رده عليه السلام عين قتادة== ذكر طرح رءوس الكفر في بئر بدر ==فصل في رجوعه عليه السلام من بدر إلى المدينة وما كان من الأمور في مسيره إليها ==ذكر فرح النجاشي ، رضي الله عنه ، بوقعة بدر =======ذكر طرح رءوس الكفر في بئر بدر
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه ، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة ، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم ، فقال : يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا . قالت : فقال له أصحابه : يا رسول الله ، أتكلم قوما موتى ؟! فقال : لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق . قالت عائشة : والناس يقولون : " لقد سمعوا ما قلت لهم " . وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد علموا "
قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول : يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل [ ص: 151 ] بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا . فقال المسلمون : يا رسول الله ، أتنادي قوما قد جيفوا ؟! فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني . وقد رواه الإمام أحمد ، عن ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس ، فذكر نحوه . وهذا على شرط الشيخين .
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أهل القليب ، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا .
قلت : وهذا مما كانت عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، تتأوله من الأحاديث - كما قد جمع ما كانت تتأوله من الأحاديث في جزء - وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات ، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله : وما أنت بمسمع من في القبور [ فاطر : 22 ] وليس هو بمعارض له ، والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم ، للأحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه ، رضي الله عنها وأرضاها .
وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام [ ص: 152 ] بن عروة ، عن أبيه قال : ذكر عند عائشة ، رضي الله عنها ، أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله ، فقالت : وهل ، رحمه الله ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليعذب بخطيئته وذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه الآن . قالت وذاك مثل قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين ، فقال لهم ما قال ، قال : إنهم ليسمعون ما أقول . وإنما قال : إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق . ثم قرأت : إنك لا تسمع الموتى [ النمل : 80 ] وما أنت بمسمع من في القبور تقول : حين تبوءوا مقاعدهم في النار .
وقد رواه مسلم عن أبي كريب ، عن أبي أسامة به . وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث ، كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من " الأحكام الكبير " إن شاء الله .
ثم قال البخاري : حدثني عثمان ، ثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر ، فقال : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا . ثم قال : إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم . وذكر لعائشة فقالت : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق . ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى حتى قرأت الآية . وقد رواه [ ص: 153 ] مسلم ، عن أبي كريب ، عن أبي أسامة . وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، كلاهما عن هشام بن عروة .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، سمع روح بن عبادة ، ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنس بن مالك ، عن أبي طلحة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش ، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث ، أمر براحلته فشد عليها رحلها ، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا : ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته . حتى قام على شفة الركي ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان : أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فقال عمر : يا رسول الله ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم قال قتادة أحياهم الله حتى [ ص: 154 ] أسمعهم قوله ، توبيخا ، وتصغيرا ، ونقمة ، وحسرة ، وندما . وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه ، من طرق ، عن سعيد بن أبي عروبة .
ورواه الإمام أحمد ، عن يونس بن محمد المؤدب ، عن شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة قال : حدث أنس بن مالك . فذكر مثله ، فلم يذكر أبا طلحة ، وهذا إسناد صحيح ، ولكن الأول أصح وأظهر . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا ، ثم أتاهم فقام عليهم فقال : يا أمية بن خلف ، يا أبا جهل بن هشام ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا . قال فسمع عمر صوته فقال : يا رسول الله ، أتناديهم بعد ثلاث ؟ وهل يسمعون ؟ يقول الله تعالى إنك لا تسمع الموتى فقال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا . ورواه مسلم عن هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة به .
وقال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت : [ ص: 155 ]
عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحي في الورق القشيب تداولها الرياح وكل جون
من الوسمي منهمر سكوب فأمسى رسمها خلقا وأمست
يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم
ورد حرارة القلب الكئيب وخبر بالذي لا عيب فيه
بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر
لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء
بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع
كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه
على الأعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات
وكل مجرب خاظي الكعوب بنو الأوس الغطارف وازرتها
بنو النجار في الدين الصليب [ ص: 156 ] فغادرنا أبا جهل صريعا
وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال
ذوي حسب إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لما
قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقا
وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا
صدقت وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن إسحاق : ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني ، في وجه أبي حذيفة بن عتبة ، فإذا هو كئيب قد تغير لونه ، فقال : يا أبا حذيفة ، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لا والله يا رسول الله ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له ، أحزنني ذلك . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، وقال له خيرا .
وقال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، ثنا عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس : الذين بدلوا نعمة الله كفرا قال : هم والله كفار [ ص: 157 ] قريش قال عمرو : هم قريش ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله ، وأحلوا قومهم دار البوار [ إبراهيم : 28 ] قال : النار يوم بدر
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت :
قومي الذين هم آووا نبيهم وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام هم سلف للصالحين من الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة نعم النبي ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها من كان جارهم دارا هي الدار
وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين وقسم الجاحد النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن والاه غرار
وقال إني لكم جار فأوردهم شر الموارد فيه الخزي والعار
[ ص: 158 ] ثم التقينا فولوا عن سراتهم من منجدين ومنهم فرقة غاروا
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق قالا : حدثنا إسرائيل ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى ، قيل له : عليك العير ، ليس دونها شيء . فناداه العباس وهو في الوثاق : إنه لا يصلح لك . قال : لم ، قال : لأن الله وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أنجز لك ما وعدك .
وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين ، هذا مع حضور ألف من الملائكة ، وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم ، أن سيسلم منهم بشر كثير ، ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فأهلكهم عن آخرهم ، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية ، وقد كان في الملائكة جبريل ، الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا ، فيهن من الأمم والدواب والأراضي والمزروعات ، وما لا يعلمه إلا الله ، فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات ، وأتبعهن بالحجارة التي سومت لهم ، كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط فيما تقدم . [ ص: 159 ]
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين ، وبين تعالى حكمه في ذلك فقال : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض الآية [ محمد : 4 ] . وقال تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء الآية [ التوبة : 15 ، 14 ] . فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الأنصار ، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ، ويمسك بلحيته ويصعد على صدره حتى قال له : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم . ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ، فشفى الله به قلوب المؤمنين ، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة ، أو أن يسقط عليه سقف منزله ، أو يموت حتف أنفه . والله أعلم .
وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما ، ولكنه خرج معهم تقية منهم ، لأنه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه ، جماعة ، منهم الحارث بن زمعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، [ ص: 160 ] والعاص بن منبه بن الحجاج . قال : وفيهم نزل قوله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا [ النساء : 97 ] . وكان جملة الأسارى يومئذ سبعين أسيرا ، كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله ، منهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عمه العباس بن عبد المطلب ، وابن عمه عقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب . وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك ، على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه ، وعارضوا به حديث الحسن ، عن ابن سمرة في ذلك . فالله أعلم . وكان فيهم أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أمية ، زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم=====رده عليه السلام عين قتادة
قال البيهقي في " الدلائل " : أخبرنا أبو سعد الماليني ، أخبرنا أبو أحمد بن عدي ، حدثنا أبو يعلى ، حدثنا يحيى الحماني ، ثنا عبد الرحمن بن سليمان ، ابن الغسيل ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أبيه ، عن جده قتادة بن النعمان ، أنه أصيبت عينه يوم بدر ، فسالت حدقته على وجنته ، فأرادوا أن يقطعوها ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا . فدعا به فغمز حدقته براحته ، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت . وفي رواية : فكانت أحسن عينيه . وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة ، وأنشد مع ذلك :
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أيما رد
فقال عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، عند ذلك منشدا قول أمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن ، فأنشده عمر في موضعه : حقا
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
===========
والمشهور أن الأسارى يوم بدر كانوا سبعين ، والقتلى من المشركين سبعين ، كما ورد في غير ما حديث مما تقدم ، وسيأتي إن شاء الله ، وكما في حديث البراء بن عازب في " صحيح البخاري " أنهم قتلوا يوم بدر سبعين ، وأسروا سبعين .
وقال موسى بن عقبة : قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة ، ومن الأنصار ثمانية ، وقتل من المشركين تسعة وأربعون ، وأسر منهم تسعة وثلاثون . هكذا رواه البيهقي عنه . قال : وهكذا ذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين .
ثم قال : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصم ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : واستشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا ، أربعة من قريش ، وسبعة من الأنصار ، وقتل من [ ص: 173 ] المشركين بضعة وأربعون رجلا . وقال في موضع آخر : وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وأربعون أسيرا ، وكانت القتلى مثل ذلك .
ثم روى البيهقي ، من طريق أبي صالح كاتب الليث ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، قال : وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر ، ورجل من الأنصار ، وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين ، وأسر منهم مثل ذلك . قال ورواه ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري عن ، عروة بن الزبير
قال البيهقي : وهو الأصح فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم . ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير ، فأصابوا منا سبعين ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة ، سبعين أسيرا ، وسبعين قتيلا . [ ص: 174 ]
قلت : والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وقد صرح قتادة بأنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وكأنه أخذه من هذا الذي ذكرناه . والله أعلم . وفي حديث عمر المتقدم ، أنهم كانوا زيادة على الألف . والصحيح الأول ، لقوله عليه السلام : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف . وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، كما سيأتي التنصيص على ذلك ، وعلى أسمائهم ، إن شاء الله ، وتقدم في حديث الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان . وقاله أيضا ، عروة بن الزبير ، وقتادة وإسماعيل السدي الكبير ، وأبو جعفر الباقر .
وروى البيهقي من طريق قتيبة ، عن جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود في ليلة القدر ، قال : تحروها لإحدى عشرة بقين ، فإن صبيحتها يوم بدر . .
قال البيهقي : وروي عن زيد بن أرقم ، أنه سئل عن ليلة القدر ، فقال : [ ص: 175 ] ليلة تسع عشرة . ما شك وقال : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .
قال البيهقي : والمشهور عن أهل المغازي أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان .
ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، حدثنا أبو عمرو بن السماك ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عمرو بن عثمان ، سمعت موسى بن طلحة يقول : سئل أبو أيوب الأنصاري عن يوم بدر فقال : إما لسبع عشرة خلت ، أو ثلاث عشرة خلت ، أو لإحدى عشرة بقيت ، وإما لسبع عشرة بقيت . وهذا غريب جدا .
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثي ، من طريق الواقدي وغيره بإسنادهم إليه ، أنه شهد يوم بدر مع المشركين ، فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وجعلت أقول في نفسي : ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء ، والله لو خرجت نساء قريش بأكمتها ، ردت محمدا وأصحابه ، فلما كان بعد الخندق ، قلت : لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد ، وقد وقع في نفسي الإسلام . قال : [ ص: 176 ] فقدمتها ، فسألت عنه فقالوا : هو ذاك في ظل المسجد في ملأ من أصحابه ، فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه ، فسلمت فقال : " يا قباث بن أشيم ، أنت القائل يوم بدر : ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء ؟ فقلت : أشهد أنك رسول الله ، فإن هذا الأمر ما خرج مني إلى أحد قط ، ولا ترمرمت به إلا شيئا حدثت به نفسي ، فلولا أنك نبي ما أطلعك الله عليه ، هلم أبايعك على الإسلام ، فأسلمت=======فصل في رجوعه ، عليه السلام ، من بدر إلى المدينة ، وما كان من الأمور في مسيره إليها مؤيدا منصورا ، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام
وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة .
وثبت في " الصحيحين " أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام ، وقد أقام ، عليه الصلاة والسلام ، بعرصة بدر ثلاثة أيام كما تقدم ، وكان رحيله منها ليلة الاثنين ، فركب ناقته ووقف على قليب بدر ، فقرع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدم ذكره ، ثم سار ، عليه الصلاة والسلام ، ومعه الأسارى والغنائم الكثيرة ، وقد بعث ، عليه الصلاة والسلام ، بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر ، أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة ، والثاني زيد بن حارثة إلى السافلة . قال أسامة بن زيد : فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان زوجها [ ص: 183 ] عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قد احتبس عندها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر . قال أسامة : فلما قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو واقف بالمصلى ، وقد غشيه الناس ، وهو يقول : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البختري العاص بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج . قال : قلت : يا أبت ، أحق هذا ؟ قال : إي والله يا بني .
وروى البيهقي ، من طريق حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عثمان وأسامة بن زيد على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشارة ، قال أسامة : فسمعت الهيعة ، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة ، فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى ، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بسهمه .
وقال الواقدي : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من بدر العصر بالأثيل ، فلما صلى ركعة تبسم ، فسئل عن تبسمه ، فقال : مر بي ميكائيل وعلى جناحه النقع ، فتبسم إلي ، وقال : إني كنت في طلب القوم . وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر ، على فرس أنثى معقود [ ص: 184 ] الناصية ، قد عصم ثنيته الغبار فقال : يا محمد ، إن ربي بعثني إليك ، وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى ، هل رضيت ؟ قال : نعم .
قال الواقدي : قالوا : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأثيل ، فجاءا يوم الأحد حين اشتد الضحى ، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق ، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته : يا معشر الأنصار ، أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم ، قتل ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وأبو جهل ، وقتل زمعة بن الأسود ، وأمية بن خلف ، وأسر سهيل بن عمرو . قال عاصم بن عدي : فقمت إليه ، فنحوته فقلت : أحقا ما تقول يا بن رواحة ؟ فقال إي والله ، وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى مقرنين . ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم دارا دارا ، والصبيان يشتدون معه يقولون : قتل أبو جهل الفاسق . حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية ، وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء ، يبشر أهل المدينة ، فلما جاء المصلى صاح على راحلته : قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وقتل أمية بن خلف ، وأبو جهل ، وأبو البختري ، وزمعة بن الأسود ، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب ، في أسرى كثير . فجعل بعض [ ص: 185 ] الناس لا يصدقون زيدا ، ويقولون : ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا . حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا ، وقدم زيد حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب بالبقيع ، وقال رجل من المنافقين لأسامة : قتل صاحبكم ومن معه . وقال آخر لأبي لبابة : قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا ، وقد قتل علية أصحابه ، وقتل محمد ، وهذه ناقته نعرفها ، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب ، وجاء فلا . فقال أبو لبابة : يكذب الله قولك . وقالت اليهود : ما جاء زيد إلا فلا . قال أسامة : فجئت حتى خلوت بأبي ، فقلت : أحق ما تقول ؟ فقال : إي والله حق ما أقول يا بني . فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق ، فقلت : أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين ، لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم ، فليضربن عنقك . فقال : إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه . قال فجيء بالأسرى ، وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد شهد معهم بدرا ، وهم تسع وأربعون رجلا ، الذين أحصوا .
قال الواقدي : وهم سبعون في الأصل ، مجتمع عليه ، لا شك فيه . قال : ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رءوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه ، فقال له أسيد بن الحضير : يا رسول الله ، الحمد لله الذي أظفرك ، وأقر عينك ، والله يا رسول الله ، ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا ، ولكن [ ص: 186 ] ظننت أنها عير ، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقت .
قال ابن إسحاق : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ، فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام يقال إنه هو عدي بن أبي الزغباء - :
أقم لها صدورها يا بسبس ليس بذي الطلح لها معرس ولا بصحراء غمير محبس
إن مطايا القوم لا تحبس فحملها على الطريق أكيس
قد نصر الله وفر الأخنس
قال : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على [ ص: 187 ] كثيب بين المضيق وبين النازية ، يقال له : سير . إلى سرحة به ، فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء ، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين ، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش ، كما حدثني عاصم بن عمر ، ويزيد بن رومان : ما الذي تهنئوننا به ؟ والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أي ابن أخي ، أولئك الملأ . قال ابن هشام : يعني الأشراف والرؤساء .========= فصل في رجوعه ، عليه السلام ، من بدر إلى المدينة ، وما كان من الأمور في مسيره إليها مؤيدا منصورا ، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام
وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة .
وثبت في " الصحيحين " أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام ، وقد أقام ، عليه الصلاة والسلام ، بعرصة بدر ثلاثة أيام كما تقدم ، وكان رحيله منها ليلة الاثنين ، فركب ناقته ووقف على قليب بدر ، فقرع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدم ذكره ، ثم سار ، عليه الصلاة والسلام ، ومعه الأسارى والغنائم الكثيرة ، وقد بعث ، عليه الصلاة والسلام ، بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر ، أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة ، والثاني زيد بن حارثة إلى السافلة . قال أسامة بن زيد : فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان زوجها [ ص: 183 ] عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قد احتبس عندها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر . قال أسامة : فلما قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو واقف بالمصلى ، وقد غشيه الناس ، وهو يقول : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البختري العاص بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج . قال : قلت : يا أبت ، أحق هذا ؟ قال : إي والله يا بني .
وروى البيهقي ، من طريق حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عثمان وأسامة بن زيد على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشارة ، قال أسامة : فسمعت الهيعة ، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة ، فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى ، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بسهمه .
وقال الواقدي : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من بدر العصر بالأثيل ، فلما صلى ركعة تبسم ، فسئل عن تبسمه ، فقال : مر بي ميكائيل وعلى جناحه النقع ، فتبسم إلي ، وقال : إني كنت في طلب القوم . وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر ، على فرس أنثى معقود [ ص: 184 ] الناصية ، قد عصم ثنيته الغبار فقال : يا محمد ، إن ربي بعثني إليك ، وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى ، هل رضيت ؟ قال : نعم .
قال الواقدي : قالوا : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأثيل ، فجاءا يوم الأحد حين اشتد الضحى ، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق ، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته : يا معشر الأنصار ، أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم ، قتل ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وأبو جهل ، وقتل زمعة بن الأسود ، وأمية بن خلف ، وأسر سهيل بن عمرو . قال عاصم بن عدي : فقمت إليه ، فنحوته فقلت : أحقا ما تقول يا بن رواحة ؟ فقال إي والله ، وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى مقرنين . ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم دارا دارا ، والصبيان يشتدون معه يقولون : قتل أبو جهل الفاسق . حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية ، وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء ، يبشر أهل المدينة ، فلما جاء المصلى صاح على راحلته : قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وقتل أمية بن خلف ، وأبو جهل ، وأبو البختري ، وزمعة بن الأسود ، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب ، في أسرى كثير . فجعل بعض [ ص: 185 ] الناس لا يصدقون زيدا ، ويقولون : ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا . حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا ، وقدم زيد حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب بالبقيع ، وقال رجل من المنافقين لأسامة : قتل صاحبكم ومن معه . وقال آخر لأبي لبابة : قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا ، وقد قتل علية أصحابه ، وقتل محمد ، وهذه ناقته نعرفها ، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب ، وجاء فلا . فقال أبو لبابة : يكذب الله قولك . وقالت اليهود : ما جاء زيد إلا فلا . قال أسامة : فجئت حتى خلوت بأبي ، فقلت : أحق ما تقول ؟ فقال : إي والله حق ما أقول يا بني . فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق ، فقلت : أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين ، لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم ، فليضربن عنقك . فقال : إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه . قال فجيء بالأسرى ، وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد شهد معهم بدرا ، وهم تسع وأربعون رجلا ، الذين أحصوا .
قال الواقدي : وهم سبعون في الأصل ، مجتمع عليه ، لا شك فيه . قال : ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رءوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه ، فقال له أسيد بن الحضير : يا رسول الله ، الحمد لله الذي أظفرك ، وأقر عينك ، والله يا رسول الله ، ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا ، ولكن [ ص: 186 ] ظننت أنها عير ، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقت .
قال ابن إسحاق : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ، فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام يقال إنه هو عدي بن أبي الزغباء - :
أقم لها صدورها يا بسبس ليس بذي الطلح لها معرس ولا بصحراء غمير محبس
إن مطايا القوم لا تحبس فحملها على الطريق أكيس قد نصر الله وفر الأخنس
قال : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على [ ص: 187 ] كثيب بين المضيق وبين النازية ، يقال له : سير . إلى سرحة به ، فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء ، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين ، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش ، كما حدثني عاصم بن عمر ، ويزيد بن رومان : ما الذي تهنئوننا به ؟ والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أي ابن أخي ، أولئك الملأ . قال ابن هشام : يعني الأشراف والرؤساء .===========فرح النجاشي ، رضي الله عنه ، بوقعة بدر قال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد ، حدثنا أحمد بن سليمان النجاد ، حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا ، حدثني حمزة بن العباس ، ثنا عبدان بن عثمان ، ثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عبد الرحمن - رجل من أهل صنعاء - قال : أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان ثياب ، جالس على التراب ، قال جعفر : فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال ، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال : إني أبشركم بما يسركم ، إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي ، فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ، وأهلك عدوه ، وأسر فلان وفلان ، وقتل فلان وفلان ، التقوا بواد يقال له : بدر . كثير الأراك ، كأني أنظر إليه ، كنت أرعى به لسيدي - رجل من بني ضمرة - إبله . فقال له جعفر : ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط ، وعليك هذه الأخلاق ؟ قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى : إن حقا على [ ص: 195 ] عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما يحدث لهم من نعمة . فلما أحدث الله لي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أحدثت له هذا التواضع .
من الوسمي منهمر سكوب فأمسى رسمها خلقا وأمست
يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم
ورد حرارة القلب الكئيب وخبر بالذي لا عيب فيه
بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر
لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء
بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع
كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه
على الأعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات
وكل مجرب خاظي الكعوب بنو الأوس الغطارف وازرتها
بنو النجار في الدين الصليب [ ص: 156 ] فغادرنا أبا جهل صريعا
وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال
ذوي حسب إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لما
قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقا
وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا
صدقت وكنت ذا رأي مصيب
إلا خصائص أقوام هم سلف للصالحين من الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة نعم النبي ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها من كان جارهم دارا هي الدار
وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين وقسم الجاحد النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن والاه غرار
وقال إني لكم جار فأوردهم شر الموارد فيه الخزي والعار
[ ص: 158 ] ثم التقينا فولوا عن سراتهم من منجدين ومنهم فرقة غاروا
إن مطايا القوم لا تحبس فحملها على الطريق أكيس
قد نصر الله وفر الأخنس
إن مطايا القوم لا تحبس فحملها على الطريق أكيس قد نصر الله وفر الأخنس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق