بسم الله الرحمن الرحيم سنة ست من الهجرة
النبوية= غزوة ذي قرد =غزوة الحديبية = عمرة رسول الله == فيما وقع من
الحوادث فى السنة السادسة ======بسم الله الرحمن الرحيم سنة ست من الهجرة
النبوية
قال البيهقي : يقال : في المحرم منها كانت سرية محمد بن
مسلمة قبل نجد ، وأسروا فيها ثمامة بن أثال اليمامي . قلت : لكن في سياق
ابن إسحاق ، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه شهد ذلك ، وهو إنما هاجر بعد
خيبر فتؤخر إلى ما بعدها . والله أعلم .
وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بني لحيان ، على الصحيح .
قال
ابن إسحاق : وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجة . وولي تلك
الحجة المشركون . يعني في سنة خمس كما تقدم . قال : ثم أقام رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفر وشهري ربيع ، وخرج في
جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب
الرجيع خبيب وأصحابه ، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة . [ ص: 163
]
قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم والمقصود أنه
عليه السلام ، لما انتهى إلى منازلهم هربوا من بين يديه ، فتحصنوا في رءوس
الجبال فمال إلى عسفان فلقي بها جمعا من المشركين ، وصلى بها صلاة الخوف .
وقد تقدم ذكر هذه الغزوة في سنة أربع ، وهنالك ذكرها البيهقي ، والأشبه ما
ذكره ابن إسحاق أنها كانت بعد الخندق ، وقد ثبت أنه صلى بعسفان يوم بني
لحيان ، فلتكتب هاهنا ، وتحول من هناك اتباعا لإمام أصحاب المغازي في زمانه
وبعده ، كما قال الشافعي رحمه الله : من أراد المغازي فهو عيال على محمد
بن إسحاق . وقد قال كعب بن مالك في غزوة بني لحيان :
لو ان بني لحيان كانوا تناظروا لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق لقوا سرعانا يملأ السرب روعه
أمام طحون كالمجرة فيلق [ ص: 164 ] ولكنهم كانوا وبارا تتبعت
شعاب حجار غير ذي متنفق
ثم
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلم يقم بها إلا ليالي قلائل ،
حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، في خيل من غطفان على
لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بالغابة ، وفيها رجل من بني غفار ومعه
امرأته ، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح .
قال ابن إسحاق :
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ومن لا أتهم ، عن عبد
الله بن كعب بن مالك - كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث - أنه كان أول
من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي ، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه
ونبله ، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده ، حتى إذا علا
ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم ، فأشرف في ناحية سلع ، ثم صرخ : واصباحاه .
ثم خرج يشتد [ ص: 166 ] في آثار القوم ، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم ،
فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى :
خذها وانا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم ، فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال :
خذها وانا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع
قال
: فيقول قائلهم : أويكعنا هو أول النهار . قال : وبلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم صياح ابن الأكوع ، فصرخ بالمدينة : " الفزع الفزع " . فترامت
الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أول من انتهى إليه من
الفرسانالمقداد بن الأسود ، ثم عباد بن بشر ، وسعد بن زيد ، وأسيد بن ظهير -
يشك فيه - وعكاشة بن محصن ، ومحرز بن نضلة ، أخو بني أسد بن خزيمة ، وأبو [
ص: 167 ] قتادة الحارث بن ربعي ، أخو بني سلمة ، وأبو عياش عبيد بن زيد بن
صامت ، أخو بني زريق ، قال : فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ، ثم قال : " اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في
الناس " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عياش فيما بلغني عن رجال من
بني زريق : " يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق
بالقوم " . قال أبو عياش : فقلت : يا رسول الله ، أنا أفرس الناس . ثم ضربت
الفرس ، فوالله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني ، فعجبت من ذلك ، فزعم
رجال من بني زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبي عياش معاذ
بن ماعص ، أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة ، وكان ثامنا . قال : وبعض الناس
يعد سلمة بن الأكوع ثامنا ، ويطرح أسيد بن ظهير ، فالله أعلم أي ذلك كان ،
قال : ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسا ، وقد كان أول من لحق بالقوم
على رجليه . قال : فخرج الفرسان حتى تلاحقوا ، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة
أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة ، وكان يقال له الأخرم . ويقال له :
قمير . وكانت الفرس التي تحته لمحمود بن مسلمة - وكان يقال للفرس : ذو
اللمة - فلما انتهى إلى العدو قال لهم : قفوا معشر بني اللكيعة حتى يلحق
بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار . قال : فحمل [ ص: 168 ]
عليه رجل منهم فقتله ، وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية من بني
عبد الأشهل ، أي رجع إلى مربطه الذي كان فيه بالمدينة .
قال ابن
إسحاق : ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره . قال ابن هشام : وقد ذكر غير
واحد من أهل العلم أنه قد قتل معه أيضا وقاص بن مجزز المدلجي .
قال
ابن إسحاق : وحدثني بعض من لا أتهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن
محرزا كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال لها : الجناح . فقتل محرز واستلبت
الجناح . فالله أعلم .
قال : ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب
بن عيينة وغشاه برده ، ثم لحق بالناس ، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
في المسلمين - قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم - فإذا
حبيب مسجى ببرد أبي قتادة ، فاسترجع الناس ، وقالوا : قتل أبو قتادة . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس بأبي قتادة ، ولكنه قتيل لأبي قتادة
، ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه " . قال : وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا
وابنه عمرو بن أوبار ، وهما على بعير واحد ، فانتظمهما بالرمح فقتلهما
جميعا واستنقذوا بعض اللقاح . قال : وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
نزل بالجبل من ذي قرد ، وتلاحق به الناس ، فأقام عليه يوما وليلة ، وقال [
ص: 169 ] له سلمة بن الأكوع : يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل
لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم . فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم - فيما بلغني - : إنهم الآن ليغبقون في غطفان " فقسم رسول الله صلى
الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة رجل جزورا ، وأقاموا عليه ، ثم رجع
قافلا حتى قدم المدينة . قال : وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل النبي
صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه المدينة فأخبرته الخبر . فلما فرغت قالت
: يا رسول الله ، إني قد نذرت الله أن أنحرها إن نجاني الله عليها . قال :
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " بئس ما جزيتها أن حملك
الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها ، إنه لا نذر في معصية الله ، ولا فيما
لا تملكين ، إنما هي ناقة من إبلي ، فارجعي إلى أهلك على بركة الله قال ابن
إسحاق : والحديث في ذلك عن أبي الزبير المكي ، عن الحسن البصري هكذا أورد
ابن إسحاق هذه القصة بما ذكره من الإسناد والسياق .
وقد قال البخاري
، رحمه الله ، بعد قصة الحديبية وقبل خيبر : غزوة ذي قرد ، وهي الغزوة
التي أغاروا على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم قبل خيبر بثلاث ، حدثنا
قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عبيد ، سمعت سلمة بن الأكوع
يقول : خرجت قبل أن يؤذن بالأولى ، وكانت لقاح النبي صلى الله عليه وسلم
ترعى بذي قرد . قال : فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال : أخذت لقاح
النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : من أخذها ؟ قال : غطفان . قال : فصرخت
ثلاث صرخات : يا [ ص: 170 ] صباحاه . قال : فأسمعت ما بين لابتي المدينة ،
ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء ، فجعلت أرميهم
بنبلي - وكنت راميا - وأقول : أنا ابن الأكوع ، اليوم يوم الرضع . وأرتجز
حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة . قال : وجاء النبي صلى
الله عليه وسلم والناس فقلت : يا رسول الله ، قد حميت القوم الماء ، وهم
عطاش ، فابعث إليهم الساعة . فقال : " يا ابن الأكوع ، ملكت فأسجح " . ثم
رجعنا ، ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى قدمنا المدينة
. وهكذا رواه مسلم ، عن قتيبة ، به ، ورواه البخاري ، عن أبي عاصم النبيل ،
عن يزيد بن أبي عبيد ، عن مولاه سلمة ، بنحوه .
وقال الإمام أحمد :
حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثني إياس بن سلمة بن
الأكوع ، عن أبيه قال : قدمنا المدينة زمن الحديبية مع [ ص: 171 ] رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت أنا ورباح غلام النبي صلى الله عليه وسلم
بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله ، كنت
أريد أن أنديه مع الإبل ، فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في
خيل ، فقلت : يا رباح ، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة ، وأخبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه . قال : وقمت على تل فجعلت وجهي
من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات : يا صباحاه . قال : ثم اتبعت القوم معي
سيفي ونبلي ، فجعلت أرميهم وأعقر بهم ، وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي
فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به ، فجعلت
أرميهم ، وأنا أقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع . قال : فألحق برجل
منهم فأرميه ، وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه ، فقلت :
خذها وانا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
فإذا
كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل ، فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل [ ص: 172 ]
فرديتهم بالحجارة ، فما زال ذاك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق
الله شيئا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري ،
فاستنقذته من أيديهم ، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا ،
وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه
حجارة ، وجمعت على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا امتد الضحى
أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم ، وهم في ثنية ضيقة ، ثم علوت الجبل ،
فأنا فوقهم ، فقال عيينة : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البرح ،
ما فارقنا بسحر حتى الآن ، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره فقال
عيينة : لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ، ليقم إليه نفر منكم .
فقام إليه نفر منهم أربعة ، فصعدوا في الجبل ، فلما أسمعتهم الصوت قلت :
أتعرفونني ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد
لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني . فقال رجل منهم : إن أظن .
قال : فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتخللون الشجر ، وإذا أولهم الأخرم الأسدي ، وعلى أثره أبو قتادة فارس
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى أثر أبي قتادة المقداد بن الأسود
الكندي ، فولى المشركون [ ص: 173 ] مدبرين ، وأنزل من الجبل فآخذ عنان فرسه
، فقلت : يا أخرم انذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك ،
فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال : يا سلمة ، إن
كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني
وبين الشهادة . قال : فخليت عنان فرسه ، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ،
ويعطف عليه عبد الرحمن ، فاختلفا طعنتين ، فعقر الأخرم بعبد الرحمن ، وطعنه
عبد الرحمن فقتله ، فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ، فيلحق أبو قتادة
بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة ، وقتله أبو قتادة ، وتحول أبو
قتادة على فرس الأخرم ، ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار
صحابة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب
فيه ماء يقال له : ذو قرد . فأرادوا أن يشربوا منه ، فأبصروني أعدو وراءهم
فعطفوا عنه ، واشتدوا في الثنية ثنية ذي بئر ، وغربت الشمس ، وألحق رجلا
فأرميه فقلت :
خذها وانا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
قال
: فقال : يا ثكل أم أكوع بكرة . فقلت : نعم ، أي عدو نفسه . وكان الذي
رميته بكرة وأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ، ويخلفون فرسين [ ص: 174 ]
فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي
أجليتهم عنه - ذو قرد - وإذا بنبي الله صلى الله عليه وسلم في خمسمائة ،
وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت ، فهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
من كبدها وسنامها ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول
الله ، خلني فأنتخب من أصحابك مائة ، فآخذ على الكفار بالعشوة ، فلا يبقى
منهم مخبر إلا قتلته . فقال : " أكنت فاعلا ذلك يا سلمة ؟ " . قال : قلت :
نعم والذي أكرمك . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه في
ضوء النار ، ثم قال : " إنهم يقرون الآن بأرض غطفان " . فجاء رجل من غطفان
فقال : مروا على فلان الغطفاني ، فنحر لهم جزورا ، فلما أخذوا يكشطون جلدها
رأوا غبرة ، فتركوها وخرجوا هرابا ، فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : " خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة " .
فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل جميعا ، ثم
أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة فلما كان بيننا وبينها قريب
من ضحوة ، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي : هل من مسابق ؟
ألا رجل يسابق إلى المدينة ؟ فأعاد ذلك مرارا ، وأنا وراء رسول الله صلى
الله عليه وسلم مردفي ، فقلت له : أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا ؟ قال :
لا ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : قلت : يا رسول الله ، بأبي
أنت وأمي ، خلني فلأسابق الرجل . قال : [ ص: 175 ] " إن شئت " قلت : اذهب
إليك . فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ، ثم إني ربطت عليه شرفا
أو شرفين ، يعني استبقيت من نفسي ، ثم إني عدوت حتى ألحقه ، فأصك بين
كتفيه بيدي ، قلت : سبقتك والله . أو كلمة نحوها . قال : فضحك وقال : إن
أظن . حتى قدمنا المدينة . وهكذا رواه مسلم ، من طرق ، عن عكرمة بن عمار ،
بنحوه ، وعنده : سبقته إلى المدينة ، فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى
خيبر . ولأحمد هذا السياق .
ذكر البخاري والبيهقي هذه الغزوة بعد
الحديبية وقبل خيبر ، وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق والله أعلم . فينبغي
تأخيرها إلى أوائل سنة سبع من الهجرة ، فإن خيبر كانت في صفر منها .
وأما
قصة المرأة التي نجت على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ونذرت نحرها
لنجاتها عليها ، فقد أوردها ابن إسحاق بروايته ، عن أبي الزبير ، عن الحسن
البصري مرسلا . وقد جاء متصلا من وجوه أخر .
وقال الإمام أحمد :
حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي
المهلب ، عن عمران بن حصين قال : كانت العضباء [ ص: 176 ] لرجل من بني عقيل
، وكانت من سوابق الحاج فأسر الرجل ، فأخذت العضباء معه . قال : فمر به
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
على حمار عليه قطيفة فقال : يا محمد ، علام تأخذوني وتأخذون سابقة الحاج ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف " . قال :
وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وقال فيما
قال : وإني مسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قلتها وأنت
تملك أمرك ، أفلحت كل الفلاح " . قال : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : يا محمد ، إني جائع فأطعمني وإني ظمآن فاسقني ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : " هذه حاجتك " . ثم فدي بالرجلين ، وحبس رسول الله صلى
الله عليه وسلم العضباء لرحله . قال : ثم إن المشركين أغاروا على سرح
المدينة ، فذهبوا به ، وكانت العضباء فيه ، قال : وأسروا امرأة من المسلمين
. قال : وكانوا إذا نزلوا أراحوا إبلهم بأفنيتهم . قال : فقامت المرأة ذات
ليلة بعد ما نوموا ، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء ،
فأتت على ناقة ذلول مجرسة فركبتها ، ثم وجهتها قبل المدينة . قال : ونذرت
إن الله أنجاها عليها لتنحرنها ، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة ، فقيل :
ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وأخبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بنذرها أو أتته فأخبرته فقال : " بئس ما جزيتها " . أو : " بئس ما
جزتها أن أنجاها الله عليها لتنحرنها " . قال : ثم قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : " لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا [ ص: 177 ] فيما لا يملك
ابن آدم " ورواه مسلم ، عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد ، به .
قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الأشعار في غزوة ذي قرد قول حسان بن ثابت ، رضي الله عنه :
لولا الذي لاقت ومس نسورها بجنوب ساية أمس في التقواد
للقينكم يحملن كل مدجج حامي الحقيقة ماجد الأجداد
ولسر أولاد اللقيطة أننا سلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية وكانوا جحفلا لجبا فشكوا بالرماح بداد
كنا من القوم الذين يلونهم ويقدمون عنان كل جواد
كلا ورب الراقصات إلى منى يقطعن عرض مخارم الأطواد [ ص: 178 ]
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم ونئوب بالملكات والأولاد
رهوا بكل مقلص وطمرة في كل معترك عطفن وواد
أفنى دوابرها ولاح متونها يوم تقاد به ويوم طراد
فكذاك إن جيادنا ملبونة والحرب مشعلة بريح غواد
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلي جنن الحديد وهامة المرتاد
أخذ الإله عليهم لحرامه ولعزة الرحمن بالأسداد
كانوا بدار ناعمين فبدلوا أيام ذي قرد وجوه عناد
قال
ابن إسحاق : فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس [ ص: 179 ] المتقدمين أمام
رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسان ، وحلف لا يكلمه أبدا ، وقال :
انطلق إلى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد . فاعتذر إليه حسان بأنه وافق الروي
اسم المقداد ، ثم قال أبياتا يمدح بها سعد بن زيد :
إذا أردتم الأشد الجلدا أو ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهد هدا
قال : فلم تقع منه بموقع . وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد :
أظن عيينة إذ زارها بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته وقلتم سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتها وآنست للأسد فيها زئيرا
وولوا سراعا كشد النعام ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول المليك أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول نصدق ما جاءه ويتلو كتابا مضيئا منيرا
وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد ، يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين : [ ص: 180 ]
أيحسب أولاد اللقيطة أننا على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ولا ننثني عند الرماح المداعس
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس
نرد كماة المعلمين إذا انتخوا بضرب يسلي نخوة المتقاعس
بكل فتى حامي الحقيقة ماجد كريم كسرحان الغضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وتلادهم ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم بما فعل الإخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ولا تكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا
زللنا عن مخالب خادر به وحر في الصدر ما لم
يمارس
=======================
وقد كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف . وممن
نص على ذلك الزهري ، ونافع مولى ابن عمر ، وقتادة ، وموسى بن عقبة ، ومحمد
بن إسحاق بن يسار ، وغيرهم ، وهو الذي رواه ابن لهيعة ، ، عن أبي الأسود ،
عن عروة أنها كانت في ذي القعدة سنة ست .
وقال يعقوب بن سفيان :
حدثنا إسماعيل بن الخليل ، عن علي بن مسهر ، أخبرني هشام بن عروة ، عن أبيه
قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان ، وكانت
الحديبية في شوال . وهذا غريب جدا عن عروة .
وقد روى البخاري ومسلم
جميعا ، عن هدبة ، عن همام ، عن قتادة أن أنس بن مالك أخبره أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن ، في ذي القعدة ، إلا العمرة التي
مع حجته ؛ عمرة من الحديبية في ذي القعدة ، وعمرة من العام المقبل في ذي
القعدة ، وعمرة من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته
. وهذا لفظ البخاري . [ ص: 207 ]
وقال ابن إسحاق : ثم أقام رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة رمضان وشوالا ، وخرج في ذي القعدة معتمرا
لا يريد حربا . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله
الليثي . قال ابن إسحاق : واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من
الأعراب ليخرجوا معه ، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا ، أن يعرضوا له بحرب ،
أو يصدوه عن البيت ، فأبطأ عليه كثير من الأعراب ، وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ، ومن لحق به من العرب ، وساق
معه الهدي ، وأحرم بالعمرة ؛ ليأمن الناس من حربه ، وليعلم الناس أنه إنما
خرج زائرا لهذا البيت ، ومعظما له .
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن
مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان
بن الحكم ، أنهما حدثاه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام
الحديبية ، يريد زيارة البيت لا يريد قتالا ، وساق معه الهدي سبعين بدنة ،
وكان الناس سبعمائة رجل ، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر ، وكان جابر بن عبد
الله فيما بلغني يقول : كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة .
قال
الزهري : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر
[ ص: 208 ] بن سفيان الكعبي فقال : يا رسول الله ، هذه قريش قد سمعت
بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، وقد نزلوا
بذي طوى ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا ، وهذا خالد بن الوليد في
خيلهم ، قد قدموها إلى كراع الغميم . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : يا ويح قريش ! لقد أكلتهم الحرب! ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر
العرب ؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم
دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ؟
فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه
السالفة . ثم قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا من أسلم قال : أنا يا
رسول الله . قال : فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب ، فلما خرجوا منه ،
وقد شق ذلك على المسلمين ، فأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي ، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا : نستغفر الله ونتوب إليه " .
فقالوا [ ص: 209 ] ذلك ، فقال : " والله إنها للحطة التي عرضت على بني
إسرائيل ، فلم يقولوها " .
قال ابن شهاب : فأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم الناس فقال : " اسلكوا ذات اليمين " . بين ظهري الحمض في طريق
تخرجه على ثنية المرار ، مهبط الحديبية من أسفل مكة . قال : فسلك الجيش ذلك
الطريق ، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، ركضوا
راجعين إلى قريش ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا سلك في
ثنية المرار بركت ناقته ، فقال الناس : خلأت . فقال : " ما خلأت ، وما هو
لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة
يسألونني فيها صلة الرحم ، إلا أعطيتهم إياها " . ثم قال للناس : " انزلوا "
. قيل له : يا رسول الله ، ما بالوادي ماء ننزل عليه . فأخرج سهما من
كنانته ، فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل به في قليب من تلك القلب ، فغرزه في
جوفه ، فجاش بالرواء ، حتى ضرب الناس عنه بعطن .
قال ابن إسحاق :
فحدثني بعض أهل العلم ، عن رجال من أسلم ، أن [ ص: 210 ] الذي نزل في
القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب ، سائق بدن رسول
الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن إسحاق : وقد زعم بعض أهل العلم أن
البراء بن عازب كان يقول : أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم . فالله أعلم أي ذلك كان . ثم استدل ابن إسحاق للأول بأن جارية من
الأنصار جاءت البئر ، وناجية في أسفله يميح ، فقالت :
يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا
فأجابها فقال :
قد علمت جارية يمانيه أني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذات رشاش واهيه طعنتها عند صدور العاديه
قال
الزهري في حديثه : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتاه بديل
بن ورقاء ، في رجال من خزاعة ، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به ، فأخبرهم أنه
لم يأت يريد حربا ، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته . ثم قال لهم
نحوا مما قال لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش ،
إنكم تعجلون على محمد ، إن محمدا لم يأت لقتال ، إنما جاء زائرا لهذا البيت
. [ ص: 211 ] فاتهموهم وجبهوهم وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالا ؛
فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا تحدث بذلك عنا العرب . قال الزهري :
وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ مسلمها ومشركها ، لا
يخفون عنه شيئا كان بمكة . قال : ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف ،
أخا بني عامر بن لؤي ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال : "
هذا رجل غادر " . فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه ،
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه ، فرجع
إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعثوا إليه
الحليس بن علقمة ، أو ابن زبان ، وكان يومئذ سيد الأحابيش ، وهو أحد بني
الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إن هذا من قوم يتألهون ، فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه " . فلما رأى
الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، قد أكل أوباره من طول الحبس عن
محله ، رجع إلى قريش ، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إعظاما
لما رأى ، فقال لهم ذلك . قال : فقالوا له : اجلس ، فإنما أنت أعرابي لا
علم لك . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند
ذلك وقال : يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا
عاقدناكم ، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له ؟! والذي نفس الحليس بيده
لتخلن بين محمد وبين ما جاء له ، أو [ ص: 212 ] لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل
واحد . قالوا : مه ، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به .
قال
الزهري في حديثه : ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن
مسعود الثقفي ، فقال : يا معشر قريش ، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه
إلى محمد إذا جاءكم ؛ من التعنيف ، وسوء اللفظ ، وقد عرفتم أنكم والد وأني
ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم ، فجمعت من
أطاعني من قومي ، ثم جئتكم ، حتى آسيتكم بنفسي . قالوا : صدقت ، ما أنت
عندنا بمتهم . فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس بين يديه ،
ثم قال : يا محمد ، أجمعت أوشاب الناس ، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم ،
إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون
الله ، لا تدخلها عليهم عنوة أبدا ، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك
غدا . قال : وأبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، خلف رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال : امصص بظر اللات ، أنحن ننكشف عنه ؟! قال : من هذا يا محمد
؟ قال : " هذا ابن أبي قحافة " . قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي
لكافأتك بها ، ولكن هذه بها . قال : ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو يكلمه . قال : والمغيرة بن شعبة واقف [ ص: 213 ] على رأس
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد . قال : فجعل يقرع يده ، إذا تناول
لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، قبل ألا تصل إليك . قال : فيقول عروة : ويحك ، ما أفظك
وأغلظك! قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عروة : من هذا
يا محمد ؟ قال : " هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة " قال : أي غدر ، وهل
غسلت سوءتك إلا بالأمس ؟! .
قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا ،
أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا ، من بني مالك من ثقيف ، فتهايج
الحيان من ثقيف ؛ بنو مالك رهط المقتولين ، والأحلاف رهط المغيرة ، فودى
عروة المقتولين ثلاث عشرة دية ، وأصلح ذلك الأمر .
قال الزهري :
فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحو مما كلم به أصحابه ، وأخبره أنه
لم يأت يريد حربا ، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد رأى
ما يصنع به أصحابه ، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق بصاقا إلا
ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه ، فرجع إلى قريش فقال : يا معشر
قريش ، إني قد جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، وإني
والله ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيت قوما لا
يسلمونه لشيء أبدا ، فروا رأيكم . [ ص: 214 ]
قال ابن إسحاق :
وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية
الخزاعي ، فبعثه إلى قريش بمكة ، وحمله على بعير له ، يقال له : الثعلب .
ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم
، وأرادوا قتله ، فمنعه الأحابيش ، فخلوا سبيله ، حتى أتى رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض من لا أتهم ، عن عكرمة
، عن ابن عباس أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين ، وأمروهم
أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ليصيبوا لهم من أصحابه
أحدا ، فأخذوا أخذا ، فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعفا عنهم
وخلى سبيلهم ، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالحجارة والنبل ، ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف
قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس
بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي
عليها ، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني ، عثمان بن عفان فدعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش ،
يخبرهم أنه لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته ، فخرج
عثمان إلى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة ، أو قبل أن
يدخلها ، فحمله بين يديه ، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان [ ص: 215 ] وعظماء قريش ، فبلغهم
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به ، فقالوا لعثمان حين بلغ
رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف .
قال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم . واحتبسته
قريش عندها ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل
.
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل : " لا نبرح حتى نناجز القوم "
. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت
الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الموت . وكان جابر بن عبد الله يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يبايعنا على الموت ، ولكن بايعنا على ألا نفر . فبايع رسول الله صلى الله
عليه وسلم الناس ، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها ، إلا الجد بن قيس ،
أخو بني سلمة ، وكان جابر بن عبد الله يقول : والله لكأني أنظر إليه لاصقا
بإبط ناقته ، قد ضبأ إليها ، يستتر من الناس ، ثم أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل .
قال ابن هشام : فذكر
وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله صلى
الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي .
قال ابن هشام :
وحدثني من أثق به ، عمن حدثه بإسناد له ، عن ابن أبي [ ص: 216 ] مليكة ، عن
ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان ، فضرب بإحدى يديه
على الأخرى . وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الإسناد ضعيف ثابت في "
الصحيحين " .
قال ابن إسحاق : قال الزهري : ثم بعثت قريش سهيل بن
عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : ائت
محمدا وصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا
تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدا . فأتاه سهيل بن عمرو ، فلما رآه رسول
الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال : " قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا
الرجل " . فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تكلم فأطال
الكلام وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح ، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا
الكتاب ، وثب عمر فأتى أبا بكر ، فقال : يا أبا بكر ، أليس برسول الله ؟!
قال : بلى . قال : أولسنا بالمسلمين ؟! قال : بلى . قال : أوليسوا
بالمشركين ؟! قال : بلى . قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟! قال أبو بكر
: يا عمر ، الزم غرزه ، فإني أشهد أنه رسول الله . قال عمر : وأنا أشهد
أنه رسول الله . ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ،
ألست برسول الله ؟! قال : " بلى " . قال : أولسنا بالمسلمين ؟! قال : "
بلى " قال : أوليسوا بالمشركين ؟! قال : " بلى " قال : فعلام نعطي الدنية
في ديننا ؟! قال : " أنا [ ص: 217 ] عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن
يضيعني " فكان عمر ، رضي الله عنه ، يقول : ما زلت أصوم ، وأتصدق ، وأصلي ،
وأعتق ، من الذي صنعت يومئذ ؛ مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذ ، حتى رجوت أن
يكون خيرا . قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ،
رضي الله عنه ، فقال : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " . قال : فقال
سهيل : لا أعرف هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهم . قال : فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : " اكتب باسمك اللهم " فكتبها . ثم قال : " اكتب : هذا ما
صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو " . قال : فقال سهيل : لو شهدت أنك
رسول الله لم أقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك . قال : فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : " اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن
عمرو " ؛ اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيهن الناس ، ويكف
بعضهم عن بعض ، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ،
ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه ، وأن بيننا عيبة مكفوفة ، وأنه
لا إسلال ولا إغلال ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن
أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه - فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن في
عقد محمد وعهده . وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم - وأنك
ترجع عامك هذا ، فلا تدخل علينا مكة ، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك ،
فدخلتها بأصحابك ، فأقمت فيها ثلاثا ، معك سلاح [ ص: 218 ] الراكب ؛ السيوف
في القرب ، لا تدخلها بغيرها . قال : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو ، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في
الحديد ، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح ؛ لرؤيا رآها رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع ، وما تحمل
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه ، دخل على الناس من ذلك أمر
عظيم ، حتى كادوا يهلكون ، فلما رأى سهيل أبا جندل ، قام إليه فضرب وجهه ،
وأخذ بتلبيبه ، وقال : يا محمد ، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك
هذا . قال : " صدقت " فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ، يعني ليرده إلى قريش ،
وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين
يفتنونني في ديني ؟ ! فزاد ذلك الناس إلى ما بهم . فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : " يا أبا جندل اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من
المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا ، وأعطيناهم
على ذلك وأعطونا عهد الله ، وإنا لا نغدر بهم " . قال : فوثب عمر بن الخطاب
مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول : اصبر يا أبا جندل ، فإنما هم المشركون ،
وإنما دم أحدهم دم كلب . قال : ويدني قائم السيف منه . قال : يقول عمر :
رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه . قال : فضن الرجل بأبيه ، ونفذت القضية .
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب ، أشهد على الصلح رجالا
من المسلمين ، ورجالا من المشركين ؛ أبو بكر الصديق ، [ ص: 219 ] وعمر بن
الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبي
وقاص ، ومحمود بن مسلمة ، ومكرز بن حفص - وهو يومئذ مشرك - وعلي بن أبي
طالب ، وكتب ، وكان هو كاتب الصحيفة .
وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم مضطربا في الحل ، وكان يصلي في الحرم ، فلما فرغ من الصلح قام إلى
هديه فنحره ، ثم جلس فحلق رأسه ، وكان الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية
بن الفضل الخزاعي ، فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
نحر ، وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد
الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : حلق رجال يوم الحديبية
وقصر آخرون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله المحلقين " .
قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " يرحم الله المحلقين " . قالوا :
والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " يرحم الله المحلقين " . قالوا :
والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " والمقصرين " . قالوا : يا رسول الله ،
فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال : " لم يشكوا " .
وقال
عبد الله بن أبي نجيح : حدثني مجاهد ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أهدى عام الحديبية - في هداياه - جملا لأبي جهل ، في رأسه برة [
ص: 220 ] من فضة ؛ ليغيظ بذلك المشركين . هذا سياق محمد بن إسحاق ، رحمه
الله ، لهذه القصة ، وفي سياق البخاري - كما سيأتي - مخالفة في بعض الأماكن
لهذا السياق ، كما ستراها إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة . ولنوردها
بتمامها ، ونذكر ما في الأحاديث الصحاح والحسان ما فيه شاهد ، في كل موطن
بحسبه ، إن شاء الله تعالى ، وعليه التكلان ، وهو المستعان .
قال
البخاري : حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثنا صالح بن
كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن زيد بن خالد قال : خرجنا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فأصابنا مطر ذات ليلة ، فصلى لنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ، ثم أقبل علينا فقال : " أتدرون ماذا
قال ربكم ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فقال : " قال الله تعالى : أصبح من
عبادي مؤمن بي وكافر بي ؛ فأما من قال : مطرنا برحمة الله ، وبرزق الله ،
وبفضل الله . فهو مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنجم كذا .
فهو مؤمن بالكوكب كافر بي وهكذا رواه في غير موضع من " صحيحه " ومسلم من
طرق . وقد روى عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة . [ ص:
221 ]
وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن
أبي إسحاق ، عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة
فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ، كنا مع النبي صلى الله
عليه وسلم أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ،
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ، ثم دعا بإناء
من ماء ، فتوضأ ثم مضمض ودعا ، ثم صبه فيها ، فتركناها غير بعيد ، ثم إنها
أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا . انفرد به البخاري .
وقال ابن إسحاق : في قوله تعالى : فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ( الفتح : 27 ) . صلح الحديبية
قال
الزهري : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث
التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ، وضعت الحرب أوزارها ، وأمن الناس كلهم
بعضهم بعضا ، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد في
الإسلام - يعقل شيئا - إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان
دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر . قال ابن هشام : والدليل على ما قاله
الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة
رجل في قول جابر ، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف .
وقال
البخاري : حدثنا يوسف بن عيسى ، حدثنا ابن فضيل ، حدثنا [ ص: 222 ] حصين ،
عن سالم عن جابر ، قال : عطش الناس يوم الحديبية ، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم بين يديه ركوة ، فتوضأ منها ، ثم أقبل الناس نحوه ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : " ما لكم ؟ " قالوا : يا رسول الله ، ليس عندنا
ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك . قال : فوضع النبي صلى الله عليه
وسلم يده في الركوة ، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون . قال :
فشربنا وتوضأنا . فقلنا لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : لو كنا مائة ألف
لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة .
وقد رواه البخاري أيضا ، ومسلم من طرق ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر ، به .
وقال
البخاري : حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة
، قلت لسعيد بن المسيب : بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول : كانوا أربع
عشرة مائة . فقال لي سعيد : حدثني جابر : كانوا خمس عشرة مائة ، الذين
بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية . تابعه أبو داود : حدثنا
قرة ، عن قتادة . تفرد به البخاري .
ثم قال البخاري : حدثنا علي بن
عبد الله ، حدثنا سفيان ، قال عمرو : سمعت جابرا ، قال : قال لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أنتم خير أهل [ ص: 223 ] الأرض . وكنا
ألفا وأربعمائة ، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة . وقد رواه
البخاري أيضا ، ومسلم من طرق ، عن سفيان بن عيينة به . وهكذا رواه الليث بن
سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر : ، أن عبدا لحاطب جاء يشكوه فقال : يا
رسول الله ، ليدخلن حاطب النار . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذبت
لا يدخلها ؛ فإنه شهد بدرا والحديبية رواه مسلم .
وعند مسلم أيضا
من طريق ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابرا يقول : أخبرتني أم
مبشر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة : لا يدخل أحد
النار ، إن شاء الله ، من أصحاب الشجرة ، الذين بايعوا تحتها . فقالت حفصة :
بلى يا رسول الله . فانتهرها ، فقالت حفصة : وإن منكم إلا واردها ( مريم :
71 ) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد قال تعالى : ثم ننجي
الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ( مريم : 72 ) .
قال البخاري :
وقال عبيد الله بن معاذ : حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ،
حدثني عبد الله بن أبي أوفى قال : كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة ، وكانت
أسلم ثمن المهاجرين . تابعه محمد بن بشار ، حدثنا [ ص: 224 ] أبو داود ،
حدثنا شعبة . هكذا رواه البخاري معلقا ، عن عبيد الله . وقد رواه مسلم ، عن
عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة ، وعن محمد بن المثنى ، عن أبي
داود ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن النضر بن شميل ، كلاهما عن شعبة ، به .
ثم
قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة
، عن مروان والمسور بن مخرمة قالا : خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام
الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي ،
وأشعر ، وأحرم منها . تفرد به البخاري . وسيأتي هذا السياق بتمامه .
والمقصود
أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب إليه ابن إسحاق ؛ من أن أصحاب
الحديبية كانوا سبعمائة ، وهو ، والله أعلم ، إنما قال ذلك تفقها من تلقاء
نفسه ؛ من حيث إن البدن كن سبعين بدنة ، وكل منها عن عشرة ، على اختياره ،
فيكون المهلون سبعمائة ، ولا يلزم أن يهدي كلهم ، ولا أن يحرم كلهم أيضا ؛
فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طائفة منهم ، فيهم أبو قتادة ،
ولم يحرم أبو قتادة حتى قتل ذلك الحمار الوحشي ، فأكل منه هو وأصحابه ،
وحملوا منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الطريق ، فقال :
أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ قالوا : لا . قال : فكلوا
ما بقي من لحمها . [ ص: 225 ]
وقد قال البخاري : حدثنا سعيد بن
الربيع ، حدثنا علي بن المبارك ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، أن
أباه حدثه قال : انطلقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فأحرم
أصحابه ولم أحرم .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن رافع ، حدثنا
شبابة بن سوار الفزاري ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن
أبيه قال : لقد رأيت الشجرة ، ثم أتيتها بعد فلم أعرفها .
حدثنا
موسى ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا طارق ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبيه أنه
كان ممن بايع تحت الشجرة ، فرجعنا إليها العام المقبل ، فعميت علينا .
وقال
البخاري أيضا : حدثنا محمود ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن طارق بن
عبد الرحمن ، قال : انطلقت حاجا ، فمررت بقوم يصلون ، فقلت : ما هذا المسجد
؟ قالوا : هذه الشجرة ، حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان .
فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته ، فقال سعيد : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع
رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة . قال : فلما كان من العام المقبل
نسيناها فلم نقدر عليها . ثم قال سعيد : إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
لم يعلموها [ ص: 226 ] وعلمتموها أنتم ؟! فأنتم أعلم! . ورواه البخاري
ومسلم من حديث الثوري وأبي عوانة وشبابة ، عن طارق .
وقال البخاري :
حدثنا إسماعيل ، حدثني أخي ، عن سليمان ، عن عمرو بن يحيى ، عن عباد بن
تميم قال : لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة ، فقال
ابن زيد : على ما يبايع ابن حنظلة الناس ؟ قيل له : على الموت . فقال : لا
أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان شهد معه
الحديبية . وقد رواه البخاري أيضا ، ومسلم من طرق ، عن عمرو بن يحيى ، به .
وقال
البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عبيد قال :
قلت لسلمة بن الأكوع : على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
الحديبية ؟ قال : على الموت . ورواه مسلم من حديث يزيد بن أبي عبيد . [ ص:
227 ]
وفي " صحيح مسلم " عن سلمة أنه بايع ثلاث مرات ؛ في أوائل
الناس ووسطهم وأواخرهم . وفي " صحيح مسلم " عن معقل بن يسار أنه كان آخذا
بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس . وكان
أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أبو سنان ، وهو وهب بن
محصن ، أخو عكاشة بن محصن ، وقيل : سنان بن أبي سنان .
وقال البخاري
: حدثني شجاع بن الوليد ، سمع النضر بن محمد ، حدثنا صخر بن الربيع ، عن
نافع قال : إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر ، وليس كذلك ، ولكن
عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له ، عند رجل من الأنصار ، أن يأتي
به ليقاتل عليه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة وعمر لا
يدري بذلك ، فبايعه عبد الله ، ثم ذهب إلى الفرس ، فجاء به إلى عمر ، وعمر
يستلئم للقتال ، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة
. قال : فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي
التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر .
وقال هشام بن عمار :
حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا عمر بن محمد [ ص: 228 ] العمري ، أخبرني نافع
، عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية
تفرقوا في ظلال الشجر ، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم ،
فقال : يا عبد الله ، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله
عليه وسلم ؟ فوجدهم يبايعون ، فبايع ثم رجع إلى عمر ، فخرج فبايع . تفرد به
البخاري من هذين الوجهين
============ : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا سفيان ، سمعت الزهري
حين حدث هذا الحديث ، حفظت بعضه ، وثبتني معمر ، عن عروة بن الزبير ، عن
المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، يزيد أحدهما على صاحبه ، قالا : خرج
النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ، فلما
أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره ، وأحرم منها بعمرة ، وبعث عينا له من
خزاعة ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه
عينه ، قال : إن قريشا قد جمعوا لك جموعا ، وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم
مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك . فقال : " أشيروا أيها الناس علي ، أترون
أن أميل إلى عيالهم ، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت ؟ فإن
يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محرومين " . قال
أبو بكر : يا رسول الله ، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب
أحد ، فتوجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه ، قال : " امضوا على اسم الله هكذا
رواه هاهنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا . [ ص: 230 ]
وقال في كتاب
الشهادات : حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ،
أخبرني الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير ، ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن
الحكم ، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا : خرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم زمن الحديبية ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال النبي صلى الله
عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بالغميم ، في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات
اليمين " . فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش ، فانطلق يركض
نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي
يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل . فألحت ، فقالوا :
خلأت القصواء ، خلأت القصواء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما
خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل " . ثم قال : "
والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها "
. ثم زجرها فوثبت ، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية ، على ثمد قليل
الماء يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه ، وشكي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم العطش ، فانتزع سهما من كنانته ، ثم أمرهم أن
يجعلوه فيه ، فوالله مازال [ ص: 231 ] يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ،
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي ، في نفر من قومه من خزاعة -
وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة - فقال : إني
تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ
المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "
إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب
وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ، ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر ،
فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن هم
أبوا ، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ،
ولينفذن أمر الله " . قال بديل : سأبلغهم ما تقول . فانطلق حتى أتى قريشا ،
فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن
نعرضه عليكم فعلنا . فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء .
وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول . قال : سمعته يقول كذا وكذا
فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود فقال :
أي قوم ، ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : أو لست بالولد ؟ قالوا : بلى
. قال : فهل تتهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل
عكاظ ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . [ ص:
232 ] قال : فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته . فقالوا :
ائته . فأتاه ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عند ذلك : أي محمد ، أرأيت إن
استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن
الأخرى ، فإني والله لا أرى وجوها ، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن
يفروا ويدعوك . فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟
قال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر . قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت
لك عندي لم أجزك بها ، لأجبتك . قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ،
فكلما تكلم أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية
رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف ، وقال له : أخر يدك عن
لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم . فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا
: المغيرة بن شعبة فقال : أي غدر ، ألست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة بن
شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في
شيء " . ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه ،
قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف
رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا [ ص: 233 ] أمرهم ابتدروا أمره ،
وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما
يحدون إليه النظر تعظيما له . فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ، والله
لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا
قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت
في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ
كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون
النظر إليه تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . فقال رجل من
بني كنانة : دعوني آته . فقالوا : ائته . فلما أشرف على النبي صلى الله
عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا فلان ، وهو من
قوم يعظمون البدن فابعثوها له " . فبعثت له ، واستقبله الناس يلبون ، فلما
رأى ذلك قال : سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت . فلما رجع
إلى أصحابه قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ،
فقام رجل منهم يقال له : مكرز بن حفص . فقال : دعوني آته . قالوا : ائته .
فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا مكرز ، وهو رجل
فاجر " . فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يكلمه إذ جاء
سهيل بن عمرو .
قال معمر : فأخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه لما جاء
سهيل بن عمرو قال [ ص: 234 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد سهل لكم
من أمركم قال معمر : قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل فقال : هات اكتب
بيننا وبينكم كتابا . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب ، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " . فقال سهيل : أما
الرحمن ، فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب .
فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم . فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : " اكتب باسمك اللهم " . ثم قال : " هذا ما قاضى عليه
محمد رسول الله " . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك
عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله . فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد
الله " . قال الزهري : وذلك لقوله : " لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات
الله ، إلا أعطيتهم إياها " . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " على أن
تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به " . قال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا
أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام المقبل ، فكتب ، فقال سهيل : وعلى أنه لا
يأتيك منا رجل ، وإن كان على دينك ، إلا رددته إلينا . قال المسلمون :
سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما . فبينما هم كذلك إذ جاء
أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى
بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد ، أول من أقاضيك عليه
أن ترده إلي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نقض الكتاب بعد " .
قال : فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا . قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" فأجزه لي " . قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : " بلى ، فافعل " . قال :
ما أنا بفاعل . قال مكرز : بل قد أجزناه لك . قال أبو جندل : أي معشر
المسلمين ، أرد إلى المشركين وقد جئت [ ص: 235 ] مسلما ؟ ألا ترون ما قد
لقيت ؟! - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله - قال : فقال عمر ، رضي الله
عنه : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : ألست نبي الله حقا ؟ قال :
" بلى " . قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال : " بلى " .
قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟! . قال : " إني رسول الله ، ولست
أعصيه وهو ناصري " . قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟
قال : " بلى ، فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ " قال : قلت : لا . قال : " فإنك
آتيه ومطوف به " . قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبي
الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ . قال :
بلى . قال : قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟ قال : أيها الرجل ، إنه
لرسول الله ، وليس يعصي ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على
الحق . قلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ،
أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ فقلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به .
قال
الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا . قال : فلما فرغ من قضية الكتاب ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " .
قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم
أحد دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي
الله ، أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو
حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر [ ص: 236 ] بدنه
ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ،
حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما . ثم جاءه نسوة مؤمنات ، فأنزل الله تعالى :
يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن حتى بلغ بعصم
الكوافر ( الممتحنة : 1 ) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ،
فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى صفوان بن أمية ثم رجع النبي
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم ،
فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلت لنا . فدفعه إلى الرجلين ،
فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير
لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا . فاستله الآخر فقال
: أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ، ثم جربت به ، ثم جربت . فقال أبو
بصير : أرني أنظر إليه . فأمكنه منه ، فضربه به حتى برد ، وفر الآخر حتى
أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
رآه : " لقد رأى هذا ذعرا " . فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال
: قتل والله صاحبي وإني لمقتول . فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله ، قد
والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم . فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : " ويل امه ، مسعر حرب ، لو كان له [ ص: 237 ]
أحد " . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر . قال :
وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من
قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة ، فوالله ما
يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ،
فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل
إليهم ، فمن أتاه فهو آمن ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأنزل
الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن
أظفركم عليهم حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية ( الفتح : 24 26 ) . وكانت
حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ،
وحالوا بينهم وبين البيت . فهذا السياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في
رواية ابن إسحاق عن الزهري ، فقد رواه عن الزهري جماعة ؛ منهم سفيان بن
عيينة ، ومعمر ، ومحمد بن إسحاق ، كلهم عن الزهري ، عن عروة ، عن مروان
ومسور ، فذكر القصة .
وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط ، عن
يحيى بن بكير ، عن [ ص: 238 ] الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن
عروة ، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة ، عن أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فذكر القصة . وهذا هو الأشبه ؛ فإن مروان ، ومسورا كانا صغيرين
يوم الحديبية ، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين .
وقال
البخاري : حدثنا الحسن بن إسحاق ، حدثنا محمد بن سابق ، حدثنا مالك بن
مغول ، سمعت أبا حصين قال : قال أبو وائل : لما قدم سهل بن حنيف من صفين
أتيناه نستخبره ، فقال : اتهموا الرأي ، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو
أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت ، والله ورسوله
أعلم ، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر
نعرفه قبل هذا الأمر ، ما نسد منها خصما إلا انفجر علينا خصم ، ما ندري كيف
نأتي له .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ،
عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض
أسفاره ، وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا ، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء
فلم يجبه رسول الله [ ص: 239 ] صلى الله عليه وسلم ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم
سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر ، نزرت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، كل ذلك لا يجيبك . قال عمر : فحركت بعيري
ثم تقدمت أمام المسلمين ، وخشيت أن ينزل في قرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخا
يصرخ بي ، قال : فقلت : لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن ، فجئت رسول الله صلى
الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال : " لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب
إلي مما طلعت عليه الشمس " . ثم قرأ : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( الفتح 1 )
.
قلت : وقد تكلمنا على سورة " الفتح " بكمالها في كتابنا "
التفسير " بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة ، ومن أحب أن يكتب ذلك هنا
فليفعل==================================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق