سنة أربع من الهجرة النبوية == سرية عمرو بن أمية الضمري=غزوة بني النضير=غزوة بني لحيان== غزوة بدر الآخرة =====
في المحرم منها كانت سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى طليحة الأسدي فانتهى إلى ماء يقال له : قطن .
قال الواقدي : حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد اليربوعي ، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة وغيره ، قالوا : شهد أبو سلمة أحدا ، فجرح جرحا على عضده ، فأقام شهرا يداوى ، فلما كان هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة ، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اخرج في هذه السرية ، فقد استعملتك عليها . وعقد له لواء ، وقال : [ ص: 496 ] سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم . وأوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة ، فانتهى إلى أدنى قطن وهو ماء لبني أسد وكان هناك طليحة الأسدي وأخوه سلمة ابنا خويلد ، وقد جمعا حلفاء من بني أسد ليقصدوا حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما تمالئوا عليه ، فبعث معه أبا سلمة في سريته هذه ، فلما انتهوا إلى أرضهم ، تفرقوا وتركوا نعما كثيرا لهم من الإبل والغنم ، فأخذ ذلك كله أبو سلمة وأسر منهم معه ثلاثة مماليك ، وأقبل راجعا إلى المدينة فأعطى ذلك الرجل الأسدي الذي دلهم نصيبا وافرا من الغنم ، وأخرج صفي النبي صلى الله عليه وسلم ; عبدا ، وخمس الغنيمة ، وقسمها بين أصحابه ، ثم قدم المدينة .
قال عمر بن عثمان : فحدثني عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع ، عن عمر بن أبي سلمة قال : كان الذي جرح أبي أبو أسامة الجشمي فمكث شهرا يداويه ، فبرأ ، فيما نرى ، فلما برأ وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم - يعني من سنة أربع - إلى قطن فغاب بضع عشرة ليلة ، فلما دخل المدينة انتقض به جرحه ، فمات لثلاث بقين من جمادى [ ص: 497 ] الأولى . قال عمر : واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشرا ، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ليال بقين من شوال ، فكانت أمي تقول : ما بأس بالنكاح في شوال والدخول فيه وقد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وأعرس بي فيه . قال : وماتت أم سلمة في ذي القعدة سنة تسع وخمسين . رواه البيهقي .
قلت : سنذكر في أواخر هذه السنة في شوالها تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة وما يتعلق بذلك من ولاية الابن أمه في النكاح ، ومذاهب العلماء في ذلك ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة ======سرية عمرو بن أمية الضمري على إثر مقتل خبيب
قال الواقدي : حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه وعبد الله بن أبي عبيدة ، عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري ، وعبد الله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أبي عون وزاد بعضهم على بعض ، قالوا : كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة : ما أحد يغتال محمدا ؟ فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا ؟ فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله ، وقال له : إن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ، فإني هاد بالطريق خريت ، معي خنجر مثل خافية النسر . قال : أنت صاحبنا . وأعطاه بعيرا ونفقة ، وقال : اطو أمرك ; [ ص: 518 ] فإني لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد . قال : قال العربي : لا يعلمه أحد . فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا ، وصبح ظهر الحرة صبح سادسة ، ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المصلى ، فقال له قائل : قد توجه إلى بني عبد الأشهل . فخرج الأعرابي يقود راحلته حتى انتهى إلى بني عبد الأشهل فعقل راحلته ، ثم أقبل يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجده في جماعة من أصحابه ، يحدث في مسجده ، فدخل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إن هذا الرجل يريد غدرا ، والله حائل بينه وبين ما يريده . فوقف وقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا ابن عبد المطلب فذهب يجنئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يساره ، فجبذه أسيد بن حضير وقال : تنح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وجذب بداخلة إزاره ، فإذا الخنجر ، فقال : يا رسول الله ، هذا غادر . فأسقط في يد الأعرابي ، وقال : دمي دمي يا محمد . وأخذ أسيد بن حضير يلببه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اصدقني ، ما أنت وما أقدمك ؟ فإن صدقتني نفعك الصدق ، وإن كذبتني فقد أطلعت على ما هممت به . قال العربي : فأنا آمن ؟ قال : فأنت آمن [ ص: 519 ] فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له ، فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير ثم دعا به من الغد فقال : قد آمنتك ، فاذهب حيث شئت ، أو خير لك من ذلك ؟ قال : وما هو ؟ فقال : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك أنت رسول الله ، والله يا محمد ، ما كنت أفرق من الرجال ، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت ثم اطلعت على ما هممت به مما سبقت به الركبان ، ولم يطلع عليه أحد ، فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق ، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم ، وأقام أياما ، ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج من عنده ولم يسمع له بذكر . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أمية الضمري ، ولسلمة بن أسلم بن حريش : اخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه . قال عمرو : فخرجت أنا وصاحبي حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرنا ، وقال لي صاحبي : يا عمرو ، هل لك في أن نأتي مكة فنطوف بالبيت أسبوعا ونصلي ركعتين ؟ فقلت : إني أعرف بمكة من الفرس الأبلق ، وإنهم إن رأوني عرفوني ، وأنا أعرف أهل مكة إنهم إذا [ ص: 520 ] أمسوا انفجعوا بأفنيتهم ، فأبى علي فانطلقنا فأتينا مكة فطفنا أسبوعا وصلينا ركعتين ، فلما خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرفني وقال : عمرو بن أمية ! وأخبر أباه فنذر بنا أهل مكة فقالوا : ما جاء عمرو في خير . وكان عمرو فاتكا في الجاهلية ، فحشد أهل مكة وتجمعوا ، وهرب عمرو ، وسلمة وخرجوا في طلبهما ، واشتدوا في الجبل . قال عمرو : فدخلت غارا فتغيبت عنهم حتى أصبحت ، وباتوا يطلبوننا في الجبل ، وعمى الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا لراحلتنا ، فلما كان الغد ضحوة ، أقبل عثمان بن مالك بن عبيد التيمي يختلي لفرسه حشيشا ، فقلت لسلمة بن أسلم : إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكة وقد انفضوا عنا . فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا . قال : فخرجت إليه فطعنته طعنة تحت الثدي بخنجري فسقط وصاح ، فأسمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم ، ودخلت الغار ، وقلت [ ص: 521 ] لصاحبي : لا تتحرك . فأقبلوا حتى أتوه ، وقالوا : من قتلك ؟ قال : عمرو بن أمية الضمري . فقال أبو سفيان : قد علمنا أنه لم يأت لخير . ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا ، فإنه كان بآخر رمق فمات ، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم ، فحملوه ، فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى خرجنا ، فقال صاحبي : يا عمرو بن أمية هل لك في خبيب بن عدي ننزله ؟ فقلت له : أين هو ؟ قال : هو ذاك مصلوب ، حوله الحرس . فقلت : أمهلني وتنح عني فإن خشيت شيئا فانح إلى بعيرك فاقعد عليه ، فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ودعني ، فإني عالم بالمدينة . ثم اشتددت عليه حتى وجدته فحملته على ظهري ، فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا ، فخرجوا في أثري فطرحت الخشبة ، فما أنسى وقعها دب - يعني صوتها - ثم أهلت عليه التراب برجلي ، فأخذت طريق الصفراء ، فأعيوا ورجعوا ، وكنت لا أدرك مع بقاء نفس ، فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وأقبلت حتى أشرفت على الغميم غميم ضجنان فدخلت في غار معي قوسي وأسهمي وخنجري ، فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بني بكر من بني الديل [ ص: 522 ] أعور طويل ، يسوق غنما ومعزى ، فدخل الغار وقال : من الرجل ؟ فقلت : رجل من بني بكر . فقال : وأنا من بني بكر . ثم اتكأ ورفع عقيرته يتغنى ويقول :
فلست بمسلم ما دمت حيا ولست أدين دين المسلمينا
فقلت في نفسي : والله إني لأرجو أن أقتلك . فلما نام قمت إليه ، فقتلته شر قتلة قتلتها أحدا قط ، ثم خرجت حتى هبطت ، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان الأخبار ، فقلت : استأسرا . فأبى أحدهما ، فرميته فقتلته ، فلما رأى ذلك الآخر استأسر ، فشددته وثاقا ، ثم أقبلت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قدمت المدينة رآني صبيان وهم يلعبون ، وسمعوا أشياخهم يقولون : هذا عمرو . فاشتد الصبيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، وأتيته بالرجل قد ربطت إبهاميه بوتر قوسي ، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، ثم دعا لي بخير . وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام . رواه البيهقي .
وقد تقدم أن عمرا لما أهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا ، فلعله دفن مكان سقوطه . والله أعلم . وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق [ ص: 523 ] وساقها بنحو من سياق الواقدي لها ، لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية جبار بن صخر . فالله أعلم ، ولله الحمد . ===============
سنة أربع من الهجرة النبوية » غزوة بني النضير
إظهار التشكيل | إخفاء التشكيل
مسألة: الجزء الخامس التحليل الموضوعي
[ ص: 533 ] غزوة بني النضير وهي التي أنزل الله فيها سورة " الحشر "
في صحيح البخاري ، عن ابن عباس أنه كان يسميها سورة بني النضير . وحكى البخاري ، عن الزهري ، عن عروة أنه قال : كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد . وقد أسنده ابن أبي حاتم في " تفسيره " عن أبيه ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري به .
وهكذا روى حنبل بن إسحاق ، عن هلال بن العلاء ، عن عبد الله بن جعفر الرقي ، عن مطرف بن مازن اليماني ، عن معمر ، عن الزهري فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة اثنتين ، قال : ثم غزا بني النضير ثم غزا أحدا في شوال سنة ثلاث ، ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع . وقال البيهقي : وقد كان الزهري يقول هي قبل أحد . قال : وذهب آخرون إلى [ ص: 534 ] أنها بعدها ، وبعد بئر معونة أيضا .
قلت : هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم ; فإنه بعد ذكره بئر معونة ، ورجوع عمرو بن أمية ، وقتله ذينك الرجلين من بني عامر ، ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد قتلت رجلين لأدينهما . قال ابن إسحاق : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية ; للعهد الذي كان صلى الله عليه وسلم أعطاهما ، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عهد وحلف ، فلما أتاهم صلى الله عليه وسلم قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت . ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال أنا لذلك . فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي ، فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعا إلى المدينة ، فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، قاموا في طلبه ، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلا المدينة . فأقبل [ ص: 535 ] أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به .
قال الواقدي : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده ، فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرضونهم على المقام ، ويعدونهم النصر ، فقويت عند ذلك نفوسهم ، وحمي حيي بن أخطب وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يخرجون ، ونابذوه بنقض العهود ، فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم .
قال الواقدي : فحاصروهم خمس عشرة ليلة . وقال ابن إسحاق : وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وذلك في شهر ربيع الأول .
قال ابن إسحاق : فسار حتى نزل بهم ، فحاصرهم ست ليال ، ونزل تحريم الخمر حينئذ ، وتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع [ ص: 536 ] النخيل والتحريق فيها ، فنادوه : أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ قال : وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ، ووديعة ، ومالك ، وسويد ، وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . فتربصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ، ففعل .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : أعطى كل ثلاثة منهم بعيرا يعتقبونه وسقاء . رواه البيهقي .
وروى من طريق يعقوب بن محمد الزهري ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة ، عن أبيه ، عن جده ، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال . وروى البيهقي وغيره أنه كانت لهم ديون مؤجلة ، فقال لهم رسول الله [ ص: 537 ] صلى الله عليه وسلم : ضعوا وتعجلوا . وفي صحته نظر . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ، فيضعه على ظهر بعيره ، فينطلق به ، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب . فلما نزلوها دان لهم أهلها . فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقبلوا بالنساء والأبناء والأموال ، معهم الدفوف والمزامير ، والقيان يعزفن خلفهم ، بزهاء وفخر ما رئي مثله لحي من الناس في زمانهم . قال : وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني النخيل والمزارع - فكانت له خاصة ، يضعها حيث يشاء ، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما . وأضاف بعضهم إليهما [ ص: 538 ] الحارث بن الصمة . حكاه السهيلي .
قال ابن إسحاق : ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان ; وهما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش ، وأبو سعد بن وهب فأحرزا أموالهما . قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين ألم تر ما لقينا من ابن عمك ، وما هم به من شأني ؟ فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله ، لعنه الله . قال ابن إسحاق : فأنزل الله فيهم سورة الحشر بكمالها ، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما عمل به فيهم . ثم شرع ابن إسحاق يفسرها ، وقد تكلمنا عليها بطولها مبسوطة في كتابنا " التفسير " ولله الحمد .
قال الله تعالى : سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين وما أفاء [ الحشر : 1 - 5 ] . سبح سبحانه وتعالى نفسه الكريمة ، وأخبر أنه يسبح له جميع مخلوقاته العلوية والسفلية ، وأنه العزيز وهو منيع الجناب ، فلا ترام عظمته وكبرياؤه ، وأنه الحكيم في جميع ما خلق ، وجميع ما قدر وشرع ، فمن ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم اليهود الذين شاقوا الله ورسوله ، وجانبوا رسوله وشرعه ، وما كان من السبب المفضي لقتالهم ، كما تقدم ، حتى حاصرهم المؤيد بالرعب والرهب مسيرة شهر ، ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ست ليال ، فذهب بهم الرعب كل مذهب ، حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم ، وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم ، على أنهم لا يستصحبون شيئا من السلاح ; إهانة لهم واحتقارا ، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ثم ذكر تعالى أنه لو لم يصبهم الجلاء ، وهو التسيير والنفي من جوار الرسول من المدينة لأصابهم ما هو أشد منه من العذاب الدنيوي ، وهو القتل مع ما ادخر لهم في الآخرة من العذاب الأليم المقدر لهم . ثم ذكر تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم ، وترك ما بقي منه لهم ، وأن ذلك كله سائغ ، فقال : ما قطعتم من لينة وهو جيد التمر أو تركتموها قائمة على أصولها إن الجميع قد أذن فيه شرعا وقدرا ، فلا حرج عليكم فيه [ ص: 540 ] ولنعم ما رأيتم من ذلك ، وليس هو بفساد ، كما قاله شرار العباد ، إنما هو إظهار للقوة ، وإخزاء للكفرة الفجرة .
وقد روى البخاري ، ومسلم جميعا عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع ، وهي البويرة ، فأنزل الله تعالى : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين
وعند البخاري من طريق جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع ، وهي البويرة ، ولها يقول حسان بن ثابت :
وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول :
أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير
[ ص: 541 ] ستعلم أينا منها بنزه وتعلم أي أرضينا تضير
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف . فالله أعلم :
لقد خزيت بغدرتها الحبور كذاك الدهر ذو صرف يدور
وذلك أنهم كفروا برب عظيم أمره أمر كبير
وقد أوتوا معا فهما وعلما وجاءهم من الله النذير
نذير صادق أدى كتابا وآيات مبينة تنير
فقالوا ما أتيت بأمر صدق وأنت بمنكر منا جدير
فقال بلى لقد أديت حقا يصدقني به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكل رشد ومن يكفر به يجز الكفور
[ ص: 542 ] فلما أشربوا غدرا وكفرا وجد بهم عن الحق النفور
أرى الله النبي برأي صدق وكان الله يحكم لا يجور
فأيده وسلطه عليهم وكان نصيره نعم النصير
فغودر منهم كعب صريعا فذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم وقد علته بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا إلى كعب أخا كعب يسير
فماكره فأنزله بمكر ومحمود أخو ثقة جسور
فتلك بنو النضير بدار سوء أبارهم بما اجترموا المبير
غداة أتاهم في الزحف رهوا رسول الله وهو بهم بصير
وغسان الحماة مؤازروه على الأعداء وهو لهم وزير
فقال السلم ويحكم فصدوا وخالف أمرهم كذب وزور
فذاقوا غب أمرهم وبالا لكل ثلاثة منهم بعير
[ ص: 543 ] وأجلوا عامدين لقينقاع وغودر منهم نخل ودور
وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسماك اليهودي فتركناها قصدا .
قال ابن إسحاق : وكان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي ويقال : قالها : قيس بن بحر بن طريف الأشجعي .
أهلي فداء لامرئ غير هالك أحل اليهود بالحسي المزنم
يقيلون في جمر الغضاة وبدلوا أهيضب عودى بالودي المكمم
فإن يك ظني صادقا بمحمد تروا خيله بين الصلا ويرمرم
[ ص: 544 ] يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم عدو وما حي صديق كمجرم
عليهن أبطال مساعير في الوغى يهزون أطراف الوشيج المقوم
وكل رقيق الشفرتين مهند توورثن من أزمان عاد وجرهم
فمن مبلغ عني قريشا رسالة فهل بعدهم في المجد من متكرم
بأن أخاهم فاعلمن محمدا تليد الندى بين الحجون وزمزم
فدينوا له بالحق تجسم أموركم وتسمو من الدنيا إلى كل معظم
نبي تلاقته من الله رحمة ولا تسألوه أمر غيب مرجم
فقد كان في بدر لعمري عبرة لكم يا قريشا والقليب الملمم
غداة أتى في الخزرجية عامدا إليكم مطيعا للعظيم المكرم
معانا بروح القدس ينكي عدوه رسولا من الرحمن حقا بمعلم
[ ص: 545 ] رسولا من الرحمن يتلو كتابه فلما أنار الحق لم يتلعثم
أرى أمره يزداد في كل موطن علوا لأمر حمه الله محكم
قال ابن إسحاق : وقال علي بن أبي طالب ، وقال ابن هشام : قالها رجل من المسلمين ، ولم أر أحدا يعرفها لعلي :
عرفت ومن يعتدل يعرف وأيقنت حقا ولم أصدف
عن الكلم المحكم الآي من لدى الله ذي الرأفة الأرأف
رسائل تدرس في المؤمنين بهن اصطفى أحمد المصطفي
فأصبح أحمد فينا عزيزا عزيز المقامة والموقف
فيا أيها الموعدوه سفاها ولم يأت جورا ولم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذاب وما آمن الله كالأخوف
وأن تصرعوا تحت أسيافه كمصرع كعب أبي الأشرف
[ ص: 546 ] غداة رأى الله طغيانه وأعرض كالجمل الأجنف
فأنزل جبريل في قتله بوحي إلى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا له بأبيض ذي هبة مرهف
فباتت عيون له معولات متى ينع كعب لها تذرف
وقلن لأحمد ذرنا قليلا فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوا دحورا على رغم الآنف
وأجلى النضير إلى غربة وكانوا بدار ذوي زخرف
إلى أذرعات ردافا وهم على كل ذي دبر أعجف
[ ص: 547 ] وتركنا جوابها أيضا من سماك اليهودي قصدا .
ثم ذكر تعالى حكم الفيء ، وأنه حكم بأموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وملكها له ، فوضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله تعالى ، كما ثبت في " الصحيحين " عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان يعزل نفقة أهله سنة ، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ، عز وجل .
ثم بين تعالى حكم الفيء ، وأنه للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان على منوالهم وطريقتهم ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب
قال الإمام أحمد : حدثنا عارم ، وعفان قالا : حدثنا معتمر سمعت أبي يقول : حدثنا أنس بن مالك ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات ، أو كما شاء الله ، حتى فتحت عليه قريظة والنضير . قال : فجعل يرد بعد ذلك . قال : وإن أهلي أمروني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله الذي [ ص: 548 ] كان أهله أعطوه أو بعضه ، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله . قال : فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن ، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول : كلا والله الذي لا إله إلا هو ، لا يعطيكهن وقد أعطانيهن . أو كما قالت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك كذا وكذا . وتقول : كلا والله . قال : ويقول لك : كذا وكذا . وتقول : كلا والله . قال : ويقول : لك كذا وكذا . حتى أعطاها - حسبت أنه قال - عشرة أمثاله . أو قال : قريبا من عشرة أمثاله . أو كما قال . أخرجاه بنحوه من طرق ، عن معتمر به .
ثم قال تعالى ذاما للمنافقين الذين مالوا لبني النضير في الباطن ، كما تقدم ، ووعدوهم النصر ، فلم يكن من ذلك شيء ، بل خذلوهم أحوج ما كانوا إليهم ، وغروهم من أنفسهم ، فقال : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون [ الحشر : 11 ، 12 ] ثم ذمهم تعالى على جبنهم ، وقلة [ ص: 549 ] علمهم ، وخفة عقلهم النافع ، ثم ضرب لهم مثلا قبيحا شنيعا بالشيطان حين قال للإنسان : اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين [ الحشر : 16 ، 17 ]===========
غزوة بني لحيان التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان
هاهنا ذكرها البيهقي في " الدلائل " ، وإنما ذكرها ابن إسحاق فيما رأيته ، من طريق ابن هشام ، عن زياد عنه ، في جمادى الأولى من سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة وهو أشبه مما ذكره البيهقي . والله أعلم .
وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره ، قالوا : لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبا بدمائهم ; ليصيب من بني لحيان غرة ، فسلك طريق الشام ; ليري أنه لا يريد بني لحيان حتى نزل [ ص: 554 ] بأرضهم ، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة . فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ، ثم انصرفا ، فذكر أبو عياش الزرقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعسفان صلاة الخوف .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون ، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم . ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم . قال : فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة [ النساء : 102 ] قال : فحضرت ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح ، فصففنا خلفه صفين ، ثم ركع ، فركعنا جميعا ، ثم رفع فرفعنا جميعا ، ثم سجد بالصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء . قال : ثم ركع فركعوا [ ص: 555 ] جميعا ، ثم رفع فرفعوا جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلسوا جلس الآخرون ، فسجدوا ; ثم سلم عليهم ، ثم انصرف . قال : فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين ; مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم ثم رواه أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن منصور به نحوه . وقد رواه أبو داود ، عن سعيد بن منصور ، عن جرير بن عبد الحميد . والنسائي ، عن الفلاس ، عن عبد العزيز بن عبد الصمد ، وعن محمد بن المثنى ، وبندار ، عن غندر ، عن شعبة ثلاثتهم عن منصور به . وهذا إسناد على شرط " الصحيحين " ولم يخرجه واحد منهما ، لكن روى مسلم من طريق أبي خيثمة زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من جهينة ، فقاتلوا قتالا شديدا ، فلما أن صلى الظهر قال المشركون : لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم . فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وقالوا : إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد فذكر الحديث كنحو ما تقدم .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا هشام ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن [ ص: 556 ] عبد الله قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر بنخل ، فهم به المشركون ، ثم قالوا : دعوهم ; فإن لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحب إليهم من أبنائهم . قال : فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فصلى بأصحابه العصر ، فصفهم صفين ; رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديهم ، والعدو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكبر وكبروا جميعا ، وركعوا جميعا ، ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام ، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون . ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء ، فكبروا جميعا ، وركعوا جميعا ، ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام ، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون . وقد استشهد البخاري في " صحيحه " برواية هشام هذه ، عن أبي الزبير ، عن جابر .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا سعيد بن عبيد الهنائي ، حدثنا عبد الله بن شقيق ، حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم - وهي العصر - فاجمعوا أمركم ، فميلوا عليهم ميلة واحدة . وإن [ ص: 557 ] جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يقسم أصحابه شطرين ، فيصلي ببعضهم ، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ثم تأتي الأخرى فيصلون معه ، ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ; ليكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان . ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الصمد به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
قلت : إن كان أبو هريرة شهد هذا ، فهو بعد خيبر وإلا فهو من مرسلات الصحابي ، ولا يضر ذلك عند الجمهور . والله أعلم . ولم يذكر في سياق حديث جابر عند مسلم ولا عند أبي داود الطيالسي أمر عسفان ولا خالد بن الوليد ، لكن الظاهر أنها واحدة . بقي الشأن في أن غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها ، فإن من العلماء - منهم الشافعي - من يزعم أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد يوم الخندق ; فإنهم أخروا الصلاة يومئذ عن ميقاتها لعذر القتال ، ولو كانت صلاة الخوف مشروعة إذ ذاك ، لفعلوها ولم يؤخروها ، ولهذا قال بعض أهل المغازي : إن غزوة بني لحيان التي صلى فيها [ ص: 558 ] صلاة الخوف بعسفان كانت بعد بني قريظة .
وقد ذكر الواقدي بإسناده ، عن خالد بن الوليد قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له ، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليه ، ثم لم يعزم لنا ، فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به ، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف .
قلت : وعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست بعد الخندق وبني قريظة كما سيأتي . وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها . والله أعلم .
وسنذكر ، إن شاء الله تعالى ، كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله ، وبه الثقة ، وعليه التكلان .
=================
وهي بدر الموعد ، التي تواعدوا إليها من أحد كما تقدم .
قال ابن إسحاق : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبا ، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول . قال ابن إسحاق : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأقام عليه ثمانيا ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران ، وبعض الناس يقول : قد بلغ عسفان . ثم بدا له في الرجوع ، فقال : يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ، ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه اللبن ، فإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجع فارجعوا . فرجع الناس ، فسماهم أهل مكة جيش السويق ، يقولون : إنما خرجتم تشربون السويق . قال : وأتى مخشي بن عمرو الضمري وقد كان وادع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ودان على بني ضمرة فقال : يا محمد ، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال : نعم يا أخا بني ضمرة ، وإن شئت رددنا [ ص: 574 ] إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك ، حتى يحكم الله بيننا وبينك . قال : لا والله يا محمد ، ما لنا بذلك من حاجة . ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا .
قال ابن إسحاق : وقد قال عبد الله بن رواحة - يعني في انتظارهم أبا سفيان ورجوعه بقريش عامه ذلك - قال ابن هشام : وقد أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك :
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو لاقيتنا فلقيتنا
لأبت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه
وعمرا ، أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم
وأمركم السيئ الذي كان غاويا فإني وإن عنفتموني لقائل
فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره
شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت في ذلك : [ ص: 575 ]
دعوا فلجات الشام قد حال دونها جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك
أقمنا على الرس النزوع ثمانيا بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامي تذري أصوله مناسم أخفاف المطي الرواتك
فإن تلق في تطوافنا والتماسنا فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عني رسالة فإنك من غر الرجال الصعالك [ ص: 576 ]
قال : فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - وقد أسلم فيما بعد ذلك :
أحسان إنا يا ابن آكلة الفغا وجدك نغتال الخروق كذلك
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا ولو وألت منا بشد مدارك
إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته مدمن أهل الموسم المتعارك
أقمت على الرس النزوع تريدنا وتتركنا في النخل عند المدارك
على الزرع تمشي خيلنا وركابنا فما وطئت ألصقنه بالدكادك
أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع بجرد الجياد والمطي الرواتك [ ص: 577 ]
حسبتم جلاد القوم عند فنائكم كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها على نحو قول المعصم المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها فوارس من أبناء فهر بن مالك
فإنك لا في هجرة إن ذكرتها ولا حرمات دينها أنت ناسك
قال ابن هشام تركنا منها أبياتا لاختلاف قوافيها .
وقد ذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري ، وابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر الناس لموعد أبي سفيان وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم ، فسلم الله أولياءه ، وخرج المسلمون صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وأخذوا معهم بضائع ، وقالوا : إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر . ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبي سفيان إلى مجنة ورجوعه ، وفي مقاولة الضمري وعرض النبي صلى الله عليه وسلم المنابذة فأبى ذلك . [ ص: 578 ]
قال الواقدي : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه ، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة وكان خروجه إليها في مستهل ذي القعدة . يعني سنة أربع . والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة ، ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان ، لكن قال : في سنة ثلاث . وهذا وهم ; فإن هذه تواعدوا إليها من أحد ، وقد كانت أحد في شوال سنة ثلاث كما تقدم . والله أعلم .
قال الواقدي : فأقاموا ببدر مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيام ، فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين . وقال غيره : فانقلبوا كما قال الله عز وجل : بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم [ آل عمران : 174 ]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق