الأحد، 1 نوفمبر 2015

قصة الملكين التائبين ===قصة جريج أحد عباد بني إسرائيل==== قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار

حديث الذي استسلف من صاحبه ألف دينار فأداها=========تحريف أهل الكتاب وتبديلهم أديانهم

أما اليهود فقد أنزل الله عليهم التوراة على يدي موسى بن عمران عليه السلام وكانت كما قال الله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء [ الأنعام : 154 ] وقال تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا [ الأنعام : 91 ] وقال تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين [ الأنبياء : 48 ] وقال تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم [ الصافات : 117 ، 118 ] وقال تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] فكانوا يحكمون بها وهم متمسكون بها برهة من الزمان ، ثم شرعوا في تحريفها وتبديلها وتغييرها وتأويلها وإبداء ما ليس منها ، كما قال [ ص: 79 ] الله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [ آل عمران : 78 ] فأخبر تعالى أنهم يفسرونها ويئولونها ، ويضعونها على غير مواضعها . وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء وهو أنهم يتصرفون في معانيها ويحملونها على غير المراد ، كما بدلوا حكم الرجم والتحميم مع بقاء لفظ الرجم فيها ، وكما أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، مع أنهم مأمورون باقامة الحد والقطع على الشريف والوضيع .

فأما تبديل ألفاظها ; فقال قائلون بأنها جميعها بدلت ، وقال آخرون : لم تبدل ، واحتجوا بقوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله [ المائدة : 43 ] وقوله الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات [ الأعراف : 157 ] الآية . وبقوله قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [ آل عمران : 93 ] وبقصة الرجم فإنهم - كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ، وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، وفي السنن عن أبي هريرة وغيره - لما تحاكموا [ ص: 80 ] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة اليهودي واليهودية اللذين زنيا فقال لهم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ " فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراة فلما جاءوا بها وجعلوا يقرءونها ويكتمون آية الرجم التي فيها ، ووضع عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم ، وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفع يدك يا أعور " فرفع يده فاذا فيها آية الرجم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما ، وقال : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " . وعند أبي داود أنهم لما جاءوا بها نزع الوسادة من تحته فوضعها تحتها ، وقال : آمنت بك وبمن أنزلك . وذكر بعضهم أنه قام لها . ولم أقف على إسناده . والله أعلم .

وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم : إن التوراة انقطع تواترها في زمن بختنصر ، ولم يبق من يحفظها إلا العزير ، ثم العزير إن كان نبيا فهو معصوم والتواتر إلى المعصوم يكفي ، اللهم إلا أن يقال : إنها لم تتواتر إليه ، لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى ، وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة فلو لم تكن صحيحة معمولا بها ، لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون ، ثم قد قال الله تعالى فيما أنزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى جميع الأنبياء منكرا على اليهود في [ ص: 81 ] قصدهم الفاسد إذ عدلوا عما يعتقدون صحته عندهم - وأنهم مأمورون به حتما - إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يعاندون ما جاء به ، لكن لما كان - في زعمهم - ما قد يوافقهم على ما ابتدعوه من الجلد والتحميم المصادم لما أمر الله به حتما ، وقالوا : إن حكم لكم بالجلد والتحميم فاقبلوه ، وتكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند الله يوم القيامة ، وإن لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا أن تقبلوا منه .

فأنكر الله تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الذي إنما حملهم عليه الغرض الفاسد ، وموافقة الهوى لا الدين الحق فقال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله [ المائدة : 43 ، 44 ] الآية . ولهذا لما حكم بالرجم قال : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " وسألهم ما حملهم على هذا ؟ ولم تركوا أمر الله الذي بأيديهم ؟ فقالوا : إن الزنا قد كثر في أشرافنا ، ولم يمكنا أن نقيمه عليهم ، وكنا نرجم من زنى من ضعفائنا فقلنا : تعالوا إلى أمر نصف نفعله مع الشريف والوضيع فاصطلحنا على الجلد والتحميم فهذا من جملة تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم وتأويلهم الباطل . وهذا إنما فعلوه في المعاني ، مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم ، كما دل عليه الحديث المتفق عليه .

فلهذا قال من قال هذا من الناس : إنه لم [ ص: 82 ] يقع تبديلهم إلا في المعاني وإن الألفاظ باقية ، وهي حجة عليهم ، إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه ; لقادهم ذلك إلى اتباع الحق ، ومتابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : 157 ] الآية وقال تعالى ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة [ المائدة : 66 ] الآية وقال تعالى قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل اليكم من ربكم [ المائدة : 68 ] الآية . وهذا المذهب وهو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها - حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه " الصحيح " وقرر عليه ولم يرده ، وحكاه العلامة الإمام فخر الدين الرازي في " تفسيره " عن أكثر المتكلمين .

وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مس التوراة وهو محدث ، وحكاه الحناطي في فتاويه عن بعض أصحاب الشافعي وهو غريب جدا . وذهب آخرون من العلماء إلى التوسط في هذين القولين منهم شيخنا [ ص: 83 ] الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فقال : أما من ذهب إلى أنها كلها مبدلة من أولها إلى آخرها ، ولم يبق منها حرف إلا بدلوه فهذا بعيد ، وكذا من قال : لم يبدل شيء منها بالكلية بعيد أيضا والحق أنه دخلها تبديل وتغيير ، وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص كما تصرفوا في معانيها . وهذا معلوم عند التأمل ، ولبسطه موضع آخر . والله أعلم . كما في قولهم في قصة الذبيح : اذبح ابنك وحيدك ، وفي نسخة : بكرك إسحاق فلفظة إسحاق مقحمة مزيدة بلا مرية ; لأن الوحيد - وهو البكر - إسماعيل لأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة فكيف يكون الوحيد البكر إسحاق ؟! ! وإنما حملهم على ذلك حسد العرب أن يكون أبوهم هو الذبيح فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم فزادوا ذلك في كتاب الله افتراء على الله وعلى رسوله ، وقد اغتر بهذه الزيادة خلق كثير من السلف والخلف ، ووافقوهم على أن الذبيح إسحاق والصحيح أن الذبيح إسماعيل كما قدمنا . والله أعلم .

وهكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الأمر بالتوجه إلى الطور في الصلاة ، وليس ذلك في سائر نسخ اليهود والنصارى ، وهكذا يوجد [ ص: 84 ] في الزبور المأثور ، عن داود عليه السلام مختلفا كثيرا ، وفيه أشياء مزيدة ملحقة فيه ، وليست منه . والله أعلم . قلت : وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها ، وتحريف كثير من ألفاظها ، وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح ، وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جدا فأما ما يتلونه بلسانهم ، ويكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه .

وأما النصارى فأناجيلهم الأربعة من طرق مرقس ولوقا ومتى ويوحنا ، أشد اختلافا وأكثر زيادة ونقصا وأفحش تفاوتا من التوراة وقد خالفوا أحكام التوراة والإنجيل في غير ما شيء قد شرعوه لأنفسهم ، فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق ، وليست منصوصا عليها ولا مأمورا بها في شيء من الأناجيل الأربعة ، وهكذا تصويرهم كنائسهم ، وتركهم الختان ، ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع ، وزيادته فيه إلى خمسين يوما ، وأكلهم الخنزير ، ووضعهم الأمانة الكبيرة ، وإنما هي الخيانة الصغيرة الحقيرة ، والرهبانية ، وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد ، وتحريمه عليه ، وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر .

فكل هذه الأشياء ابتدعوها ، ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطس باني القسطنطينية وكان زمنه بعد المسيح [ ص: 85 ] بثلاثمائة سنة وكان أبوه أحد ملوك الروم ، وتزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران وكانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة ومهر فيها ، وصار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أمه عليها فعظم القائمين بها بعض الشيء وهو على اعتقاد الفلاسفة فلما مات أبوه ، واستقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس وساد فيهم ، وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة ، وعظم شأنه .

وكان أول القياصرة ، ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى ، ومنازعة وقعت بين بطريق الإسكندرية إكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له : عبد الله بن أريوس فذهب إكصندروس إلى أن عيسى ابن الله ، - تعالى الله عن قوله - وذهب ابن أريوس إلى أن عيسى عبد الله ورسوله ، واتبعه على هذا طائفة من النصارى ، وأصفق الأكثرون الأخسرون على قول بطريقهم ، ومنع ابن أريوس من دخول الكنيسة هو وأصحابه ، فذهب يستعدي على إكصندروس وأصحابه إلى الملك قسطنطين ، فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبد الله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبد الله ورسوله ، واحتج على [ ص: 86 ] ذلك فمال إليه ، وجنح إلى قوله فقال له قائلون : فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك بإحضاره ، وطلب من سائر الأقاليم كل أسقف ، وكل من عنده علم في دين النصرانية ، وجمع البطارقة الأربعة من القدس ، وأنطاكية ورومية والإسكندرية فيقال : إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف .

فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة ، وهم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهؤلاء خمسون على مقالة ، وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى ، وهؤلاء عشرة على مقالة وأربعون على أخرى ومائة على مقالة ومائتان على مقالة ، وطائفة على مقالة ابن أريوس ، وجماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم ، وانتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين ، مع أنه سيئ الظن بما عدا دين الصابئين من أسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة إكصندروس ، ولم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال : هؤلاء أولى بنصر قولهم ; لأنهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا ، ووضع سيفه وخاتمه إليهم ، وقال : إني رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه فأنا أنصرها [ ص: 87 ] وأذهب إليها فسجدوا له ، وطلب منهم أن يضعوا له كتابا في الأحكام ، وأن تكون الصلاة إلى الشرق ; لأنها مطلع الكواكب النيرة ، وأن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم ، وإظهار كلمتهم وإقامة مقالتهم ، وإبعاد من خالفهم وتضعيف رأيه وقوله ، فظهر أصحابه بجاهه على مخالفهم وانتصروا عليهم ، وأمر ببناء الكنائس على دينهم ، وهم الملكية ; نسبة إلى دين الملك فبني في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقرى أزيد من ثنتي عشرة ألف كنيسة ، واعتنى الملك ببناء بيت لحم يعني على مكان مولد المسيح ، وبنت أمه هيلانة قمامة بيت المقدس على مكان المصلوب الذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم ، وقلة عقلهم أنه المسيح عليه الصلاة والسلام ، ويقال : إنه قتل من عدا أولئك ، وخد لهم الأخاديد في الأرض ، وأجج فيها النار وأحرقهم بها ، كما ذكرناه في سورة البروج .

وعظم دين النصرانية ، وظهر أمره جدا بسبب الملك قسطنطين وقد أفسده عليهم فسادا لا صلاح له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده ، وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم ، وكثرت كنائسهم على أسماء عبادهم ، وتفاقم كفرهم ، وغلظت مصيبتهم ، وتخلد ضلالهم ، وعظم وبالهم ، ولم يهد الله قلوبهم ولا [ ص: 88 ] أصلح بالهم بل صرف قلوبهم عن الحق ، وأمال عن الاستقامة حالهم ، ثم اجتمعوا بعد ذلك مجمعين في قضيةالنسطورية واليعقوبية ، وكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى ، وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا ترى مجامعتهم في المعابد والكنائس ، وكلهم يقول بالأقانيم الثلاثة : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم الكلمة ، ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه أو حل فيه أو اتحد به ، واختلافهم في ذلك شديد ، وكفرهم بسببه غليظ ، وكلهم على الباطل إلا من قال من الأريوسية أصحاب عبد الله بن أريوس : إن المسيح عبد الله ورسوله وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . كما يقول المسلمون فيه سواء ، ولكن لما استقر أمر الأريوسية على هذه المقالة تسلط عليهم الفرق الثلاثة بالإبعاد والطرد حتى قلوا فلا يعرف اليوم منهم أحد فيما نعلم . والله أعلم .
قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته فتفكر فعلم أن ذلك منقطع عنه ، وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه فتسرب فانساب ذات ليلة من قصره فأصبح في مملكة غيره ، وأتى ساحل البحر وكان به يضرب اللبن بالأجر فيأكل ويتصدق بالفضل فلم يزل كذلك حتى رقي أمره إلى ملكهم وعبادته وفضله فأرسل ملكهم إليه أن يأتيه فأبى أن يأتيه فأعاد ثم أعاد إليه فأبى أن يأتيه ، وقال : ما له وما لي ؟ قال : فركب إليه الملك فلما رآه الرجل ، ولى هاربا فلما رأى ذلك الملك ركض في أثره فلم يدركه قال : فناداه يا عبد الله إنه ليس عليك مني بأس ، فقام حتى أدركه فقال له : من أنت رحمك الله ؟ فقال أنا فلان بن فلان صاحب ملك كذا وكذا ، تفكرت في أمري فعلمت أن ما أنا فيه منقطع فإنه قد [ ص: 67 ] شغلني عن عبادة ربي فتركته وجئت هاهنا أعبد ربي عز وجل ، فقال له : ما أنت بأحوج إلى ما صنعت مني . قال : ثم نزل عن دابته فسيبها ثم تبعه فكانا جميعا يعبدان الله عز وجل فدعوا الله أن يميتهما جميعا قال : فماتا . قال عبد الله : فلو كنت برميلة مصر ، لأريتكم قبورهما ، بالنعت الذي نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر : أي أب كنت لكم ؟ قالوا : خير أب . قال : فإني لم أعمل خيرا قط فاذا مت فأحرقوني ، ثم اسحقوني ، ثم اذروني في يوم عاصف . ففعلوا فجمعه الله عز وجل فقال : ما حملك ؟ قال : مخافتك . فتلقاه برحمته . ورواه في مواضع أخر ، ومسلم من طرق عن قتادة به . ثم رواه البخاري ، ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، ومن حديث [ ص: 68 ] الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا ابراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان رجل يداين الناس ، فكان يقول لفتاه : إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا . قال : فلقي الله فتجاوز عنه وقد رواه في مواضع أخر ، ومسلم من طريق الزهري به .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني مالك عن محمد بن المنكدر ، وعن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون ؟ قال أسامة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل - أو على من كان قبلكم - فاذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم [ ص: 69 ] بها فلا تخرجوا فرارا منه قال أبو النضر : لا يخرجكم إلا فرارا منه . ورواه مسلم من حديث مالك ، ومن طرق أخر عن عامر بن سعد به .

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده ، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه .

حديث آخر قال البخاري : حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فكلمه أسامة فقال : أتشفع في حد من حدود الله ، ثم قام فخطب ، ثم قال : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن [ ص: 70 ] الليث بن سعد به .

حديث آخر : وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة الهلالي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رجلا قرأ آية ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية ، وقال : كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا تفرد به البخاري دون مسلم .

حديث آخر : قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا ابراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم تفرد به دون مسلم ، وفي سنن أبي داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود . .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان ، [ ص: 71 ] عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس ( سمعت عمر رضي الله عنه يقول : قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها رواه مسلم من حديث ابن عيينة ، ومن حديث عمرو بن دينار به . ثم قال البخاري تابعه جابر ، وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا الحديث طرق كثيرة ستأتي في باب الحيل من كتاب " الأحكام " إن شاء الله ، وبه الثقة .

حديث آخر قال البخاري : حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا عبد الوارث حدثنا خالد عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال : ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به .

والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلاة بغير دعوة إليها ، ثم أمر من ينادي فيهم وقت الصلاة : الصلاة جامعة ، ثم أرادوا أن يدعوا إليها [ ص: 72 ] بشيء يعرفه الناس فقال قائلون : نضرب بالناقوس ، وقال آخر : نوري نارا فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه الأذان ، فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا فنادى به كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب " الأحكام " .

حديث آخر قال البخاري حدثنا بشر بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرني معمر ، ويونس عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عائشة ، وابن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فاذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ، ومسلم من طرق عن الزهري به .

حديث آخر قال البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر [ ص: 73 ] ضب لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فمن ؟ ! وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به .

والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا فإن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى ولو كان قصد المؤمن خيرا ، لكنه تشبه بفعله في الظاهر من فعلهم . وكما نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها; لئلا يشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية . وهكذا قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم [ البقرة : 104 ] فكان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم في كلامهم معه : راع نا أي : انظر إلينا ببصرك ، واسمع كلامنا ، ويقصدون بقولهم : راعنا من الرعونة فنهي المؤمنون أن يقولوا ذلك ، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا .

فقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده [ ص: 74 ] لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم أن يتشبه بهم; لا في عباداتهم ولا مواسمهم ولا في أعيادهم; لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة ، وعيسى ابن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين ، لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة ، فإذا كان الله تعالى قد من علينا ، بأن جعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم ، قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [ المائدة : 77 ] قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا ، ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

حديث آخر قال البخاري : حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس ، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى ، كرجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي إلى نصف النهار [ ص: 75 ] على قيراط قيراط ؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ، ثم قال : من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ، ثم قال : من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ؟ ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ، ألا لكم الأجر مرتين . فغضب اليهود والنصارى فقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء ! قال الله : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا . قال : فإنه فضلي أوتيه من شئت . وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الأمة قصيرة ، بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها; لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس .

فالماضي لا يعلمه إلا الله كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو ، ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ، ولا اطلاع لأحد على تحديد ما بقي إلا الله عز وجل كما قال الله تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو [ الأعراف : 187 ] وقال يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها [ النازعات : 42 - 44 ] وما يذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه عليه السلام لا يؤلف تحت الأرض فليس له أصل في كتب الحديث ، وورد فيه حديث إن الدنيا جمعة من جمع الآخرة [ ص: 76 ] وفي صحته نظر . والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم ، وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل ولا قلته ، بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى ، وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير ; هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها ، وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه من تمر . وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره ، وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة - التي هي ثلاث وعشرون سنة - في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله ، حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين .

فهذه الأمة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته ، كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . [ الحديد : 28 ، 29 ]=======
قصة جريج أحد عباد بني إسرائيل

قال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي سمعت محمد بن سيرين يحدث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ; عيسى ابن مريم قال : وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له : جريج فابتنى صومعة وتعبد فيها قال : فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج فقالت بغي منهم : لئن شئتم لأفتننه ! فقالوا : قد شئنا ذاك . قال : فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا : ممن ؟ قالت : من جريج فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : إنك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما فقال : وأين هو ؟ قالوا : هو هذا قال : فقام فصلى ودعا ، ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه فقال : بالله يا غلام من أبوك ؟ فقال : أنا ابن الراعي فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه ، وقالوا : نبني صومعتك من ذهب قال : لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت قال : وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه إذ مر بها راكب ذو شارة فقالت : اللهم اجعل ابني مثل هذا ، قال : فترك ثديها [ ص: 39 ] وأقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله قال : ثم عاد إلى ثديها فمصه قال أبو هريرة : فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيع الصبي ، ووضع أصبعه في فمه يمصها ، ثم مر بأمة تضرب فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثلها قال : فترك ثديها ، وأقبل على الأمة فقال : اللهم اجعلني مثلها قال : فذاك حين تراجعا الحديث فقالت : حلقى ! مر الراكب ذو الشارة فقلت : اللهم اجعل ابني مثله فقلت : اللهم لا تجعلني مثله ، ومر بهذه الأمة فقلت : اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت : اللهم اجعلني مثلها فقال : يا أمتاه إن الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة ، وإن هذه الأمة يقولون : زنت ولم تزن ، وسرقت ولم تسرق ، وهي تقول : حسبي الله وهكذا رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ، وفي المظالم عن مسلم بن ابراهيم ، ومسلم في كتاب الأدب عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون كلاهما عن جرير بن حازم به .

[ ص: 40 ] طريق أخرى وسياق آخر ، قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان جريج يتعبد في صومعته قال : فأتته أمه فقالت : يا جريج أنا أمك فكلمني قال : وكان أبو هريرة يصف كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفها ، وضع يده على حاجبه الأيمن قال : فصادفته يصلي قال : يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته فرجعت ثم أتته فصادفته يصلي فقالت : يا جريج أنا أمك فكلمني فقال : يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته فقالت : اللهم هذا جريج وإنه ابني ، وإني كلمته فأبى أن يكلمني ، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات . ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن قال : وكان راع يأوي إلى ديره فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي فولدت غلاما فقيل : ممن هذا ؟ فقالت : هو من صاحب الدير ، فأقبلوا بفئوسهم ومساحيهم وأقبلوا إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم ، فأقبلوا يهدمون ديره فنزل إليهم فقالوا : سل هذه المرأة قال أراه تبسم قال : ثم مسح رأس الصبي فقال : من أبوك ؟ قال : راعي الضأن قالوا : يا جريج نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال : لا ولكن أعيدوه كما كان ففعلوا ورواه مسلم في الاستئذان عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة به

[ ص: 41 ] سياق آخر قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يتعبد في صومعته ، فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت : أي جريج أي بني أشرف علي أكلمك أنا أمك أشرف علي فقال : أي ربي صلاتي وأمي فأقبل على صلاته ، ثم عادت فنادته مرارا فقالت : أي جريج أي بني أشرف علي فقال : أي رب صلاتي وأمي فأقبل على صلاته فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه المومسة .

وكانت راعية ترعى غنما لأهلها ، ثم تأوي إلى ظل صومعته فأصابت فاحشة فحملت فأخذت ، - وكان من زنى منهم قتل - فقالوا : ممن ؟ قالت : من جريج صاحب الصومعة فجاءوا بالفئوس والمرور فقالوا : أي جريج أي مراء انزل فأبى وأقبل على صلاته يصلي ، فأخذوا في هدم صومعته ، فلما رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا فجعلوا يطوفون بهما في الناس ، فوضع أصبعه على بطنها فقال : أي غلام من أبوك ؟ فقال : أبي فلان راعي الضأن . فقبلوه وقالوا : إن شئت بنينا لك صومعتك من ذهب وفضة . قال أعيدوها كما كانت .
. وهذا سياق غريب ، وإسناده على شرط [ ص: 42 ] مسلم ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه .

فهؤلاء ثلاثة تكلموا في المهد عيسى ابن مريم عليه السلام وقد تقدم الكلام على قصته ، وصاحب جريج ابن البغي من الراعي كما سمعت والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة فتمنى أن يكون كتلك الأمة المتهومة بما هي بريئة منه ، وهي تقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا وقد رواه الإمام أحمد عن هوذة عن عوف الأعرابي عن خلاس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة هذا الغلام الرضيع وهو إسناد حسن .

وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب وهي ترضعه ، فقالت : اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا . فقال : اللهم لا تجعلني مثله ، ثم رجع في الثدي ، ومر بامرأة تجر ، ويلعب بها فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فقال : اللهم اجعلني مثلها فقال : أما الراكب فإنه كافر وأما المرأة ، [ ص: 43 ] فإنهم يقولون : إنها تزني ، وتقول : حسبي الله ، ويقولون : تسرق ، وتقول : حسبي الله وقد ورد في من تكلم في المهد أيضا شاهد يوسف كما تقدم ، وابن ماشطة آل فرعون . والله أعلم .
=========
قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج عنهم

قال الإمام البخاري : حدثنا إسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير ، عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه ، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا ، وأنه أتاني يطلب أجره فقلت : اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة . [ ص: 48 ] فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا ، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع ، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما ، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء .

فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي ، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها قالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فقمت وتركت المائة دينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، ففرج الله عنهم فخرجوا
ورواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به .

وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن مروان بن معاوية عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، ورواه الإمام أحمد من [ ص: 49 ] حديث وهب بن منبه عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق ، وفيه زيادات . ورواه البزار من طريق أبي إسحاق عن رجل من بجيلة عن النعمان بن بشير مرفوعا مثله ، ورواه البزار في مسنده من حديث أبي حنش عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .
===============
حديث الذي استسلف من صاحبه ألف دينار فأداها

قال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال : ائتني بشهداء أشهدهم قال : كفى بالله شهيدا قال : ائتني بكفيل قال : كفى بالله كفيلا قال : صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي كان أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها ، وأدخل فيها ألف دينار ، وصحيفة معها إلى صاحبها ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها البحر ، ثم قال : اللهم إنك قد علمت أني استلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلا فقلت : كفى بالله كفيلا فرضي بذلك ، وسألني شهيدا فقلت : كفى بالله شهيدا فرضي بذلك ، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي له فلم أجد مركبا ، وإني استودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف [ ص: 54 ] ينظر وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيء بماله فاذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار ، وقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه ، قال : هل كنت بعثت إلي بشيء قال : ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه ، قال : فإن الله أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشدا هكذا رواه الإمام أحمد مسندا وقد علقه البخاري في غير موضع من صحيحه بصيغة الجزم عن الليث بن سعد ، وأسنده في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه ، والعجب من الحافظ أبي بكر البزار كيف رواه في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، ثم قال : لا يروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد .
================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق