفر من أصحابه ، إذ علت عالية من قريش الجبل . قال ابن هشام فيهم خالد بن الوليد . قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ، ونهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها ، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين ، فلما ذهب لينهض لم يستطع ، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها ، فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن الزبير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ : أوجب طلحة [ ص: 415 ] حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ما صنع .

قال ابن هشام : وذكر عمر مولى غفرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته ، وصلى المسلمون خلفه قعودا .

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : كان فينا رجل أتى لا يدرى من هو ، يقال له : قزمان . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له : إنه لمن أهل النار قال : فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا ، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين ، وكان ذا بأس ، فأثبتته الجراحة ، فاحتمل إلى دار بني ظفر . قال : فجعل رجال من المسلمين يقولون له : والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر . قال : بماذا أبشر ؟ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت . قال : فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه . وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله . [ ص: 416 ]

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال : شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام : هذا من أهل النار . فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا ، فأصابته جراحة ، فقيل : يا رسول الله ، الرجل الذي قلت : إنه من أهل النار . قاتل اليوم قتالا شديدا ، وقد مات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إلى النار فكاد بعض القوم يرتاب ، فبينما هم على ذلك ، إذ قيل : فإنه لم يمت ، ولكن به جراح شديدة . فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح ، فقتل نفسه ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : الله أكبر ، أشهد أني عبد الله ورسوله . ثم أمر بلالا فنادى في الناس : أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث عبد الرزاق به .

قال ابن إسحاق : وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون ، فلما كان يوم أحد قال : يا معشر يهود ، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق . قالوا : إن اليوم يوم السبت . قال : لا سبت لكم . فأخذ سيفه وعدته وقال : إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء . ثم غدا إلى [ ص: 417 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : مخيريق خير يهود

قال السهيلي : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال مخيريق - وكانت سبع حوائط - أوقافا بالمدينة . قال محمد بن كعب القرظي : وكانت أول وقف بالمدينة .

وقال ابن إسحاق : وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة أنه كان يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط . فإذا لم يعرفه الناس سألوه : من هو ؟ فيقول : أصيرم بني عبد الأشهل ، عمرو بن ثابت بن وقش . قال : الحصين : فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الأصيرم ؟ قال : كان يأبى الإسلام على قومه ، فلما كان يوم أحد بدا له ، فأسلم ثم أخذ سيفه ، فغدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة . قال : فبينما رجال [ ص: 418 ] من بني عبد الأشهل يتلمسون قتلاهم في المعركة ، إذا هم به ، فقالوا : والله إن هذا للأصيرم ، ما جاء به ؟ ! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث ! فسألوه فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ; أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاتلت حتى أصابني ما أصابني . فلم يلبث أن مات في أيديهم ، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه من أهل الجنة .

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي ، عن أشياخ من بني سلمة قالوا : كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد ، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا : إن الله قد عذرك . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت فقد عذرك الله ، فلا جهاد عليك وقال لبنيه ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد رضي الله عنه

قال ابن إسحاق : ووقعت هند بنت عتبة - كما حدثني صالح بن [ ص: 419 ] كيسان - والنسوة اللائي معها ، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها ، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها . وذكر موسى بن عقبة أن الذي بقر كبد حمزة ، وحشي فحملها إلى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها . فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : ثم علت على صخرة مشرفة ، فصرخت بأعلى صوتها فقالت :


نحن جزيناكم بيوم بدر     والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر     ولا أخي وعمه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري     شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي علي عمري     حتى ترم أعظمي في قبري
قال : فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت :


خزيت في بدر وبعد بدر     يا بنت وقاع عظيم الكفر [ ص: 420 ]
صبحك الله غداة الفجر     ملهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري     حمزة ليثي وعلي صقري
إذ رام شيب وأبوك غدري     فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر


. قال ابن إسحاق : وكان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش ، مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول : ذق عقق . فقال الحليس : يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما . فقال : ويحك! اكتمها عني ، فإنها كانت زلة .

قال ابن إسحاق : ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف ، أشرف على الجبل ، ثم صرخ بأعلى صوته : أنعمت فعال ، إن الحرب سجال ، يوم بيوم [ ص: 421 ] بدر اعل هبل . أي أظهر دينك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : قم يا عمر فأجبه ، فقل : الله أعلى وأجل ، لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . فقال له أبو سفيان : هلم إلي يا عمر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : ائته فانظر ما شأنه . فجاءه فقال له أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر ، أقتلنا محمدا ؟ فقال عمر اللهم لا ، وإنه ليسمع كلامك الآن . قال : أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر .

قال ابن إسحاق : ثم نادى أبو سفيان : إنه قد كان في قتلاكم مثل ، والله ما رضيت وما سخطت ، وما نهيت ولا أمرت . قال : ولما انصرف أبو سفيان نادى : إن موعدكم بدر العام القابل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه : قل : نعم . هو بيننا وبينك موعد قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال : اخرج في آثار القوم ، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون ، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل ، فهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده إن أرادوها ، لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم قال علي : فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون ، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة . ========وفرغ الناس لقتلاهم ، فحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني ، أخو بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا ، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق ، قال : فقلت له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر ، أفي الأحياء أنت أم [ ص: 424 ] في الأموات . فقال : إنا في الأموات ، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته . وأبلغ قومك عني السلام ، وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ، ومنكم عين تطرف . قال : ثم لم أبرح حتى مات . قال : فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره .

قلت : كان الرجل الذي التمس سعدا في القتلى محمد بن مسلمة فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي ، وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه ، فلما قال : إن رسول الله أمرني أن أنظر خبرك . أجابه بصوت ضعيف ، وذكره . وقال الشيخ أبو عمر في " الاستيعاب " : كان الرجل الذي التمس سعدا أبي بن كعب . فالله أعلم . وكان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة رضي الله عنه ، وهو الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف .

قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي ، قد بقر بطنه عن كبده ، ومثل به ; [ ص: 425 ] فجدع أنفه وأذناه ، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى : لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي ، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم . فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغيظه على من فعل بعمه ما فعل ، قالوا : والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب .

قال ابن إسحاق : فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد بن كعب وحدثني من لا أتهم ، عن ابن عباس أن الله عز وجل أنزل في ذلك : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله الآية . [ النحل : 127 ، 126 ] قال : فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة .

قلت : هذه الآية مكية ، وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين ، فكيف يلتئم مع هذا . فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل ، عن الحسن ، عن سمرة قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه حتى يأمر بالصدقة ، وينهى عن [ ص: 426 ] المثلة . وقال ابن هشام : ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة قال : لن أصاب بمثلك أبدا ، ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا . ثم قال : جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله . قال ابن هشام : وكان حمزة ، وأبو سلمة بن عبد الأسد أخوي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ; أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبي لهب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي أنبأنا عبد الرحمن ، يعني ابن أبي الزناد ، عن هشام ، عن عروة قال : أخبرني أبي الزبير أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى ، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى . قال : فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تراهم ، فقال : " المرأة المرأة " . قال الزبير : فتوسمت أنها أمي صفية ، قال : فخرجت أسعى إليها ، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى . قال : فلدمت في صدري ، وكانت امرأة جلدة ، قالت : إليك ، لا أرض لك . قال : فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم [ ص: 427 ] عليك . قال : فوقفت ، وأخرجت ثوبين معها ، فقالت : هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة ، فقد بلغني مقتله ، فكفنوه فيهما . قال : فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة ، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل ، قد فعل به كما فعل بحمزة . قال : فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له ، فقلنا : لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب . فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر ، فأقرعنا بينهما ، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له          =============       فصل في عدد الشهداء

قال موسى بن عقبة : جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والأنصار تسعة وأربعون رجلا .

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن البخاري ، عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا . فالله أعلم .

وقال قتادة : عن أنس قتل من الأنصار يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون .

وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أنه كان يقول : يا رب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة .

وقال مالك : عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب : [ ص: 446 ] قتل من الأنصار يوم أحد سبعون ، ويوم اليمامة سبعون ، ويوم جسر أبي عبيد سبعون . وهكذا قال عكرمة ، وعروة و الزهري ، ومحمد بن إسحاق في قتلى أحد . ويشهد له قوله تعالى : أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها [ آل عمران : 165 ] يعني أنهم قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين .

وعن ابن إسحاق ، : قتل من الأنصار يوم أحد خمسة وستون . وكلامه في " السيرة " يدل على أنه قتل من المسلمين يومئذ خمسة وستون ; أربعة من المهاجرين ; حمزة ، وعبد الله بن جحش ، ومصعب بن عمير ، وشماس بن عثمان والباقون من الأنصار وسرد أسماءهم على قبائلهم . وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين ، فصاروا سبعين على قول ابن هشام ، وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من [ ص: 447 ] المشركين ، وهم اثنان وعشرون رجلا .

وعن عروة : كان الشهداء يوم أحد أربعة - أو قال : سبعة وأربعين - . وقال موسى بن عقبة : تسعة وأربعون .

قال موسى : وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا . وقال عروة : تسعة عشر . وقال ابن إسحاق : اثنان وعشرون .

وقال الربيع ، عن الشافعي : ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي وقد كان في الأسارى يوم بدر فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فدية ، واشترط عليه ألا يقاتله ، فلما أسر يوم أحد قال : يا محمد ، امنن علي لبناتي ، وأعاهد أن لا أقاتلك . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول : خدعت محمدا مرتين ، ثم أمر به فضربت عنقه . وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين                   ======ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما بهم من القرح والجراح ، في أثر أبي سفيان ; إرهابا له ولأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة

قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد وذكره رجوعه عليه السلام إلى المدينة : وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أبي سفيان وأصحابه ، فقال : نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ; يقول بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئا ; أصبتم شوكة القوم وحدهم ، ثم تركتموهم ، ولم تبتروهم ، فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وبهم أشد القرح ، بطلب العدو ; ليسمعوا بذلك ، وقال : لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال فقال عبد الله بن أبي أنا : راكب معك . فقال : لا ، فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء ، فانطلقوا [ ص: 455 ] فقال الله في كتابه العزيز الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم [ آل عمران : 172 ] قال : وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته . قال : وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو حتى بلغ حمراء الأسد . وهكذا روى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير سواء .

وقال محمد بن إسحاق : في " مغازيه " : وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه ألا يخرجن أحد إلا من حضر يومنا بالأمس . فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له . قال ابن إسحاق : وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ; ليظنوا به قوة ، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم .

قال ابن إسحاق رحمه الله : فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بني عبد الأشهل قال : شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخي وقال لي : أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل [ ص: 456 ] فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت أيسر جرحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة ، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .

قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال ، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة . . قال ابن هشام : وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم .

قال ابن إسحاق : ، حدثني عبد الله بن أبي بكر أن معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة ، صفقهم معه ، لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك ، مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بحمراء الأسد فقال : يا محمد ، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم . ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا : أصبنا [ ص: 457 ] حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ؟ ! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم . فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه ، يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ; يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط . قال : ويلك ، ما تقول ؟ قال : والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل . قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم ; لنستأصل شأفتهم . قال : فإني أنهاك عن ذلك ، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر . قال : وما قلت ؟ قال : قلت :


كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل     تردى بأسد كرام لا تنابلة
عند اللقاء ولا ميل معازيل     فظلت عدوا أظن الأرض مائلة
لما سموا برئيس غير مخذول [ ص: 458 ]     فقلت ويل ابن حرب من لقائكم
إذا تغطمطت البطحاء بالجيل     إني نذير لأهل البسل ضاحية
لكل ذي إربة منهم ومعقول     من جيش أحمد لا وخش قنابله
وليس يوصف ما أنذرت بالقيل


قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه . ومر به ركب من عبد القيس فقال : أين تريدون ؟ قالوا : المدينة . قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة . قال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم . قال : فإذا وافيتموه ، فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه ; لنستأصل بقيتهم . فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل . وكذا قال الحسن البصري . [ ص: 459 ] وقد قال البخاري : حدثنا أحمد بن يونس أراه قال : حدثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : 173 ] تفرد بروايته البخاري .

وقد قال البخاري : حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا أبو معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم [ آل عمران : 172 ] قالت لعروة : يا ابن أختي ، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما ، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون ، خاف أن يرجعوا ، فقال : من يذهب في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا ، فيهم أبو بكر والزبير . هكذا رواه البخاري ، وقد رواه [ ص: 460 ] مسلم مختصرا من أوجه ، عن هشام . وهكذا رواه سعيد بن منصور ، وأبو بكر الحميدي جميعا ، عن سفيان بن عيينة وأخرجه ابن ماجه من طريقه ، عن هشام بن عروة به ، ورواه الحاكم في " مستدركه " من طريق أبي سعيد المؤدب ، عن هشام بن عروة به ، ورواه من حديث البهي ، عن عروة وقال في كل منهما : صحيح ، ولم يخرجاه . كذا قال .

وهذا السياق غريب جدا ; فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة ، كما تقدم ، قتل منهم سبعون ، وبقي الباقون .

وقد روى ابن جرير من طريق العوفي ، عن ابن عباس قال : إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع إلى مكة وكانت وقعة أحد في شوال ، وكان التجار يقدمون في ذي القعدة [ ص: 461 ] المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة ، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المسلمين القرح ، واشتكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين ، وقال لنا : إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ، ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل . فجاء الشيطان يخوف أولياءه ، فقال : إن الناس قد جمعوا لكم . فأبى عليه الناس أن يتبعوه ، فقال : إني ذاهب ، وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر ، وعمر ، وعثمان وعلي وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة ، وابن مسعود ، وحذيفة في سبعين رجلا ، فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم وهذا غريب أيضا . وقال ابن هشام : ، حدثنا أبو عبيدة أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع إلى المدينة فقال لهم صفوان بن أمية : لا تفعلوا ; فإن القوم قد حربوا ، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان ، فارجعوا . فرجعوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة : [ ص: 462 ] والذي نفسي بيده ، لقد سومت لهم حجارة ، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب . قال : وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك - قبل رجوعه إلى المدينة - معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان لأمه عائشة بنت معاوية وأبا عزة الجمحي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره ببدر ثم من عليه ، فقال : يا رسول الله ، أقلني . فقال : لا والله ، لا تمسح عارضيك بمكة تقول : خدعت محمدا مرتين ، اضرب عنقه يا زبير . فضرب عنقه .

قال ابن هشام : وبلغني عن ابن المسيب أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه .

وذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها زيد بن حارثة ، وعمار بن ياسر وقال ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه ففعلا رضي الله عنهما . [ ص: 463 ]

قال ابن إسحاق : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن أبي كما حدثني الزهري له مقام يقومه كل جمعة ، لا ينكر له ، شرفا في نفسه وفي قومه ، وكان فيه شريفا ، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ، وهو يخطب الناس ، قام فقال : أيها الناس ، هذا رسول الله بين أظهركم ، أكرمكم الله به ، وأعزكم به ، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا . ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ، ورجع الناس ، قام يفعل ذلك كما كان يفعله ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا : اجلس أي عدو الله ، والله لست لذلك بأهل ، وقد صنعت ما صنعت . فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره . فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا : ويلك ، ما لك ؟ قال : قمت أشدد أمره فوثب إلي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني ، لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره . قالوا : ويلك . ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : والله ما أبتغي أن يستغفر لي .

ثم ذكر ابن إسحاق : ما نزل من القرآن في قصة أحد من سورة آل [ ص: 464 ] عمران عند قوله : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم [ آل عمران : 121 ] قال : إلى تمام ستين آية . وتكلم عليها ، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية . ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم ، كما جرت عادته ، فذكر من المهاجرين أربعة ; حمزة ، ومصعب بن عمير ، وعبد الله بن جحش ، وشماس بن عثمان رضي الله عنهم ، ومن الأنصار إلى تمام خمسة وستين رجلا ، واستدرك عليه ابن هشام خمسة آخرين ، فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين ، وهم اثنان وعشرون رجلا ، على قبائلهم أيضا .

قلت : ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره ، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا بين يديه ; أمر الزبير - ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - فضرب عنقه        ==================فصل

قد تقدم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسرايا ، ومن أشهرها وقعة أحد وكانت في النصف من شوال منها ، وقد تقدم بسطها . ولله الحمد .

وفيها في أحد توفي شهيدا أبو يعلى ويقال : أبو عمارة . أيضا ; حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الملقب بأسد الله وأسد رسوله ، وكان رضيع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو سلمة بن عبد الأسد أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه ، فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من السنين يوم قتل ، رضي الله عنه ، فإنه كان من الشجعان الأبطال ، ومن الصديقين الكبار ، وقتل معه يومئذ تمام السبعين ، رضي الله عنهم أجمعين .

قال مصعب الزبيري : ولد ليعلى بن حمزة خمسة بنين كلهم [ ص: 494 ] انقرضوا . وكانت له بنت يقال لها : عمارة .

قلت : وهي التي تناولها علي ، وقال لفاطمة : دونك ابنة عمك . فاختصم في حضانتها علي ، وزيد بن حارثة ، وجعفر فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها امرأة جعفر . وقال : الخالة بمنزلة الأم .

وفيها عقد عثمان بن عفان على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد وفاة أختها رقية ، وكان عقده عليها في ربيع الأول منها ، وبنى بها في جمادى الآخرة منها ، كما تقدم ، فيما ذكره الواقدي .

وفيها ، قال ابن جرير : ولد لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب . قال : وفيها علقت بالحسين رضي الله عنهم أجمعين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق