الأحد، 1 نوفمبر 2015

 ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن===قصة سبأ
    قصة ربيعة بن نصر
    وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن
    ذكر خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما
    ذكر خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن
ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن    قصة الساطرون صاحب الحضر
خبر ملوك الطوائف=========















مسألة:
[ ص: 167 ] ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن

قال ابن هشام : ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان ، ثم مات فأمر ابن التينجان ، ثم عزله عن اليمن ، وأمر عليها باذان ، وفي زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ابن هشام فبلغني عن الزهري أنه قال : كتب كسرى إلى باذان : إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب ، وإلا فابعث إلي برأسه . فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر ، وقال : إن كان نبيا فسيكون ما قال . فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : ابن هشام على يدي ابنه شيرويه قلت : وقال بعضهم : بنوه تمالئوا على قتله . وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباز وهو الذي غلب الروم في قوله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض [ الروم : 1 - 3 ] كما سيأتي بيانه .

قال السهيلي : وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى [ ص: 168 ] سنة تسع من الهجرة كان . والله أعلم . لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فغضب ، ومزق كتابه كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال . وفي بعض الروايات ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لرسول باذان إن ربي قد قتل الليلة ربك فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتل تلك الليلة بعينها قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعدما خلعوه ، وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله أباه إلا ستة أشهر أو دونها ، وفي هذا يقول خالد بن حق الشيباني


وكسرى إذ تقسمه بنوه بأسياف كما اقتسم اللحام     تمخضت المنون له بيوم
أنى ، ولكل حاملة تمام
قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه ، وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الرسل : إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال أنتم منا ، وإلينا أهل البيت قال الزهري : ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت قلت : والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ولهذا بعث الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير ، ودعوتهم إلى الله عز وجل فبعث أولا خالد بن الوليد ، وعلي بن أبي طالب ، ثم [ ص: 169 ] أتبعهما أبا موسى الأشعري ، ومعاذ بن جبل .===========
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل

[ ص: 178 ] خبر ملوك الطوائف

وأما صاحب الحضر وهو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف وكان من زمن إسكندر بن فيلبس المقدوني اليوناني ، وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل مملكته ، وخرب بلاده ، واستباح بيضة قومه ، ونهب حواصله ، ومزق شمل الفرس شذر مذر ، عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم من أقاليم الأرض ، ما بين عربها وأعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته ويحفظ حصته ، ويستغل محلته فاذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة حتى كان أزدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن إسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ، ورجعت الممالك برمتها إليه ، وأزال ممالك ملوك الطوائف ، ولم يبق منهم تالد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم===========قصة سبأ

قال الله تعالى لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنينفقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . [ سبأ : 15 - 19 ]

قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق : اسم سبأ ; عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، قالوا : وكان أول من سبى في العرب فسمي سبأ لذلك وكان يقال له : الرائش ; لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه . قال السهيلي : ويقال : إنه أول من تتوج . وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله


سيملك بعدنا ملكا عظيما نبي لا يرخص في الحرام [ ص: 108 ]     ويملك بعده منهم ملوك يدينون العباد بغير ذام
ويملك بعدهم منا ملوك     يصير الملك فينا باقتسام
ويملك بعد قحطان نبي تقي خبتة خير الأنام     يسمى أحمدا يا ليت أني
أعمر بعد مبعثه بعام     فأعضده وأحبوه بنصري بكل
مدجج وبكل رام     متى يظهر فكونوا ناصريه
ومن يلقاه يبلغه سلامي
حكاه ابن دحية في كتابه " التنوير في مولد البشير النذير " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الرحمن بن وعلة سمعت عبد الله بن العباس يقول : إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو ؟ أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال : بل هو رجل ولد عشرة ; فسكن اليمن منهم ستة ، وبالشام منهم أربعة فأما اليمانيون ; فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير ، وأما الشامية ; فلخم وجذام وعاملة وغسان . وقد ذكرنا في التفسير أن [ ص: 109 ] فروة بن مسيك الغطيفي هو السائل عن ذلك ، كما استقصينا طرق هذا الحديث ، وألفاظهن هناك ولله الحمد .

والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها ، وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم ، كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك ، وكانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا ، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر ، ومن ملك الفرس كسرى ، ومن ملك مصر فرعون ، ومن ملك الحبشة النجاشي ، ومن ملك الهند بطليموس ، وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس ، وقد قدمنا قصتها مع سليمان عليه السلام ، وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة ، وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا ; أحلوا قومهم دار البوار .

قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا ، وزعم السدي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي . فالله أعلم .

[ ص: 110 ] والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال ، وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا ، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم ، كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور .

ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته ; أن المياه تجري من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين ، وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة ، وزرعوا الزروع الكثيرة . ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب ، وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه ، وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ، ومات ولم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده وكان اتساعه فرسخا في فرسخ كانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته ، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث ولا الدواب المؤذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور وكما قال تعالى وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . [ إبراهيم : 7 ]

[ ص: 111 ] فلما عبدوا غير الله ، وبطروا نعمته ، وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم ، وطيب ما بينها من البساتين ، وأمن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم ، وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب ، وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا ، كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول ; والقثاء والفوم والعدس والبصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد ، كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم قال غير واحد : أرسل الله على أصل السد الفار وهو الجرذ ، ويقال : الخلد . فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر ، ولم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول والأنهار ، وانقطعت تلك الثمار ، وبادت تلك الزروع والأشجار ، وتبدلوا بعدها برديء الأشجار والأثمار كما قال العزيز الجبار وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : هو الأراك وثمره البرير ، وأثل وهو الطرفاء ، [ ص: 112 ] وقيل : يشبهه وهو حطب لا ثمر له وشيء من سدر قليل وذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير ، وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل : لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى; ولهذا قال تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور أي : إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا ، وخالف أمرنا ، وانتهك محارمنا ، وقال تعالى فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق وذلك أنهم لما هلكت أموالهم ، وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها ، وينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد ونجدها ; أيدي سبأ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز ، وهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة وكان من أمرهم ما سنذكره ، ومنهم المدينة النبوية اليوم فكانوا أول من سكنها ، ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود; بنو قينقاع ، وبنو قريظة ، وبنو النضير فحالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم وكان من أمرهم ما سنذكره ، ونزلت طائفة أخرى منهم الشام ، وهم الذين تنصروا فيما بعد ، وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم ، وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضي الله عنهما .

قال محمد بن إسحاق : حدثني أبو عبيدة قال : قال الأعشى بن قيس [ ص: 113 ] بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس


وفي ذاك للمؤتسي أسوة     ومأرب عفى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير إذا جاء مواره لم يرم     فأروى الزروع وأعنابها
على سعة ماؤهم إذ قسم     فصاروا أيادي لا يقدرو
ن منه على شرب طفل فطم


وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب " السيرة " أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي ، ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال : لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ قاله ابن هشام قال ابن إسحاق : وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس [ ص: 114 ] عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه ، أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو : لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي ، وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن : اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله . وانتقل في ولده وولد ولده وقالت الأزد : لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك فكانت حربهم سجالا ففي ذلك قال عباس بن مرداس


وعك بن عدنان الذين تلعبوا     بغسان حتى طردوا كل مطرد
قال : فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ، ونزل الأوس والخزرج يثرب ، ونزلت خزاعة مرا ، ونزلت أزد السراة السراة ، ونزلت أزد عمان عمان ، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه ، وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات وقد روي عن السدي قريب من هذا ، وعن محمد بن إسحاق في رواية أن عمرو بن عامر كان كاهنا ، [ ص: 115 ] وقال غيره كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم ، وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا . والله أعلم . وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في " التفسير============قصة ربيعة بن نصر

بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر المتقدم ذكره اللخمي

كذا ذكره ابن إسحاق ، وقال السهيلي : ونساب اليمن تقول : نصر بن ربيعة وهو ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم ، وقال الزبير بن بكار : ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ، ولخم أخو جذام ، وسمي لخما ; لأنه لخم أخاه أي : لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمي جذاما وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة ، وخبره مع شق وسطيح الكاهنين ، وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان ، وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسر [ ص: 118 ] بن عبقر بن أنمار بن نزار ، ومنهم من يقول أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال : إن سطيحا كان لا أعضاء له ، وإنما كان مثل السطيحة ، ووجهه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس وكان شق نصف إنسان ، ويقال : إن خالد بن عبد الله بن القسري كان سلالته ، وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ، ويقال : إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها ، وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره . والله أعلم .

قال محمد بن إسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها فأخبروني بها ، وبتأويلها فقالوا : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها فقال : إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها; لأنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه فبعث إليهما فقدم إليه سطيح قبل شق فقال له : إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت [ ص: 119 ] تأويلها فقال : أفعل . رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش فقال له الملك : وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم بعده ؟ فقال : لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال : أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال : ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم . قال : يليهم إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع قال : ومن يقطعه قال : نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال : وممن هذا النبي ؟ قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون . قال : أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم والشفق والغسق والفلق إذا [ ص: 120 ] اتسق إن ما أنبأتك به لحق . قال : ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح ، وكتمه ما قال سطيح ; لينظر أيتفقان أم يختلفان ، قال : نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا ، وأن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة ، وقال شق : وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فقال له الملك : ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك : وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال : لا بل بعده بزمان ، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان ، ويذيقهم أشد الهوان قال : ومن هذا العظيم الشان ؟ قال : غلام ليس بدني ولا مدن ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال : أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال : وما يوم الفصل ؟ قال : يوم تجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع منها الأحياء والأموات ، ويجمع الناس فيه للميقات ، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال : أحق ما تقول ؟ قال : إي ورب السماء والأرض وما بينهما [ ص: 121 ] من رفع وخفض ، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض قال ابن إسحاق : فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق ، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له : سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال ابن إسحاق : فمن بقية ولد ربيعة بن نصر : النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعني الذي كان نائبا على الحيرة لملوك الأكاسرة وكانت العرب تفد إليه ، وتمتدحه . وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس ، وقد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان ؟ فقال : من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان=========== وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن
إظهار التشكيل
|
إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء الثالث    التحليل الموضوعي
[ ص: 132 ] وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن

وقد ملكها سبعا وعشرين سنة قال ابن إسحاق : فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له : لخنيعة ينوف ذو شناتر فقتل خيارهم ، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم وكان مع ذلك امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك ، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ، ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه أي : ليعلمهم أنه قد فرغ منه حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان ، ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل ، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه فأخذ [ ص: 133 ] سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدميه ونعله ، ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ، ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ، ووضع مسواكه في فيه ، ثم خرج على الناس .

فقالوا له : ذا نواس أرطب أم يباس ؟ فقال : سل نخماس استرطبان ذو نواس استرطبان لا باس فنظروا إلى الكوة فاذا رأس لخنيعة مقطوع فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه ، فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه عليهم ، واجتمعت عليهحمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير ، وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا ، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم عليه السلام على الإنجيل أهل فضل واستقامة من أهل دينهم ، لهم رأس يقال له : عبد الله بن الثامر ، ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى ، وأن ذلك كان على يدي رجل يقال له : فيميون كان من عباد النصارى بأطراف الشام وكان مجاب الدعوة . [ ص: 134 ] وصحبه رجل يقال له : صالح فكانا يتعبدان يوم الأحد ، ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء ، وكان يدعو للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون ، ثم استأسره وصاحبه بعض الأعراب فباعوهما بنجران ، فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه - في الليل - يمتلئ عليه البيت نورا فأعجبه ذلك من أمره ، وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلي نسائهم ، ويعكفون عندها فقال فيميون لسيده : أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل ؟ قال : نعم فجمع له أهل نجران ، وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها فأرسل الله عليها قصفا فجعفها من أصلها ، ورماها إلى الأرض فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية ، وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب .

ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون ، وكيف قتله وأصحابه ، ذو نواس وخد لهم الأخدود - وقال ابن هشام وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق - وأجج فيه النار وحرقهم بها ، وقتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا كما قدمنا ذلك مبسوطا في أخبار بني إسرائيل ، وكما هو مستقصى في تفسير سورة والسماء ذات البروج من كتابنا " التفسير " ولله الحمد .
==============ذكر خروج أبرهة الأشرم

على أرياط واختلافهما

قال ابن إسحاق : فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك ، ثم نازعه أبرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل منهما طائفة ، ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط : إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا شيئا فابرز لي وأبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده فأرسل إليه أرياط أنصفت فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما وكان ذا دين في النصرانية ، وخرج إليه أرياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا ، وفي يده حربة له ، وخلف أبرهة غلام يقال له : عتودة يمنع ظهره فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمي : أبرهة الأشرم ، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله ، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن ، وودى أبرهة أرياط فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذي بعثهم إلى [ ص: 138 ] اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة ، وقال : عدا على أميري فقتله بغير أمري ، ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ، ويجز ناصيته فحلق أبرهة رأسه ، وملأ جرابا من تراب اليمن ، ثم بعث به إلى النجاشي ، ثم كتب إليه : أيها الملك إنما كان أرياط عبدك ، وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك ، وكل طاعته لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة ، وأضبط لها وأسوس منه ، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك ، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه ، وكتب إليه أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن =======================كر خروج الملك عن الحبشة

ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن

قال محمد بن إسحاق رحمه الله : فلما هلك أبرهة ، ملك الحبشة يكسوم بن أبرهة ، وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم ، ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة . قال : فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري - وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج وهو حمير بن سبأ وكان سيف يكنى أبا مرة - حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه ، وسأله أن يخرجهم عنه ، ويليهم هو ، ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق .

فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان : إن لي على كسرى ، وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك ففعل ، ثم خرج معه فأدخله على [ ص: 159 ] كسرى وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم فيما يزعمون ، يضرب فيه الياقوت والزبرجد ‌اللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك ، وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر عليه بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ، ثم يدخل رأسه في تاجه فاذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك : إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ، ثم يطأطئ رأسه فقيل ذلك لسيف فقال : إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء ، ثم قال : أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة . قال كسرى : أي الأغربة; الحبشة أم السند ؟ قال : بل الحبشة فجئتك لتنصرني ، ويكون ملك بلادي لك . فقال له كسرى : بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف ، وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس .

فبلغ ذلك الملك فقال : إن لهذا لشأنا ، ثم بعث إليه فقال : عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس ! قال : وما أصنع بهذا ؟ ما [ ص: 160 ] جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها فجمع كسرى مرازبته فقال لهم : ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له ؟ فقال قائل : أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم ، وإن ظفروا كان ملكا ازددته . فبعث معه كسرى من كان في سجونه كانوا ثمانمائة رجل ، واستعمل عليهم وهرز وكان ‌ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه ، وقال له : رجلي ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا فقال له : وهرز أنصفت ، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن ، وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ، ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز : أروني ملكهم فقالوا له : أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء ؟ قال : نعم قالوا : ذلك ملكهم فقال : اتركوه قال : فوقفوا طويلا ، ثم قال : علام هو ؟ قالوا : قد تحول على الفرس قال : اتركوه فتركوه طويلا ، ثم قال علام هو ؟ قالوا : على البغلة قال وهرز : بنت الحمار ذل وذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل ، وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم . ثم وتر قوسه وكانت - [ ص: 161 ] فيما يزعمون - لا يوترها غيره من شدتها ، وأمر بحاجبيه فعصبا له ، ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه ، وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ، ونكس عن دابته ، واستدارت الحبشة ولاثت به ، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه ، وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال : لا تدخل رايتي منكسة أبدا ، اهدموا هذا الباب فهدم . ثم دخلها ناصبا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري


يظن الناس بالملكين أنهما قد التأما     ومن يسمع بلأمهما فإن
الخطب قد فقما     قتلنا القيل مسروقا
وروينا الكثيب دما     وإن القيل قيل الناس
وهرز مقسم قسما     يذوق مشعشعا حتى
نفيء السبي والنعما
ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه [ ص: 162 ] وامتدحوه فكان من جملة من وفد عليه قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بما يعلم من أمره ، وسيأتي ذلك مفصلا في باب البشارات به عليه الصلاة والسلام .

قال ابن إسحاق : وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي قال ابن هشام : وتروى لأمية بن أبي الصلت .


ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن     ريم في البحر للأعداء أحوالا
يمم قيصر لما حان رحلته فلم     يجد عنده بعض الذي سالا
ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة     من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم     إنك عمري لقد أسرعت قلقالا
لله درهم من عصبة خرجوا     ما إن أرى لهم في الناس أمثالا
[ ص: 163 ] غلبا مرازبة بيضا أساورة     أسدا تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط     بزمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب     فقد أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا     في رأس غمدان دارا منك محلالا
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم     وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن     شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
يقال : إن غمدان قصر باليمن ، بناه يعرب بن قحطان ، وأكمله [ ص: 164 ] بعده واحتله وائلة بن حمير بن سبأ ، ويقال : كان ارتفاعه عشرين طبقة فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : وقال عدي بن زيد الحيري وكان أحد بني تميم


ما بعد صنعاء كان يعمرها     ولاة ملك جزل مواهبها
رفعها من بنى لذي قزع المزن     وتندى مسكا محاربها
محفوفة بالجبال دون عرى ال     كائد ما يرتقي غواربها
يأنس فيها صوت النهام     إذا جاوبها بالعشي قاصبها
ساقت إليها الأسباب جند بني     الأحرار فرسانها مواكبها
[ ص: 165 ] وفوزت بالبغال توسق بالحتف     وتسعى بها توالبها
حتى رآها الأقوال من طرف المنقل     مخضرة كتائبها
يوم ينادون البربر     واليكسوم لا يفلحن هاربها
فكان يوما باقي الحديث ، وزالت     أمة ثابت مراتبها
وبدل الفيج بالزرافة والأيام     خون جم عجائبها
بعد بني تبع نخاورة     قد اطمأنت بها مرازبها
قال ابن هشام . وهذا الذي عنى سطيح بقوله : يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن والذي عنا شق بقوله : غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن .

[ ص: 166 ] قال ابن إسحاق : وأقام وهرز والفرس باليمن فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم . وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة ، وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة : أرياط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم بن أبرهة ، ثم مسروق بن أبرهة=====================قصة الساطرون صاحب الحضر

وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لأجل ما قاله بعض علماء النسب أن النعمان بن المنذر الذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه ، وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه أنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر وقد قدمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر ، وأنه روي عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قنص بن معد بن عدنان فهذه ثلاثة أقوال في نسبه . فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر ، والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك وهو الساطرون على حافة الفرات وهو منيف مرتفع البناء ، واسع الرحبة والفناء دوره بقدر مدينة عظيمة وهو في غاية الإحكام والبهاء والحسن والسناء ، وإليه يجبى ما حوله من الأقطار والأرجاء ، واسم الساطرون : الضيزن بن معاوية بن عبيد بن أجرم من بني سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة . كذا نسبه ابن الكلبي ، وقال غيره : كان من الجرامقة وكان أحد ملوك الطوائف وكان [ ص: 172 ] يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم وكان حصنه بين دجلة والفرات .

قال ابن هشام : وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا الساطرون ملك الحضر ، وقال غير ابن هشام : إنما الذي غزا صاحب الحضر ; سابور بن أزدشير بن بابك أول ملوك بني ساسان أذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الأكاسرة ، وأما سابور ذو الأكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل . والله أعلم . ذكره السهيلي .

قال ابن هشام : فحصره سنتين . وقال غيره : أربع سنين ; وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق فأشرفت بنت الساطرون - وكان اسمها : النضيرة - فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج ، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلا فدست إليه : أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال : نعم فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه ، وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب ، ويقال : بل دلتهم على نهر [ ص: 173 ] يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر ، ويقال : بل دلتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء ، وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ، ثم ترسل فاذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب ففعل ذلك فانفتح الباب فدخل سابور فقتل ساطرون ، واستباح الحضر ، وخربه ، وسار بها معه فتزوجها فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها سابور : أهذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم قال : فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت : كان يفرش لي الديباج ، ويلبسني الحرير ، ويطعمني المخ ، ويسقيني الخمر قال : أفكان جزاء أبيك ما صنعت به ؟ ! أنت إلي بذلك أسرع ، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس ، ثم ركض الفرس حتى قتلها ففيه يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة


ألم تر للحضر إذ أهله بنعمى وهل خالد من نعم      [ ص: 174 ] أقام به شاهبور الجنو
د حولين تضرب فيه القدم     فلما دعا ربه دعوة
أناب إليه فلم ينتقم     فهل زاده ربه قوة
ومثل مجاوره لم يقم     وكان دعا قومه دعوة
هلموا إلى أمركم قد صرم     فموتوا كراما بأسيافكم
أرى الموت يجشمه من جشم
وقال عدي بن زيد في ذلك


والحضر صابت عليه داهية     من فوقه أيد مناكبها
ربية لم توق والدها     لحينها إذ أضاع راقبها
إذ غبقته صهباء صافية     والخمر وهل يهيم شاربها
[ ص: 175 ] فأسلمت أهلها بليلتها     تظن أن الرئيس خاطبها
فكان حظ العروس إذ جشر     الصبح دماء تجري سبائبها
وخرب الحضر واستبيح وقد     أحرق في خدرها مشاجبها
وقال عدي بن زيد أيضا


أيها الشامت المعير بالدهر     أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيا     م بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من     ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر     وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك     الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج     لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كل     سا فللطير في ذراه وكور
[ ص: 176 ] لم يهبه ريب المنون فبان الملك     عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أش     رف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يم     لك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غب     طة حي إلى الممات يصير
ثم أضحوا كأنهم ورق ج     ف فألوت به الصبا والدبور
قلت : ورب الخورنق الذي ذكره في شعره ، رجل من الملوك المتقدمين ، وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذي كان قد أسرف فيه وعتا ، وتمرد فيه ، وأتبع نفسه هواها ، ولم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول ، وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد ، وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده فأخذته موعظته ، وبلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه ، وفكر في يومه وأمسه ، وخاف من ضيق رمسه فتاب وأناب ونزع عما كان فيه ، وترك الملك ولبس زي الفقراء وساح في الفلوات وحظي بالخلوات ، وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب [ ص: 177 ] السماوات وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الإمام موفق ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب " التوابين " ، وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب " الروض الأنف " المرتب أحسن ترتيب ، وأوضح تبيين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق