الأحد، 1 نوفمبر 2015

ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول == بيان شجرة طوبى ما هي


ذكر منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى

====قال الله تعالى : واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم [ ص: 438 ] [ مريم : 16 - 37 ] .

ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا ، التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها ، كما ذكر في سورة " آل عمران " قرن بينهما في سياق واحد ، وكما قال في سورة " الأنبياء " : وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين .

وقد تقدم أن مريم ، لما جعلتها أمها محررة ، تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها - أو خالتها - نبي ذلك الزمان زكريا ، عليه السلام ، وأنه اتخذ لها محرابا ، وهو المكان الشريف من المسجد ، لا يدخله أحد عليها سواه ، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة ، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها [ ص: 439 ] في فنون العبادات ، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا ، عليه السلام ، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها ، وبأنه سيهب لها ولدا زكيا ، يكون نبيا كريما طاهرا مكرما ، مؤيدا بالمعجزات ، فتعجبت من وجود ولد من غير والد ; لأنها لا زوج لها ، ولا هي ممن تتزوج ، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء ، إذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن . فيكون ; فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها ; فإن الناس يتكلمون فيها بسببه ، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر ، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل ، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها ، أو لحاجة ضرورية لا بد منها ; من استقاء ماء أو تحصيل غذاء ، فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شئونها وانتبذت أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى ، إذ بعث الله إليها الروح الأمين ، جبريل عليه السلام فتمثل لها بشرا سويا فلما رأته قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال أبو العالية : علمت أن التقي ذو نهية . وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق ، اسمه تقي ، فإن هذا قول باطل بلا دليل ، وهو من أسخف الأقوال . قال إنما أنا رسول ربك أي خاطبها الملك قائلا : إنما أنا رسول ربك ، أي : لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك لأهب لك غلاما زكيا أي ولدا زكيا . قالت أنى يكون لي غلام أي : كيف يكون لي غلام ، أو يوجد لي ولد ، [ ص: 440 ] ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا أي : ولست ذات زوج ، وما أنا ممن يفعل الفاحشة . قال كذلك قال ربك هو علي هين أي : فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها ، والحالة هذه ، قائلا : كذلك قال ربك أي : وعد أنه سيخلق منك غلاما ولست بذات بعل ، ولا تكونين ممن يبغين . هو علي هين أي : وهذا سهل عليه ، ويسير لديه ، فإنه على ما يشاء قدير . وقوله : ولنجعله آية للناس أي : ولنجعل خلقه ، والحالة هذه ، دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق ; فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى . وقوله : ورحمة منا أي : نرحم به العباد ، بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره ، في طفولته وكهولته ، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له ، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء ، والأضداد والأنداد . وقوله : وكان أمرا مقضيا يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها ، يعني أن هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره . وهذا معنى قول محمد بن إسحاق ، واختاره ابن جرير ، ولم يحك سواه . والله أعلم .

ويحتمل أن يكون قوله : وكان أمرا مقضيا كناية عن نفخ جبريل فيها ، كما قال تعالى : ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا [ التحريم : 12 ] . فذكر غير واحد من السلف ، أن جبريل نفخ في جيب درعها ، فنزلت النفخة إلى [ ص: 441 ] فرجها ، فحملت من فورها ، كما تحمل المرأة عند جماع بعلها . ومن قال أنه نفخ في فمها ، أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها ، فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن ; فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة ، وهو جبريل ، عليه السلام ، وأنه إنما نفخ فيها ، ولم يواجه الملك الفرج ، بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها ، فانسلكت فيه ، كما قال تعالى : فنفخنا فيه من روحنا فدل على أن النفخة ولجت فيه ، لا في فمها ، كما روي عن أبي بن كعب ، ولا في صدرها ، كما رواه السدي بإسناده عن بعض الصحابة ، ولهذا قال تعالى : فحملته . أي : فحملت ولدها فانتبذت به مكانا قصيا وذلك لأن مريم عليها السلام ، لما حملت ضاقت به ذرعا ، وعلمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها ، فذكر غير واحد من السلف ، منهم وهب بن منبه ، أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل ، يقال له : يوسف بن يعقوب النجار . وكان ابن خالها ، فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا ، وذلك لما يعلم من ديانتها ، ونزاهتها ، وعبادتها ، وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج ، فعرض لها ذات يوم في الكلام ، فقال : يا مريم هل يكون زرع من غير بذر ؟! قالت : نعم ، فمن خلق الزرع الأول ؟! ثم قال : فهل يكون شجر [ ص: 442 ] من غير ماء ولا مطر ؟! قالت : نعم ، فمن خلق الشجر الأول ؟! ثم قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟! قالت : نعم ، إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى . قال لها : فأخبريني خبرك . فقالت : إن الله بشرني بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين [ آل عمران : 45 ، 46 ] . ويروى مثل هذا عن زكريا ، عليه السلام ، أنه سألها فأجابته بمثل هذا . والله أعلم .

وذكر السدي بإسناده عن الصحابة ، أن مريم دخلت يوما على أختها ، فقالت لها أختها : أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وشعرت أيضا أني حبلى ؟ فاعتنقتها ، وقالت لها أم يحيى : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . وذلك قوله : مصدقا بكلمة من الله [ آل عمران : 39 ] . ومعنى السجود هاهنا ، الخضوع والتعظيم ، كالسجود عند المواجهة للسلام ، كما كان في شرع من قبلنا ، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم . وقال ابن القاسم : قال مالك : بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ، ابنا خالة ، وكان حملهما جميعا معا ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى ، عليه السلام ; لأن الله تعالى جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص . رواه ابن أبي حاتم . وروى عن مجاهد قال : قالت مريم : كنت إذا خلوت حدثني وكلمني ، وإذا كنت [ ص: 443 ] بين الناس سبح في بطني . ثم الظاهر ، أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن ، إذ لو كان خلاف ذلك لذكر . وعن ابن عباس وعكرمة ، أنها حملت به ثمانية أشهر . وعن ابن عباس : ما هو إلا أن حملت به فوضعته . قال بعضهم : حملت به تسع ساعات . واستأنسوا لذلك بقوله : فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه ; لقوله : فتصبح الأرض مخضرة [ الحج : 63 ] . وكقوله : ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوما ، كما ثبت في الحديث المتفق عليه .

[ المؤمنون : 14 ] . قال محمد بن إسحاق : ثم شاع أمرها واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل ، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا . قال : واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد ، وتوارت عنهم مريم ، واعتزلتهم وانتبذت مكانا قصيا . وقوله : فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة أي : فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة ، وهو - بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به ، عن أنس مرفوعا ، والبيهقي [ ص: 444 ] بإسناد صححه ، عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا - ببيت لحم ، الذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد - على ما سنذكره - هذا البناء المشاهد الهائل . قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن ، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها ، بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها ، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات ، المجاورات في المسجد ، المنقطعات إليه ، المعتكفات فيه ، ومن بيت النبوة والديانة ، فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت نسيا منسيا أي : لم تخلق بالكلية . وقوله : ( فناداها من تحتها ) ، وقرئ : من تحتها على الخفض ، وفي المضمر قولان : أحدهما ، أنه جبريل . قاله العوفي عن ابن عباس . قال : ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم . وهكذا قال سعيد بن جبير ، وعمرو بن ميمون ، والضحاك والسدي ، وقتادة . وقال مجاهد ، والحسن ، وابن زيد ، وسعيد بن جبير ، في رواية : هو ابنها عيسى . واختاره ابن جرير . وقوله : ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا قيل : النهر . وإليه ذهب الجمهور . وجاء فيه حديث رواه الطبراني ، لكنه ضعيف ، واختاره ابن جرير وهو [ ص: 445 ] الصحيح . وعن الحسن ، والربيع بن أنس ، وابن أسلم وغيرهم ، أنه ابنها . والصحيح الأول ; لقوله : وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فذكر الطعام والشراب ، ولهذا قال : فكلي واشربي وقري عينا ثم قيل : كان جذع النخلة يابسا . وقيل : كانت نخلة مثمرة . فالله أعلم . ويحتمل أنها كانت نخلة ، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك ; لأن ميلاده كان في زمن الشتاء ، وليس ذاك وقت ثمر ، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى ، على سبيل الامتنان : تساقط عليك رطبا جنيا قال عمرو بن ميمون : ليس شيء خيرا للنفساء من التمر والرطب . ثم تلا هذه الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا شيبان ، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي ، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن عروة بن رويم ، عن علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ، وليس شيء من الشجر يلقح غيرها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطعموا نساءكم الولد الرطب ، فإن لم يكن رطب ، فتمر ، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران وكذا رواه أبو يعلى في " مسنده " ، عن [ ص: 446 ] شيبان بن فروخ ، عن مسروق بن سعيد . وفي رواية : مسرور بن سعد . والصحيح : مسرور بن سعيد التميمي ، أورد له ابن عدي هذا الحديث ، عن الأوزاعي به ، ثم قال : وهو منكر الحديث ، ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث . وقال ابن حبان : يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها . وقوله : فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها . قال : فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا أي : فإن رأيت أحدا من الناس فقولي له ، أي بلسان الحال والإشارة : إني نذرت للرحمن صوما أي : صمتا . وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام . قاله قتادة ، والسدي ، وابن أسلم . ويدل على ذلك قوله : فلن أكلم اليوم إنسيا فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل . وقوله تعالى : فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب ، أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها ، فمروا على محلتها والأنوار حولها ، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها ، فقالوا لها : يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي أمرا عظيما منكرا . وفي هذا الذي قالوه نظر ، مع أنه كلام ينقض أوله آخره ; وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته [ ص: 447 ] بنفسها ، وأتت به قومها وهي تحمله ، قال ابن عباس : وذلك بعد ما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوما .

والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال . ثم قالوا لها : يا أخت هارون قيل : شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة ، وكان اسمه هارون . وقيل : شبهوها برجل فاجر في زمانهم ، اسمه هارون . قاله سعيد بن جبير . وقيل : أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة . وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسبا ; فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع ، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه ، وأغرق فرعون وملأه ، فاعتقد أن هذه هي هذه ، وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في " التفسير " مطولا ، ولله الحمد والمنة . وقد ورد الحديث الصحيح الدال [ ص: 448 ] على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ، ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها . والله أعلم .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، سمعت أبي يذكره عن سماك ، عن علقمة بن وائل ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى نجران فقالوا : أرأيت ما تقرءون : يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا . قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم وكذا رواه مسلم ، والنسائي ، والترمذي ، من حديث عبد الله بن إدريس ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديثه . وفي رواية : ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم وذكر قتادة وغيره ، أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهارون ، حتى قيل : إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير منهم ، ممن يسمى بهارون ، أربعون ألفا . فالله أعلم .

والمقصود أنهم قالوا : يا أخت هارون ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون ، وكان مشهورا بالدين والصلاح والخير ; ولهذا قالوا : ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا أي : لست من بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم ; لا أخوك ولا أمك ولا أبوك ، فاتهموها [ ص: 449 ] بالفاحشة العظمى ، ورموها بالداهية الدهياء ، فذكر ابن جرير في " تاريخه " أنهم اتهموا بها زكريا ، وأرادوا قتله ، ففر منهم فلحقوه وقد انشقت له الشجرة فدخلها ، وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها ، كما قدمنا .

ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار ، فلما ضاق الحال ، وانحصر المجال وامتنع المقال ، عظم التوكل على ذي الجلال ، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال فأشارت إليه أي : خاطبوه وكلموه ; فإن جوابكم عليه ، وما تبغون من الكلام لديه . فعندها قال من كان منهم جبارا شقيا : كيف نكلم من كان في المهد صبيا أي : كيف تحيليننا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب ، وهو مع ذلك رضيع في مهده ، ولا يميز بين محض وزبده ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء ، والتنقص لنا والازدراء ; إذ لا تردين علينا قولا نطقيا ، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا ، فعندها قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا هذا أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم ، فكان أول ما تكلم به أن قال إني عبد الله اعترف لربه تعالى بالعبودية ، وأن الله ربه ، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله ، بل هو عبده ورسوله وابن أمته ، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون ، وقذفوها به ورموها [ ص: 450 ] بسببه بقوله : آتاني الكتاب وجعلني نبيا فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا ، لعنهم الله وقبحهم ، كما قال تعالى : وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما [ النساء : 156 ] . وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا : إنها حملت به من زنا في زمن الحيض ، لعنهم الله . فبرأها الله من ذلك ، وأخبر عنها أنها صديقة ، واتخذ ولدها نبيا مرسلا ، أحد أولي العزم الخمسة الكبار ، ولهذا قال : وجعلني مباركا أين ما كنت وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونزه جنابه عن النقص والعيب ; من اتخاذ الصاحبة والولد ، تعالى وتقدس . وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد ; بالصلاة ، والإحسان إلى الخليقة بالزكاة ، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة ، وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج ، على اختلاف الأصناف ، وقرى الأضياف ، والنفقات على الزوجات ، والأرقاء ، والقرابات ، وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات ، ثم قال : وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا أي : وجعلني برا بوالدتي ، وذلك أنه تأكد حقها عليه ، لتمحض جهتها ، إذ لا والد له سواها ، فسبحان من خلق الخليقة وبرأها ، وأعطى كل نفس هداها . ولم يجعلني جبارا شقيا أي : لست بفظ ولا غليظ ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته . والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا ، عليهما السلام ، ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية ، وبين أمره ووضحه وشرحه ، قال : [ ص: 451 ] ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون كما قال تعالى بعد ذكر قصته ، وما كان من أمره في آل عمران : ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين [ آل عمران : 58 - 63 ] . ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا ، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم ، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة ، هم أشرافهم وساداتهم ، وهم : العاقب ، والسيد ، وأبو حارثة بن علقمة ، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح ، فأنزل الله صدر سورة " آل عمران " في ذلك ، وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله ، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه ، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا ، وامتنعوا عن المباهلة ، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة ، وقال قائلهم ، وهو العاقب عبد المسيح : يا معشر النصارى ، لقد علمتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط ، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول [ ص: 452 ] في صاحبكم ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم . فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألوه أن يضرب عليهم جزية ، وأن يبعث معهم رجلا أمينا ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ، وقد بينا ذلك في تفسير " آل عمران " وسيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبوية من كتابنا هذا ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة .

والمقصود أن الله تعالى لما بين أمر المسيح ، قال لرسوله : ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله ، ولهذا قال : ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي لا يعجزه شيء ولا يكرثه ولا يؤوده ، بل هو القدير الفعال لما يشاء . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ يس : 82 ] . وقوله : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد ، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم ، وأن هذا هو الصراط المستقيم . قال الله تعالى : فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أي : فاختلف أهل ذلك الزمان ، ومن بعدهم فيه ، فمن قائل من اليهود : إنه ولد زنية . واستمروا على كفرهم وعنادهم ، وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا : هو الله . وقال آخرون : هو ابن الله . وقال المؤمنون : [ ص: 453 ] هو عبد الله ورسوله ، وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه . وهؤلاء هم الناجون المثابون ، المؤيدون المنصورون ، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود ، فهم الكافرون الظالمون ، الضالون الجاهلون ، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم ، بقوله : فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم .

قال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، أنبأنا الوليد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عمير بن هانئ ، حدثني جنادة بن أبي أمية ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من شهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق - أدخله الله الجنة على ما كان من العمل قال الوليد : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عمير ، عن جنادة ، وزاد : من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد عن الوليد ، عن ابن جابر به ، ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به=====
منشأ عيسى ابن مريم ، عليهما السلام ، وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى

قد تقدم أنه ولد ببيت لحم ، قريبا من بيت المقدس ، وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر ، وأن مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار ، وهي راكبة على حمار . ليس بينهما وبين الإكاف شيء . وهذا لا يصح ، والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم ، كما ذكرنا ، ومهما عارضه فباطل .

وذكر وهب بن منبه ، أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك ، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى ، فوجدوه في حجر أمه ، والملائكة محدقة به ، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء ، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره ، فسأل الكهنة عن [ ص: 466 ] ذلك فقالوا : هذا لمولد عظيم في الأرض . فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان ، هدية إلى عيسى ، فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم ، فذكروا له ذلك ، فسأل عن ذلك الوقت ، فإذا قد ولد فيه عيسى ابن مريم ببيت المقدس ، واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد ، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ; ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه ، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا ، قيل لها : إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك . فاحتملته ، فذهبت به إلى مصر ، فأقامت بها حتى بلغ عمره ثنتي عشرة سنة ، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره ، فذكر منها ، أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره ، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والضعفاء والمحاويج ، فلم يدر من أخذه ، وعز ذلك على مريم ، عليها السلام ، وشق على الناس وعلى رب المنزل ، وأعياهم أمرها ، فلما رأى عيسى ، عليه السلام ، ذلك ، عمد إلى رجل أعمى ، وآخر مقعد من جملة من هو منقطع إليه ، فقال للأعمى : احمل هذا المقعد وانهض به . فقال : إني لا أستطيع ذلك . فقال : بلى ، كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار . فلما قال ذلك صدقاه فيما قال ، وأتيا بالمال ، فعظم عيسى في أعين الناس وهو صغير جدا .

ومن ذلك ، أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده ، فلما اجتمع الناس وأطعمهم ، ثم أراد أن يسقيهم شرابا ، يعني خمرا ، كما [ ص: 467 ] كانوا يصنعون في ذلك الزمان ، لم يجد في جراره شيئا ، فشق ذلك عليه ، فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها ، فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابا من خيار الشراب ، فتعجب الناس من ذلك جدا ، وعظموه وعرضوا عليه وعلى أمه مالا جزيلا ، فلم يقبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس . والله أعلم .

وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا عثمان بن الساج وغيره ، عن موسى بن وردان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، وعن مكحول ، عن أبي هريرة قال : إن عيسى ابن مريم أول ما أطلق الله لسانه ، بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل ، فمجد الله تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله ، لم يدع شمسا ولا قمرا ولا جبلا ولا نهرا ولا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال : اللهم أنت القريب في علوك ، المتعالي في دنوك ، الرفيع على كل شيء من خلقك ، أنت الذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك ، مستويات طباقا ، أجبن وهن دخان من فرقك ، فأتين طائعات لأمرك ، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك ، وجعلت فيهن نورا على سواد الظلام ، وضياء من ضوء الشمس بالنهار ، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد ، فبعزتك تجلو ضوء ظلمتك ، وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران ، فتباركت اللهم في مفطور سماواتك ، وفيما دحوت من أرضك ، دحوتها على الماء ، فسمكتها [ ص: 468 ] على تيار الموج المتغامر ، فأذللتها إذلال الماء المتطاهر ، فذل لطاعتك صعبها ، واستحيى لأمرك أمرها ، وخضعت لعزتك أمواجها ، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار ، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار ، ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء ، فأطاعت أطوادها وجلمودها ، فتباركت اللهم ، فمن يبلغ بنعته نعتك ؟ أمن يبلغ بصفته صفتك ؟ تنشر السحاب ، وتفك الرقاب وتقضي الحق ، وأنت خير الفاصلين ، لا إله إلا أنت سبحانك ، أمرت أن نستغفرك من كل ذنب ، لا إله إلا أنت سبحانك ، سترت السماوات عن الناس ، لا إله إلا أنت سبحانك ، إنما يخشاك من عبادك الأكياس ، نشهد أنك لست بإله استحدثناك ، ولا رب يبيد ذكره ، ولا كان معك شركاء يقضون معك فندعوهم ونذرك ، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك ، نشهد أنك أحد صمد ، لم تلد ولم تولد ، ولم يكن لك كفوا أحد .

وقال إسحاق بن بشر ، عن جويبر ومقاتل عن الضحاك ، عن ابن عباس : إن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد إذ كلمهم طفلا ، حتى بلغ [ ص: 469 ] ما يبلغ الغلمان ، ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان ، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول ، كانوا يسمونه ابن البغية ، وذلك قوله تعالى : وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما [ النساء : 156 ] . قال : فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب ، فجعل لا يعلمه المعلم شيئا إلا بدره إليه ، فعلمه أبا جاد ، فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ فقال المعلم : لا أدري . فقال عيسى : كيف تعلمني ما لا تدري ؟ فقال المعلم : إذا فعلمني . فقال له عيسى : فقم من مجلسك . فقام فجلس عيسى مجلسه فقال : سلني . فقال المعلم : فما أبو جاد ؟ فقال عيسى : الألف آلاء الله ، الباء بهاء الله ، الجيم بهجة الله وجماله . فعجب المعلم من ذلك ، فكان أول من فسر أبا جاد .

ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك ، فأجابه على كل كلمة كلمه ، بحديث طويل موضوع ، لا يشك فيه ولا يتمارى .

وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن مليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود ، وعن مسعر بن كدام ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد ، وهو مطول لا يفرح به . ثم قال ابن عدي وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد ، لا يرويه غير إسماعيل .

وروى ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، قال : كان عبد الله بن [ ص: 470 ] عمرو يقول : كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان ، فكان يقول لأحدهم : تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم . فيقول : خبأت لك كذا وكذا . فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأت لي . فتقول : وأي شيء خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا . فتقول له : من أخبرك ؟ فيقول : عيسى ابن مريم . فقالوا : والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم . فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم ، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم ، فسمع ضوضاءهم في بيت ، فسأل عنهم ، فقالوا : إنما هؤلاء قردة وخنازير . فقال : اللهم كذلك . فكانوا كذلك . رواه ابن عساكر .

وقال إسحاق بن بشر ، عن جويبر ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من الله ، ففشا ذلك في اليهود ، وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل ، فخافت أمه عليه ، فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر ; فذلك قوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين [ المؤمنون : 50 ] .

وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين ، وهذه صفة غريبة الشكل ; وهي أنها ربوة ، وهو المكان المرتفع من الأرض ، الذي أعلاه مستو يقر عليه ، فمع ارتفاعه ، متسع ، [ ص: 471 ] ومع علوه ، فيه عين من الماء معين ; وهو الجاري السارح على وجه الأرض ، فقيل : المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح . وهو محلة بيت المقدس ولهذا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهو النهر الصغير ، في قول جمهور السلف .

وعن ابن عباس بإسناد جيد ، أنها أنهار دمشق . فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق . وقيل : ذلك بمصر . كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن تلقاه عنهم . والله أعلم . وقيل : هي الرملة .

وقال إسحاق بن بشر : قال لنا إدريس ، عن جده وهب بن منبه ، قال : إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة ، أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا . قال : فقدم عليه يوسف ابن خال أمه ، فحملهما على حمار ، حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل ، وعلمه التوراة ، وأعطاه إحياء الموتى ، وإبراء الأسقام ، والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وتحدث الناس بقدومه ، وفزعوا لما كان يأتي من العجائب ، فجعلوا يعجبون منه ، فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره .
======
بيان شجرة طوبى ما هي

قال عيسى : يا رب ، وما طوبى ؟ قال : غرس شجرة أنا غرستها بيدي فهي للجنان كلها ، أصلها من رضوان ، وماؤها من تسنيم ، وبردها برد الكافور ، وطعمها طعم الزنجبيل ، وريحها ريح المسك ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا . قال عيسى : يا رب ، اسقني منها . قال : حرام على النبيين أن يشربوا منها ، حتى يشرب ذلك النبي ، وحرام على الأمم أن يشربوا منها ، حتى تشرب منها أمة ذلك النبي . قال : يا عيسى ، أرفعك إلي . قال : يا رب ، ولم ترفعني ؟ قال : أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان ; لترى من أمة ذلك النبي العجائب ، ولتعينهم على قتال اللعين الدجال ، أهبطك في وقت صلاة ، ثم لا تصلي بهم ; لأنها أمة مرحومة ، ولا نبي بعد نبيهم .

وقال هشام بن عمار ، عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه ، أن عيسى قال : يا رب ، أنبئني عن هذه الأمة المرحومة . قال : أمة أحمد ، هم علماء حكماء كأنهم أنبياء ، يرضون مني بالقليل من العطاء ، وأرضى منهم باليسير من العمل ، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله ، يا عيسى ، هم أكثر سكان الجنة ; لأنه لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم ، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم . رواه ابن عساكر .

[ ص: 475 ] وروى من طريق عبد بن بديل العقيلي ، عن عبد الله بن عوسجة ، قال : أوحى الله إلى عيسى ابن مريم : أنزلني من نفسك كهمك ، واجعلني ذخرا لك في معادك ، وتقرب إلي بالنوافل أحبك ، ولا تول غيري فأخذلك ، اصبر على البلاء ، وارض بالقضاء ، وكن لمسرتي فيك ، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى ، وكن مني قريبا ، وأحي ذكري بلسانك ، ولتكن مودتي في صدرك ، تيقظ من ساعات الغفلة ، واحكم لي لطيف الفطنة ، وكن لي راغبا راهبا ، وأمت قلبك من الخشية لي ، وراع الليل لحق مسرتي ، وأظم نهارك ليوم الري عندي ، نافس في الخيرات جهدك وأعرف بالخير حيث توجهت وقم في الخلائق بنصيحتي ، واحكم في عبادي بعدلي ، فقد أنزلت عليك شفاء وساوس الصدور من مرض النسيان ، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال ، ولا تكن حلسا كأنك مقبوض وأنت حي تنفس ، يا عيسى ابن مريم ، ما آمنت بي خليقة إلا خشعت ، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي ، فأشهدك أنها آمنة من عقابي ، ما لم تغير أو تبدل سنتي ، يا عيسى ابن مريم البكر البتول ، ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلا الدنيا ، وترك اللذات لأهلها ، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه ، وكن في ذلك تلين الكلام ، وتفشي السلام ، وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار ، حذار ما هو آت من أمر المعاد ، وزلازل شدائد الأهوال ، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال ، واكحل عينك بملمول الحزن [ ص: 476 ] إذا ضحك البطالون ، وكن في ذلك صابرا محتسبا ، فطوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين ، رج من الدنيا بالله : يوم بيوم ، وذق مذاقة ما قد هرب منك أين طعمه ، وما لم يأتك كيف لذته ، فرج من الدنيا بالبلغة ، وليكفك منها الخشن الجشيب ، قد رأيت إلى ما تصير ، اعمل على حساب فإنك مسئول ، لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ، ذاب قلبك وزهقت نفسك .

وقال أبو داود في كتاب " القدر " : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، وعن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : لقي عيسى ابن مريم إبليس ، فقال : أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك ؟ قال إبليس : فارق بذروة هذا الجبل ، فترد منه فانظر تعيش أم لا ؟ فقال ابن طاوس ، عن أبيه : فقال عيسى : أما علمت أن الله قال : لا يجربني عبدي ، فإني أفعل ما شئت . وقال الزهري : إن العبد لا يبتلي ربه ، ولكن الله يبتلي عبده .

قال أبو داود : حدثنا أحمد بن عبدة ، أنبأنا سفيان ، عن عمرو ، عن طاوس قال : أتى الشيطان عيسى ابن مريم ، فقال : أليس تزعم أنك صادق ؟ فأت هذه فألق نفسك . قال : ويلك! أليس قال : يا ابن آدم ، لا تسألني هلاك نفسك ، فإني أفعل ما أشاء .

[ ص: 477 ] وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا حسين بن طلحة ، سمعت خالد بن يزيد ، قال : تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين ، أقام يوما على شفير جبل ، فقال الشيطان : أرأيت إن ألقيت نفسي ، هل يصيبني إلا ما كتب لي ؟ قال : إني لست بالذي أبتلي ربي ولكن ربي إذا شاء ابتلاني . وعرف أنه الشيطان ، ففارقه .

وقال أبو بكر ابن أبي الدنيا : حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا علي بن ثابت ، عن الخطاب بن القاسم ، عن أبي عثمان ، قال : كان عيسى ، عليه السلام ، يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال : أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر ؟ قال : نعم . قال : ألق نفسك من هذا الجبل وقل : قدر علي . فقال : يا لعين ، الله يختبر العباد ، وليس العباد يختبرون الله ، عز وجل . وقال أيضا : حدثنا الفضل بن موسى البصري ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، سمعت سفيان بن عيينة يقول : لقي عيسى ابن مريم إبليس ، فقال له إبليس : يا عيسى ابن مريم ، أنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبيا ، ولم يتكلم فيه أحد قبلك . قال : بل الربوبية للإله الذي أنطقني ، ثم يميتني ، ثم يحييني . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى . قال : بل الربوبية لله الذي يحيي ويميت من أحييت ثم يحييه . قال : والله إنك [ ص: 478 ] لإله في السماء وإله في الأرض . قال : فصكه جبريل صكة بجناحه فما تناهى دون قرون الشمس ، ثم صكه أخرى بجناحه فما تناهى دون العين الحامية ، ثم صكه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه - وفي رواية : فأسلكه - فيها حتى وجد طعم الحمأة ، فخرج منها وهو يقول : ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا ابن مريم .

وقد روي نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر ; فقال الحافظ أبو بكر الخطيب : أخبرني أبو الحسن بن رزقويه ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن سندي ، حدثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان ، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار ، أنبأنا علي بن عاصم ، حدثني أبو سلمة سويد ، عن بعض أصحابه ، قال : صلى عيسى ببيت المقدس فانصرف ، فلما كان ببعض العقبة ، عرض له إبليس فاحتبسه ، فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له : إنه لا ينبغي لك أن تكون عبدا . فأكثر عليه ، وجعل عيسى يحرص على أن يتخلص منه ، فجعل لا يتخلص منه ، فقال له فيما يقول : لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبدا . قال : فاستغاث عيسى بربه ، فأقبل جبريل وميكائيل ، فلما رآهما إبليس كف ، فلما استقرا معه على العقبة ، اكتنفا عيسى ، وضرب جبريل إبليس بجناحه ، فقذفه في بطن الوادي . قال : فعاد إبليس معه ، وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك ، فقال لعيسى : قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبدا ، إن غضبك ليس [ ص: 479 ] بغضب عبد ، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت ، ولكن أدعوك إلى أمر هو لك ; آمر الشياطين فليطيعوك ، فإذا رأى البشر أن الشياطين أطاعوك ، عبدوك ، أما إني لا أقول أن تكون إلها ليس معه إله ، ولكن الله يكون إلها في السماء ، وتكون أنت إلها في الأرض . فلما سمع عيسى ذلك منه ، استغاث بربه وصرخ صرخة شديدة ، فإذا إسرافيل قد هبط ، فنظر إليه جبريل وميكائيل ، فكف إبليس ، فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه ، فصك به عين الشمس ، ثم ضربه ضربة أخرى ، فأقبل إبليس يهوي ، ومر بعيسى وهو بمكانه ، فقال : يا عيسى ، لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا . فرمى به في عين الشمس ، فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية . قال : فغطوه ، فجعل كلما خرج غطوه في تلك الحمأة . قال : والله ما عاد إليه بعد .

قال : وحدثنا إسماعيل العطار ، حدثنا أبو حذيفة ، قال : واجتمع إليه شياطينه ، فقالوا : سيدنا ، قد لقيت تعبا . قال : إن هذا عبد معصوم ، ليس لي عليه من سبيل ، وسأضل به بشرا كثيرا ، وأبث فيهم أهواء مختلفة ، وأجعلهم شيعا ، ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله . قال : وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى ، فقال : ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس يعني : إذ قويتك بروح القدس 72 ، يعني جبريل تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب [ ص: 480 ] يعني الإنجيل والتوراة والحكمة ، وإذ كففت بني إسرائيل عنك [ المائدة : 110 ] . وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم ، وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا إلى الجنة ، فذلك - فاعلم - خلقان عظيمان ، من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي ، وسيقول لك بنو إسرائيل : صمنا فلم يتقبل صيامنا ، وصلينا فلم يقبل صلاتنا ، وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا ، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاءنا . فقل لهم : ولم ذلك ؟ وما الذي يمنعني ، أن ذات يدي قلت ؟! أوليس خزائن السماوات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء ، أو أن البخل يعتريني ؟ أولست أجود من سئل وأوسع من أعطى ؟ أو أن رحمتي ضاقت ؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي ، ولولا أن هؤلاء القوم ، يا عيسى ابن مريم ، عدوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثرة على الآخرة ، لعرفوا من أين أتوا ، وإذا لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم ، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام ؟! وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني ويستحلون محارمي ؟! وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها ، فيأخذونها من غير حلها ؟! يا عيسى ، إنما أجزي عليها أهلها ، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء ، ازددت عليهم غضبا ، يا عيسى ، وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي ، أن أجعلهم جيرانك في الدار ، ورفقاءك في المنازل ، وشركاءك في الكرامة ، [ ص: 481 ] وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض ، أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار ، وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض ، أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد وأختم به الأنبياء والرسل ، ومولده بمكة ، ومهاجره بطيبة ، وملكه بالشام ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال بالخنا ، أسدده لكل أمر جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، أجعل التقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والوفاء طبيعته ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والإسلام ملته ، واسمه أحمد ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأغني به بعد العائلة ، وأرفع به بعد الضعة ، أهدي به ، وأفتح به بين آذان صم ، وقلوب غلف ، وأهواء مختلفة متفرقة ، أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ; إخلاصا لاسمي وتصديقا لما جاءت به الرسل ، ألهمهم التسبيح والتهليل والتقديس في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم ، يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجدا ، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا ، قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، وقربانهم في بطونهم ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ، ذلك فضلي أوتيه من أشاء ، وأنا ذو الفضل العظيم .

[ ص: 482 ] وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق ، بما سنورده من سورتي " المائدة " و " الصف " ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة . وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده ، عن كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وابن عباس ، وسلمان الفارسي - دخل حديث بعضهم في بعض - قالوا : لما بعث عيسى ابن مريم وجاءهم بالبينات ، جعل الكافرون والمنافقون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزئون به فيقولون : ما أكل فلان البارحة ، وما ادخر في بيته ؟ فيخبرهم ، فيزداد المؤمنون إيمانا ، والكافرون والمنافقون شكا وكفرانا ، وكان عيسى ، مع ذلك ، ليس له منزل يأوي إليه ، إنما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يعرف به ، فكان أول ما أحيا من الموتى ، أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي ، فقال لها : ما لك أيتها المرأة ؟ فقالت : ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها ، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت ، أو يحييها الله لي فأنظر إليها . فقال لها عيسى : أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت ؟ قالت : نعم . قالوا : فصلى ركعتين ، ثم جاء فجلس عند القبر ، فنادى : يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي . قال : فتحرك القبر ، ثم نادى الثانية ، فانصدع القبر بإذن الله ، ثم نادى الثالثة ، فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب ، فقال لها عيسى : ما بطأ بك عني ؟ فقالت : لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكا فركب خلقي ، ثم جاءتني الصيحة الثانية ، فرجع إلي روحي ، ثم جاءتني [ ص: 483 ] الصيحة الثالثة ، فخفت أنها صيحة القيامة ، فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني ; من مخافة القيامة . ثم أقبلت على أمها فقالت : يا أمتاه ، ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين ؟ يا أمتاه ، اصبري واحتسبي ، فلا حاجة لي في الدنيا ، يا روح الله وكلمته ، سل ربي أن يردني إلى الآخرة ، وأن يهون علي كرب الموت . فدعا ربه فقبضها إليه ، واستوت عليها الأرض ، فبلغ ذلك اليهود ، فازدادوا عليه غضبا .

وقدمنا في قصة نوح ، أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح ، فدعا الله ، عز وجل ، وصلى له ، فأحياه الله لهم ، فحدثهم عن السفينة وأمرها ، ثم دعا فعاد ترابا .

وقد روى السدي ، عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عباس ، في خبر ذكره ، وفيه أن ملكا من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره ، فجاء عيسى ، عليه السلام ، فدعا الله ، عز وجل ، فأحياه الله عز وجل ، فرأى الناس أمرا هائلا ومنظرا عجيبا .

قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون [ المائدة : 110 ، 111 ] . [ ص: 484 ] يذكره تعالى بنعمته عليه ، وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب ، بل من أم بلا ذكر ، وجعله له آية للناس ، ودلالة على كمال قدرته تعالى ، ثم إرساله بعد هذا كله وعلى والدتك في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة ، وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون ; ولهذا قال : إذ أيدتك بروح القدس وهو جبريل ، بإلقاء روحه إلى أمه ، وقرنه معه في حال رسالته ، ومدافعته عنه لمن كفر به تكلم الناس في المهد وكهلا أي : تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك ، وفي كهولتك وإذ علمتك الكتاب والحكمة أي الخط والفهم . نص عليه بعض السلف والتوراة والإنجيل وقوله وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني أي : تصوره وتشكله من الطين على هيئته ، عن أمر الله له بذلك فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني أي : بأمري . يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك ; لرفع التوهم . وقوله : وتبرئ الأكمه قال بعض السلف : وهو الذي يولد أعمى ، ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته والأبرص وهو الذي لا طب فيه ، بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا وإذ تخرج الموتى أي من قبورهم أحياء بإذني . وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة [ ص: 485 ] مما فيه كفاية . وقوله : وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه ، وأنقذه من بين أظهرهم ; صيانة لجنابه الكريم عن الأذى ، وسلامة له من الردى . وقوله : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون قيل : المراد بهذا الوحي وحي إلهام . أي أرشدهم الله إليه ، ودلهم عليه ، كما قال : وأوحى ربك إلى النحل [ النحل : 68 ] . وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم [ القصص : 7 ] . وقيل : المراد وحي بواسطة الرسول ، وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق ; ولهذا استجابوا قائلين : آمنا واشهد بأننا مسلمون .

وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ; أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى لعبده محمد صلى الله عليه وسلم : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم [ الأنفال : 62 ، 63 ] . وقال تعالى : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [ آل عمران : 48 - 54 ] .

[ ص: 486 ] كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان ; فذكروا أن موسى ، عليه السلام ، كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه ، فكانوا سحرة أذكياء ، فبعث بآيات بهرت الأبصار ، وخضعت لها الرقاب ، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه ، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل ، الذي لا يمكن صدوره إلا ممن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له ، أسلموا سراعا ، ولم يتلعثموا ، وهكذا عيسى ابن مريم ، بعث في زمن الطبائعية الحكماء ، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها ، وأنى لحكيم إبراء الأكمه ، الذي هو أسوأ حالا من الأعمى والأبرص والمجذوم ، ومن به مرض مزمن ، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره ، هذا مما يعلم كل أحد أنه معجزة دالة على صدق من قامت به ، وعلى قدرة من أرسله ، وهكذا محمد ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، بعث في زمن [ ص: 487 ] الفصحاء البلغاء ، فأنزل الله عليه القرآن العظيم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة ، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون ، لا في الحال ولا في الاستقبال ، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا ، وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق ، عز وجل ، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .

والمقصود أن عيسى ، عليه السلام ، لما أقام عليهم الحجج والبراهين ، استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم ، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة ، فكانوا له أنصارا وأعوانا ، قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته ، وذلك حين هم به بنو إسرائيل ، ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان ، فعزموا على قتله وصلبه ، فأنقذه الله منهم ، ورفعه إليه من بين أظهرهم ، وألقى شبهه على أحد أصحابه ، فأخذوه فقتلوه وصلبوه ، وهم يعتقدونه عيسى ، وهم في ذلك غالطون ، وللحق مكابرون ، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه ، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون ، كما قال تعالى : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين وقال تعالى : وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون [ الصف : 6 - 9 ] . [ ص: 488 ] إلى أن قال بعد ذلك : يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين [ الصف : 14 ] . فعيسى ، عليه السلام ، هو خاتم أنبياء بني إسرائيل ، وقد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ، ونوه باسمه ، وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه ; إقامة للحجة عليهم ، وإحسانا من الله إليهم ، كما قال تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [ الأعراف : 157 ] .

قال محمد بن إسحاق : حدثني ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : يا رسول الله ، أخبرنا عن نفسك . قال : [ ص: 489 ] دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام وقد روي عن العرباض بن سارية ، وأبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ، وفيه : دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم [ البقرة : 129 ] . الآية . ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى ، قام فيهم خطيبا ، فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم ، وأنها بعده في النبي العربي الأمي ، خاتم الأنبياء على الإطلاق ، أحمد ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ، الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، عليهم السلام . قال الله تعالى : فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين يحتمل عود الضمير إلى عيسى ، عليه السلام ، ويحتمل عوده إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله ، ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة ، فقال : يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله أي : من يساعدني في الدعوة إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله وكان ذلك في قرية يقال لها : الناصرة . فسموا النصارى بذلك . قال الله تعالى : فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة يعني ، لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى ، منهم من آمن ومنهم من كفر ، [ ص: 490 ] فكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم ، فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير ، بعث إليهم رسلا ثلاثة ، أحدهم شمعون الصفا ، فآمنوا واستجابوا ، وليس هؤلاء هم المذكورين في سورة " يس " لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية ، وكفر آخرون من بني إسرائيل ، وهم جمهور اليهود ، فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد ، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم ، كما قال تعالى : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة [ آل عمران : 55 ] . الآية . فكل من كان إليه أقرب ، كان غالبا لمن دونه ، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه ، من أنه عبد الله ورسوله ، كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه وأطروه ، وأنزلوه فوق ما أنزله الله به ، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود فيه ، عليهم لعائن الله ، كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإسلام وأهله . والله تعالى أعلم .
============

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق