في مشي عيسى على الماء====
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله ===
بيان بناء بيت لحم والقمامة=
قال أبو بكر ابن أبي الدنيا : حدثنا رجل سقط اسمه ، حدثنا حجاج بن محمد ، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان ، عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : فقد الحواريون نبيهم عيسى ، فقيل لهم : توجه نحو البحر . فانطلقوا يطلبونه ، فلما انتهوا إلى البحر ، إذا هو يمشي على الماء ، يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى ، وعليه كساء ، مرتد بنصفه ، ومؤتزر بنصفه حتى انتهى إليهم ، فقال له بعضهم - قال أبو هلال : ظننت أنه من أفاضلهم - : ألا أجيء إليك يا نبي الله ؟ قال : بلى . قال : فوضع إحدى رجليه على الماء ، ثم ذهب ليضع الأخرى فقال : أوه ، غرقت يا نبي الله . فقال : أرني يدك يا قصير الإيمان ، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة ، مشى على الماء . ورواه أبو سعيد بن الأعرابي ، عن إبراهيم ابن أبي الجحيم ، عن سليمان بن حرب ، عن أبي هلال ، عن بكر ، بنحوه . ثم قال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا إبراهيم بن الأشعث ، عن الفضيل بن عياض قال : قيل لعيسى ابن مريم : يا عيسى ، بأي شيء تمشي على الماء ؟ قال : [ ص: 496 ] بالإيمان واليقين . قالوا : فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت . قال : فامشوا إذا . قال : فمشوا معه في الموج فغرقوا . فقال لهم عيسى : ما لكم ؟ فقالوا : خفنا الموج . قال : ألا خفتم رب الموج . قال : فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض ، فقبض بها ثم بسطها ، فإذا في إحدى يديه ذهب ، وفي الأخرى مدر أو حصى ، فقال : أيهما أحلى في قلوبكم ؟ قالوا : هذا الذهب . قال : فإنهما عندي سواء . وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى ، عليه السلام ، كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ، ولا يدخر شيئا لغد . وقال بعضهم : كان يأكل من غزل أمه ، صلوات الله وسلامه عليه .
وروى ابن عساكر عن الشعبي ، أنه قال : كان عيسى عليه السلام ، إذا ذكر عنده الساعة صاح ، ويقول : لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت . وعن عبد الملك بن سعيد بن أبجر ، أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، حدثنا جعفر بن برقان : أن عيسى كان يقول : اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ، ولا أملك نفع ما أرجو ، وأصبح الأمر بيد غيري ، وأصبحت مرتهنا بعملي ، فلا فقير أفقر مني ، [ ص: 497 ] اللهم لا تشمت بي عدوي ، ولا تسؤ بي صديقي ، ولا تجعل مصيبتي في ديني ، ولا تسلط علي من لا يرحمني . وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد كان عيسى يقول : لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا . قال الفضيل : وكان عيسى يقول : فكرت في الخلق ، فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق .
وقال إسحاق بن بشر ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، قال : إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة . قال : وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى . قال : وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده ، وقد وجد لذة النوم ، إذ مر به إبليس ، فقال : يا عيسى ، ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا ؟ فهذا الحجر من عرض الدنيا . فقام عيسى فأخذ الحجر فرمى به إليه ، وقال : هذا لك مع الدنيا . وقال معتمر بن سليمان : خرج عيسى على أصحابه ، وعليه جبة صوف وكساء وتبان ، حافيا باكيا شعثا ، مصفر اللون من الجوع ، يابس الشفتين من العطش ، فقال : السلام عليكم يا بني إسرائيل ، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله ، ولا عجب ولا فخر ، أتدرون أين بيتي ؟ قالوا : أين بيتك يا روح الله ؟ قال : بيتي المساجد ، وطيبي الماء ، وإدامي الجوع ، وسراجي القمر بالليل ، وصلاتي في الشتاء مشارق [ ص: 498 ] الشمس ، وريحاني بقول الأرض ، ولباسي الصوف ، وشعاري خوف رب العزة ، وجلسائي الزمنى والمساكين ، أصبح وليس لي شيء ، وأمسي وليس لي شيء ، وأنا طيب النفس غني مكثر ، فمن أغنى مني وأربح ؟ رواه ابن عساكر .
وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري ، حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني ، عن حيوة بن شريح ، حدثني الوليد بن أبي الوليد ، عن شفي بن ماتع ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أوحى الله تعالى إلى عيسى ، أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان ، لئلا تعرف فتؤذى ، فوعزتي وجلالي ، لأزوجنك ألف حوراء ، ولأولمن عليك أربعمائة عام . وهذا حديث غريب رفعه ، وقد يكون موقوفا من رواية شفي بن ماتع عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين . والله أعلم .
وقال عبد الله بن المبارك ، عن سفيان بن عيينة ، عن خلف بن حوشب قال : قال عيسى للحواريين : كما ترك لكم الملوك الحكمة ، فكذلك فاتركوا لهم الدنيا .
[ ص: 499 ] وقال قتادة : قال عيسى ، عليه السلام : سلوني فإني لين القلب ، وإني صغير عند نفسي . وقال إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال عيسى ، عليه السلام ، للحواريين : كلوا خبز الشعير ، واشربوا الماء القراح ، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين ، لحق ما أقول لكم : إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة ، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ، لحق ما أقول لكم : إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه ، يود أن الناس كلهم مثله . وروي نحوه عن أبي هريرة .
وقال أبو مصعب ، عن مالك : إنه بلغه أن عيسى كان يقول : يا بني إسرائيل ، عليكم بالماء القراح ، والبقل البري ، والخبز الشعير ، وإياكم وخبز البر ، فإنكم لن تقوموا بشكره .
وقال ابن وهب ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، قال : كان عيسى يقول : اعبروا الدنيا ولا تعمروها . وكان يقول : حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والنظر يزرع في القلب الشهوة . وحكى وهيب بن الورد مثله ، وزاد : ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا . وعن عيسى ، عليه السلام : يا ابن آدم الضعيف ، اتق الله حيثما كنت ، وكن في الدنيا ضيفا ، واتخذ المساجد بيتا ، وعلم عينك البكاء ، وجسدك الصبر ، وقلبك التفكر ، ولا تهتم [ ص: 500 ] برزق غد ، فإنها خطيئة . وعنه ، عليه السلام ، أنه قال : كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا ، فلا يتخذ الدنيا قرارا . وفي هذا يقول سابق البربري :
لكم بيوت بمستن السيول وهل يبقى على الماء بيت أسه مدر وقال سفيان الثوري : قال عيسى ابن مريم : لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن ، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء . وقال إبراهيم الحربي ، عن داود بن رشيد ، عن أبي عبد الله الصوفي ، قال : قال عيسى : طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ازداد عطشا ، حتى يقتله . وعن عيسى ، عليه السلام ، أن الشيطان مع الدنيا ، ومكره مع المال ، وتزيينه مع الهوى ، واستمكانه عند الشهوات . وقال الأعمش ، عن خيثمة : كان عيسى يصنع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ، ويقول : هكذا فاصنعوا بالقرى . وبه : قالت امرأة لعيسى ، عليه السلام : طوبى لحجر حملك ، ولثدي [ ص: 501 ] أرضعك . فقال : طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه . وعنه : طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته ، وحفظ لسانه ، ووسعه بيته . وعنه : طوبى لعين نامت ، ولم تحدث نفسها بالمعصية ، وانتبهت إلى غير إثم . وعن مالك بن دينار ، قال : مر عيسى وأصحابه بجيفة ، فقالوا : ما أنتن ريحها . فقال : ما أبيض أسنانها . لينهاهم عن الغيبة . وقال أبو بكر ابن أبي الدنيا : حدثنا الحسين بن عبد الرحمن ، عن زكريا بن عدي ، قال : قال عيسى ابن مريم : يا معشر الحواريين ، ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا . قال زكريا : وفي ذلك يقول الشاعر :
أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال أبو مصعب ، عن مالك : قال عيسى ابن مريم ، عليه السلام : لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله ، فتقسو قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب ، وانظروا فيها [ ص: 502 ] كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان : معافى ومبتلى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية .
وقال الثوري : سمعت أبي يقول ، عن إبراهيم التيمي ، قال : قال عيسى لأصحابه : بحق أقول لكم : من طلب الفردوس ، فخبز الشعير له ، والنوم في المزابل مع الكلاب كثير .
وقال مالك بن دينار : قال عيسى : إن أكل الشعير مع الرماد ، والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس .
وقال عبد الله بن المبارك : أنبأنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال : قال عيسى : اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم ، انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح ، لا تحرث ولا تحصد ، والله يرزقها ، فإن قلتم : نحن أعظم بطونا من الطير . فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحوش والحمر ، فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد ، والله يرزقها .
وقال صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد ، عن يزيد بن ميسرة ، قال : قال الحواريون للمسيح : يا مسيح الله ، انظر إلى مسجد الله ما أحسنه . قال : آمين آمين ، بحق أقول لكم : لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما [ ص: 503 ] إلا أهلكه بذنوب أهله ، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ، ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئا ، إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة ، وبها يعمر الله الأرض ، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك .
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في " تاريخه " : أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي ، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية ، قالت : حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهيثم إملاء ، حدثنا الوليد بن أبان إملاء ، حدثنا أحمد بن جعفر الرازي حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز ، عن المعتمر ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : مر عيسى ، عليه السلام ، على مدينة خربة فأعجبه البنيان ، فقال : أي رب ، مر هذه المدينة أن تجيبني . فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى . قال : فنادت المدينة عيسى : حبيبي ، وما تريد مني ؟ قال : ما فعل أشجارك ، وما فعل أنهارك ، وما فعل قصورك ، وأين سكانك ؟ قالت : حبيبي ، جاء وعد ربك الحق ، فيبست أشجاري ، ونشفت أنهاري ، وخربت قصوري ، ومات سكاني . قال : فأين أموالهم ؟ قالت : جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني ، لله ميراث [ ص: 504 ] السماوات والأرض . قال : فنادى عيسى ، عليه السلام : فعجبت من ثلاث أناس : طالب الدنيا والموت يطلبه ، وباني القصور والقبر منزله ، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه ، ابن آدم ، لا بالكثير تشبع ، ولا بالقليل تقنع ، تجمع مالك لمن لا يحمدك ، وتقدم على رب لا يعذرك ، إنما أنت عبد بطنك وشهوتك ، وإنما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك ، وأنت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك . هذا حديث غريب جدا ، وفيه موعظة حسنة ، فكتبناه لذلك .
وقال سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن إبراهيم التيمي ، قال : قال عيسى ، عليه السلام : يا معشر الحواريين ، اجعلوا كنوزكم في السماء ، فإن قلب الرجل حيث كنزه . وقال ثور بن يزيد ، عن عبد العزيز بن ظبيان ، قال : قال عيسى ابن مريم عليه السلام : من تعلم وعلم وعمل ، دعي عظيما في ملكوت السماء . وقال أبو كريب : روي أن عيسى ، عليه السلام ، قال : لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ، ولا يعمر بك النادي .
وروى ابن عساكر ، بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا ، أن عيسى ، عليه السلام ، قام في بني إسرائيل فقال : يا معشر الحواريين ، لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها ، فتظلموهم ، والأمور ثلاثة : أمر تبين رشده فاتبعوه ، وأمر تبين غيه فاجتنبوه ، وأمر اختلف عليكم .
[ ص: 505 ] فيه فردوا علمه إلى الله ، عز وجل وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن رجل ، عن عكرمة ، قال : قال عيسى : لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير ; فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا ، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها ; فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ، ومن لا يريدها شر من الخنزير . وكذا حكى وهب وغيره عنه . وعنه أنه قال لأصحابه : أنتم ملح الأرض ، فإذا فسدتم فلا دواء لكم ، وإن فيكم خصلتين من الجهل : الضحك من غير عجب ، والصبحة من غير سهر . وعنه أنه قيل له : من أشد الناس فتنة ؟ قال : زلة العالم ، فإن العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير . وعنه أنه قال : يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رءوسكم ، والآخرة تحت أقدامكم ، قولكم شفاء وعملكم داء ، مثلكم مثل شجرة الدفلى ، تعجب من رآها ، وتقتل من أكلها . وقال وهب : قال عيسى : يا علماء السوء ، جلستم على أبواب الجنة ، فلا أنتم تدخلونها ، ولا تدعون المساكين يدخلونها ، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه . وقال مكحول : التقى يحيى وعيسى ، فصافحه عيسى ، وهو يضحك ، فقال له [ ص: 506 ] يحيى : يا ابن خالة ، ما لي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت . فقال له عيسى : ما لي أراك عابسا كأنك قد يئست . فأوحى الله إليهما : إن أحبكما إلي أبشكما بصاحبه . وقال وهب بن منبه : وقف عيسى هو وأصحابه على قبر ، وصاحبه يدلى فيه ، فجعلوا يذكرون القبر وضيقه ، فقال : قد كنتم فيما هو أضيق منه في أرحام أمهاتكم ، فإذا أحب الله أن يوسع وسع . وقال أبو عمر الضرير : بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما .
والآثار في مثل هذا كثيرة جدا ، وقد أورد الحافظ ابن عساكر منها طرفا صالحا ، اقتصرنا منه على هذا القدر ، والله تعالى الموفق للصواب .====صفة عيسى ، عليه السلام ، وشمائله وفضائله قال الله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة قيل : سمي المسيح لمسحه الأرض ، وهو سياحته فيها ، وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان ; لشدة تكذيب اليهود له ، وافترائهم عليه وعلى أمه ، عليهما السلام . وقيل : لأنه كان ممسوح القدمين . وقال تعالى : وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور وقال تعالى : وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس [ البقرة : 87 ] . والآيات في ذلك كثيرة جدا . وقد تقدم ما ثبت في " الصحيحين " : ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد ، فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب وتقدم حديث عمير بن هانئ ، عن جنادة عن عبادة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله الجنة على [ ص: 520 ] ما كان من العمل رواه البخاري ، وهذا لفظه ، ومسلم . وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أدب الرجل أمته ، فأحسن تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها ، فتزوجها كان له أجران ، وإذا آمن بعيسى ابن مريم ثم آمن بي ، فله أجران ، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه ، فله أجران هذا لفظ البخاري . وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أنبأنا هشام ، عن معمر ( ح ) وحدثني محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به : لقيت موسى قال : فنعته فإذا رجل حسبته قال : مضطرب رجل الرأس ، كأنه من رجال شنوءة . قال : ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس ، يعني الحمام ، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به الحديث . وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى . ثم قال : حدثنا محمد بن كثير ، أنبأنا إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : رأيت عيسى ، وموسى ، وإبراهيم ، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر ، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط [ ص: 521 ] تفرد به البخاري . وحدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا أبو ضمرة ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، قال : قال عبد الله بن عمر : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال ، فقال : إن الله ليس بأعور ، إلا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى ، كأن عينه عنبة طافية ، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام ، فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من أدم الرجال ، تضرب لمته بين منكبيه ، رجل الشعر ، يقطر رأسه ماء ، واضعا يديه على منكبي رجلين ، وهو يطوف بالبيت ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : المسيح ابن مريم . ثم رأيت رجلا وراءه جعدا قططا أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن ، واضعا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : المسيح الدجال ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة ثم قال البخاري : تابعه عبيد الله بن نافع . ثم ساقه من طريق الزهري ، عن سالم عن ابن عمر . قال الزهري : وابن قطن رجل من خزاعة ، هلك في الجاهلية . فبين ، صلوات الله وسلامه عليه ، صفة المسيحين ; مسيح الهدى ومسيح الضلالة; ليعرف [ ص: 522 ] هذا إذا نزل ، فيؤمن به المؤمنون ، ويعرف الآخر فيحذره الموحدون . وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق فقال له : أسرقت ؟ قال : كلا ، والذي لا إله إلا هو . فقال عيسى : آمنت بالله وكذبت عيني وكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق . وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد الطويل ، عن الحسن وغيره ، عن أبي هريرة ، قال : ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : رأى عيسى رجلا يسرق فقال : يا فلان ، أسرقت ؟ فقال : لا ، والله ما سرقت . فقال : آمنت بالله وكذبت بصري وهذا يدل على سجية طاهرة ; حيث قدم حلف ذلك الرجل - وظن أن أحدا لا يحلف بعظمة الله كاذبا - على ما شاهده منه عيانا ، فقبل عذره ، ورجع على نفسه ، فقال : آمنت بالله . أي : صدقتك . وكذبت بصري ; لأجل حلفك . وقال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 523 ] تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين فأول الخلق يكسى إبراهيم ، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال ، فأقول : أصحابي . فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم . فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم تفرد به دون مسلم من هذا الوجه . وقال أيضا : حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، حدثنا سفيان ، سمعت الزهري يقول : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، سمع عمر يقول على المنبر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله . وقال البخاري : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له : جريج . يصلي إذ جاءته أمه فدعته ، فقال : أجيبها أو أصلي ؟ فقالت : اللهم لاتمته حتى تريه وجوه المومسات . وكان جريج في صومعته ، فعرضت له امرأة وكلمته ، فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها ، فولدت غلاما ، فقيل لها : [ ص: 524 ] ممن ؟ فقالت : من جريج . فأتوه وكسروا صومعته ، فأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : فلان الراعي . قالوا : أنبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين . وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل ، فمر بها رجل راكب ذو شارة ، فقالت : اللهم اجعل ابني مثله . فترك ثديها وأقبل على الراكب ، فقال : اللهم لا تجعلني مثله . ثم أقبل على ثديها يمصه قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص أصبعه : ثم مر بأمة فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه . فترك ثديها ، فقال : اللهم اجعلني مثلها . فقالت : لم ذلك ؟ فقال : الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون : سرقت وزنيت . ولم تفعل . وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ، ليس بيني وبينه نبي تفرد به البخاري من هذا الوجه . ورواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي داود الحفري ، عن الثوري ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وقال أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، هو الثوري ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أولى الناس بعيسى ، عليه السلام ، والأنبياء إخوة أولاد علات ، وليس بيني وبين عيسى [ ص: 525 ] نبي وهذا إسناد صحيح على شرطهما ، ولم يخرجوه من هذا الوجه . وأخرجه أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه . وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق به نحوه . وقال أحمد : حدثنا يحيى ، عن ابن أبي عروبة ، حدثنا قتادة ، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الأنبياء إخوة لعلات ، ودينهم واحد وأمهاتهم شتى ، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ; لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، سبط كأن رأسه يقطر ، وإن لم يصبه بلل ، بين ممصرتين ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويعطل الملل ، حتى تهلك في زمانه الملل كلها غير الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب ، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعا ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات ، لا يضر بعضهم بعضا ، فيمكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم يتوفى ، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه ثم رواه أحمد ، عن عفان ، عن همام ، عن قتادة ، [ ص: 526 ] عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، فذكر نحوه . وقال : فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ورواه أبو داود ، عن هدبة بن خالد ، عن همام بن يحيى به نحوه . وروى هشام بن عروة ، عن صالح مولى أبي هريرة ، عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فيمكث في الأرض أربعين سنة وسيأتي بيان نزوله ، عليه السلام ، في آخر الزمان في كتاب " الملاحم " كما بسطنا ذلك أيضا في " التفسير " عند قوله تعالى في سورة " النساء " : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا وقوله : وإنه لعلم للساعة الآية . وإنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق ، وقد أقيمت صلاة الصبح ، فيقول له إمام المسلمين : تقدم يا روح الله فصل . فيقول : لا ، بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله هذه الأمة . وفي رواية : فيقول له عيسى : إنما أقيمت الصلاة لك . فيصلي خلفه ، ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال ، فيلحقه عند باب لد ، فيقتله بيده الكريمة . وذكرنا أنه قوي الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من حجارة بيض ، وقد بنيت أيضا من أموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما حولها ، فينزل عليها عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ، ولا يقبل من [ ص: 527 ] أحد إلا الإسلام ، وأنه يحج من فج الروحاء ، حاجا أو معتمرا ، أو لثنتيهما ، ويقيم أربعين سنة ثم يموت فيدفن - فيما قيل - في الحجرة النبوية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه . وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح ، عليه السلام ، في كتابه ، عن عائشة مرفوعا ، أنه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وعمر في الحجرة النبوية ، ولكن لا يصح إسناده .
وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا زيد بن أخزم الطائي ، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة ، حدثني أبو مودود المدني ، حدثنا عثمان بن الضحاك ، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، عن جده ، قال : مكتوب في التوراة صفة محمد ، وعيسى ابن مريم ، عليهما السلام ، يدفن معه . قال أبو مودود : وقد بقي في البيت موضع قبر . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن . كذا قال . والصواب الضحاك بن عثمان المدني . وقال البخاري : هذا الحديث لا يصح عندي ، ولا يتابع عليه .
وروى البخاري عن يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان ، قال : الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، ستمائة سنة . وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة . [ ص: 528 ] وقيل : خمسمائة وأربعون سنة . وعن الضحاك : أربعمائة وبضع وثلاثون سنة . والمشهور ستمائة سنة . ومنهم من يقول : ستمائة وعشرون سنة بالقمرية فتكون ستمائة بالشمسية . والله أعلم .
وقال ابن حبان في " صحيحه " : ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه . حدثنا أبو يعلى ، حدثنا أبو همام ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الهيثم بن حميد ، عن الوضين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا ، ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة وهذا حديث غريب جدا ، وإن صححه ابن حبان . وذكر ابن جرير ، عن محمد بن إسحاق ، أن عيسى ، عليه السلام ، قبل أن يرفع وصى الحواريين بأن يدعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق ، وبلاد المغرب ، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم . وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة : لوقا ، ومتى ومرقس ، ويوحنا . وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة ، وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الأخرى ، وهؤلاء الأربعة [ ص: 529 ] منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه ، وهما متى ويوحنا ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه . والله أعلم . وهما مرقس ولوقا . وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من أهل دمشق رجل يقال له : ضينا ، وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبا من الكنيسة المصلبة ; خوفا من بولص اليهودي ، وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح ، ولما جاء به . وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح ، وطاف به في البلد ثم رجمه حتى مات ، رحمه الله . ولما سمع بولص أن المسيح ، عليه السلام ، قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبا ، فلما واجه أصحاب المسيح ، جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه ، فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح ، فجاء إليه واعتذر مما صنع ، وآمن به فقبل منه ، وسأله أن يمسح عينيه ; ليرد الله عليه بصره ، فقال : اذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من [ ص: 530 ] المشرق ، فهو يدعو لك . فجاء إليه فدعا ، فرد عليه بصره ، وحسن إيمان بولص بالمسيح ، عليه السلام ، أنه عبد الله ورسوله ، وبنيت له كنيسة باسمه ، فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق ، من زمن فتحها الصحابة ، رضي الله عنهم ، حتى خربت في الزمان الذي سنورده . إن شاء الله تعالى . ========= بيان بناء بيت لحم والقمامة
وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح ، وبنت أمه هيلانة القمامة ، يعني على قبر المصلوب ، وهم يسلمون لليهود أنه المسيح ، وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء ، ووضعوا القوانين والأحكام ، ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة ، وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة ، ومن ذلك الخنزير ، وصلوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس ، وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ، ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا ، ثم حول إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ، وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك ، ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يسمونها بالأمانة وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة . وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني ، واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي ، أصحاب المجمع الثالث ، يعتقدون هذه العقيدة ، ويختلفون في تفسيرها ، وها أنا أحكيها ، وحاكي الكفر ليس بكافر لأبث ، على ما فيها ، ركة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضي بصاحبه إلى النار ذات الشواظ ; فيقولون ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة : نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السماوات والأرض ; كل ما يرى ، وكل ما لا يرى ، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله ، الوحيد المولود من الأب قبل [ ص: 534 ] الدهور ، نور من نور إله حق ، من إله حق ، مولود غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر الذي كان به كل شيء من أجلنا ، نحن البشر ، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء ، وتجسد من روح القدس ، ومن مريم العذراء وتأنس ، وصلب على عهد ملاطس النبطي ، وتألم وقبر ، وقام في اليوم الثالث ، كما في الكتب ، وصعد إلى السماء ، وجلس عن يمين الأب . وأيضا فسيأتي بجسده ; ليدبر الأحياء والأموات ، الذي لا فناء لملكه ، وروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب ، والابن مسجود له ، وبمجد الناطق في الأنبياء ، كنسبة واحدة جامعة مقدسة يهولية ، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا ، وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه . آمين ========================
============== |
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق