باب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم =فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة والسلام =صفة مولده الشريف= ذكر ارتجاس إيوان كسرى
ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين ، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث غيلان بن جرير بن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة أن أعرابيا قال : يا رسول الله ما تقول في صوم يوم الاثنين ؟ فقال : ذاك يوم ولدت فيه ، وأنزل علي فيه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، واستنبئ يوم الاثنين ، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين ، وقدم المدينة يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين ، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين . تفرد به أحمد ، ورواه ابن عفير ، وابن بكير عن ابن لهيعة ، وزاد : ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : 3 ] وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به ، وزاد أيضا : وكانت ، [ ص: 374 ] وقعة بدر يوم الاثنين ، وممن قال هذا يزيد بن حبيب . وهذا منكر جدا قال ابن عساكر : والمحفوظ أن بدرا ونزول اليوم أكملت لكم دينكم يوم الجمعة ، وصدق ابن عساكر .
وروى عبيد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين ، وهكذا روي من غير هذا الوجه عن ابن عباس أنه ولد يوم الاثنين . وهذا ما لا خلاف فيه أنه ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، وأبعد بل أخطأ من قال : ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ربيع الأول . نقله الحافظ ابن دحية فيما قرأه في كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى لبعض الشيعة ، ثم شرع ابن دحية في تضعيفه وهو جدير بالتضعيف; إذ هو خلاف النص ، ثم الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول فقيل : لليلتين خلتا منه قاله ابن عبد البر في الاستيعاب ، ورواه الواقدي عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني ، وقيل : لثمان خلون [ ص: 375 ] منه . حكاه الحميدي عن ابن حزم ، ورواه مالك وعقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم . ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ أنهم صححوه ، وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي ، ورجحه الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير . وقيل : لعشر خلون منه نقله ابن دحية في كتابه ، ورواه ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر ، ورواه مجالد عن الشعبي كما مر ، وقيل : لثنتي عشرة خلت منه نص عليه ابن إسحاق ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر ، وابن عباس أنهما قالا : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وفيه بعث ، وفيه عرج به إلى السماء ، وفيه هاجر ، وفيه مات . وهذا هو المشهور عند الجمهور . والله أعلم .
وقيل : لسبع عشرة خلت منه كما نقله ابن دحية عن بعض الشيعة ، وقيل : لثمان بقين منه . نقله ابن دحية من خط الوزير أبي رافع ابن الحافظ أبي محمد ابن حزم عن أبيه والصحيح [ ص: 376 ] عن ابن حزم الأول; أنه لثمان مضين منه . كما نقله عنه الحميدي وهو أثبت . والقول الثاني; أنه ولد في رمضان نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار ، وهو قول غريب جدا وكان مستنده أنه عليه الصلاة والسلام أوحي إليه في رمضان بلا خلاف ، وذلك على رأس أربعين سنة من عمره فيكون مولده في رمضان . وهذا فيه نظر . والله أعلم .
وقد روى خيثمة بن سليمان الحافظ عن خلف بن محمد كردوس الواسطي عن المعلى بن عبد الرحمن عن عبد الحميد بن جعفر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في ربيع الأول ، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول ، وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول . وهذا غريب جدا رواه ابن عساكر .
قال الزبير بن بكار حملت به أمه في أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى ، وولد بمكة بالدار المعروفة بمحمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان .
[ ص: 377 ] ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عثمان بن عقبة بن مكرم عن المسيب بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال : حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في عاشوراء المحرم ، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل . وذكر غيره أن الخيزران ، وهي أم هارون الرشيد لما حجت أمرت ببناء هذه الدار مسجدا فهو يعرف بها اليوم .
وذكر السهيلي أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في العشرين من نيسان . وهذا أعدل الأزمان والفصول ، وذلك لسنة اثنتين وثمانين وثمانمائة لذي القرنين فيما ذكر أصحاب الزيج ، وزعموا أن الطالع كان لعشرين درجة من الجدي وكان المشتري وزحل مقترنين في ثلاث درج من العقرب ، وهي درجة وسط السماء وكان موافقا من البروج الحمل وكان ذلك عند طلوع القمر أول الليل . نقله كله ابن دحية . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : وكان مولده عليه الصلاة والسلام عام الفيل . وهذا هو المشهور عن الجمهور . قال إبراهيم بن المنذر الحزامي : وهو الذي لا يشك فيه أحد من علمائنا أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل ، وبعث على رأس أربعين سنة من الفيل .
[ ص: 378 ] وقد رواه البيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل وقال محمد بن إسحاق : حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال : ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، كنا لدين ، قال : وسأل عثمان رضي الله عنه قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليث : أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني ، وأنا أقدم منه في الميلاد ، ورأيت خذق الفيل أخضر محيلا ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق به .
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عكاظ ابن عشرين سنة .
وقال ابن إسحاق كان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة وكان بناء الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة والمبعث بعد بنائها بخمس سنين . وقال محمد بن جبير بن مطعم : كانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة ، وبناء الكعبة بعد عكاظ بعشر سنين والمبعث بعد بنائها بخمس عشرة سنة .
[ ص: 379 ] وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد العزيز بن أبي ثابت المديني حدثنا الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي : يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني ، وأنا أسن ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله . وتنبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة .
وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا نعيم يعني ابن ميسرة عن بعضهم عن سويد بن غفلة أنه قال : أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولدت عام الفيل قال البيهقي وقد روي عن سويد بن غفلة أنه قال : أنا أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين قال يعقوب بن سفيان : حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت حدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان النوفلي عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، وكانت بعده عكاظ بخمس عشرة سنة ، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل ، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة من الفيل .
[ ص: 380 ] والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل ، على قول الجمهور . فقيل : بعده بشهر ، وقيل : بأربعين يوما ، وقيل : بخمسين يوما وهو أشهر ، وعن أبي جعفر الباقر كان قدوم الفيل للنصف من المحرم ، ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة . وقال آخرون : بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين قاله ابن أبزى . وقيل : بثلاث وعشرين سنة رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم . وقيل : بعد الفيل بثلاثين سنة قاله موسى بن عقبة عن الزهري رحمه الله ، واختاره موسى بن عقبة أيضا رحمه الله . وقال أبو زكريا العجلاني : بعد الفيل بأربعين عاما رواه ابن عساكر .
وهذا غريب جدا ، وأغرب منه ما قال خليفة بن خياط حدثني شعيب بن حيان عن عبد الواحد بن أبي عمرو عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفيل بخمس عشرة سنة . وهذا حديث غريب ، ومنكر ، وضعيف أيضا قال خليفة بن خياط والمجتمع عليه أنه عليه السلام ولد عام الفيل=========فيما وقع من الآيات
ليلة مولده عليه الصلاة والسلام
قد ذكرنا في باب هواتف الجان= ما تقدم من خرور كثير من الأصنام ليلتئذ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها وما رآه النجاشي ملك الحبشة ، وظهور النور معه حتى أضاءت له قصور الشام حين ولد وما كان من سقوطه جاثيا رافعا رأسه إلى السماء ، وانفلاق تلك البرمة عن وجهه الكريم وما شوهد من النور في المنزل الذي ولد فيه ، ودنو النجوم منهم ، وغير ذلك .
حكى السهيلي عن تفسير بقي بن مخلد الحافظ : أن إبليس رن أربع رنات; حين لعن ، وحين أهبط ، وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحين أنزلت الفاتحة .
قال محمد بن إسحاق : وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت : كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في مجلس من قريش : يا معشر قريش هل ولد [ ص: 392 ] فيكم الليلة مولود ؟ فقال القوم : والله ما نعلمه . فقال : الله أكبر أما إذا أخطأكم فلا بأس ، انظروا واحفظوا ما أقول لكم : ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس ، لا يرضع ليلتين; وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع فتصدع القوم من مجلسهم ، وهم يتعجبون من قوله وحديثه فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا : قد والله ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا فالتقى القوم فقالوا : هل سمعتم حديث اليهودي ؟ وهل بلغكم مولد هذا الغلام ؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر . قال : فاذهبوا معي حتى أنظر إليه فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا : أخرجي إلينا ابنك فأخرجته ، وكشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيا عليه فلما أفاق قالوا له : ما لك ؟ ويلك ! قال : قد ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل ، أفرحتم بها يا معشر قريش ؟ والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال : حدثني من شئت من رجال قومي ممن لا أتهم عن حسان بن ثابت قال : إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان [ ص: 393 ] سنين أعقل ما رأيت وسمعت إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غداة : يا معشر يهود . فاجتمعوا إليه ، وأنا أسمع فقالوا : ويلك ما لك ؟ قال : قد طلع نجم أحمد الذي يولد به في هذه الليلة .
وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من حديث أبي بكر بن عبد الله العامري عن سليمان بن سحيم ، وربيح بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال : سمعت أبي مالك بن سنان يقول جئت بني عبد الأشهل يوما; لأتحدث فيهم ، ونحن يومئذ في هدنة من الحرب فسمعت يوشع اليهودي : يقول أظل خروج نبي يقال له : أحمد يخرج من الحرم . فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي كالمستهزئ به ما صفته ؟ فقال : رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يلبس الشملة ، ويركب الحمار ، سيفه على عاتقه ، وهذا البلد مهاجره . قال : فرجعت إلى قومي بني خدرة ، وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع فأسمع رجلا منا يقول : ويوشع يقول هذا وحده؟! كل يهود يثرب يقولون هذا ، قال أبي مالك بن سنان : فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير بن باطا : قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبي وظهوره ، ولم يبق أحد إلا أحمد ، وهذا مهاجره . قال أبو سعيد : فلما [ ص: 394 ] قدم النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أبي هذا الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أسلم الزبير ، وذووه من رؤساء اليهود ، إنما هم له تبع
وقال أبو نعيم : حدثنا عمر بن محمد حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا إسماعيل بن قيس بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أم سعد بنت سعد بن الربيع سمعت زيد بن ثابت يقول : كان أحبار يهود بني قريظة والنضير ، يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي ، وأنه لا نبي بعده ، واسمه أحمد ، ومهاجره إلى يثرب فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا . وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه من طرق أخرى ولله الحمد .
وقال أبو نعيم : حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد قال : قال زيد بن عمرو بن نفيل : قال لي حبر من أحبار الشام : قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج قد خرج نجمه فارجع فصدقه ، واتبعه==صفة مولده الشريف
عليه الصلاة والسلام قد تقدم أن عبد المطلب لما ذبح تلك الإبل المائة عن ولده عبد الله حين كان نذر ذبحه فسلمه الله تعالى; لما كان قدر في الأزل من ظهور النبي الأمي صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ، وسيد ولد آدم من صلبه فذهب كما تقدم فزوجه أشرف عقيلة في قريش ، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهرية فحين دخل بها ، وأفضى إليها حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت أم قنال رقيقة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل توسمت ما كان بين عيني عبد الله قبل أن يجامع آمنة من النور فودت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من أخيها من البشارات بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه .
قال بعضهم : ليتزوجها وهو أظهر . والله أعلم . فامتنع عليها . فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته إياها كأنه تندم على ما كانت عرضت عليه فتعرض لها لتعاوده فقالت : لا حاجة لي فيك ، وتأسفت على ما فاتها من ذلك ، وأنشدت في ذلك ما قدمناه من الشعر الفصيح البليغ ، وهذه الصيانة لعبد الله ليست له ، وإنما هي لرسول الله [ ص: 382 ] صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالته [ الأنعام : 124 ] وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد أنه قال عليه الصلاة والسلام ولدت من نكاح لا من سفاح .
والمقصود أن أمه حين حملت به توفي أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه ، على المشهور قال محمد بن سعد : حدثنا محمد بن عمر هو الواقدي حدثنا موسى بن عبيدة الربذي وعن محمد بن كعب وحدثنا سعيد بن أبي زيد عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قالا : خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملونه تجارات ففرغوا من تجارتهم ، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة ، وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض فقال : أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار فأقام عندهم مريضا شهرا ، ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله فقالوا : خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حمل ، ولعبد الله بن عبد المطلب يوم توفي خمس وعشرون سنة .
[ ص: 383 ] قال الواقدي : هذا هو أثبت الأقاويل في وفاة عبد الله وسنه عندنا . قال الواقدي : وحدثني معمر عن الزهري أن عبد المطلب بعث عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات قال محمد بن سعد : وقد أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه ، وعن عوانة بن الحكم قالا : توفي عبد الله بن عبد المطلب بعدما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون شهرا ، وقيل : سبعة أشهر ، وقال محمد بن سعد : والأول أثبت ؛ أنه توفي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل . وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن حسن عن عبد السلام عن ابن خربوذ قال : توفي عبد الله بالمدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن شهرين ، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين ، ومات جده وهو ابن ثمان سنين فأوصى به إلى عمه أبي طالب والذي رجحه الواقدي ، وكاتبه الحافظ محمد بن سعد أنه عليه الصلاة والسلام ، توفي أبوه وهو جنين في بطن أمه . وهذا أبلغ اليتم ، وأعلى مراتبه وقد تقدم في الحديث ، ورؤيا أمي الذي رأت حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وقال محمد بن إسحاق : فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث أنها [ ص: 384 ] أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي : أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر عامد ، وكل عبد رائد ، نزول غير ذائد ، فإنه عبد الحميد الماجد حتى أراه قد أتى المشاهد . وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام فإذا وقع فسميه محمدا فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض ، واسمه في الإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض ، واسمه في القرآن محمد . وهذا وذاك يقتضي أنها رأت حين حملت به عليه السلام كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ، ثم لما ، وضعته رأت عيانا تأويل ذلك كما رأته قبل ذلك هاهنا . والله أعلم .
وقال محمد بن سعد : أنبأنا محمد بن عمر هو الواقدي حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري ، وقال الواقدي : حدثنا موسى بن عبيدة عن أخيه ، ومحمد بن كعب القرظي ح ، وحدثني عبد الله بن [ ص: 385 ] جعفر الزهري عن عمته أم بكر بنت المسور عن أبيها ، ح وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم المدني ، وزياد بن حشرج عن أبي ، وجزة ح ، وحدثنا معمر عن أبي نجيح عن مجاهد ح ، وحدثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - أن آمنة بنت وهب قالت : لقد علقت به - تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فما وجدت له مشقة حتى وضعته فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه ، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ، ورفع رأسه إلى السماء ، وقال بعضهم : وقع جاثيا على ركبتيه ، وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام ، وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى رافعا رأسه إلى السماء .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن إسماعيل أنبأنا محمد بن إسحاق حدثنا أبو بشر مبشر بن الحسن حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا عبد العزيز بن عمران حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص حدثتني أمي أنها شهدت ، ولادة آمنة [ ص: 386 ] بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته قالت : فما شيء أنظر إليه في البيت إلا نور ، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول ليقعن علي .
وذكر القاضي عياض عن الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف أنها كانت قابلته ، وأنها أخبرت به حين سقط على يديها ، واستهل سمعت قائلا يقول : يرحمك الله . وإنه سطع منه نور رئيت منه قصور الروم .
قال محمد بن إسحاق : فلما ، وضعته بعثت إلى عبد المطلب جاريتها - وقد هلك أبوه ، وهي حبلى - ويقال : إن عبد الله هلك والنبي صلى الله عليه وسلم ابن ثمانية وعشرين شهرا فالله أعلم أي ذلك كان - فقالت : قد ولد لك الليلة غلام فانظر إليه فلما جاءها ، أخبرته وحدثته بما كانت رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة فقام عبد المطلب يدعو ويشكر الله عز وجل ، ويقول :
الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان
أعيذه بالله ذي الأركان حتى يكون بلغة الفتيان
حتى أراه بالغ البنيان أعيذه من كل ذي شنآن
من حاسد مضطرب العنان [ ص: 387 ] ذي همة ليس له عينان
حتى أراه رافع اللسان أنت الذي سميت في الفرقان
في كتب ثابتة المثاني أحمد مكتوبا على اللسان
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الداربجردي بمرو حدثنا أبو عبد الله البوشنجي حدثنا أبو أيوب سليمان بن سلمة الخبائري حدثنا يونس بن عطاء بن عثمان بن ربيعة بن زياد بن الحارث الصدائي بمصر حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا قال : فأعجب جده عبد المطلب وحظي عنده ، وقال : ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن . وهذا الحديث في صحته نظر وقد رواه الحافظ ابن عساكر من حديث سفيان بن محمد المصيصي عن هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كرامتي على الله أني ولدت مختونا ، ولم ير سوءتي أحد ثم أورده من طريق الحسن بن عرفة عن هشيم به ، ثم أورده من طريق محمد بن محمد بن سليمان هو الباغندي حدثنا [ ص: 388 ] عبد الرحمن بن أيوب الحمصي حدثنا موسى بن أبي موسى المقدسي حدثني خالد بن سلمة عن نافع عن ابن عمر قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا مختونا .
وقال أبو نعيم : حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي حدثنا الحسين بن أحمد بن عبد الله المالكي حدثنا سليمان بن سلمة الخبائري حدثنا يونس بن عطاء حدثنا الحكم بن أبان حدثنا عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا فأعجب ذلك جده عبد المطلب وحظي عنده ، وقال : ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن . وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق حتى زعم بعضهم أنه متواتر ، وفي هذا كله نظر . ومعنى مختونا أي : مقطوع الختان ، ومسرورا أي : مقطوع السرة من بطن أمه .
وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن عيينة البصري حدثنا علي بن محمد المدائني السلمي حدثنا سلمة بن محارب بن سلم بن زياد عن أبيه عن أبي بكرة : أن جبريل ختن النبي صلى الله عليه وسلم حين [ ص: 389 ] طهر قلبه . وهذا غريب جدا . وقد روي أن جده عبد المطلب ختنه ، وعمل له دعوة جمع قريشا عليها . والله أعلم .
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأني محمد بن كامل القاضي شفاها أن محمد بن إسماعيل حدثه يعني السلمي حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن أبي الحكم التنوخي قال : كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح يكفأن عليه برمة فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه عبد المطلب إلى نسوة فكفأن عليه برمة فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنتين ، ووجدنه مفتوح العينين شاخصا ببصره إلى السماء فأتاهن عبد المطلب فقلن له : ما رأينا مولودا مثله وجدناه قد انفلقت عنه البرمة ، ووجدناه مفتوحا عيناه شاخصا ببصره إلى السماء فقال : احفظنه فإني أرجو أن يكون له شأن أو أن يصيب خيرا فلما كان اليوم السابع ذبح عنه ، ودعا له قريشا فلما أكلوا قالوا : يا عبد المطلب أرأيت ابنك هذا الذي أكرمتنا على وجهه ما سميته ؟ قال : سميته محمدا . قالوا : فلم رغبت به عن أسماء أهل بيته ؟ قال : أردت أن يحمده الله في السماء ، وخلقه في الأرض . قال أهل اللغة : كل جامع لصفات الخير يسمى محمدا كما قال بعضهم [ ص: 390 ]
إليك - أبيت اللعن - أعملت ناقتي إلى الماجد القرم الكريم المحمد
وقال بعض العلماء : ألهمهم الله عز وجل أن سموه محمدا لما فيه من الصفات الحميدة ليلتقي الاسم والفعل ، ويتطابق الاسم والمسمى في الصورة والمعنى كما قال عمه أبو طالب ، ويروى لحسان
حتى أراه بالغ البنيان أعيذه من كل ذي شنآن
من حاسد مضطرب العنان [ ص: 387 ] ذي همة ليس له عينان
حتى أراه رافع اللسان أنت الذي سميت في الفرقان
في كتب ثابتة المثاني أحمد مكتوبا على اللسان
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وسنذكر أسماءه عليه الصلاة والسلام وشمائله وهي صفاته الظاهرة ، وأخلاقه الطاهرة ، ودلائل نبوته ، وفضائل منزلته في آخر السيرة إن شاء الله .
قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن شيبان الرملي حدثنا أحمد بن إبراهيم الحلبي حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا زهير عن محارب بن دثار عن عمرو بن يثربي عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك ، أمارة لنبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر ، وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال . قال : إني كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء ، وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش . ثم قال : تفرد به الليثي وهو مجهول . ===
ذكر ارتجاس إيوان كسرى
وسقوط الشرفات ، وخمود النيران ،
ورؤيا الموبذان ، وغير ذلك من الدلالات قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب هواتف الجان : حدثنا علي بن حرب حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران - من آل جرير بن عبد الله البجلي - حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومائة سنة - قال : لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ارتجس إيوان كسرى ، وسقطت منه أربع عشرة شرفة ، وخمدت نار فارس ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وغاضت بحيرة ساوة ، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة ، وانتشرت في بلادهم فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعا ، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال : أتدرون فيم بعثت إليكم ؟ قالوا : لا إلا أن يخبرنا الملك فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران فازداد غما إلى غمه ، [ ص: 396 ] ثم أخبرهم بما رأى وما هاله فقال الموبذان : وأنا - أصلح الله الملك - قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ، ثم قص عليه رؤياه في الإبل فقال : أي شيء يكون هذا يا موبذان ؟ قال : حدث يكون في ناحية العرب وكان أعلمهم من أنفسهم فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أما بعد : فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغساني فلما ورد عليه قال له : ألك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ فقال : لتخبرني أو ليسألني الملك عما أحب فإن كان عندي منه علم أخبرته ، وإلا أخبرته بمن يعلم فأخبره بالذي وجه به إليه فيه . قال : علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له : سطيح . قال : فائته فاسأله عما سألتك عنه ، ثم ائتني بتفسيره فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح ، وقد أشفى على الضريح فسلم عليه وكلمه فلم يرد إليه سطيح جوابا فأنشأ يقول :
أصم أم يسمع غطريف اليمن أم فاد فازلم به شأو العنن يا فاصل الخطة أعيت من ومن
وكاشف الكربة عن وجه غضن أتاك شيخ الحي من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن
وكاشف الكربة عن وجه غضن أتاك شيخ الحي من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن
[ ص: 397 ] أزرق بهم الناب صرار الأذن أبيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم يسري للوسن لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن تجوب بي الأرض علنداة شزن
ترفعني وجنا وتهوي بي وجن حتى أتى عاري الجآجي والقطن تلفه في الريح بوغاء الدمن
كأنما حثحث من حضني ثكن
قال : فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه : يقول عبد المسيح على جمل مشيح أتى سطيح ، وقد أوفى على الضريح ، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان ، وخمود النيران ، ورؤيا الموبذان; رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة ، وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح ، إذا كثرت التلاوة ، وظهر صاحب الهراوة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك ، وملكات على عدد الشرفات ، وكلما هو آت آت . ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول :
ترفعني وجنا وتهوي بي وجن حتى أتى عاري الجآجي والقطن تلفه في الريح بوغاء الدمن
كأنما حثحث من حضني ثكن
شمر فإنك ماضي العزم شمير لا يفزعنك تفريق وتغيير [ ص: 398 ] إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما ربما أضحوا بمنزلة يخاف صولهم الأسد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته والهرمزان وشابور وسابور
والناس أولاد علات فمن علموا أن قد أقل فمحقور ومهجور ورب قوم لهم صحبان ذي أذن بدت تلهيهم فيه المزامير
وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور
قال : فلما قدم عبد المسيح على كسرى ، أخبره ما قال له سطيح فقال كسرى : إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور فملك منهم عشرة في أربع سنين ، وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه . ورواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس عن علي بن حرب الموصلي بنحوه .
قلت : كان آخر ملوكهم - الذي سلب منه الملك - يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وهو الذي انشق الإيوان في زمانه وكان [ ص: 399 ] لأسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربعة وستون سنة وكان أول ملوكهم خيومرت بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام .
أما سطيح هذا فقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه : هو الربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن الأزد . ويقال : الربيع بن مسعود . وأمه ردعا بنت سعد بن الحارث الحجوري . وذكر غير ذلك في نسبه قال : وكان يسكن الجابية . ثم روى عن أبي حاتم السجستاني قال : سمعت المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا : وكان من بعد لقمان بن عاد ولد في زمن سيل العرم ، وعاش إلى ملك ذي نواس ، وذلك نحو من ثلاثين قرنا وكان مسكنه البحرين ، وزعمت عبد القيس أنه منهم ، وتزعم الأزد أنه منهم ، وأكثر المحدثين يقولون : هو من الأزد ولا ندري ممن هو ؟ غير أن ولده يقولون : إنه من الأزد . وروي عن ابن عباس أنه قال : لم يكن شيء من بني آدم يشبه سطيحا إنما كان لحما على وضم ، ليس فيه عظم ولا عصب إلا في رأسه وعينيه وكفيه وكان يطوى كما يطوى الثوب من رجليه إلى عنقه ، ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه . وقال غيره : إنه كان إذا غضب انتفخ وجلس . ثم ذكر ابن عباس أنه قدم مكة فتلقاه جماعة من [ ص: 400 ] رؤسائهم منهم عبد شمس ، وعبد مناف أبناء قصي فامتحنوه في أشياء فأجابهم فيها بالصدق .
فسألوه عما يكون في آخر الزمان فقال : خذوا مني ، ومن إلهام الله إياي; أنتم الآن يا معشر العرب في زمان الهرم ، سواء بصائركم وبصائر العجم لا علم عندكم ولا فهم ، وينشأ من عقبكم ذوو فهم يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم ، ويتبعون الردم ، ويقتلون العجم ، ويطلبون الغنم ، ثم قال : والباقي الأبد ، والبالغ الأمد ، ليخرجن من ذا البلد ، نبي مهتد ، يهدي إلى الرشد ، يرفض يغوث والفند ، يبرأ عن عبادة الضدد ، يعبد ربا انفرد . ثم يتوفاه الله بخير دار محمودا من الأرض مفقودا ، وفي السماء مشهودا ، ثم يلي أمره الصديق إذا قضى صدق ، وفي رد الحقوق لا خرق ولا نزق ، ثم يلي أمره الحنيف مجرب غطريف قد أضاف المضيف ، وأحكم التحنيف ، ثم ذكر عثمان ومقتله وما يكون بعد ذلك من أيام بني أمية ، ثم بني العباس وما بعد ذلك من الفتن والملاحم ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله .
وقد قدمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن حين أخبره برؤياه قبل أن [ ص: 401 ] يخبره بها ، ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن ، وتغيير الدول حتى يعود إلى سيف بن ذي يزن فقال له : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال : وممن هذا النبي ؟ قال : من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون قال : أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم والشفق والغسق والقمر إذا اتسق ، إن ما أنبأتك عليه لحق ، ووافقه على ذلك شق سواء بسواء بعبارة أخرى كما تقدم ، ومن شعر سطيح قوله :
عليكم بتقوى الله في السر والجهر ولا تلبسوا صدق الأمانة بالغدر
وكونوا لجار الجنب حصنا وجنة إذا ما عرته النائبات من الدهر
وروى ذلك الحافظ ابن عساكر ، ثم أورد ذلك المعافى بن زكريا الجريري فقال : وأخبار سطيح كثيرة وقد جمعها غير واحد من أهل العلم والمشهور أنه كان كاهنا وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن نعته ومبعثه ، وروي لنا بإسناد الله به أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سطيح فقال : نبي ضيعه قومه .
[ ص: 402 ] قلت : أما هذا الحديث فلا أصل له في شيء من كتب الإسلام المعهودة ، ولم أره بإسناد أصلا ، ويروى مثله في خبر خالد بن سنان العبسي ولا يصح أيضا . وظاهر هذه العبارات تدل على علم جيد لسطيح ، وفيها روائح التصديق لكنه لم يدرك الإسلام كما قال الجريري فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنه قال لابن أخته : يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة ، وظهر صاحب الهراوة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما ، يملك منهم ملوك ، وملكات على عدد الشرفات ، وكل ما هو آت آت ، ثم قضى سطيح مكانه . وكان ذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر - أو شيعه أي أقل منه - وكانت وفاته بأطراف الشام مما يلي أرض العراق فالله أعلم بأمره وما صار إليه ، وذكر ابن طرار الجريري أنه عاش سبعمائة سنة ، وقال غيره : خمسمائة سنة ، وقيل ثلاثمائة سنة فالله أعلم .
وقد روى ابن عساكر أن ملكا سأل سطيحا عن نسب غلام اختلف فيه فأخبره على الجلية في كلام طويل مليح فصيح . فقال له الملك : يا سطيح ألا تخبرني عن علمك هذا ؟ فقال : إن علمي هذا ليس مني ولا بخرم ولا بظن ، ولكن أخذته عن أخ لي جني قد سمع الوحي بطور سيناء فقال له : أرأيت أخاك هذا الجني ، أهو معك لا يفارقك ؟ فقال : إنه ليزول حيث أزول ، [ ص: 403 ] ولا أنطق إلا بما يقول . وتقدم أنه ولد هو وشق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن الآخر ، ولدا في يوم واحد فحملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحميرية فتفلت في أفواههما فورثا منها الكهانة ، وماتت من يومها وكان نصف إنسان ، ويقال : إن خالد بن عبد الله القسري من سلالته وقد مات شق قبل سطيح بدهر .
وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة الغساني النصراني فكان من المعمرين وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ، وقال : هو الذي صالح خالد بن الوليد على الحيرة ، وذكر له معه قصة طويلة ، وأنه أكل من يده سم ساعة فلم يصبه سوء; لأنه لما أخذه قال : بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه أذى ، ثم أكله فعلته غشية فضرب بيديه على صدره ، ثم عرق وأفاق - رضي الله عنه ، وذكر لعبد المسيح أشعارا غير ما تقدم .
وقال أبو نعيم : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا المسيب بن شريك حدثنا محمد بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان [ ص: 404 ] بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصا من أهل الشام وكان متخفرا بالعاص بن وائل وكان الله قد آتاه علما كثيرا ، وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طيب ورفق وعلم وكان يلزم صومعة له ، ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس ، ويقول : إنه يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة يدين له العرب ، ويملك العجم هذا زمانه ، ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته ، ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته ، وتالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف إلا في طلبه وكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول : ما جاء بعد فيقال له : فصفه فيقول : لا ويكتم ذلك; للذي قد علم أنه لاق من قومه مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يكون إليه من الأذى يوما .
ولما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا فوقف في أصل صومعته ، ثم نادى يا عيصا فناداه من هذا ؟ فقال : أنا عبد الله فأشرف عليه فقال : كن أباه فقد ولد المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين ، ويبعث يوم الاثنين ، ويموت يوم الاثنين ، قال : فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود قال فما سميته ؟ قال : محمدا قال : والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل [ ص: 405 ] البيت; لثلاث خصال نعرفه بها منها أن نجمه طلع البارحة ، وأنه ولد اليوم ، وأن اسمه محمد انطلق إليه فإن الذي كنت أحدثكم عنه ابنك قال : فما يدريك أنه ابني ، ولعله أن يولد في هذا اليوم مولود غيره ؟ قال : قد وافق ابنك الاسم ، ولم يكن الله ليشبه علمه على العلماء فإنه حجة ، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أياما ثلاثة ، يظهر به الجوع ثلاثا ثم يعافى فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد أحد حسده قط ، ولم يبغ على أحد كما يبغى عليه ، إن تعش حتى يبدو مقاله ، ثم يدعو لظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبر وعلى ذل فاحفظ لسانك ، ودار عنه . قال : فما عمره ؟ قال : إن طال عمره أو قصر لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها من الستين في إحدى وستين أو ثلاث وستين في أعمار جل أمته . قال : وحمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في عاشوراء المحرم ، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل هكذا رواه أبو نعيم ، وفيه غرابة .
والناس أولاد علات فمن علموا أن قد أقل فمحقور ومهجور ورب قوم لهم صحبان ذي أذن بدت تلهيهم فيه المزامير
وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور
وكونوا لجار الجنب حصنا وجنة إذا ما عرته النائبات من الدهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق