فصل ما لاقاه الرسول من أذى قريش )=====فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم
=====
باب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الرسالة إلى الخاص =======
فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
==========
وقال البخاري : حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير سألت ابن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله . قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه ، فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم [ غافر : 28 ] الآية تابعه ابن إسحاق قال : أخبرني يحيى بن عروة عن أبيه ، قال : قلت لعبد الله بن عمرو .
وقال عبدة عن هشام عن أبيه ، قال : قيل لعمرو بن العاص . وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص . قال [ ص: 118 ] البيهقي : وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة . انفرد به البخاري وقد رواه في أماكن من " صحيحه " ، وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص وهو أشبه لرواية عروة عنه ، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة .
وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانت تظهره من عداوته ، فقال : لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا وصبرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا . قال : فبينما هم في ذلك طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفتها في وجهه ، فمضى ، ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها ، فقال : " أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح " . فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل [ ص: 119 ] إلا وكأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه حتى إنه ليقول : انصرف أبا القاسم راشدا ، فما كنت بجهول . فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ! فبينما هم على ذلك طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم ، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نعم ، أنا الذي أقول ذلك " . ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه ، وقام أبو بكر يبكي دونه ، ويقول : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأكثر ما رأيت قريشا بلغت منه=========
فيما اعترض به المشركون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما تعنتوا عليه في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات ، وخرق العادات ، على وجه العناد ، لا على وجه طلب الهدى والرشاد ; فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ، ولا ما إليه رغبوا ; لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا ، لاستمروا في طغيانهم يعمهون ، ولظلوا في غيهم وضلالهم يترددون .
قال الله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون . [ الأنعام : 109 - 111 ] وقال تعالى : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم [ يونس : 96 - 97 ] [ ص: 127 ] وقال تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [ الإسراء : 59 ] وقال تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [ الإسراء : 90 - 93 ] . وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد .
وقد روى يونس وزياد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وهو شيخ من أهل مصر يقال له : محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال : اجتمع علية من أشراف قريش وعدد أسماءهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه . فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك . فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعا ، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء ، وكان حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك ، وإنا والله لا [ ص: 128 ] نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ; لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وسفهت الأحلام ، وشتمت الآلهة ، وفرقت الجماعة ، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك ، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بي ما تقولون ، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا نذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم " . أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك ، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ، ولا أقل مالا ، ولا أشد عيشا منا . فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ; فإنه كان شيخا صدوقا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك ، صدقناك وعرفنا به منزلتك [ ص: 129 ] عند الله ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بهذا بعثت ، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به ، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك ; فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ، ويغنيك عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم في الأسواق ، وتلتمس المعايش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم . فقال لهم : " ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا : فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل . فقال : " ذلك إلى الله ، إن شاء فعل بكم ذلك " . فقالوا : يا محمد ، ما علم ربك أنا سنجلس معك ، ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة ، يقال له : الرحمن . وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة ، وهي بنات الله ، وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله [ ص: 130 ] والملائكة قبيلا . فلما قالوا ذلك ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ; ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب ، فوالله لا أومن لك أبدا ، حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم الله ، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك . ثم انصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله حزينا أسفا ; لما فاته مما طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه
وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد ، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الربانية ألا يجابوا لي ما سألوا ; لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك ، فيعاجلهم بالعذاب .
كما قال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا ، فقيل له : إن شئت أن [ ص: 131 ] تستأني بهم ، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم . قال : " لا ، بل أستأني بهم " . فأنزل الله تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [ الإسراء : 59 ] الآية وهكذا رواه النسائي من حديث جرير به .
وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران أبي الحكم عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك . قال : " وتفعلون ؟ " . قالوا : نعم قال : فدعا ، فأتاه جبريل ، فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة . قال : " بل التوبة والرحمة " . وهذان إسنادان جيدان ، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين ; منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد .
[ ص: 132 ] وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " عرض علي ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، أشبع يوما وأجوع يوما أو نحو ذلك فإذا جعت ، تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت ، حمدتك وشكرتك " . لفظ أحمد . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . وعلي بن يزيد يضعف في الحديث .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهما : سلوهم عن محمد وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصفا لهم أمره وبعض قوله ، وقالا : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . قال : فقالت لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم ; سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طواف [ ص: 133 ] طاف مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ، ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه ، وإن لم يخبركم فهو رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور . فأخبراهم بها . فجاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ، أخبرنا . فسألوه عما أمروهم به . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخبركم غدا بما سألتم عنه " . ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، ومكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقول الله تعالى : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : 85 ] وقد تكلمنا على ذلك كله في " التفسير " مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك . [ ص: 134 ] ونزل قوله : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا [ الكهف : 9 ] . ثم شرع في تفصيل أمرهم ، واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء ، تحقيقا لا تعليقا ، في قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت [ الكهف : 23 ، 24 ] ثم ذكر قصة موسى ; لتعلقها بقصة الخضر ثم ذي القرنين ثم قال : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا [ الكهف : 83 ] ثم شرح أمره ، وحكى خبره ، وقال في سورة " سبحان " : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي أي خلق عجيب من خلقه ، وأمر من أمره ، قال لها : كوني . فكانت ، وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه ، وتفسير كيفيته في نفس الأمر يصعب عليكم ، بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته ; ولهذا قال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : 85 ] وقد ثبت في " الصحيحين " أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فتلا عليهم هذه الآية . فإما أنها نزلت مرة ثانية ، أو ذكرها جوابا ، وإن كان نزولها متقدما ، ومن قال : إنها إنما نزلت بالمدينة . واستثناها من سورة " سبحان " ، ففي قوله نظر . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع [ ص: 135 ] قومه ، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة ، وبمكانها منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه ، فقال :
ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء . سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه
لدى حيث يقضي حلفه كل نافل وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم
بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الأعضاد أو قصراتها
مخيسة بين السديس وبازل ترى الودع فيها والرخام وزينة
بأعناقها معقودة كالعثاكل أعوذ برب الناس من كل طاعن
علينا بسوء أو ملح بباطل [ ص: 136 ] ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة
ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه
وراق لبر في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة
وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه
إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا
وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله من كل راكب
ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له
إلالا إلى مفضى الشراج القوابل وتوقافهم فوق الجبال عشية
يقيمون بالأيدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى
وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه
سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها
يؤمون . قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية
تجيز بهم حجاج بكر بن وائل [ ص: 137 ] حليفان شدا عقد ما احتلفا له
وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الصفاح وسرحه
وشبرقه وخد النعام الجوافل فهل بعد هذا من معاذ لعائذ
وهل من معيذ يتقي الله عاذل يطاع بنا العدى وودوا لو اننا
تسد بنا أبواب ترك وكابل كذبتم وبيت الله نترك مكة
ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا
ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم بالحديد إليكم
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه
من الطعن فعل الأنكب المتحامل وإنا لعمر الله إن جد ما أرى
لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع
أخي ثقة حامي الحقيقة باسل شهورا وأياما وحولا مجرما
علينا وتأتي حجة بعد قابل [ ص: 138 ] وما ترك قوم لا أبا لك سيدا
يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وبكره
إلى بغضنا وجزآنا لآكل وعثمان لم يربع علينا وقنفذ
ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم
ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل
وكل تولى معرضا لم يجامل فإن يلفيا أو يمكن الله منهما
نكل لهما صاعا بصاع المكايل . وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا
ليظعننا في أهل شاء وجامل يناجي بنا في كل ممسى ومصبح
فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلي لنا بالله ما إن يغشنا
بلى قد نراه جهرة غير حائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة
من الأرض بين أخشب فمجادل [ ص: 139 ] وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا
بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرأ ممن يعاش برأيه
ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح
حسود كذوب مبغض ذي دغاول ومر أبو سفيان عني معرضا
كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه
ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه
شفيق ويخفي عارمات الدواخل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة
ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة
أولي جدل من الخصوم المساجل أمطعم إن القوم ساموك خطة
وإني متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
عقوبة شر عاجلا غير آجل بميزان قسط لا يخس شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا
بني خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم
وآل قصي في الخطوب الأوائل [ ص: 140 ] وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا
علينا العدى من كل طمل وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم
فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم
وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم
ألان حطاب أقدر ومراجل ليهن بني عبد مناف عقوقنا
. وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم
وتحتلبوها لقحة غير باهل وسائط كانت في لؤي بن غالب
نفاهم إلينا كل صقر حلاحل ورهط نفيل شر من وطئ الحصى
وألأم حاف من معد وناعل فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا
وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة
إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم
لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده
لعمري وجدنا غبه غير طائل [ ص: 141 ] سوى أن رهطا من كلاب بن مرة
براء إلينا من معقة خاذل وهنا لهم حتى تبدد جمعهم
ويحسر عنا كل باغ وجاهل وكان لنا حوض السقاية فيهم
ونحن الكدى من غالب والكواهل شباب من المطيبين وهاشم
كبيض السيوف بين أيدي الصياقل فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما
ولا حالفوا إلا شرار القبائل بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم
ضواري أسود فوق لحم خرادل بني أمة محبوبة هندكية
بني جمح عبيد قيس بن عاقل ولكننا نسل كرام لسادة
بهم نعي الأقوام عند البواطل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب
زهير حساما مفردا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمي
إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد
وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل
إذا قاسه الحكام عند التفاضل [ ص: 142 ] حليم رشيد عادل غير طائش
يوالي إلها ليس عنه بغافل كريم المساعي ماجد وابن ماجد
له إرث مجد ثابت غير ناصل وأيده رب . العباد بنصره
وأظهر دينا حقه غير زائل فوالله لولا أن أجيء بسبة
تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة
من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد في أرومة
تقصر عنها سورة المتطاول حدبت بنفسي دونه وحميته
ودافعت عنه بالذرا والكلاكل
قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها .
قلت : هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدا ; لا يستطيع أن يقولها إلا [ ص: 143 ] من نسبت إليه ، وهي أفحل من المعلقات السبع ، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعا ، وقد أوردها الأموي في " مغازيه " مطولة بزيادات أخر . والله أعلم =========
باب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام
================
( في تأليب الملأ من قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته ، وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم ، فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته )
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد [ ص: 120 ] وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد ، إلا ما يواري إبط بلال . وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال محمد بن إسحاق : وحدب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه أبو طالب ومنعه ، وقام دونه ، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء ، فلما رأت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم ، وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه ، وقام دونه ، فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ; عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس وأبو البختري ، واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى وأبو جهل ، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة [ ص: 121 ] بن مرة بن كعب بن لؤي ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم قال ابن إسحاق أو من مشى منهم فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه . فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه ، يظهر دين الله ويدعو إليه ، ثم شرى الأمر بينه وبينهم ، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينها ، فتوامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه ، ثم إنهم مشوا إلىأبي طالب مرة أخرى ، فقالوا : يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك ، فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا ; من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين . أو كما قالوا . ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خذلانه .
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 122 ] فقال له : يا بن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا للذي قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . قال : فظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد بدا لعمه فيه بداء ، وأنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، قال : فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ما تركته " . قال : ثم استعبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى ، ثم قام ، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي . فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .
قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته ، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش ، وأجمله فخذه ، فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامها ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . قال : والله لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبدا . قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن [ ص: 123 ] عبد مناف بن قصي : والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكره ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا . فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ، ومظاهرة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك . أو كما قال ، فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، ونادى بعضهم بعضا ، فقال أبو طالب عند ذلك ، يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من بني عبد مناف ، ومن عاداه من قبائل قريش ، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم :
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ألا ليت حظي من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه
يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلاحق
إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا
إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر بلى لهما أمر ولكن تجرجما
كما جرجمت من رأس ذي علق الصخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا
هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما
فقد أصبحا منهم أكفهما صفر [ ص: 124 ] هما أشركا في المجد من لا أبا له
من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم
وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر فوالله لا تنفك منا عداوة
ولا منكم ما دام من نسلنا شفر
قال ابن هشام وتركنا منها بيتين أقذع فيهما .
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء . سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه
لدى حيث يقضي حلفه كل نافل وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم
بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الأعضاد أو قصراتها
مخيسة بين السديس وبازل ترى الودع فيها والرخام وزينة
بأعناقها معقودة كالعثاكل أعوذ برب الناس من كل طاعن
علينا بسوء أو ملح بباطل [ ص: 136 ] ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة
ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه
وراق لبر في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة
وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه
إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا
وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله من كل راكب
ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له
إلالا إلى مفضى الشراج القوابل وتوقافهم فوق الجبال عشية
يقيمون بالأيدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى
وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه
سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها
يؤمون . قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية
تجيز بهم حجاج بكر بن وائل [ ص: 137 ] حليفان شدا عقد ما احتلفا له
وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الصفاح وسرحه
وشبرقه وخد النعام الجوافل فهل بعد هذا من معاذ لعائذ
وهل من معيذ يتقي الله عاذل يطاع بنا العدى وودوا لو اننا
تسد بنا أبواب ترك وكابل كذبتم وبيت الله نترك مكة
ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا
ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم بالحديد إليكم
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه
من الطعن فعل الأنكب المتحامل وإنا لعمر الله إن جد ما أرى
لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع
أخي ثقة حامي الحقيقة باسل شهورا وأياما وحولا مجرما
علينا وتأتي حجة بعد قابل [ ص: 138 ] وما ترك قوم لا أبا لك سيدا
يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وبكره
إلى بغضنا وجزآنا لآكل وعثمان لم يربع علينا وقنفذ
ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم
ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل
وكل تولى معرضا لم يجامل فإن يلفيا أو يمكن الله منهما
نكل لهما صاعا بصاع المكايل . وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا
ليظعننا في أهل شاء وجامل يناجي بنا في كل ممسى ومصبح
فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلي لنا بالله ما إن يغشنا
بلى قد نراه جهرة غير حائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة
من الأرض بين أخشب فمجادل [ ص: 139 ] وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا
بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرأ ممن يعاش برأيه
ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح
حسود كذوب مبغض ذي دغاول ومر أبو سفيان عني معرضا
كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه
ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه
شفيق ويخفي عارمات الدواخل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة
ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة
أولي جدل من الخصوم المساجل أمطعم إن القوم ساموك خطة
وإني متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
عقوبة شر عاجلا غير آجل بميزان قسط لا يخس شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا
بني خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم
وآل قصي في الخطوب الأوائل [ ص: 140 ] وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا
علينا العدى من كل طمل وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم
فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم
وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم
ألان حطاب أقدر ومراجل ليهن بني عبد مناف عقوقنا
. وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم
وتحتلبوها لقحة غير باهل وسائط كانت في لؤي بن غالب
نفاهم إلينا كل صقر حلاحل ورهط نفيل شر من وطئ الحصى
وألأم حاف من معد وناعل فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا
وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة
إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم
لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده
لعمري وجدنا غبه غير طائل [ ص: 141 ] سوى أن رهطا من كلاب بن مرة
براء إلينا من معقة خاذل وهنا لهم حتى تبدد جمعهم
ويحسر عنا كل باغ وجاهل وكان لنا حوض السقاية فيهم
ونحن الكدى من غالب والكواهل شباب من المطيبين وهاشم
كبيض السيوف بين أيدي الصياقل فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما
ولا حالفوا إلا شرار القبائل بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم
ضواري أسود فوق لحم خرادل بني أمة محبوبة هندكية
بني جمح عبيد قيس بن عاقل ولكننا نسل كرام لسادة
بهم نعي الأقوام عند البواطل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب
زهير حساما مفردا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمي
إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد
وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل
إذا قاسه الحكام عند التفاضل [ ص: 142 ] حليم رشيد عادل غير طائش
يوالي إلها ليس عنه بغافل كريم المساعي ماجد وابن ماجد
له إرث مجد ثابت غير ناصل وأيده رب . العباد بنصره
وأظهر دينا حقه غير زائل فوالله لولا أن أجيء بسبة
تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة
من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد في أرومة
تقصر عنها سورة المتطاول حدبت بنفسي دونه وحميته
ودافعت عنه بالذرا والكلاكل
يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلاحق
إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا
إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر بلى لهما أمر ولكن تجرجما
كما جرجمت من رأس ذي علق الصخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا
هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما
فقد أصبحا منهم أكفهما صفر [ ص: 124 ] هما أشركا في المجد من لا أبا له
من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم
وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر فوالله لا تنفك منا عداوة
ولا منكم ما دام من نسلنا شفر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق