الأحد، 1 نوفمبر 2015


بيان طلب ذي القرنين عين الحياة ====== قصة أصحاب الكهف ==قصة أصحاب الجنة ==== قصة لقمان =بيان الإذن في الرواية عن أخبار بني إسرائيل == قصة برصيصا== خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع )=قصة أخرى =فصل موقف المسلم مما يذكره أهل الكتاب من قصصهم=


وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع ، عن أبيه ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبي جعفر الباقر ، عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له : رناقيل . فسأله ذو القرنين : هل تعلم في الأرض عينا يقال لها : عين الحياة ؟ فذكر له صفة مكانها ، فذهب ذو القرنين في طلبها وجعل الخضر على مقدمته ، فانتهى الخضر إليها في واد في أرض الظلمات ، فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين إليها . وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك ، وأنه أعطاه حجرا ، فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه ، فوضعوه في كفة ميزان ، وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها ، حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا ، وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به ، وقال : هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب . فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما . والله أعلم .

ثم ذكر تعالى أنه حكمه في أهل تلك الناحية قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا أي : فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة ، وبدأ بعذاب الدنيا ; لأنه أزجر عند الكافر وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا [ ص: 548 ] فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة ، وعطف عليه الإحسان منه إليه ، وهذا هو العدل والعلم والإيمان ، قال الله تعالى ثم أتبع سببا أي : سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق ، فيقال : إنه رجع في ثنتي عشرة سنة حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا أي : ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس . قال كثير من العلماء : ولكن كانوا يأوون ، إذا اشتد عليهم الحر ، إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض ، شبه القبور . قال الله تعالى : كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا أي : ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض إلى مشارقها .

وقد روي عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله ، وغيرهما من السلف ، أن ذا القرنين حج ماشيا ، فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه ، فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا . ويقال : إنه جيء بفرس ليركبها فقال : لا أركب في بلد فيه الخليل . فسخر الله له السحاب ، وبشره إبراهيم بذلك ، فكانت تحمله إذا أراد .

قوله تعالى : ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا يعني غتما . فيقال : إنهم هم الترك ، أبناء عم يأجوج ومأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم ، وقطعوا السبل عليهم ، وبذلوا له حملا وهو الخراج على [ ص: 549 ] أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم ، فامتنع من أخذ الخراج ; اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة قال ما مكني فيه ربي خير ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم وبينهم سدا ، وهو الردم بين الجبلين ، وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما ، وبقية ذلك بحار مغرقة ، وجبال شاهقة ، فبناه ، كما قال تعالى ، من الحديد والقطر ، وهو النحاس المذاب ، وقيل : الرصاص . والصحيح الأول ، فجعل بدل اللبن حديدا ، وبدل الطين نحاسا ، ولهذا قال تعالى : فما اسطاعوا أن يظهروه أي : يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها وما استطاعوا له نقبا أي : بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها ، فقابل الأسهل بالأسهل والأشد بالأشد قال هذا رحمة من ربي أي : قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة فإذا جاء وعد ربي أي الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان جعله دكاء أي مساويا للأرض . ولا بد من كون هذا ، ولهذا قال : وكان وعد ربي حقا كما قال تعالى : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق الآية [ الأنبياء : 96 ، 97 ] . ولذا قال هاهنا : وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض يعني يوم فتح السد ، على الصحيح ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وقد أوردنا الأحاديث المروية ، في خروج يأجوج ومأجوج في " التفسير " وسنوردها ، إن شاء الله في كتاب " الفتن والملاحم " من كتابنا هذا ، إذا انتهينا إليه ، بحول الله وقوته ، [ ص: 550 ] وحسن توفيقه ومعونته وهدايته .

قال أبو داود الطيالسي ، عن الثوري : بلغنا أن أول من صافح ، ذو القرنين . وروي عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية : إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه ; إذا هو مات أن تصنع طعاما ، وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن ، وتأذن لهن فيه ، إلا من كانت ثكلى ، فلا تأكل منه شيئا ، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه ، فقالت لهن : سبحان الله! كلكن ثكلى! فقلن : أي والله ما منا إلا من أثكلت . فكان ذلك تسلية لأمه . وذكر إسحاق بن بشر ، عن عبد الله بن زياد ، عن بعض أهل الكتاب ، وصية ذي القرنين وموعظته أمه موعظة بليغة طويلة ، فيها حكم وأمور نافعة ، وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة ، وهذا غريب .

قال ابن عساكر : وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة ، وقيل : كان عمره ثنتين وثلاثين سنة ، وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة ، وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة وإحدى وثمانين سنة ، وكان ملكه ست عشرة سنة . وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول ، وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما ، والصواب التفرقة كما ذكرنا ، اقتداء بجماعة من الحفاظ . والله أعلم .

[ ص: 551 ] وممن جعلهما واحدا الإمام عبد الملك بن هشام ، راوي السيرة ، وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيلي ، رحمه الله ، إنكارا بليغا ، ورد قوله ردا شنيعا ، وفرق بينهما تفريقا جيدا ، كما قدمنا . قال : ولعل جماعة من الملوك المتقدمين ، تسموا بذي القرنين تشبها بالأول . والله أعلم . ==========
قال الله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا [ الكهف : 9 - 26 ] .

[ ص: 562 ] كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف ، وخبر ذي القرنين ، ما ذكره محمد بن إسحاق ، في " السيرة " وغيره ، أن قريشا بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويسألونه عنها ; ليختبروا ما يجيب به فيها ، فقالوا : سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا ، وعن رجل طواف في الأرض وعن الروح . فأنزل الله تعالى ويسألونك عن الروح [ الإسراء : 58 ] . ويسألونك عن ذي القرنين وقال هاهنا : [ ص: 563 ] أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي : ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الأخبار العظيمة ، والآيات الباهرة والعجائب الغريبة . والكهف هو الغار في الجبل . قال شعيب الجبائي : واسم كهفهم حيزم . وأما الرقيم فعن ابن عباس ، أنه قال : لا أدري ما المراد به . وقيل : هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم ، كتب من بعدهم . اختاره ابن جرير وغيره . وقيل : هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم . قال ابن عباس ، وشعيب الجبائي : واسمه بناجلوس . وقيل : هو اسم واد عند كهفهم . وقيل : اسم قرية هنالك . والله أعلم .

قال شعيب الجبائي : واسم كلبهم حمران . واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم ، يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح ، وأنهم كانوا نصارى . والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام . قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم : كانوا في زمن ملك يقال له : دقيانوس . وكانوا من أبناء الأكابر . وقيل : من أبناء الملوك . واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم ، من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان ، فنظروا بعين البصيرة ، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة ، وألهمهم رشدهم ، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء ، فخرجوا عن دينهم ، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له . ويقال : إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد ، انحاز عن [ ص: 564 ] الناس ، واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد ، كما صح في البخاري الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف فكل منهم سأل الآخر عن أمره وعن شأنه ، فأخبره بما هو عليه ، واتفقوا على الانحياز عن قومهم ، والتبري منهم ، والخروج من بين أظهرهم ، والفرار بدينهم منهم ، وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور . قال الله تعالى : نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين أي : بدليل ظاهر على ما ذهبوا إليه ، وصاروا من الأمر عليه فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله أي : وإذ قد فارقتموهم في دينهم وتبرأتم مما يعبدون من دون الله ، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله ، كما قال الخليل : إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين [ الزخرف : 26 ، 27 ] . وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم لبعض : إذ قد فارقتم قومكم في دينهم ، فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا أي : يسبل عليكم ستره ، وتكونوا تحت حفظه وكنفه ، ويجعل عاقبة [ ص: 565 ] أمركم إلى خير ، كما جاء في الحديث : اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا إليه ، وأن بابه موجه إلى نحو الشمال ، وأعماقه إلى جهة القبلة ، وذلك أنفع الأماكن ; أن يكون المكان قبليا ، وبابه نحو الشمال ، فقال : وترى الشمس إذا طلعت تزاور وقرئ : ( تزور ) عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال فأخبر أن الشمس ، يعني في زمن الصيف وأشباهه ، تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ، ثم تشرع في الخروج منه قليلا قليلا ، وهو ازورارها ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ، ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب ، كما هو المشاهد في مثل هذا المكان ، والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله أي : بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين ، لا يأكلون ولا يشربون ، ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود قال بعضهم : لأن أعينهم مفتوحة ; لئلا تفسد بطول الغمض [ ص: 566 ] ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال قيل : في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب ، ويحتمل أكثر من ذلك . فالله أعلم . وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد قال شعيب الجبائي : اسم كلبهم حمران . وقال غيره : الوصيد أسكفة الباب . والمراد أن كلبهم الذي كان معهم ، وصحبهم حال انفرادهم من قومهم ، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف ، بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد ، وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به ; فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ، ولما كانت التبعية مؤثرة ، حتى في كلب هؤلاء ، صار باقيا معهم ببقائهم ; لأن من أحب قوما سعد بهم ، فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام . وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا ، أكثره متلقى من الإسرائيليات ، وكثير منها كذب ، ومما لا فائدة فيه ، كاختلافهم في اسمه ولونه .

وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف ، فقال كثيرون : هو بأرض أيلة . وقيل : بأرض نينوى . وقيل : بالبلقاء . وقيل : ببلاد الروم . وهو أشبه . والله أعلم . ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم والأهم من أمرهم ، ووصف حالهم ، حتى كأن السامع راء ، والمخبر مشاهد لصفة كهفهم ، وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب ، وأن كلبهم باسط [ ص: 567 ] ذراعيه بالوصيد . قال : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا أي : لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه ، ولعل الخطاب هاهنا لجنس الإنسان المخاطب ، لا لخصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، كقوله : فما يكذبك بعد بالدين [ التين : 7 ] . أي : أيها الإنسان ; وذلك لأن طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا ، ولهذا قال : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ، ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة ، كما جاء في الحديث; لأن الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب . ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فلما استيقظوا ، قال بعضهم لبعض : كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة أي : بدراهمكم هذه ، يعني التي معهم ، إلى المدينة . ويقال ، كان اسمها دفسوس . فلينظر أيها أزكى طعاما أي : أطيب مالا فليأتكم برزق منه أي : بطعام تأكلونه ، وهذا من زهدهم وورعهم وليتلطف أي : في دخوله إليها ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا أي : إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها ; وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك ، ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة وقد تبدلت الدول أطوارا عديدة ، وتغيرت البلاد ومن عليها ، وذهب أولئك القرن [ ص: 568 ] الذين كانوا فيهم ، وجاء غيرهم وذهبوا ، وجاء غيرهم ; ولهذا لما خرج أحدهم ، وهو تيذوسيس فيما قيل ، وجاء إلى المدينة متنكرا ; لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه ، تنكرت له البلاد واستنكره من رآه من أهلها ، واستغربوا شكله وصفته ودراهمه . فيقال : إنهم حملوه إلى متوليهم ، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا ، أو تكون له صولة يخشون من مضرتها ، فيقال : إنه هرب منهم . ويقال : بل أخبرهم خبره ومن معه ، وما كان من أمرهم ، فانطلقوا معه ليريهم مكانهم ، فلما قربوا من الكهف ، دخل إلى إخوانه ، فأخبرهم حقيقة أمرهم ، ومقدار ما رقدوا ، فعلموا أن هذا من قدرة الله . فيقال : إنهم استمروا راقدين . ويقال : بل ماتوا بعد ذلك .

وأما أهل البلدة ، فيقال : إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار ، وعمى الله عليهم أمرهم . ويقال : لم يستطيعوا دخوله حسا . ويقال : مهابة لهم .

واختلفوا في أمرهم ; فقائلون يقولون : ابنوا عليهم بنيانا أي : سدوا عليهم باب الكهف ; لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم ، وآخرون ، وهم الغالبون على أمرهم قالوا : لنتخذن عليهم مسجدا أي : معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين . وهذا كان شائعا [ ص: 569 ] فيمن كان قبلنا ، فأما في شرعنا فقد ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا . وأما قوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها فمعنى ( أعثرنا ) أطلعنا على أمرهم الناس . قال كثير من المفسرين : ليعلم الناس أن المعاد حق ، وأن الساعة لا ريب فيها ، إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة ثم قاموا ، كما كانوا من غير تغير منهم ، فإن من أبقاهم كما هم قادر على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان ، وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا ، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ النحل : 40 ] . هذا ويحتمل عود الضمير في قوله : ليعلموا إلى أصحاب الكهف ، إذ علمهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم ، ويحتمل أن يعود على الجميع . والله أعلم . ثم قال تعالى : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهمفذكر اختلاف الناس في كميتهم ، فحكى ثلاثة أقوال وضعف الأولين ، وقرر الثالث ، فدل على أنه الحق ; إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهاه ، فدل على ما قلناه ، ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده ، أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم ، إلى الأدب في مثل هذا الحال ، إذا [ ص: 570 ] اختلف الناس فيه أن يقول : الله أعلم . ولهذا قال : قل ربي أعلم بعدتهم وقوله : ما يعلمهم إلا قليل أي : من الناس فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا أي سهلا ، ولا تتكلف إعمال الجدال في مثل هذا الحال ، ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال; ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال : إنهم فتية آمنوا بربهم ولو كان في تعيين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة . وقوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحث خلقه عليه ، وهو ما إذا قال أحدهم : إني سأفعل في المستقبل كذا . فيشرع له أن يقول : إن شاء الله . ليكون ذلك تحقيقا لعزمه; لأن العبد لا يعلم ما في غد ولا يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا ، وليس هذا الاستثناء تعليقا ، وإنما هو الحقيقي ، ولهذا قال ابن عباس : إنه يصح إلى سنة . ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا ، كما تقدم في قصة سليمان ، عليه السلام ، حين قال : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله . فقيل له : قل : إن شاء الله . فلم يقل ، فطاف ، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، لو قال : إن شاء الله . لم يحنث ، وكان دركا لحاجته [ ص: 571 ] وقوله : واذكر ربك إذا نسيت وذلك لأن النسيان قد يكون من الشيطان ، فذكر الله يطرده عن القلب ، فيذكر ما كان قد نسيه . وقوله : وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا أي : إذا اشتبه أمر وأشكل حال والتبس أقوال الناس في شيء ، فارغب إلى الله ييسره لك ، ويسهله عليك ، ثم قال : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا لما كان في الإخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ، ذكرها تعالى ، وهذه التسع المزيدة بالقمرية ، وهي لتكميل ثلاثمائة شمسية ، فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين قل الله أعلم بما لبثوا أي إذا سئلت عن مثل هذا ، وليس عندك في ذلك نقل ، فرد الأمر في ذلك إلى الله ، عز وجل له غيب السماوات والأرض أي : هو العالم بالغيب ، فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه أبصر به وأسمع يعني أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه ، وبما يستحقونه ، ثم قال : ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا أي : بل هو المنفرد بالملك والمتصرف فيه وحده لا شريك له
==========

قال الله تعالى : إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [ القلم : 17 - 33 ] . وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش ، فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم ، فقابلوه بالتكذيب والمخالفة ، كما قال تعالى : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار [ إبراهيم : 28 ، 29 ] . قال ابن عباس : هم كفار قريش . فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد ; وهو الصرام ، ولهذا قال : إذ أقسموا فيما بينهم ليصرمنها أي : ليجدنها ، وهو الاستغلال ( مصبحين ) أي : وقت الصبح ، حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا ، فحلفوا على ذلك ولم [ ص: 579 ] يستثنوا في يمينهم ، فعجزهم الله ، وسلط عليها الآفة التي أحرقتها ; وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم أي : كالليل الأسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود فتنادوا مصبحين أي : فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين : اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين أي : باكروا إلى بستانكم فاصرموه . قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال فانطلقوا وهم يتخافتون أي : يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين : لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين أي : اتفقوا على هذا واشتوروا عليه وغدوا على حرد قادرين أي : انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه مصممين مصرين على هذه النية الفاسدة . وقال عكرمة والشعبي : وغدوا على حرد أي : غضب على المساكين . وأبعد السدي في قوله ; أن اسم حرثهم حرد . فلما رأوها أي : وصلوا إليها ، ونظروا ما حل بها ، وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة والحسن والبهجة ، فانقلبت بسبب النية الفاسدة ، فعند ذلك قالوا إنا لضالون أي : قد تهنا عنها وسلكنا غير طريقها . ثم قالوا : بل نحن محرومون أي : بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا ، وحرمنا بركة حرثنا قال أوسطهم قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير [ ص: 580 ] واحد : هو أعدلهم وخيرهم . ألم أقل لكم لولا تسبحون قيل : تستثنون . قاله مجاهد ، والسدي ، وابن جريج . وقيل : تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين فندموا حيث لا ينفع الندم ، واعترفوا بالذنب بعد العقوبة ، وذلك حيث لا ينجع ، وقد قيل : إن هؤلاء كانوا إخوة وقد ورثوا هذه الجنة عن أبيهم ، وكان يتصدق منها كثيرا ، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم ، وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا ، فعاقبهم الله أشد العقوبة ; ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار وحث على ذلك يوم الجداد ، كما قال تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده [ الأنعام : 141 ] . ثم قيل : كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها : ضروان . وقيل : من أهل الحبشة . والله أعلم . قال الله تعالى : كذلك العذاب أي : هكذا نعذب من خالف أمرنا ، ولم يعطف على المحاويج من خلقنا ولعذاب الآخرة أكبر أي : أعظم وأطم من عذاب الدنيا لو كانوا يعلمون .

وقصة هؤلاء شبيهة بقوله تعالى : وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون [ النحل : 112 ، 113 ] . [ ص: 581 ] قيل : هذا مثل مضروب لأهل مكة . وقيل : هم أهل مكة أنفسهم ، ضربهم مثلا لأنفسهم . ولا ينافي ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
=========
قصة لقمان

قال تعالى : ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [ لقمان 12 - 19 ] [ ص: 6 ] هو لقمان بن عنقاء بن سدون ، ويقال لقمان بن ثاران حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي .

قال السهيلي : وكان نوبيا من أهل أيلة قلت : وكان رجلا صالحا ، ذا عبادة ، وعبارة ، وحكمة عظيمة ، ويقال : كان قاضيا في زمن داود عليه السلام . فالله أعلم .

وقال سفيان الثوري : عن الأشعث عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان عبدا حبشيا نجارا . وقال قتادة : عن عبد الله بن الزبير ، قلت لجابر بن عبد الله : ما انتهى اليكم في شأن لقمان ؟ قال : كان قصيرا ، أفطس من النوبة .

وقال يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان لقمان من سودان مصر ، ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ، ومنعه النبوة .

[ ص: 7 ] وقال الأوزاعي : حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال : جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد : لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان ; بلال ، ومهجع مولى عمر ، ولقمان الحكيم ، كان أسود نوبيا ذا مشافر .

وقال الأعمش عن مجاهد ، كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين ، مشقق القدمين . وفي رواية : مصفح القدمين . وقال عمرو بن قيس : كان عبدا أسود غليظ الشفتين ، مصفح القدمين فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له : ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال : نعم قال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قال : صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني . رواه ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم عنه به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد [ ص: 8 ] حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال : ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس قال : بلى قال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قال : قدر الله ، وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وترك ما لا يعنيني .

وقال ابن وهب أخبرني عبد الله بن عياش القتباني عن عمر مولى غفرة قال : وقف رجل على لقمان الحكيم فقال : أنت لقمان أنت عبد بني الحسحاس قال : نعم قال : فأنت راعي الغنم الأسود قال : أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري قال : وطء الناس بساطك ، وغشيهم بابك ، ورضاهم بقولك قال : يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك قال : ما هو ؟ قال لقمان : غضي بصري ، وكفي لساني ، وعفة مطعمي ، وحفظي فرجي ، وقيامي بعدتي ، ووفائي بعهدي ، وتكرمتي ضيفي ، وحفظي جاري ، وتركي ما لا يعنيني; فذاك الذي صيرني كما ترى .

[ ص: 9 ] وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن نفيل حدثنا عمرو بن واقد عن عبدة بن رباح عن ربيعة عن أبي الدرداء أنه قال يوما ، وذكر لقمان الحكيم فقال : ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال ، ولكنه كان رجلا صمصامة سكيتا طويل التفكر ، عميق النظر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يره أحد يبزق ولا يتنخع ولا يبول ولا يتغوط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد وكان قد تزوج ، وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم وكان يغشى السلطان ، ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي ، ومنهم من زعم أنه عرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها; فاختار الحكمة لأنها أسهل عليه ، وفي هذا نظر . والله أعلم . وهذا مروي عن قتادة كما سنذكره ، وروى ابن أبي حاتم ، وابن جرير من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة أنه قال : كان لقمان نبيا . وهذا ضعيف لحال الجعفي .

[ ص: 10 ] والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ، ولم يكن نبيا وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه ، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه وهو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال : يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : 13 ] فنهاه عنه ، وحذره منه .

وقد قال البخاري : حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ الأنعام : 82 ] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان ؟ يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : 13 ] ورواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به ، ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين ، وبيان حقهما على الولد ، وتأكده ، وأمر بالإحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين ، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما ، إلى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ، ويضعها في الميزان . كما قال تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : 40 ] وقال تعالى [ ص: 11 ] ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [ الأنبياء : 47 ] .

وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة ولو كان في جوف صخرة صماء لا باب لها ولا كوة ، أو لو كانت ساقطة في شيء من ظلمات الأرض أو السماوات في اتساعهما ، وامتداد أرجائهما لعلم الله مكانها إن الله لطيف خبير أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراءى للنواظر أو توارى كما قال تعالى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [ الأنعام : 59 ] وقال وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين [ النمل : 75 ] وقال عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين [ سبأ : 3 ] وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة; الصخرة التي تحت الأرضين السبع ، وهكذا حكي عن عطية العوفي ، وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم ، وفي صحة هذا القول من أصله نظر ، ثم في أن هذا هو المراد نظر آخر فإن هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال : فتكن في الصخرة ، وإنما المراد فتكن في صخرة أي صخرة كانت كما قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا [ ص: 12 ] دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان ثم قال يا بني أقم الصلاة أي أدها بجميع واجباتها من حدودها ، وأوقاتها ، وركوعها ، وسجودها ، وطمأنينتها ، وخشوعها وما شرع فيها ، واجتنب ما نهي عنه فيها ، ثم قال وأمر بالمعروف وانه عن المنكر أي بجهدك ، وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد ، وإلا فبلسانك فإن لم تستطع فبقلبك ، ثم أمره بالصبر فقال واصبر على ما أصابك وذلك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يعادى ، وينال منه ، ولكن له العاقبة ، ولهذا أمره بالصبر على ذلك ، ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج ، وقوله إن ذلك من عزم الأمور أي أن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وصبرك على الأذى من عزائم الأمور التي لا بد منها ولا محيد عنها ، وقوله ولا تصعر خدك للناس قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير والضحاك ، ويزيد بن الأصم ، وأبو الجوزاء ، وغير واحد : معناه لا تتكبر على الناس ، وتميل خدك حال كلامك لهم ، وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والازدراء لهم قال أهل اللغة : وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها فتلتوي رءوسها فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعاظم عليهم .

قال أبو طالب في شعره

[ ص: 13 ]
وكنا قديما لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
وقال عمرو بن حني التغلبي


وكنا إذا الجبار صعر خده     أقمنا له من ميله فتقوما
وقوله ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس كما قال تعالى ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا [ الإسراء : 37 ] يعني : لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه ، ولست بدقك الأرض برجلك تخسف الأرض بوطئك عليها ، ولست بتشامخك ، وتعاظمك ، وترفعك تبلغ الجبال طولا فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك .

وقد ثبت في الحديث بينما رجل يمشي في برديه يتبختر فيهما إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وفي الحديث الآخر إياك ، وإسبال الإزار فإنها من المخيلة والمخيلة لا يحبها الله .

[ ص: 14 ] كما قال في هذه الآية إن الله لا يحب كل مختال فخور ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه فإنه لابد له أن يمشي فنهاه عن الشر ، وأمره بالخير فقال واقصد في مشيك أي لا تتباطأ مفرطا ولا تسرع إسراعا مفرطا ، ولكن بين ذلك قواما كما قال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [ الفرقان : 63 ] ثم قال واغضض من صوتك يعني : إذا تكلمت فلا تتكلف رفع صوتك فإن أرفع الأصوات ، وأنكرها صوت الحمير .

وقد ثبت في الصحيحين الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل فإنها رأت شيطانا ، ولهذا نهي عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه ولا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت ، وتخمير الوجه; كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما رفع الصوت بالأذان ، وعند الدعاء إلى الفئة للقتال ، وعند الإهلال ، ونحو ذلك فذلك مشروع فهذا مما قصه الله تعالى عن لقمان عليه السلام في القرآن من الحكم والمواعظ والوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر ، وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه ، وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان ، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى .

[ ص: 15 ] قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا ابن المبارك أنبأنا سفيان أخبرني نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة عن ابن عمر قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن لقمان الحكيم كان يقول إن الله إذا استودع شيئا حفظه

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني إياك والتقنع; فإنه مخوفة بالليل مذلة بالنهار . .

وقال أيضا : حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا ضمرة حدثنا السري بن يحيى قال لقمان لابنه : يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك ، وحدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله قال : قال لقمان لابنه : يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام - [ ص: 16 ] يعني السلام - ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم ، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم . وحدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا ضمرة عن حفص بن عمر ، قال : وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه ، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفد الخردل فقال : يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل لتفطر . قال : فتفطر ابنه .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي حدثنا أبين بن سفيان المقدسي عن خليفة بن سلام عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة; لقمان الحكيم والنجاشي ، وبلال المؤذن . قال الطبراني : يعني الحبشة . وهذا حديث غريب بل منكر .

وقد ذكر له الإمام أحمد ترجمة في كتاب الزهد ذكر فيها فوائد مهمة وفرائد جمة فقال : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن رجل عن مجاهد ولقد آتينا لقمان الحكمة قال : الفقه والإصابة في غير [ ص: 17 ] نبوة ، وكذا روي عن وهب بن منبه

وحدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان لقمان عبدا حبشيا .

وحدثنا أسود حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطا .

وحدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك - يعني - ابن دينار قال : قال لقمان لابنه : يا بني اتخذ طاعة الله تجارة ; تأتك الأرباح من غير بضاعة .

وحدثنا يزيد حدثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع قال : كان لقمان يقول لابنه : يا بني اتق الله ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر .

وحدثنا يزيد بن هارون ووكيع قالا حدثنا أبو الأشهب عن خالد الربعي قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده : اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له : ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب فقال : أما كان فيها شيء أطيب من هذين ؟ قال : لا . قال : فسكت عنه ما [ ص: 18 ] سكت ، ثم قال له : اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له : ألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب فقال : أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين; فأتيتني باللسان والقلب ، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين; فألقيت اللسان والقلب فقال : إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا .

وحدثنا داود بن رشيد حدثنا ابن المبارك حدثنا معمر عن أبي عثمان رجل من أهل البصرة يقال له : الجعد أبو عثمان قال : قال لقمان لابنه : لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك .

وحدثنا داود بن رشيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرمي عن عبد الله بن زيد قال : قال لقمان : ألا إن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له .

وحدثنا عبد الرزاق سمعت ابن جريج قال : كنت أقنع رأسي بالليل فقال لي عمرو : أما علمت أن لقمان قال : القناع بالنهار مذلة ، معذرة أو قال معجزة بالليل فلم تقنع رأسك بالليل ؟ قال : قلت له : إن لقمان لم يكن عليه دين ، وحدثني حسن بن الجنيد حدثنا سفيان قال : قال لقمان [ ص: 19 ] لابنه : يا بني ما ندمت على الصمت قط ، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب .

وحدثنا عبد الصمد ووكيع قالا : حدثنا أبو الأشهب عن قتادة أن لقمان قال لابنه : يا بني اعتزل الشر يعتزلك فإن الشر للشر خلق .

وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة يا بني إياك والرغب فإن الرغب كل الرغب يبعد القريب من القريب ، ويزيل الحلم كما يزيل الطرب يا بني إياك وشدة الغضب فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن عمير قال : قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجل فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك ، وإن تك غبيا يعلموك ، وإن يطلع الله عليهم برحمة تصبك معهم يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك ، وإن تك غبيا يزيدوك [ ص: 20 ] غباء ، وإن يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم يا بني لا تغبطن امرأ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين فإن له عند الله قاتلا لا يموت .

وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة : بني لتكن كلمتك طيبة ، وليكن وجهك بسطا ، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء ، وقال مكتوب في الحكمة أو في التوراة : الرفق رأس الحكمة . وقال مكتوب في التوراة : كما ترحمون ترحمون ، وقال مكتوب في الحكمة : كما تزرعون تحصدون ، وقال مكتوب في الحكمة : أحب خليلك ، وخليل أبيك .

وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال : قيل للقمان : أي الناس أصبر ؟ قال : صبر لا يتبعه أذى قيل : فأي الناس أعلم ؟ قال : من ازداد من علم الناس إلى علمه قيل : فأي الناس خير ؟ قال : الغني قيل : الغني من المال ؟ قال : لا ، ولكن الغني الذي إذا التمس عنده خير وجد ، وإلا أغنى نفسه عن الناس .

وحدثنا سفيان - هو ابن عيينة - قال قيل للقمان : أي الناس شر ؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا ، وحدثنا أبو عبد الصمد عن مالك بن دينار [ ص: 21 ] قال وجدت في بعض الحكمة يبدد الله عظام الذين يتكلمون بأهواء الناس ، ووجدت فيها لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ، ولما تعمل بما قد علمت ; فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة ، ثم ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى .

وقال عبد الله بن أحمد حدثنا الحكم بن أبي زهير - وهو الحكم بن موسى - حدثنا الفرج بن فضالة عن أبي سعيد قال : قال لقمان لابنه : يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء ، وشاور في أمرك العلماء .

وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذه المواضع وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا . والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا العباس بن الوليد حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة قال : خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة قال : فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة . قال : فأصبح ينطق بها . قال سعيد : فسمعت قتادة يقول : قيل للقمان : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟ فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة ، لرجوت فيه الفوز منه ، ولكنت [ ص: 22 ] أرجو أن أقوم بها ، ولكن خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي . وهذا فيه نظر لأن سعيد بن بشير عن قتادة; قد تكلموا فيه والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله ولقد آتينا لقمان الحكمة قال : يعني الفقه في الإسلام ، ولم يكن نبيا ، ولم يوح إليه ، وهكذا نص على هذا غير واحد من السلف منهم مجاهد ، وسعيد بن المسيب ، وابن عباس . والله أعلم .
========
بيان الإذن في الرواية عن أخبار بني إسرائيل

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد حدثنا همام حدثنا زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : حدثوا عني ولا تكذبوا علي ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج .

وقال أيضا : حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه وقال حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج حدثوا عني ولا تكذبوا علي قال ، ومن كذب علي - قال همام : أحسبه قال متعمدا - فليتبوأ مقعده من النار وهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث همام ، ورواه أبو عوانة الإسفراييني عن أبي داود السجستاني عن هدبة عن همام عن زيد بن أسلم به [ ص: 32 ] ثم قال : قال أبو داود : أخطأ فيه همام وهو من قول أبي سعيد كذا قال وقد رواه الترمذي عن سفيان عن وكيع عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا فالله أعلم .

قال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، أنبأنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية حدثني أبو كبشة السلولي أن عبد الله بن عمرو بن العاص ، حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يقول : بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ورواه أحمد أيضا عن عبد الله بن نمير ، وعبد الرزاق كلاهما عن الأوزاعي به . وهكذا رواه البخاري عن أبي عاصم النبيل عن الأوزاعي به ، وكذا رواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم ، ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف الفريابي عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية به . وقال : حسن صحيح .

وقال أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن أبي حسان عن عبد الله بن عمرو قال : [ ص: 33 ] كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل حتى يصبح ما يقوم فيها إلا لعظم‌ صلاة ورواه أبو داود عن محمد بن المثنى ، ثم قال البزار : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عفان حدثنا أبو هلال عن قتادة عن أبي حسان عن عمران بن حصين قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظم صلاة . قال البزار : وهشام أحفظ من أبي هلال . يعني أن الصواب عن عبد الله بن عمرو ، لا عن عمران بن حصين . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى هو القطان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج إسناد صحيح ، ولم يخرجوه .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة حدثنا وكيع حدثنا ربيع [ ص: 34 ] بن سعد الجعفي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثوا عن بني إسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب ثم أنشأ يحدث صلى الله عليه وسلم قال : خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا : لو صلينا ركعتين ، ودعونا الله عز وجل فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله يحدثنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور ، بين عينيه أثر السجود فقال : يا هؤلاء ما أردتم إلي فقد مت منذ مائة عام فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن ، فادعوا الله أن يعيدني كما كنت . وهذا حديث غريب .

إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا فأما ما يعلم أو يظن بطلانه ، لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم فذاك متروك مردود لا يعرج عليه ، ثم مع هذا كله ، لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته لما رواه البخاري قائلا : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا [ البقرة : 136 ] [ ص: 35 ] تفرد به البخاري من هذا الوجه .

وروى الإمام أحمد من طريق الزهري عن أبي نملة الأنصاري عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء رجل من اليهود فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أعلم فقال اليهودي : أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله ، وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم ، وإن كان باطلا لم تصدقوهم تفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال : فغضب ، وقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني تفرد به أحمد ، وإسناده على شرط مسلم .

[ ص: 36 ] فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية ، وحرفوها وأولوها ، ووضعوها على غير مواضعها ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما ، وهي بلغتهم فكيف يعبرون عنها بغيرها ، ولأجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير ، ووهم كثير مع ما لهم من المقاصد الفاسدة والآراء الباردة . وهذا يتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم ، وتأمل ما فيها من سوء التعبير ، وقبيح التبديل والتغيير والله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير .

وهذه التوراة التي يبدونها ، ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير ، يعلمه من نظر فيها ، وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه ، وكيف يصوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب ، باطلة من حيث معناها وألفاظها . وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم ، وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئا عن كتب أهل الكتاب فكان عمر رضي الله عنه يستحسن بعض ما ينقله ; لما يصدقه من الحق ، وتأليفا لقلبه فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده ، وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده ، ومنها ما هو باطل لا محالة ، ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا .

وقد قال البخاري : وقال أبو اليمان : حدثنا شعيب عن الزهري [ ص: 37 ] أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة ، وذكر كعب الأحبار فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا - مع ذلك - لنبلو عليه الكذب يعني من غير قصد منه .

وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرءونه محضا لم يشب ؟ وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم .

وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق ، أو تصدقوا بباطل . والله أعلم .
========
قصة برصيصا

وهي عكس قضية جريج فإن جريجا عصم ، وذلك فتن .

قال ابن جرير حدثني يحيى بن ابراهيم المسعودي حدثنا أبي عن أبيه عن جده عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين [ الحشر : 16 ، 17 ] قال ابن مسعود : وكانت امرأة ترعى الغنم وكان لها إخوة أربعة ، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب . قال : فنزل الراهب ففجر بها فحملت فأتاه الشيطان فقال له : اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل مصدق يسمع قولك فقتلها ، ثم دفنها قال : فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم : إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ، ثم دفنها في مكان كذا وكذا ، فلما أصبحوا قال رجل منهم : والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك ؟ قالوا : لا بل قصها علينا ، قال : فقصها فقال الآخر : وأنا والله [ ص: 45 ] لقد رأيت ذلك فقال الآخر : وأنا والله لقد رأيت ذلك قالوا : فوالله ما هذا إلا لشيء فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه ، ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان فقال : إني أنا الذي أوقعتك في هذا ، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه ، قال : فسجد له ، فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل ، وهكذا روي عن ابن عباس ، وطاوس ، ومقاتل بن حيان ، نحو ذلك .

وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسياق آخر فقال ابن جرير حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر بن شميل أنبأنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد الله بن نهيك سمعت عليا يقول : إن راهبا تعبد ستين سنة ، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها ، ولها إخوة فقال لإخوتها : عليكم بهذا القس فيداويها قال : فجاءوا بها إليه فداواها وكانت عنده فبينما هو يوما عندها ، إذ أعجبته فأتاها فحملت فعمد إليها فقتلها ، فجاء إخوتها فقال الشيطان : للراهب أنا صاحبك إنك أعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك ، اسجد لي سجدة فسجد له فلما سجد له قال : إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله [ ص: 46 ] كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين .
=====
خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع

روى البخاري ومسلم من غير وجه عن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع ، بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ فقال : لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس قال : فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا ، فقال : أي المال أحب اليك ؟ قال : الإبل - أو قال : البقر هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل ، وقال الآخر : البقر - فأعطي ناقة عشراء فقال : يبارك لك فيها .

قال : وأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : شعر حسن ، ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب ، وأعطي شعرا حسنا . قال : فأي المال أحب اليك ؟ قال : البقر فأعطاه بقرة حاملا ، وقال : يبارك لك فيها .

وأتى الأعمى فقال : أي شيء [ ص: 51 ] أحب اليك ؟ قال : يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس ، قال : فمسحه فرد الله إليه بصره ، قال : فأي المال أحب اليك ؟ قال : الغنم ، فأعطاه شاة والدا ، فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ، ولهذا واد من البقر ، ولهذا واد من الغنم ، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ، ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري ، فقال له : إن الحقوق كثيرة فقال له : كأني أعرفك ، ألم تكن أبرص يقذرك الناس ؟ فقيرا فأعطاك الله عز وجل ؟ فقال : لقد ورثت لكابر عن كابر ! فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت . وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثلما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت .

وأتى الأعمى في صورته فقال : رجل مسكين ، وابن سبيل ، وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي رد عليك بصرك ، شاة أتبلغ بها في سفري [ ص: 52 ] فقال : قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري ، وفقيرا فقد أغناني فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل ، فقال : أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك
هذا لفظ البخاري في أحاديث بني إسرائيل .
=======
قصة أخرى شبيهة بهذه القصة في الصدق والأمانة

قال البخاري : حدثنا إسحاق بن نصر أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار : خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ، ولم أبتع منك الذهب ، وقال الذي له الأرض : إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ قال أحدهما : لي غلام ، وقال الآخر : لي جارية قال : أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدقا هكذا روى البخاري هذا الحديث في أخبار بني إسرائيل ، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به .

وقد روي أن هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين وقد كان قبل بني إسرائيل بدهور متطاولة ، فالله أعلم .

[ ص: 56 ] قال إسحاق بن بشر في كتابه " المبتدأ " عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن : إن ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه ، وعماله بنفسه وكان لا يطلع على أحد منهم خيانة إلا أنكر ذلك عليه وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو بنفسه . قال : فبينما هو يسير متنكرا في بعض المدائن فجلس إلى قاض من قضاتهم أياما لا يختلف إليه أحد في خصومة فلما أن طال ذلك بذي القرنين ، ولم يطلع على شيء من أمر ذلك القاضي ، وهم بالانصراف إذا هو برجلين قد اختصما إليه فادعى أحدهما فقال : أيها القاضي إني اشتريت من هذا دارا عمرتها ، ووجدت فيها كنزا ، وإني دعوته إلى أخذه فأبى علي فقال له القاضي : ما تقول قال : ما دفنت وما علمت به فليس هو لي ولا أقبضه منه قال المدعي : أيها القاضي مر من يقبضه فتضعه حيث أحببت فقال القاضي : تفر من الشر وتدخلني فيه ما أنصفتني وما أظن هذا في قضاء الملك ، فقال القاضي : هل لكما في أمر أنصف مما دعوتماني إليه ؟ قالا : نعم قال للمدعي : ألك ابن ؟ قال : نعم . وقال للآخر : ألك ابنة ؟ قال : نعم . قال : اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا وجهزوهما من هذا المال ، وادفعوا فضل ما بقي إليهما يعيشان به فتكونا قد صليتما بخيره وشره فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك ، ثم قال [ ص: 57 ] للقاضي : ما ظننت أن في الأرض أحدا يفعل مثل هذا أوقاض يقضي بمثل هذا ؟ ! فقال القاضي : وهو لا يعرفه ، وهل أحد يفعل غير هذا ؟ قال ذو القرنين : نعم . قال القاضي : فهل يمطرون في بلادهم ؟ فعجب ذو القرنين من ذلك ، وقال : بمثل هذا قامت السماوات والأرض .

[ ص: 58 ] قصة أخرى

قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ، ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال : هل من توبة ؟ قال : لا . فقتله فجعل يسأل فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي ، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي ، وقال : قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له هكذا رواه هاهنا مختصرا وقد رواه مسلم عن بندار به ومن حديث شعبة من وجه آخر عن قتادة به مطولا .

حديث آخر

قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، ثم أقبل على الناس فقال : بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما [ ص: 59 ] خلقنا للحرث فقال الناس : سبحان الله بقرة تكلم ! فقال : فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر - وما هما ثم - . وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب : هذا استنقذتها مني ! فمن لها يوم السبع ، يوم لا راعي لها غيري ؟ فقال الناس : سبحان الله ذئب يتكلم ! قال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر - وما هما .

ثم قال : وحدثنا علي قال : حدثنا سفيان عن مسعر عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله ، وقد أسنده البخاري في المزارعة عن محمد بن بشار ، ومسلم عن محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة ، وأخرجاه من طريق شعبة كلاهما عن سعد به . وقال الترمذي : حسن صحيح . وأخرج مسلم الطريق الأول من حديث سفيان بن [ ص: 60 ] عيينة وسفيان الثوري كلاهما عن أبي الزناد به .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم عن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون ، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب " . لم يخرجه مسلم من هذا الوجه . وقد روي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها .

حديث آخر : قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال : يا أهل المدينة أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ، ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم . وهكذا رواه مسلم ، وأبو داود من حديث مالك ، وكذا رواه معمر [ ص: 61 ] ويونس وسفيان بن عيينة عن الزهري بنحوه ، وقال الترمذي : حديث صحيح .

وقال البخاري : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن مرة قال : سمعت سعيد بن المسيب قال قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا فأخرج كبة شعر فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا غير اليهود إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور يعني : الوصال في الشعر . تابعه غندر عن شعبة والعجب أن مسلما رواه من غير وجه عن غندر عن شعبة به ، ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيب

حديث آخر : قال البخاري حدثنا سعيد بن تليد حدثنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته [ ص: 62 ] فغفر لها به . ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب به .

حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار فلا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض . وكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به .

حديث آخر قال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن عمر حدثنا المستمر بن الريان حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة فصنعت رجلين من خشب فكانت تمشي بين امرأتين قصيرتين ، واتخذت خاتما من ذهب ، وحشت تحت فصه أطيب الطيب المسك فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفح ريحه . رواه مسلم من حديث المستمر ، وخليد بن جعفر كلاهما عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا قريبا منه ، وقال الترمذي حديث صحيح .

[ ص: 63 ] حديث آخر قال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعي بن حراش يحدث عن ابن مسعود قال رسول صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة : إذا لم تستح فاصنع ما شئت تفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه بعضهم عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا وموقوفا أيضا . والله أعلم .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام حدثنا شهر بن حوشب قال : قال أبو هريرة : بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي ، لا يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته مسغبة شديدة فقال لامرأته : أعندك شيء ؟ قالت : نعم أبشر أتاك رزق الله . فاستحثها فقال : ويحك ابتغي إن كان عندك شيء قالت : نعم هنية نرجو رحمة الله حتى إذا طال عليه الطوى قال : ويحك قومي فابتغي إن كان عندك خبز فأتيني به فإني قد بلغت وجهدت فقالت : نعم الآن ينضج التنور فلا تعجل ، فلما أن سكت عنها ساعة ، وتحينت أيضا أن يقول لها قالت هي من [ ص: 64 ] عند نفسها : لو قمت فنظرت إلى تنوري فقامت فوجدت تنورها ملآن من جنوب الغنم ، ورحييها تطحنان فقامت إلى الرحى فنفضتها وأخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم . قال أبو هريرة فوالذي نفس أبي القاسم بيده - عن قول محمد صلى الله عليه وسلم - لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها ، لطحنتها إلى يوم القيامة .

وقال أحمد : حدثنا ابن عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن محمد ، عن أبي هريرة قال : دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها ، وإلى التنور فسجرته ، ثم قالت : اللهم ارزقنا فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت . قال : وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا قال : فرجع الزوج قال : أصبتم بعدي شيئا قالت امرأته : نعم من ربنا . قام إلى الرحى فرفعها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أما إنه لو لم يرفعها ، لم تزل تدور إلى يوم القيامة [ ص: 65 ] شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول والله لأن يأتي أحدكم صبيرا ، ثم يحمله فيبيعه فيستعف منه ، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله .
=====
وأخبار بني إسرائيل كثيرة جدا في الكتاب ، وفي السنة النبوية ولو ذهبنا نتقصى ذلك لطال الكتاب ، ولكن ذكرنا ما ذكره الإمام أبو عبد الله البخاري في هذا الباب ففيه مقنع وكفاية وهو تذكرة ، وأنموذج لهذا الباب . والله أعلم .

وأما الأخبار الإسرائيلية مما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا ، ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع وكثير منها - بل أكثرها - مما يذكره القصاص مكذوب مفترى ، وضعه زنادقتهم وضلالهم ، وهي ثلاثة أقسام : منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله ، ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه; لما ثبت في الصحيح إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل اليكم وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج .
============

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق