الجمعة، 20 نوفمبر 2015

فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين قال البخاري في هذا الباب : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا معاوية بن عمرو ، ثنا أبو إسحاق ، عن حميد ، سمعت أنسا يقول : أصيب حارثة يوم بدر ، فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، قد عرفت منزلة حارثة ، مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب ، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع . فقال : ويحك ، أوهبلت ، أوجنة واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة ، وإنه في جنة الفردوس . تفرد به البخاري من هذا الوجه

وقد روي من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة ، عن أنس ، وأن حارثة كان في النظارة ، وفيه : إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر ، فإن هذا الذي لم يكن في بحبحة القتال [ ص: 258 ] ولا في حومة الوغى ، بل كان من النظارة من بعيد ، وإنما أصابه سهم غرب ، وهو يشرب من الحوض ، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس ، التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها ، فإذا كان هذا حال هذا ، فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو ، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا .

ثم روى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق ابن راهويه ، عن عبد الله بن إدريس ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب ، قصة حاطب بن أبي بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح ، وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه ، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ولفظ البخاري : " أليس من أهل بدر ؟! ولعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة " أو " قد غفرت لكم " فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم .

وروى مسلم ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن [ ص: 259 ] عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا ، فقال : يا رسول الله ، ليدخلن حاطب النار . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذبت ، لا يدخلها ، فإنه شهد بدرا والحديبية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثني الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لن يدخل النار رجل شهد بدرا أو الحديبية . تفرد به أحمد ، وهو على شرط مسلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أنبأنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . ورواه أبو داود ، عن أحمد بن سنان ، وموسى بن إسماعيل ، كلاهما عن يزيد بن هارون به .

وروى البزار في " مسنده " ثنا محمد بن مرزوق ، ثنا أبو حذيفة ، ثنا [ ص: 260 ] عكرمة ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدرا إن شاء الله . ثم قال لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه . قلت : وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه ، وهو على شرط الصحيح . والله أعلم .

وقال البخاري في باب شهود الملائكة بدرا : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي ، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم قال : من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال : وكذلك من شهد بدرا من الملائكة . انفرد به البخاري . =====

مسألة: الجزء الخامس
[ ص: 273 ] فصل فيما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق ، عن حمزة بن عبد المطلب ، وأنكرها ابن هشام :


ألم تر أمرا كان من عجب الدهر وللحين أسباب مبينة الأمر     وما ذاك إلا أن قوما أفادهم
فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر     عشية راحوا نحو بدر بجمعهم
فكانوا رهونا للركية من بدر     وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها
فساروا إلينا فالتقينا على قدر     فلما التقينا لم تكن مثنوية
لنا غير طعن بالمثقفة السمر [ ص: 274 ]     وضرب ببيض يختلي الهام حدها
مشهرة الألوان بينة الأثر     ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا
وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر     وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم
فشقت جيوب النائحات على عمرو     جيوب نساء من لؤي بن غالب
كرام تفرعن الذوائب من فهر     أولئك قوم قتلوا في ضلالهم
وخلوا لواء غير محتضر النصر     لواء ضلال قاد إبليس أهله
فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر     وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا
برئت إليكم ما بي اليوم من صبر     فإني أرى ما لا ترون وإنني
أخاف عقاب الله والله ذو قسر     فقدمهم للحين حتى تورطوا
وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر     فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا
ثلاث مئين كالمسدمة الزهر     وفينا جنود الله حين يمدنا
بهم في مقام ثم مستوضح الذكر     فشد بهم جبريل تحت لوائنا
لدى مأزق فيه مناياهم تجري
[ ص: 275 ] وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام ، أخي أبي جهل عمرو بن هشام ، تركناها عمدا .

وقال علي بن أبي طالب - وأنكرها ابن هشام - :


ألم تر أن الله أبلى رسوله     بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل
بما أنزل الكفار دار مذلة     فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره     وكان رسول الله أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من الله منزل     مبينة آياته لذوي العقل
فآمن أقوام بذاك وأيقنوا     فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم     فزادهم ذو العرش خبلا على خبل
وأمكن منهم يوم بدر رسوله     وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيض خفاف عصوا بها     وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل
فكم تركوا من ناشئ ذي حمية     صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل
تبيت عيون النائحات عليهم     تجود بإسبال الرشاش وبالوبل
[ ص: 276 ] نوائح تنعي عتبة الغي وابنه     وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل
وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم     مسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة     ذوو نجدات في الحروب وفي المحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابه     وللغي أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل     عن الشغب والعدوان في أسفل السفل
وقد ذكر ابن إسحاق نقيضها من الحارث بن هشام أيضا ، تركناها قصدا . وقال كعب بن مالك :


عجبت لأمر الله والله قادر     على ما أراد ليس لله قاهر
قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا     بغوا وسبيل البغي بالناس جائر
وقد حشدوا واستنفروا من يليهم     من الناس حتى جمعهم متكاثر
وسارت إلينا لا تحاول غيرنا     بأجمعها كعب جميعا وعامر
وفينا رسول الله والأوس حوله     له معقل منهم عزيز وناصر
[ ص: 277 ] وجمع بني النجار تحت لوائه     يمشون في الماذي والنقع ثائر
فلما لقيناهم وكل مجاهد     لأصحابه مستبسل النفس صابر
شهدنا بأن الله لا رب غيره     وأن رسول الله بالحق ظاهر
وقد عريت بيض خفاف كأنها     مقابيس يزهيها لعينيك شاهر
بهن أبدنا جمعهم فتبددوا     وكان يلاقي الحين من هو فاجر
فكب أبو جهل صريعا لوجهه     وعتبة قد غادرته وهو عاثر
وشيبة والتيمي غادرت في الوغى     وما منهم إلا بذي العرش كافر
فأمسوا وقود النار في مستقرها     وكل كفور في جهنم صائر
تلظى عليهم وهي قد شب حميها     بزبر الحديد والحجارة ساجر
وكان رسول الله قد قال أقبلوا     فولوا وقالوا إنما أنت ساحر
لأمر أراد الله أن يهلكوا به     وليس لأمر حمه الله زاجر
وقال كعب في يوم بدر [ ص: 278 ]


ألا هل أتى غسان في نأي دارها     وأخبر شيء بالأمور عليمها
بأن قد رمتنا عن قسي عداوة     معد معا جهالها وحليمها
لأنا عبدنا الله لم نرج غيره     رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها
نبي له في قومه إرث عزة     وأعراق صدق هذبتها أرومها
فساروا وسرنا فالتقينا كأننا     أسود لقاء لا يرجى كليمها
ضربناهم حتى هوى في مكرنا     لمنخر سوء من لؤي عظيمها
فولوا ودسناهم ببيض صوارم     سواء علينا حلفها وصميمها
وقال كعب أيضا :


لعمر أبيكما يا ابني لؤي     على زهو لديكم وانتخاء
لما حامت فوارسكم ببدر     ولا صبروا به عند اللقاء
وردناه ونور الله يجلو     دجى الظلماء عنا والغطاء
[ ص: 279 ] رسول الله يقدمنا بأمر     من امر الله أحكم بالقضاء
فما ظفرت فوارسكم ببدر     وما رجعوا إليكم بالسواء
فلا تعجل أبا سفيان وارقب     جياد الخيل تطلع من كداء
بنصر الله روح القدس فيها     وميكال فيا طيب الملاء
وقال حسان بن ثابت : قال ابن هشام : ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي :


مستشعري حلق الماذي يقدمهم     جلد النحيزة ماض غير رعديد
أعني رسول إله الخلق فضله     على البرية بالتقوى وبالجود
وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم     وماء بدر زعمتم غير مورود
ثم وردنا ولم نسمع لقولكم     حتى شربنا رواء غير تصريد
مستعصمين بحبل غير منجذم     مستحكم من حبال الله ممدود
[ ص: 280 ] فينا الرسول وفينا الحق نتبعه     حتى الممات ونصر غير محدود
واف وماض شهاب يستضاء به     بدر أنار على كل الأماجيد
وقال حسان بن ثابت أيضا :


ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة     إبارتنا الكفار في ساعة العسر
قتلنا سراة القوم عند مجالنا     فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر
قتلنا أبا جهل وعتبة قبله     وشيبة يكبو لليدين وللنحر
قتلنا سويدا ثم عتبة بعده     وطعمة أيضا عند ثائرة القتر
فكم قد قتلنا من كريم مرزأ     له حسب في قومه نابه الذكر
تركناهم للعاويات ينبنهم     ويصلون نارا بعد حامية القعر
لعمرك ما حامت فوارس مالك     وأشياعهم يوم التقينا على بدر
وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، في يوم بدر ، وفي قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلي مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، وأنكرها ابن هشام : [ ص: 281 ]


ستبلغ عنا أهل مكة وقعة     يهب لها من كان عن ذاك نائيا
بعتبة إذ ولى وشيبة بعده     وما كان فيها بكر عتبة راضيا
فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم     أرجي بها عيشا من الله دانيا
مع الحور أمثال التماثيل أخلصت     من الجنة العليا لمن كان عاليا
وبعت بها عيشا تعرفت صفوه     وعاجلته حتى فقدت الأدانيا
فأكرمني الرحمن من فضل منه     بثوب من الإسلام غطى المساويا
وما كان مكروها إلي قتالهم     غداة دعا الأكفاء من كان داعيا
ولم يبغ إذ سالوا النبي سواءنا     ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا
لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا     نقاتل في الرحمن من كان عاصيا
فما برحت أقدامنا من مقامنا     ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
وقال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا ، يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر ، وتركه قومه لا يقاتل دونهم : [ ص: 282 ]


تبلت فؤادك في المنام خريدة     تشفي الضجيع ببارد بسام
كالمسك تخلطه بماء سحابة     أو عاتق كدم الذبيح مدام
نفج الحقيبة بوصها متنضد     بلهاء غير وشيكة الأقسام
بنيت على قطن أجم كأنه     فضلا إذا قعدت مداك رخام
وتكاد تكسل أن تجيء فراشها     في جسم خرعبة وحسن قوام
أما النهار فلا أفتر ذكرها     والليل توزعني بها أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرها     حتى تغيب في الضريح عظامي
يا من لعاذلة تلوم سفاهة     ولقد عصيت على الهوى لوامي
[ ص: 283 ] بكرت علي بسحرة بعد الكرى     وتقارب من حادث الأيام
زعمت بأن المرء يكرب عمره     عدم لمعتكر من الأصرام
إن كنت كاذبة الذي حدثتني     فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم     ونجا برأس طمرة ولجام
تذر العناجيج الجياد بقفرة     مر الدموك بمحصد ورجام
ملأت به الفرجين فارمدت به     وثوى أحبته بشر مقام
وبنو أبيه ورهطه في معرك     نصر الإله به ذوي الإسلام
طحنتهم والله ينفذ أمره     حرب يشب سعيرها بضرام
لولا الإله وجريها لتركنه     جزر السباع ودسنه بحوام
[ ص: 284 ] من بين مأسور يشد وثاقه     صقر إذا لاقى الأسنة حام
ومجدل لا يستجيب لدعوة     حتى تزول شوامخ الأعلام
بالعار والذل المبين إذ رأى     بيض السيوف تسوق كل همام
بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه     نسب القصار سميدع مقدام
بيض إذا لاقت حديدا صممت     كالبرق تحت ظلال كل غمام
قال ابن هشام : تركنا في آخرها ثلاثة أبيات أقذع فيها .

قال ابن هشام : فأجابه الحارث بن هشام ، أخو أبي جهل عمرو بن هشام فقال :


القوم أعلم ما تركت قتالهم     حتى حبوا مهري بأشقر مزبد
وعرفت أني إن أقاتل واحدا     أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم     طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
[ ص: 285 ] وقال حسان أيضا :


يا حار قد عولت غير معول     عند الهياج وساعة الأحساب
إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة     مرطى الجراء طويلة الأقراب
والقوم خلفك قد تركت قتالهم     ترجو النجاة وليس حين ذهاب
ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى     قعص الأسنة ضائع الأسلاب
عجل المليك له فأهلك جمعه     بشنار مخزية وسوء عذاب
وقال حسان أيضا :


لقد علمت قريش يوم بدر     غداة الأسر والقتل الشديد
بأنا حين تشتجر العوالي     حماة الحرب يوم أبي الوليد
قتلنا ابني ربيعة يوم سارا     إلينا في مضاعفة الحديد
[ ص: 286 ] وفر بها حكيم يوم جالت     بنو النجار تخطر كالأسود
وولت عند ذاك جموع فهر     وأسلمها الحويرث من بعيد
لقد لاقيتم ذلا وقتلا     جهيزا نافذا تحت الوريد
وكل القوم قد ولوا جميعا     ولم يلووا على الحسب التليد
وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ، ترثي عبيدة بن الحارث بن المطلب :


لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا     وحلما أصيلا وافر اللب والعقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة     وأرملة تهوي لأشعث كالجذل
وبكيه للأقوام في كل شتوة     إذا احمر آفاق السماء من المحل
[ ص: 287 ] وبكيه للأيتام والريح زفزف     وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي
فإن تصبح النيران قد مات ضوءها     فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل
لطارق ليل أو لملتمس القرى     ومستنبح أضحى لديه على رسل
وقال الأموي في " مغازيه " حدثني سعيد بن قطن ، قال : قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدرا :


ألما تكن رؤياي حقا ويأتكم     بتأويلها فل من القوم هارب
رأى فأتاكم باليقين الذي رأى     بعينيه ما تفري السيوف القواضب
فقلتم ولم أكذب كذبت وإنما     يكذبني بالصدق من هو كاذب
[ ص: 288 ] وما جاء إلا رهبة الموت هاربا     حكيم وقد أعيت عليه المذاهب
أقامت سيوف الهند دون رءوسكم     وخطية فيها الشبا والثعالب
كأن حريق النار لمع ظباتها     إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب
ألا بأبي يوم اللقاء محمدا     إذا عض من عون الحروب الغوارب
مرى بالسيوف المرهفات نفوسكم     كفاحا كما تمري السحاب الجنائب
[ ص: 289 ] فكم بردت أسيافه من مليكة     وزعزع ورد بعد ذلك صالب
فما بال قتلى في القليب ومثلهم     لدى ابن أخي أسرى له ما تضارب
فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم     من الله حين ساق والحين حالب
فكيف رأى عند اللقاء محمدا     بنو عمه والحرب فيها التجارب
ألم يغشكم ضربا يحار لوقعه ال     جبان وتبدو بالنهار الكواكب
حلفت لئن عادوا لنصطلينهم     بحارا تردى تجربتها المقانب
كأن ضياء الشمس لمع ظباتها     لها من شعاع النور قرن وحاجب
[ ص: 290 ] وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الأموي :


هلا صبرتم للنبي محمد     ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر
ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها     حريق بأيدي المؤمنين بواتر
ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا     قليلا بأيدي المؤمنين المساعر
ووليتم نفرا وما البطل الذي     يقاتل من وقع السلاح بنافر
أتاكم بما جاء النبيون قبله     وما ابن أخي البر الصدوق بشاعر
سيكفي الذي ضيعتم من نبيكم     وينصره الحيان عمرو وعامر
وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرثي أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا يومئذ من قومه ، وهو بعد على دين قومه إذ ذاك :


ألا إن عيني أنفدت دمعها سكبا     تبكي على كعب وما إن ترى كعبا
ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا     وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا
وعامر تبكي للملمات غدوة     فيا ليت شعري هل أرى لهم قربا
[ ص: 291 ] فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا     فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا
ولا تصبحوا من بعد ود وألفة     أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس     وحرب أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غيره     لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا
فما إن جنينا في قريش عظيمة     سوى أن حمينا خير من وطئ التربا
أخا ثقة في النائبات مرزأ     كريما نثاه لا بخيلا ولا ذربا
يطيف به العافون يغشون بابه     يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا
فوالله لا تنفك نفسي حزينة     تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا

======فصل في بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم

قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال ، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه . فلما قالت قريش : لا تعجلوا بفداء أسراكم ، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه . قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى - : صدقتم ، لا تعجلوا وانسل من الليل ، وقدم المدينة ، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به .

قلت : وكان هذا أول أسير فدي ، ثم بعثت قريش في فداء أسراهم ، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو ، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم ، أخو بني سالم بن عوف ، فقال في ذلك :


أسرت سهيلا فلا أبتغي أسيرا به من جميع الأمم     وخندف تعلم أن الفتى
فتاها سهيل إذا يظلم [ ص: 202 ]     ضربت بذي الشفر حتى انثنى
وأكرهت نفسي على ذي العلم
قال ابن إسحاق : وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي ، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه ، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا .

قلت : وهذا حديث مرسل بل معضل .

قال ابن إسحاق : وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا : إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه .

قلت : وهذا هو المقام الذي قامه سهيل بمكة ، حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب ، ونجم النفاق بالمدينة وغيرها ، فقام بمكة فخطب الناس ، وثبتهم على الدين الحنيف ، كما سيأتي في موضعه .

قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم قالوا : [ ص: 203 ] هات الذي لنا . قال : اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله ، حتى يبعث إليكم بفدائه . فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم . وأنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام . فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال : وكان في الأسارى عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب . قال ابن إسحاق : وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط . قال ابن هشام : بل كانت أمه أخت أبي معيط . قال ابن هشام : وكان الذي أسره علي بن أبي طالب .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال : فقيل لأبي سفيان : افد عمرا ابنك . قال أيجمع علي دمي ومالي ؟ قتلوا حنظلة وأفدي عمرا ؟ ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم . قال : فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة ، إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال ، أخو بني عمرو بن عوف ، ثم أحد بني معاوية معتمرا ، ومعه مرية له ، وكان شيخا مسلما في غنم له بالنقيع ، فخرج من هنالك معتمرا ، ولا يخشى الذي صنع به ، ولم يظن أنه يحبس بمكة ، إنما جاء معتمرا ، وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو [ ص: 204 ] معتمرا إلا بخير ، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة ، فحبسه بابنه عمرو ، وقال في ذلك :


أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه     تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئام أذلة     لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا
قال : فأجابه حسان بن ثابت يقول :

لو كان سعد يوم مكة مطلقا     لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة     تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
قال : ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره ، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم ، فأعطاهم النبي فبعثوا به إلى أبي سفيان ، فخلى سبيل سعد .

قال ابن إسحاق : وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية ، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب . قال [ ص: 205 ] ابن هشام : وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام . قال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة ، وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد ، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب ، وكان لا يخالفها ، وذلك قبل الوحي ، وكان عليه السلام ، قد زوج ابنته رقية أو أم كلثوم من عتبة بن أبي لهب ، فلما جاء الوحي قال أبو لهب : اشغلوا محمدا بنفسه . وأمر ابنه عتبة فطلق ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول ، فتزوجها عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، ومشوا إلى أبي العاص فقالوا له : فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت . قال : لا والله إذا ، لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره ، فيما بلغني .

قلت : الحديث بذلك في الثناء عليه في صهره ثابت في الصحيح كما سيأتي .

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم ، مغلوبا على أمره ، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص ، وكان لا يقدر على أن يفرق بينهما . [ ص: 206 ]

قلت : إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية ، سنة ست من الهجرة ، كما سيأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى .

قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم ، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها . قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها الذي لها ، فافعلوا ، قالوا نعم يا رسول الله . فأطلقوه وردوا عليها الذي لها

قال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب . يعني أن تهاجر إلى المدينة ، فوفى أبو العاص بذلك ، كما سيأتي . وقد ذكر ذلك ابن إسحاق هاهنا فأخرناه ، لأنه أنسب . والله أعلم . وقد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعقيلا ونوفلا ابني أخويه بمائة أوقية من الذهب .

قال ابن إسحاق : فكان ممن سمي لنا ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسارى بغير فداء ، من بني أمية أبو العاص بن الربيع ، ومن بني مخزوم المطلب [ ص: 207 ] بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم ، أسره بعض بني الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله ، فلحق بقومه .

وقال ابن هشام : كان الذي أسره أبو أيوب خالد بن زيد .

قال ابن إسحاق : وصيفي بن أبي رفاعة بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ترك في أيدي أصحابه ، فأخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه ، فخلوا سبيله ، ولم يف لهم ، فقال حسان بن ثابت في ذلك :


وما كان صيفي ليوفي أمانة     قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد
قال ابن إسحاق : وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح ، كان محتاجا ذا بنات ، قال : يا رسول الله ، لقد عرفت ما لي من مال ، وإني لذو حاجة وذو عيال ، فامنن علي . فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا ، فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك [ ص: 208 ]


من مبلغ عني الرسول محمدا     بأنك حق والمليك حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى     عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة     لها درجات سهلة وصعود
فإنك من حاربته لمحارب     شقي ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله     تأوب ما بي حسرة وقعود
قلت : ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه ، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم ، فلما كان يوم أحد أسر أيضا ، فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أدعك تمسح عارضيك وتقول : خدعت محمدا مرتين . ثم أمر به ، فضربت عنقه . كما سيأتي في غزوة أحد .

ويقال : إن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين . وهذا من الأمثال التي لم تسمع إلا منه ، عليه الصلاة والسلام .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير قال : جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر ، بعد مصاب أهل بدر بيسير ، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش ، وممن [ ص: 209 ] كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويلقون منه عناء وهو بمكة ، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر . قال ابن هشام : والذي أسره رفاعة بن رافع ، أحد بني زريق .

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر ، عن عروة قال : فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان : والله إن في العيش بعدهم خير . قال له عمير : صدقت والله ، أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإن لي فيهم علة ، ابني أسير في أيديهم . قال : فاغتنمها صفوان بن أمية ============، فقال : علي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ، لا يسعني شيء ويعجز عنهم . فقال له عمير : فاكتم علي شأني وشأنك . قال : سأفعل . قال : ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، وما أراهم من عدوهم ، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب ، وقد أناخ على باب المسجد متوشحا السيف ، فقال : هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ، ما جاء إلا لشر ، وهو الذي حرش بيننا ، وحزرنا للقوم [ ص: 210 ] يوم بدر . ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب ، قد جاء متوشحا سيفه . قال : فأدخله علي . قال : فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها ، وقال لمن كان معه من الأنصار : ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجلسوا عنده ، واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون . ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه . قال : أرسله يا عمر ، ادن يا عمير . فدنا ثم قال : أنعموا صباحا . وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم ، فقال رسول الله قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام تحية أهل الجنة . قال : أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد . قال : فما جاء بك يا عمير ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا فيه . قال : فما بال السيف في عنقك ؟ قال : قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت شيئا ؟ " قال : اصدقني ، ما الذي جئت له ؟ " قال : ما جئت إلا لذلك . قال : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا . فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك ، على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك . فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا [ ص: 211 ] أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق . ثم شهد شهادة الحق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقهوا أخاكم في دينه ، وعلموه القرآن ، وأطلقوا أسيره . ففعلوا . ثم قال : يا رسول الله ، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة ، فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم . فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة ، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر . وكان صفوان يسأل عنه الركبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبدا . قال ابن إسحاق : فلما قدم عمير مكة ، أقام بها يدعو إلى الإسلام ، ويؤذي من خالفه أذى شديدا ، فأسلم على يديه ناس كثير . قال ابن إسحاق : وعمير بن وهب ، أو الحارث بن هشام ، هو الذي رأى عدو الله إبليس ، حين نكص على عقبيه يوم بدر ، وفر هاربا ، وقال إني بريء منكم ، إني أرى ما لا ترون . وكان إبليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج ======

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق