مقتل أبي البختري بن هشام
فصل في مقتل أمية بن خلف
مقتل أبي جهل لعنه الله
رده عليه السلام عين قتادة
فصل قصة أخرى شبيهة بها
ذكر طرح رءوس الكفر في بئر بدر
فصل اختلاف الصحابة في شأن الأسارى
فصل في ذكر عدد القتلى وعدد الأسارى
فصل اختلاف الصحابة في غنائم بدر لمن تكو=
قال ابن إسحاق : وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري ، لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه ، وكان ممن قام في نقض الصحيفة ، فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الأنصار فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك . ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة ، وهو جنادة ابن مليحة ، وهو من بني ليث . قال : وزميلي ؟ فقال له المجذر : لا والله ، ما نحن بتاركي زميلك ، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك . قال : لا والله ، إذا لأموتن أنا وهو جميعا ، لا يتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة . وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر :
لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله
قال : فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد ، وقال في ذلك
إما جهلت أو نسيت نسبي فأثبت النسبة إني من بلي
الطاعنين برماح اليزني والضاربين الكبش حتى ينحني
بشر بيتم من أبوه البختري أو بشرن بمثلها مني بني
أنا الذي يقال أصلي من بلي أطعن بالصعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعضب مشرفي أرزم للموت كإرزام المري
فلا يرى مجذرا يفري فري
ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والذي بعثك بالحق ، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به ، فأبى إلا أن يقاتلني ، فقاتلته فقتلته .=============مقتل أبي جهل لعنه الله
قال ابن هشام : وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ويقول :
ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
قال ابن إسحاق : ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه ، أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى ، وكان أول من لقي أبا جهل ، كما حدثني ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك ، قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة : سمعت القوم ، وأبو جهل في مثل الحرجة ، وهم يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه . فلما سمعتها جعلته من شأني ، فصمدت نحوه ، فلما أمكنني ، حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت ، إلا [ ص: 136 ] بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها . قال : وضربني ابنه عكرمة على عاتقي ، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي ، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها - قال ابن إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان - ثم مر بأبي جهل ، وهو عقير ، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته ، وتركه وبه رمق ، وقاتل معوذ حتى قتل ، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل ، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى ، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني : انظروا ، إن خفي عليكم في القتلى ، إلى أثر جرح في ركبته ، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان ، وكنت أشف منه بيسير ، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به . قال ابن مسعود : فوجدته بآخر رمق فعرفته ، فوضعت رجلي على عنقه - قال : وقد كان ضبث بي [ ص: 137 ] مرة بمكة ، فآذاني ولكزني - ثم قلت له : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : وبماذا أخزاني ؟ قال : أعمد من رجل قتلتموه ، أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال : قلت : لله ولرسوله .
قال ابن إسحاق : وزعم رجال من بني مخزوم ، أن ابن مسعود كان يقول : قال لي : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم . قال : ثم احتززت رأسه ، ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، هذا رأس عدو الله . فقال : آلله الذي لا إله غيره ؟ وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : نعم ، والله الذي لا إله غيره . ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله فحمد الله . هكذا ذكر ابن إسحاق رحمه الله .
وقد ثبت في " الصحيحين " ، من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون ، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : إني لواقف يوم بدر في الصف ، فنظرت عن يميني وشمالي ، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما ، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما ، فغمزني أحدهما فقال : يا عم ، أتعرف أبا جهل ؟ فقلت : [ ص: 138 ] نعم ، وما حاجتك إليه ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي نفسي بيده لئن رأيته ، لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ، فتعجبت لذلك ، فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها ، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس ، فقلت ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه . فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال : أيكما قتله ؟ قال كل منهما : أنا قتلته . قال : هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا . قال : فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال : كلاكما قتله . وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح . والآخر معاذ ابن عفراء .
وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : قال عبد الرحمن : إني لفي الصف يوم بدر ، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه : يا عم ، أرني أبا جهل . فقلت : يا ابن أخي ، [ ص: 139 ] ما تصنع به ؟ قال : عاهدت الله إن رأيته ، أن أقتله أو أموت دونه . فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله . قال : فما سرني أني بين رجلين مكانهما ، فأشرت لهما إليه ، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه ، وهما ابنا عفراء .
وفي " الصحيحين " أيضا ، من حديث سليمان التيمي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ينظر ما صنع أبو جهل ؟ قال ابن مسعود : أنا يا رسول الله ، فانطلق ، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته . قال : فقلت : أنت أبو جهل ؟ فقال : وهو فوق رجل قتلتموه . أو قال قتله قومه .
وعند البخاري ، عن أبي أسامة ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن ابن مسعود ، أنه أتى أبا جهل فقال : هل أخزاك الله ؟ فقال هل أعمد من [ ص: 140 ] رجل قتلتموه .
وقال الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد ، ومعي سيف رديء ، فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة ، حتى ضعفت يده ، فأخذت سيفه ، فرفع رأسه فقال : على من كانت الدائرة ، لنا أو علينا ؟ ألست رويعينا بمكة ؟ قال : فقتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : قتلت أبا جهل فقال : آلله الذي لا إله إلا هو ؟ فاستحلفني ثلاث مرات ، ثم قام معي إليهم فدعا عليهم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة قال : قال عبد الله : انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله ، وهو يذب الناس عنه بسيف له ، فقلت : الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله ، قال : هل هو إلا رجل قتله قومه قال : فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل ، فأصبت يده ، فندر سيفه ، فأخذته فضربته حتى قتلته . قال : ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل من الأرض ، فأخبرته فقال : آلله [ ص: 141 ] الذي لا إله إلا هو . فرددها ثلاثا . قال : قلت : آلله الذي لا إله إلا هو . قال : فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله ، هذا كان فرعون هذه الأمة وفي رواية أخرى قال ابن مسعود : فنفلني سيفه .
وقال أبو إسحاق الفزاري ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فقلت : قد قتلت أبا جهل . فقال : آلله الذي لا إله إلا هو ؟ فقلت : آلله الذي لا إله إلا هو . مرتين أو ثلاثا . قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثم قال : انطلق فأرنيه . فانطلقت فأريته فقال : هذا فرعون هذه الأمة . ورواه أبو داود ، والنسائي . من حديث أبي إسحاق السبيعي به .
وقال الواقدي : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصرع ابني عفراء فقال : رحم الله ابني عفراء ، فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر . فقيل يا رسول الله ، ومن قتله معهما ؟ قال : الملائكة ، وابن مسعود قد شرك في قتله . رواه البيهقي .
[ ص: 142 ] وقال البيهقي : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصم ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن عنبسة بن الأزهر ، عن أبي إسحاق قال : لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل ، استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو ، لقد رأيته قتيلا ؟ فحلف له ، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا .
ثم روى البيهقي ، من طريق أبي نعيم ، عن سلمة بن رجاء ، عن الشعثاء ، امرأة من بني أسد ، عن عبد الله بن أبي أوفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ، حين بشر بالفتح وحين جيء برأس أبي جهل
وقال ابن ماجه : حدثنا أبو بشر بكر بن خلف ، حدثنا سلمة بن رجاء قال : حدثتني شعثاء ، عن عبد الله بن أبي أوفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين .
وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبي ، حدثنا هشيم ، أخبرنا مجالد ، عن الشعبي ، أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج [ ص: 143 ] من الأرض ، فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة .
وقال الأموي في " مغازيه " : سمعت أبي ، ثنا المجالد بن سعيد ، عن عامر قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد ، حتى يغيب في الأرض . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أبو جهل ، وكل به ملك يفعل به كلما خرج ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة
وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه قال : قال الزبير : لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص ، وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه ، وهو يكنى أبا ذات الكرش ، فقال : أنا أبو ذات الكرش . فحملت عليه بعنزة ، فطعنته في عينه فمات . قال هشام : فأخبرت أن الزبير قال : لقد وضعت رجلي عليه ، ثم تمطيت فكان الجهد أن [ ص: 144 ] نزعتها ، وقد انثنى طرفاها . قال عروة : فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ، ثم طلبها أبو بكر ، فأعطاه ، فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر ، فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ، ثم طلبها عثمان منه ، فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي ، فطلبها عبد الله بن الزبير ، فكانت عنده حتى قتل .
وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي ، أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ، ومر به : إني أراك كأن في نفسك شيئا ، أراك تظن أني قتلت أباك ، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله ، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة ، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه ، فحدت عنه ، وقصد له ابن عمه علي فقتله .
قال ابن إسحاق : وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي ، حليف بني عبد شمس ، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب فقال : قاتل بهذا يا عكاشة . فلما أخذه من [ ص: 145 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه ، فعاد سيفا في يده طويل القامة ، شديد المتن ، أبيض الحديدة ، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى " العون " ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله طليحة الأسدي أيام الردة ، وأنشد طليحة في ذلك قصيدة ، منها قوله
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا وعكاشة الغنمي عند مجال
وقد أسلم بعد ذلك طليحة ، كما سيأتي بيانه .
قال ابن إسحاق : وعكاشة هو الذي قال : حين بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب : ادع الله أن يجعلني منهم . قال اللهم اجعله منهم . وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرها .
قال ابن إسحاق : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني : منا خير فارس في العرب . قالوا : ومن هو يا رسول الله ؟ قال : عكاشة بن محصن . [ ص: 146 ] فقال ضرار بن الأزور الأسدي : ذاك رجل منا يا رسول الله . قال ليس منكم ولكنه منا للحلف .
وقد روى البيهقي عن الحاكم ، من طريق محمد بن عمر الواقدي ، حدثني عمر بن عثمان الجحشي عن أبيه ، عن عمته قالت : قال عكاشة بن محصن : انقطع سيفي يوم بدر ، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا ، فإذا هو سيف أبيض طويل ، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين . ولم يزل عنده حتى هلك .
وقال الواقدي : وحدثني أسامة بن زيد ، عن داود بن الحصين ، عن رجال من بني عبد الأشهل عدة قالوا : انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر ، فبقي أعزل لا سلاح معه ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب ، فقال : اضرب به فإذا سيف جيد ، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد=================== ] فصل : قصة أخرى شبيهة بها
قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمد بن صالح ، أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني ، حدثنا إبراهيم بن المنذر ، أخبرنا عبد العزيز بن عمران ، حدثني رفاعة بن يحيى ، عن معاذ بن رفاعة بن رافع ، عن أبيه رفاعة بن رافع بن مالك ، عن أبيه قال : لما كان يوم بدر تجمع الناس على أمية بن خلف ، فأقبلت إليه ، فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه قال : فطعنته بالسيف فيها طعنة فقطعته ، ورميت بسهم يوم بدر ، ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي ، فما آذاني منها شيء . وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد ، ولم يخرجوه . ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر . [ ص: 149 ]
قال ابن هشام : ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد ، فقال أين مالي يا خبيث ؟ فقال عبد الرحمن :
لم يبق إلا شكة ويعبوب وصارم يقتل ضلال الشيب
يعني لم يبق إلا عدة الحرب ، وحصان - وهو اليعبوب - يقاتل عليه شيوخ الضلالة ، هذا يقوله في حال كفره .
وقد روينا في " مغازي الأموي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي يوم بدر هو وأبو بكر الصديق بين القتلى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
: نفلق هاما . . . . . . . . . . . . . . . فيقول الصديق : . . . . . . . من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
==============================
وقد اختلف الصحابة في الأسارى ، أيقتلون أو يفادون على قولين ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، عن حميد ، عن أنس ، وذكر رجلا ، عن الحسن قال : استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر ، فقال : إن الله ، عز وجل ، قد أمكنكم منهم . قال فقام عمر فقال : يا رسول الله ، اضرب أعناقهم . قال : فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ، إن الله قد أمكنكم منهم ، وإنما هم إخوانكم بالأمس . قال فقامعمر فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك ، فقام أبو بكر الصديق ، فقال : يا رسول الله ، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء . قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من [ ص: 162 ] الغم ، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء . قال : وأنزل الله تعالى : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم إلى آخر الآية [ الأنفال : 68 ] . انفرد به أحمد .
وقد روى الإمام أحمد - واللفظ له - ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وصححه وكذا علي بن المديني ، وصححه من حديث عكرمة بن عمار ، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل ، حدثني ابن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب ، قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم بدر ، وهم ثلاثمائة ونيف ، ونظر إلى المشركين ، فإذا هم ألف وزيادة ، فذكر الحديث كما تقدم إلى قوله : فقتل منهم سبعون رجلا ، وأسر منهم سبعون رجلا ، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار ، وعسى أن يهديهم الله ، فيكونوا لنا عضدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا بن الخطاب ؟ قال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم . فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، وأخذ منهم الفداء . فلما كان من الغد قال عمر : فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 163 ] فإذا هو قاعد وأبو بكر ، رضي الله عنه ، وإذا هما يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى : ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم من الفداء ، ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقولون في هؤلاء الأسرى ؟ قال : فقال أبو بكر : يا رسول الله ، قومك وأهلك ، استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم . قال : وقال عمر : يا رسول الله ، أخرجوك وكذبوك ، قربهم فاضرب أعناقهم . قال : وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه [ ص: 164 ] عليهم نارا . فقال العباس : قطعت رحمك . قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا ، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر . وقال ناس : يأخذ بقول عمر . وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة . فخرج عليهم فقال إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر ، كمثل إبراهيم ، عليه السلام ، قال : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ، قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ، قال : ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أنتم عالة ، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق . قال عبد الله : فقلت : يا رسول الله ، إلا سهيل بن بيضاء ، فإني قد سمعته يذكر [ ص: 165 ] الإسلام . قال فسكت . قال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم ، حتى قال : " إلا سهيل بن بيضاء " قال : فأنزل الله ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم إلى آخر الآيتين . وهكذا رواه الترمذي ، والحاكم من حديث أبي معاوية ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك ، وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري بنحوه .
وقد روى ابن مردويه ، والحاكم في " المستدرك " من حديث عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر ، أسره رجل من الأنصار ، قال : وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه . [ ص: 166 ] قال عمر : أفآتيهم ؟ قال : نعم . فأتى عمر الأنصار ، فقال لهم : أرسلوا العباس . فقالوا : لا والله ، لا نرسله . فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله رضى ؟ قالوا : فإن كان له رضى فخذه . فأخذه عمر ، فلما صار في يده قال له عمر : يا عباس ، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك . قال واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر : فقال أبو بكر عشيرتك ، فأرسلهم . واستشار عمر ، فقال : اقتلهم ، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الآية . ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
وروى الترمذي ، والنسائي ، وابن حبان في " صحيحه " من حديث سفيان الثوري ، عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال خير أصحابك في الأسارى ، إن شاءوا الفداء وإن شاءوا القتل ، على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم . قالوا : الفداء ويقتل منا . وهذا حديث غريب جدا ، ومنهم من رواه مرسلا ، عن عبيدة . والله أعلم . [ ص: 167 ]
وقد قال ابن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم يقول : لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه ، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم . وهكذا روي عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أيضا ، واختاره ابن إسحاق وغيره .
وقال الأعمش : سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا . وهكذا روي عن سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح .
وقال مجاهد والثوري : لولا كتاب من الله سبق أي : لهم بالمغفرة .
وقال الوالبي ، عن ابن عباس : سبق في أم الكتاب الأول ، أن المغانم وفداء الأسارى حلال لكم ، ولهذا قال بعده : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا [ الأنفال : 69 ] . وهكذا روي عن أبي هريرة ، وابن مسعود ، وسعيد بن [ ص: 168 ] جبير ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، والأعمش ، واختاره ابن جرير ، وقد ترجح هذا القول بما ثبت في " الصحيحين " عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة .
وروى الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لم تحل الغنائم لسود الرءوس غيرنا . ولهذا قال تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأذن الله تعالى في أكل الغنائم ، وفداء الأسارى .
وقد قال أبو داود : حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي ، ثنا سفيان بن حبيب ، ثنا شعبة ، عن أبي العنبس ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة . وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال ، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم . [ ص: 169 ]
وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم الآية [ الأنفال : 70 ] . وقال الوالبي ، عن ابن عباس : نزلت في العباس ، ففادى نفسه بالأربعين أوقية من ذهب . قال العباس : فآتاني الله أربعين عبدا - يعني كلهم يتجر له - قال : وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه .
وقال ابن إسحاق : حدثني العباس بن عبد الله بن معبد ، عن بعض أهله ، عن ابن عباس ، قال : لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، والأسارى محبوسون بالوثاق بات النبي صلى الله عليه وسلم ساهرا أول الليل ، فقال له أصحابه : ما لك لا تنام يا رسول الله ؟ فقال : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه . فأطلقوه ، فسكت ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : وكان رجلا موسرا ففادى نفسه بمائة أوقية من ذهب .
قلت : وهذه المائة كانت عن نفسه ، وعن ابني أخويه عقيل ونوفل ، وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر ، كما أمره بذلك رسول الله [ ص: 170 ] صلى الله عليه وسلم حين ادعى أنه كان قد أسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ظاهرك فكان علينا ، والله أعلم بإسلامك وسيجزيك ، فادعى أنه لا مال عنده ، قال : فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل ، وقلت لها : إن أصبت في سفري فهذا لبني ، الفضل وعبد الله وقثم ؟ فقال : والله إني لأعلم أنك رسول الله ، إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل . رواه ابن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس .
وثبت في " صحيح البخاري " من طريق موسى بن عقبة ، قال الزهري : حدثني أنس بن مالك قال : إن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه . فقال : لا والله لا تذرون منه درهما .
قال البخاري : وقال إبراهيم بن طهمان ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمال من البحرين ، فقال : انثروه في المسجد . فكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه العباس ، فقال : يا رسول الله ، أعطني ، إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا . فقال : خذ . فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله ، فلم يستطع ، فقال : مر بعضهم يرفعه إلي . قال : لا . قال : فارفعه أنت علي . قال : لا . فنثر منه ثم ذهب يقله ، فلم يستطع . [ ص: 171 ] فقال : مر بعضهم يرفعه إلي . قال : لا . قال : فارفعه أنت علي قال : لا . فنثر منه ، ثم احتمله على كاهله ثم انطلق ، فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا ، عجبا من حرصه ، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم .
وقال البيهقي : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس ، عن أسباط بن نصر ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، قال : كان فداء العباس وابني أخويه ، عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، كل رجل أربعمائة دينار ، ثم توعد تعالى الآخرين ، فقال : وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم [ الأنفال : 71 ] ===============================وقد اختلفت الصحابة ، رضي الله عنهم ، يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ ، لمن تكون منهم ، وكانوا ثلاثة أصناف حين ولى المشركون ، ففرقة أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحرسه خوفا من أن يرجع أحد من المشركين إليه ، وفرقة ساقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون ، وفرقة جمعت المغانم من متفرقات الأماكن ، فادعى كل فريق من هؤلاء أنه أحق بالمغنم من الآخرين ، لما صنع من الأمر المهم .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال ، فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمه بين المسلمين عن بواء ، يقول : عن سواء . وهكذا رواه أحمد ، عن محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق به .
ومعنى قوله : على السواء . أي ساوى فيها بين الذين جمعوها ، وبين [ ص: 178 ] الذين اتبعوا العدو ، وبين الذين ثبتوا تحت الرايات ، لم يخصص بها فريقا منهم ممن ادعى التخصيص بها ، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه ، كما قد يتوهمه بعض العلماء ، منهم أبو عبيد وغيره . والله أعلم . بل قد تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار من مغانم بدر .
قال ابن جرير : وكذا اصطفى جملا لأبي جهل ، كان في أنفه برة من فضة . وهذا قبل إخراج الخمس أيضا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا أبو إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، عن سليمان بن موسى ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا ، فالتقى الناس فهزم الله العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون ، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه [ ص: 179 ] ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يصيب العدو منه غرة ، حتى إذا كان الليل ، وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب . وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا منها العدو وهزمناهم . وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : خفنا أن يصيب العدو منه غرة ، فاشتغلنا به فنزلت : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين [ الأنفال : 1 ] . فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على فواق بين المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع ، فإذا أقبل راجعا نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال .
وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث الثوري ، عن عبد الرحمن بن الحارث . . . . آخره . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . ورواه ابن حبان في " صحيحه " ، والحاكم في " مستدركه " من حديث عبد الرحمن . وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه . [ ص: 180 ]
وقد روى أبو داود ، والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم من طرق ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا . فتسارع في ذلك شبان الرجال ، وبقي الشيوخ تحت الرايات ، فلما كانت الغنائم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم ، فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا ، فإنا كنا ردءا لكم ، ولو انكشفتم لفئتم إلينا ، فتنازعوا ، فأنزل الله تعالى : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارا أخر يطول بسطها هاهنا ، ومعنى الكلام أن الأنفال مرجعها إلى حكم الله ورسوله ، يحكمان فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد ، ولهذا قال تعالى : قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ثم ذكر ما وقع في قصة بدر ، وما كان من الأمر حتى انتهى إلى قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الآية [ الأنفال : 41 ] . فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الأنفال ، الذي جعل مرده إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فبينه تعالى ، وحكم فيها بما أراد تعالى ، وهو قول [ ص: 181 ] ابن زيد ، وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمه الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر على السواء بين الناس ، ولم يخمسها ، ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخا لما تقدم ، وهكذا روى الوالبي ، عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وعكرمة والسدي ، وفي هذا نظر . والله أعلم ، فإن سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها ، كلها في غزوة بدر ، فيقتضي أن ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضي نسخ بعضه بعضا ، ثم في " الصحيحين " عن علي ، رضي الله عنه ، أنه قال في قصة شارفيه اللذين اجتب أسنمتهما حمزة : إن إحداهما كانت من الخمس يوم بدر . ما يرد صريحا على أبي عبيد ، أن غنائم بدر لم تخمس . والله أعلم . بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير ، وغيرهما ، وهو الصحيح الراجح . والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق