الأحد، 8 نوفمبر 2015


فصل ما لاقاه الرسول من أذى قريش )=====فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم
=====
باب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الرسالة إلى الخاص ======= فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
========== وقال البخاري : حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير سألت ابن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله . قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه ، فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم [ غافر : 28 ] الآية تابعه ابن إسحاق قال : أخبرني يحيى بن عروة عن أبيه ، قال : قلت لعبد الله بن عمرو .

وقال عبدة عن هشام عن أبيه ، قال : قيل لعمرو بن العاص . وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص . قال [ ص: 118 ] البيهقي : وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة . انفرد به البخاري وقد رواه في أماكن من " صحيحه " ، وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص وهو أشبه لرواية عروة عنه ، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة .

وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانت تظهره من عداوته ، فقال : لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا وصبرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا . قال : فبينما هم في ذلك طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفتها في وجهه ، فمضى ، ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها ، فقال : " أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح " . فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل [ ص: 119 ] إلا وكأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه حتى إنه ليقول : انصرف أبا القاسم راشدا ، فما كنت بجهول . فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ! فبينما هم على ذلك طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم ، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نعم ، أنا الذي أقول ذلك " . ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه ، وقام أبو بكر يبكي دونه ، ويقول : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأكثر ما رأيت قريشا بلغت منه=========

فيما اعترض به المشركون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما تعنتوا عليه في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات ، وخرق العادات ، على وجه العناد ، لا على وجه طلب الهدى والرشاد ; فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ، ولا ما إليه رغبوا ; لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا ، لاستمروا في طغيانهم يعمهون ، ولظلوا في غيهم وضلالهم يترددون .

قال الله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون . [ الأنعام : 109 - 111 ] وقال تعالى : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم [ يونس : 96 - 97 ] [ ص: 127 ] وقال تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [ الإسراء : 59 ] وقال تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [ الإسراء : 90 - 93 ] . وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد .

وقد روى يونس وزياد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وهو شيخ من أهل مصر يقال له : محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال : اجتمع علية من أشراف قريش وعدد أسماءهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه . فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك . فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعا ، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء ، وكان حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك ، وإنا والله لا [ ص: 128 ] نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ; لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وسفهت الأحلام ، وشتمت الآلهة ، وفرقت الجماعة ، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك ، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بي ما تقولون ، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا نذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم " . أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك ، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ، ولا أقل مالا ، ولا أشد عيشا منا . فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ; فإنه كان شيخا صدوقا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك ، صدقناك وعرفنا به منزلتك [ ص: 129 ] عند الله ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بهذا بعثت ، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به ، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك ; فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ، ويغنيك عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم في الأسواق ، وتلتمس المعايش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم . فقال لهم : " ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا : فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل . فقال : " ذلك إلى الله ، إن شاء فعل بكم ذلك " . فقالوا : يا محمد ، ما علم ربك أنا سنجلس معك ، ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة ، يقال له : الرحمن . وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة ، وهي بنات الله ، وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله [ ص: 130 ] والملائكة قبيلا . فلما قالوا ذلك ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ; ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب ، فوالله لا أومن لك أبدا ، حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم الله ، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك . ثم انصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله حزينا أسفا ; لما فاته مما طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه

وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد ، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الربانية ألا يجابوا لي ما سألوا ; لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك ، فيعاجلهم بالعذاب .

كما قال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا ، فقيل له : إن شئت أن [ ص: 131 ] تستأني بهم ، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم . قال : " لا ، بل أستأني بهم " . فأنزل الله تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [ الإسراء : 59 ] الآية وهكذا رواه النسائي من حديث جرير به .

وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران أبي الحكم عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك . قال : " وتفعلون ؟ " . قالوا : نعم قال : فدعا ، فأتاه جبريل ، فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة . قال : " بل التوبة والرحمة " . وهذان إسنادان جيدان ، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين ; منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد .

[ ص: 132 ] وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " عرض علي ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، أشبع يوما وأجوع يوما أو نحو ذلك فإذا جعت ، تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت ، حمدتك وشكرتك " . لفظ أحمد . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . وعلي بن يزيد يضعف في الحديث .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهما : سلوهم عن محمد وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصفا لهم أمره وبعض قوله ، وقالا : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . قال : فقالت لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم ; سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طواف [ ص: 133 ] طاف مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ، ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه ، وإن لم يخبركم فهو رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور . فأخبراهم بها . فجاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ، أخبرنا . فسألوه عما أمروهم به . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخبركم غدا بما سألتم عنه " . ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، ومكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقول الله تعالى : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : 85 ] وقد تكلمنا على ذلك كله في " التفسير " مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك . [ ص: 134 ] ونزل قوله : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا [ الكهف : 9 ] . ثم شرع في تفصيل أمرهم ، واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء ، تحقيقا لا تعليقا ، في قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت [ الكهف : 23 ، 24 ] ثم ذكر قصة موسى ; لتعلقها بقصة الخضر ثم ذي القرنين ثم قال : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا [ الكهف : 83 ] ثم شرح أمره ، وحكى خبره ، وقال في سورة " سبحان " : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي أي خلق عجيب من خلقه ، وأمر من أمره ، قال لها : كوني . فكانت ، وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه ، وتفسير كيفيته في نفس الأمر يصعب عليكم ، بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته ; ولهذا قال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : 85 ] وقد ثبت في " الصحيحين " أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فتلا عليهم هذه الآية . فإما أنها نزلت مرة ثانية ، أو ذكرها جوابا ، وإن كان نزولها متقدما ، ومن قال : إنها إنما نزلت بالمدينة . واستثناها من سورة " سبحان " ، ففي قوله نظر . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع [ ص: 135 ] قومه ، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة ، وبمكانها منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه ، فقال :


ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل     وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل     وقد حالفوا قوما علينا أظنة
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل     صبرت لهم نفسي بسمراء . سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول     وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائل     قياما معا مستقبلين رتاجه
لدى حيث يقضي حلفه كل نافل     وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم
بمفضى السيول من إساف ونائل     موسمة الأعضاد أو قصراتها
مخيسة بين السديس وبازل     ترى الودع فيها والرخام وزينة
بأعناقها معقودة كالعثاكل     أعوذ برب الناس من كل طاعن
علينا بسوء أو ملح بباطل [ ص: 136 ]     ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة
ومن ملحق في الدين ما لم نحاول     وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه
وراق لبر في حراء ونازل     وبالبيت حق البيت من بطن مكة
وبالله إن الله ليس بغافل     وبالحجر المسود إذ يمسحونه
إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل     وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
على قدميه حافيا غير ناعل     وأشواط بين المروتين إلى الصفا
وما فيهما من صورة وتماثل     ومن حج بيت الله من كل راكب
ومن كل ذي نذر ومن كل راجل     وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له
إلالا إلى مفضى الشراج القوابل     وتوقافهم فوق الجبال عشية
يقيمون بالأيدي صدور الرواحل     وليلة جمع والمنازل من منى
وهل فوقها من حرمة ومنازل     وجمع إذا ما المقربات أجزنه
سراعا كما يخرجن من وقع وابل     وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها
يؤمون . قذفا رأسها بالجنادل     وكندة إذ هم بالحصاب عشية
تجيز بهم حجاج بكر بن وائل [ ص: 137 ]     حليفان شدا عقد ما احتلفا له
وردا عليه عاطفات الوسائل     وحطمهم سمر الصفاح وسرحه
وشبرقه وخد النعام الجوافل     فهل بعد هذا من معاذ لعائذ
وهل من معيذ يتقي الله عاذل     يطاع بنا العدى وودوا لو اننا
تسد بنا أبواب ترك وكابل     كذبتم وبيت الله نترك مكة
ونظعن إلا أمركم في بلابل     كذبتم وبيت الله نبزى محمدا
ولما نطاعن دونه ونناضل     ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل     وينهض قوم بالحديد إليكم
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل     وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه
من الطعن فعل الأنكب المتحامل     وإنا لعمر الله إن جد ما أرى
لتلتبسن أسيافنا بالأماثل     بكفي فتى مثل الشهاب سميدع
أخي ثقة حامي الحقيقة باسل     شهورا وأياما وحولا مجرما
علينا وتأتي حجة بعد قابل [ ص: 138 ]     وما ترك قوم لا أبا لك سيدا
يحوط الذمار غير ذرب مواكل     وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل     يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في رحمة وفواضل     لعمري لقد أجرى أسيد وبكره
إلى بغضنا وجزآنا لآكل     وعثمان لم يربع علينا وقنفذ
ولكن أطاعا أمر تلك القبائل     أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم
ولم يرقبا فينا مقالة قائل     كما قد لقينا من سبيع ونوفل
وكل تولى معرضا لم يجامل     فإن يلفيا أو يمكن الله منهما
نكل لهما صاعا بصاع المكايل .     وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا
ليظعننا في أهل شاء وجامل     يناجي بنا في كل ممسى ومصبح
فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل     ويؤلي لنا بالله ما إن يغشنا
بلى قد نراه جهرة غير حائل     أضاق عليه بغضنا كل تلعة
من الأرض بين أخشب فمجادل [ ص: 139 ]     وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا
بسعيك فينا معرضا كالمخاتل     وكنت امرأ ممن يعاش برأيه
ورحمته فينا ولست بجاهل     فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح
حسود كذوب مبغض ذي دغاول     ومر أبو سفيان عني معرضا
كما مر قيل من عظام المقاول     يفر إلى نجد وبرد مياهه
ويزعم أني لست عنكم بغافل     ويخبرنا فعل المناصح أنه
شفيق ويخفي عارمات الدواخل     أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة
ولا معظم عند الأمور الجلائل     ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة
أولي جدل من الخصوم المساجل     أمطعم إن القوم ساموك خطة
وإني متى أوكل فلست بوائل     جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
عقوبة شر عاجلا غير آجل     بميزان قسط لا يخس شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل     لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا
بني خلف قيضا بنا والغياطل     ونحن الصميم من ذؤابة هاشم
وآل قصي في الخطوب الأوائل [ ص: 140 ]     وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا
علينا العدى من كل طمل وخامل     فعبد مناف أنتم خير قومكم
فلا تشركوا في أمركم كل واغل     لعمري لقد وهنتم وعجزتم
وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل     وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم
ألان حطاب أقدر ومراجل     ليهن بني عبد مناف عقوقنا
. وخذلاننا وتركنا في المعاقل     فإن نك قوما نتئر ما صنعتم
وتحتلبوها لقحة غير باهل     وسائط كانت في لؤي بن غالب
نفاهم إلينا كل صقر حلاحل     ورهط نفيل شر من وطئ الحصى
وألأم حاف من معد وناعل     فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا
وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل     ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة
إذا ما لجأنا دونهم في المداخل     ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم
لكنا أسى عند النساء المطافل     فكل صديق وابن أخت نعده
لعمري وجدنا غبه غير طائل [ ص: 141 ]     سوى أن رهطا من كلاب بن مرة
براء إلينا من معقة خاذل     وهنا لهم حتى تبدد جمعهم
ويحسر عنا كل باغ وجاهل     وكان لنا حوض السقاية فيهم
ونحن الكدى من غالب والكواهل     شباب من المطيبين وهاشم
كبيض السيوف بين أيدي الصياقل     فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما
ولا حالفوا إلا شرار القبائل     بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم
ضواري أسود فوق لحم خرادل     بني أمة محبوبة هندكية
بني جمح عبيد قيس بن عاقل     ولكننا نسل كرام لسادة
بهم نعي الأقوام عند البواطل     ونعم ابن أخت القوم غير مكذب
زهير حساما مفردا من حمائل     أشم من الشم البهاليل ينتمي
إلى حسب في حومة المجد فاضل     لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد
وإخوته دأب المحب المواصل     فمن مثله في الناس أي مؤمل
إذا قاسه الحكام عند التفاضل      [ ص: 142 ] حليم رشيد عادل غير طائش
يوالي إلها ليس عنه بغافل     كريم المساعي ماجد وابن ماجد
له إرث مجد ثابت غير ناصل     وأيده رب . العباد بنصره
وأظهر دينا حقه غير زائل     فوالله لولا أن أجيء بسبة
تجر على أشياخنا في المحافل     لكنا اتبعناه على كل حالة
من الدهر جدا غير قول التهازل     لقد علموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل     فأصبح فينا أحمد في أرومة
تقصر عنها سورة المتطاول     حدبت بنفسي دونه وحميته
ودافعت عنه بالذرا والكلاكل
قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها .

قلت : هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدا ; لا يستطيع أن يقولها إلا [ ص: 143 ] من نسبت إليه ، وهي أفحل من المعلقات السبع ، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعا ، وقد أوردها الأموي في " مغازيه " مطولة بزيادات أخر . والله أعلم
=========
باب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام
مسألة: الجزء الرابع
[ ص: 96 ] باب أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام ، وأمره له بالصبر ، والاحتمال ، والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم ، وإرسال الرسول الأعظم إليهم وذكر ما لقي من الأذية منهم هو وأصحابه رضي الله عنهم

قال الله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم [ الشعراء : 214 - 220 ] . وقال تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون . [ الزخرف : 44 ] [ ص: 97 ] . وقال تعالى : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [ القصص : 85 ] . أي إن الذي فرض عليك وأوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إلى الدار الآخرة وهي المعاد ، فيسألك عن ذلك ، كما قال تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ الأعراف : 6 ] ، وقال تعالى : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [ الحجر : 92 ، 93 ] . والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا ، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا " التفسير " ، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة " الشعراء " وأنذر عشيرتك الأقربين ، وأوردنا أحاديث جمة في ذلك ، فمن ذلك :

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أنزل الله " وأنذر عشيرتك الأقربين " أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفا ، فصعد عليه ، ثم نادى : " يا صباحاه " . فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، يا بني فهر ، يا بني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني " . قالوا : نعم . قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . [ ص: 98 ] فقال أبو لهب لعنه الله : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله عز وجل تبت يدا أبي لهب وتب [ المسد : 1 ] وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه .

قال أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية " وأنذر عشيرتك الأقربين " دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا فعم وخص ، فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني كعب ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني هاشم ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار ، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا ، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها " . ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة وله طرق أخر عن أبي هريرة في " مسند أحمد " وغيره .

[ ص: 99 ] وقال أحمد أيضا : حدثنا وكيع ثنا هشام عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما نزل " وأنذر عشيرتك الأقربين " قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا فاطمة بنت محمد ، يا صفية بنت عبد المطلب ، يا بني عبد المطلب ، لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني من مالي ما شئتم " . ورواه مسلم أيضا .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في " الدلائل " أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل واستكتمني اسمه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره ، فصمت ، فجاءنيجبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد ، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك . قال علي : فدعاني ، فقال : " يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من [ ص: 100 ] طعام ، وأعد لنا عس لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب " . ففعلت فاجتمعوا له ، وهم يومئذ أربعون رجلا ، يزيدون رجلا أو ينقصون ، فيهم أعمامه ; أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب الكافر الخبيث ، فقدمت إليهم تلك الجفنة ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها حذية ، فشقها بأسنانه ، ثم رمى بها في نواحيها ، وقال : " كلوا بسم الله " . فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اسقهم يا علي " . فجئت بذلك القعب ، فشربوا منه حتى نهلوا جميعا ، وايم الله إن كان الرجل ليشرب مثله ، فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله ، فقال : لهد ! ما سحركم صاحبكم . فتفرقوا ، ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان من الغد ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب ; فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " . ففعلت ، ثم جمعتهم له ، فصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صنع بالأمس ، فأكلوا [ ص: 101 ] حتى نهلوا عنه ، وايم الله ، إن كان الرجل ليأكل مثلها ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اسقهم يا علي " . فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا ، وايم الله ، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله ، فلما أراد رسول الله أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله ، إلى الكلام ، فقال : " لهد ما سحركم صاحبكم ! فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فلما كان من الغد ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب ; فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " . ففعلت ، ثم جمعتهم له ، فصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صنع بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا عنه ، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه ، وايم الله ! إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ; إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة " . هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه ، عن عبد الله بن الحارث به .

وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل الأبرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبي مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي فذكر مثله ، وزاد بعد قوله : " وإني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة " : " وقد [ ص: 102 ] أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي " . وكذا وكذا . قال : فأحجم القوم عنها جميعا ، وقلت ولإني لأحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا : أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه . فأخذ برقبتي ، فقال : " إن هذا أخي ، وكذا وكذا ، فاسمعوا له وأطيعوا " . قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ! تفرد به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم وهو كذاب شيعي ، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث ، وضعفه الباقون . ولكن روى ابن أبي حاتم في " تفسيره " عن أبيه ، عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال : قال علي : لما نزلت هذه الآية " وأنذر عشيرتك الأقربين " قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام ، وإناء لبنا ، وادع لي بني هاشم ، فدعوتهم ، وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل أو أربعون ورجل . فذكر القصة كنحو ما تقدم إلى أن قال : وبدرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلام [ ص: 103 ] فقال : " أيكم يقضي عني ديني ، ويكون خليفتي في أهلي ؟ " . قال : فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله ، قال : وسكت أنا لسن العباس ثم قالها مرة أخرى ، فسكت العباس فلما رأيت ذلك ، قلت : أنا يا رسول الله . قال : " أنت " . قال وإني يومئذ لأسوأهم هيئة ، وإني لأعمش العينين ، ضخم البطن ، حمش الساقين . وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم ، إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها ، فالله أعلم .

وقد روى الإمام أحمد في " مسنده " من حديث عباد بن عبد الله الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم ، أو كالشاهد له . والله أعلم .

ومعنى قوله في هذا الحديث : من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني : إذا مت ، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه ، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ، ويقضي عنه ، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس الآية . [ المائدة : 67 ]

والمقصود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا ، وسرا [ ص: 104 ] وجهارا ، لا يصرفه عن ذلك صارف ، ولا يرده عنه راد ، ولا يصده عنه صاد ، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم ، وفي المواسم ، ومواقف الحج ; يدعو من لقيه من حر وعبد ، وضعيف وقوي ، وغني وفقير ، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء ، وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية ، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية ، أخت أبي سفيان ، وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب خلق الله إليه طبعا ، فكان يحنو عليه ويحسن إليه ، ويدافع عنه ويحامي ، ويخالف قومه في ذلك ، مع أنه على دينهم وعلى خلتهم ، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا ، فكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى ، ومما صنعه لرسوله من الحماية ; إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة ، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه ، ولاجترؤوا عليه ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه ، وربك يخلق ما يشاء ويختار وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا ، فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار ، وذلك في [ ص: 105 ] الدرك الأسفل من النار ، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر ، وتقرأ في المواعظ والخطب ، تتضمن أنه سيصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالة الحطب .

قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، قال : أخبرني رجل ، يقال له : ربيعة بن عباد من بني الديل ، وكان جاهليا فأسلم ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية ، في سوق ذي المجاز ، وهو يقول : " يا أيها الناس ، قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا " . والناس مجتمعون عليه ، ووراءه رجل وضيء الوجه ، أحول ، ذو غديرتين ، يقول : إنه صابئ كاذب . يتبعه حيث ذهب ، فسألت عنه ، فقالوا : هذا عمه أبو لهب . ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه .

وقال البيهقي أيضا : حدثنا أبو طاهر الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري [ ص: 106 ] حدثنا محمد بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلي قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم ، يدعوهم إلى الله ، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه ، وهو يقول : أيها الناس ، لا يغرنكم هذا عن دينكم ، ودين آبائكم . قلت : من هذا ؟ قيل : هذا أبو لهب .

ثم رواه من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسوق ذي المجاز ، وهو يقول : " يا أيها الناس ، قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا " . وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب ، وإذا هو أبو جهل وإذا هو يقول : يا أيها الناس ، لا يغرنكم هذا عن دينكم ، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى . كذا قال : أبو جهل والظاهر أنه أبو لهب وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته ، وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى .

وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي ، كما سيظهر من صنائعه ، وسجاياه ، واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، رضي الله عنهم .

[ ص: 107 ] قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن موسى بن طلحة أخبرني عقيل بن أبي طالب قال : جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا ، فانهه عنا . فقال : يا عقيل انطلق فأتني بمحمد . فانطلقت إليه ، فاستخرجته من كبس أو قال حفش يقول : بيت صغير . فجاء به في الظهيرة في شدة الحر ، فلما أتاهم ، قال : إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم ، فانته عن أذاهم ، فحلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره إلى السماء ، فقال : " ترون هذه الشمس " . قالوا : نعم . قال : " فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة " . فقال أبو طالب : والله ما كذب ابن أخي قط ، فارجعوا . رواه البخاري في " التاريخ " عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير . ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عنه به . وهذا لفظه .

[ ص: 108 ] ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، وقالوا كذا وكذا ، فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت ، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك ، فظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قد بدا لعمه فيه ، وأنه خاذله ومسلمه ، وضعف عن القيام معه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عم ، لو وضعت الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ثم استعبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى ، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا بن أخي . فأقبل عليه ، فقال : امض على أمرك ، وافعل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا . قال ابن إسحاق : ثم قال أبو طالب في ذلك


والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا     فامضي لأمرك ما عليك غضاضة
أبشر وقر بذاك منك عيونا     ودعوتني وعلمت أنك ناصحي
فلقد صدقت وكنت قدم أمينا     وعرضت دينا قد عرفت بأنه
من خير أديان البرية دينا [ ص: 109 ]     لولا الملامة أو حذاري سبة
لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ثم قال البيهقي : وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا ، وفي كل ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه ، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء ، لا معقب لحكمه .

وقال يونس بن بكير : حدثني محمد بن إسحاق حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضع وأربعين سنة ، عن عكرمة عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قام عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو جهل بن هشام : يا معشر قريش ، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون ; من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وسب آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلس له غدا بحجر ، فإذا سجد في صلاته ، فضخت به رأسه ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم . فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ، ثم جلس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظره ، وغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان يغدو ، وكانت قبلته الشام ، فكان إذا صلى صلى بين الركنين الأسود واليماني ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ، فلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتمل [ ص: 110 ] أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا ، قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده ، وقامت إليه رجال من قريش ، فقالوا : له ما بك يا أبا الحكم ؟ فقال : قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، والله ما رأيت مثل هامته ، ولا قصرته ، ولا أنيابه لفحل قط ، فهم أن يأكلني . قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ذلك جبريل ، لو دنا مني لأخذه " .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ، عن عباس بن عبد المطلب قال : كنت يوما في المسجد ، فأقبل أبو جهل لعنه الله ، فقال : إن لله علي إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته . فخرجت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلت عليه ، فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى جاء المسجد ، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط ، فقلت : هذا يوم شر . فاتزرت ثم اتبعته . فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق [ العلق : 1 ، 2 ] فلما بلغ شأن أبي جهل كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [ العلق : 6 ، 7 ] فقال إنسان لأبي جهل : يا أبا الحكم هذا محمد . [ ص: 111 ] فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى ؟ والله لقد سد أفق السماء علي ، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر السورة سجد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال : قال ابن عباس قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه . فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا " . ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به . قال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : مر أبو جهل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فقال : ألم أنهك أن تصلي يا محمد ؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني . فانتهره النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال جبريل : فليدع ناديه سندع الزبانية [ العلق : 17 ، 18 ] والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب . رواه أحمد والترمذي وصححه والنسائي من طريق داود به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو يزيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال قال أبو جهل : لئن رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه . قال : فقال : " لو فعل [ ص: 112 ] لأخذته الملائكة عيانا " .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه . فأنزل الله تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ من الآية لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية [ العلق : 15 - 18 ] فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فقيل : ما يمنعك ؟ قال : قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب . قال ابن عباس : والله لو تحرك لأخذته الملائكة ، والناس ينظرون إليه .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه ، عن نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم . قال : فقال : واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ، ولأعفرن وجهه في التراب . فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ; ليطأ على رقبته . قال : فما فجئهم منه إلا [ ص: 113 ] وهو ينكص على عقبيه ، ويتقي بيديه . قال : فقيل له : ما لك ؟ قال : إن بيني وبينه خندقا من نار ، وهولا ، وأجنحة . قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " . قال : وأنزل الله تعالى لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إلى آخر السورة . وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا على قريش غير يوم واحد ; فإنه كان يصلي ، ورهط من قريش جلوس ، وسلى جزور قريب منه ، فقالوا : من يأخذ هذا السلى فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبي معيط : أنا فأخذه فألقاه على ظهره ، فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة ، فأخذته عن ظهره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم عليك بهذا الملأ من قريش ، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة اللهم عليك بشيبة بن ربيعة اللهم عليك بأبي جهل بن هشام اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط اللهم عليك بأبي بن خلف أو أمية بن خلف شعبة الشاك . قال عبد الله : فلقد رأيتهم [ ص: 114 ] قتلوا يوم بدر جميعا ، ثم سحبوا إلى القليب ، غير أبي أو أمية فإنه كان رجلا ضخما فتقطع . وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من " صحيحه " ومسلم من طرق عن أبي إسحاق به ، والصواب أمية بن خلف ; فإنه الذي قتل يوم بدر ، وأخوه أبي إنما قتل يوم أحد ، كما سيأتي بيانه ، والسلى : هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة .

وفي بعض ألفاظ " الصحيح " أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا ، حتى جعل بعضهم يميل على بعض . أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك ، لعنهم الله . وفيه : أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم ، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك ، وخافوا دعوته ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - دعا على الملأ منهم جملة ، وعين في دعائه سبعة ، وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم ، وهم : عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وأبو جهل بن هشام وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف قال أبو إسحاق : ونسيت السابع . قلت : وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في " صحيح البخاري "
================


( في تأليب الملأ من قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته ، وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم ، فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته )

قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد [ ص: 120 ] وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد ، إلا ما يواري إبط بلال . وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به . وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال محمد بن إسحاق : وحدب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه أبو طالب ومنعه ، وقام دونه ، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء ، فلما رأت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم ، وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه ، وقام دونه ، فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ; عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس وأبو البختري ، واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى وأبو جهل ، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة [ ص: 121 ] بن مرة بن كعب بن لؤي ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم قال ابن إسحاق أو من مشى منهم فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه . فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه ، يظهر دين الله ويدعو إليه ، ثم شرى الأمر بينه وبينهم ، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينها ، فتوامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه ، ثم إنهم مشوا إلىأبي طالب مرة أخرى ، فقالوا : يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك ، فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا ; من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين . أو كما قالوا . ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خذلانه .

قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 122 ] فقال له : يا بن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا للذي قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . قال : فظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد بدا لعمه فيه بداء ، وأنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، قال : فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ما تركته " . قال : ثم استعبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى ، ثم قام ، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي . فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته ، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش ، وأجمله فخذه ، فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامها ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . قال : والله لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبدا . قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن [ ص: 123 ] عبد مناف بن قصي : والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكره ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا . فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ، ومظاهرة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك . أو كما قال ، فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، ونادى بعضهم بعضا ، فقال أبو طالب عند ذلك ، يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من بني عبد مناف ، ومن عاداه من قبائل قريش ، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم :


ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ألا ليت حظي من حياطتكم بكر     من الخور حبحاب كثير رغاؤه
يرش على الساقين من بوله قطر     تخلف خلف الورد ليس بلاحق
إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر     أرى أخوينا من أبينا وأمنا
إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر     بلى لهما أمر ولكن تجرجما
كما جرجمت من رأس ذي علق الصخر     أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا
هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر     هما أغمزا للقوم في أخويهما
فقد أصبحا منهم أكفهما صفر [ ص: 124 ]     هما أشركا في المجد من لا أبا له
من الناس إلا أن يرس له ذكر     وتيم ومخزوم وزهرة منهم
وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر     فوالله لا تنفك منا عداوة
ولا منكم ما دام من نسلنا شفر
قال ابن هشام وتركنا منها بيتين أقذع فيهما .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق