الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015


في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين ===
فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم
==
فصل تعذيب قريش للمسلمين لاتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام=== باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامته الحجة الدامغة عليهم == باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله من مكة إلى أرض الحبشة
===
فصل ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقيام دونه ، فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله فقال في ذلك : يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - :


إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر فعبد مناف سرها وصميمها     وإن حصلت أشراف عبد منافها
ففي هاشم أشرافها وقديمها     وإن فخرت يوما فإن محمدا
هو المصطفى من سرها وكريمها [ ص: 126 ]     تداعت قريش غثها وسمينها
علينا فلم تظفر وطاشت حلومها     وكنا قديما لا نقر ظلامة
إذ ما ثنوا صغر الرقاب نقيمها     ونحمي حماها كل يوم كريهة
ونضرب عن أحجارها من يرومها     بنا انتعش العود الذواء وإنما
بأكنافنا تندى وتنمي أرومها=====


فيما اعترض به المشركون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما تعنتوا عليه في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات ، وخرق العادات ، على وجه العناد ، لا على وجه طلب الهدى والرشاد ; فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ، ولا ما إليه رغبوا ; لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا ، لاستمروا في طغيانهم يعمهون ، ولظلوا في غيهم وضلالهم يترددون .

قال الله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون . [ الأنعام : 109 - 111 ] وقال تعالى : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم [ يونس : 96 - 97 ] [ ص: 127 ] وقال تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [ الإسراء : 59 ] وقال تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [ الإسراء : 90 - 93 ] . وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد .

وقد روى يونس وزياد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وهو شيخ من أهل مصر يقال له : محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال : اجتمع علية من أشراف قريش وعدد أسماءهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه . فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك . فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعا ، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء ، وكان حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك ، وإنا والله لا [ ص: 128 ] نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ; لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وسفهت الأحلام ، وشتمت الآلهة ، وفرقت الجماعة ، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك ، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بي ما تقولون ، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا نذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم " . أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك ، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ، ولا أقل مالا ، ولا أشد عيشا منا . فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ; فإنه كان شيخا صدوقا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك ، صدقناك وعرفنا به منزلتك [ ص: 129 ] عند الله ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بهذا بعثت ، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به ، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك ; فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ، ويغنيك عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم في الأسواق ، وتلتمس المعايش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم . فقال لهم : " ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا : فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل . فقال : " ذلك إلى الله ، إن شاء فعل بكم ذلك " . فقالوا : يا محمد ، ما علم ربك أنا سنجلس معك ، ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة ، يقال له : الرحمن . وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة ، وهي بنات الله ، وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله [ ص: 130 ] والملائكة قبيلا . فلما قالوا ذلك ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ; ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب ، فوالله لا أومن لك أبدا ، حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم الله ، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك . ثم انصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله حزينا أسفا ; لما فاته مما طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه

وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد ، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الربانية ألا يجابوا لي ما سألوا ; لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك ، فيعاجلهم بالعذاب .

كما قال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا ، فقيل له : إن شئت أن [ ص: 131 ] تستأني بهم ، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم . قال : " لا ، بل أستأني بهم " . فأنزل الله تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [ الإسراء : 59 ] الآية وهكذا رواه النسائي من حديث جرير به .

وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران أبي الحكم عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك . قال : " وتفعلون ؟ " . قالوا : نعم قال : فدعا ، فأتاه جبريل ، فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة . قال : " بل التوبة والرحمة " . وهذان إسنادان جيدان ، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين ; منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد .

[ ص: 132 ] وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " عرض علي ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، أشبع يوما وأجوع يوما أو نحو ذلك فإذا جعت ، تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت ، حمدتك وشكرتك " . لفظ أحمد . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . وعلي بن يزيد يضعف في الحديث .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهما : سلوهم عن محمد وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصفا لهم أمره وبعض قوله ، وقالا : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . قال : فقالت لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم ; سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طواف [ ص: 133 ] طاف مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ، ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه ، وإن لم يخبركم فهو رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور . فأخبراهم بها . فجاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ، أخبرنا . فسألوه عما أمروهم به . فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخبركم غدا بما سألتم عنه " . ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، ومكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقول الله تعالى : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : 85 ] وقد تكلمنا على ذلك كله في " التفسير " مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك . [ ص: 134 ] ونزل قوله : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا [ الكهف : 9 ] . ثم شرع في تفصيل أمرهم ، واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء ، تحقيقا لا تعليقا ، في قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت [ الكهف : 23 ، 24 ] ثم ذكر قصة موسى ; لتعلقها بقصة الخضر ثم ذي القرنين ثم قال : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا [ الكهف : 83 ] ثم شرح أمره ، وحكى خبره ، وقال في سورة " سبحان " : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي أي خلق عجيب من خلقه ، وأمر من أمره ، قال لها : كوني . فكانت ، وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه ، وتفسير كيفيته في نفس الأمر يصعب عليكم ، بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته ; ولهذا قال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : 85 ] وقد ثبت في " الصحيحين " أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فتلا عليهم هذه الآية . فإما أنها نزلت مرة ثانية ، أو ذكرها جوابا ، وإن كان نزولها متقدما ، ومن قال : إنها إنما نزلت بالمدينة . واستثناها من سورة " سبحان " ، ففي قوله نظر . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع [ ص: 135 ] قومه ، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة ، وبمكانها منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه ، فقال :
ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل     وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل     وقد حالفوا قوما علينا أظنة
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل     صبرت لهم نفسي بسمراء . سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول     وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائل     قياما معا مستقبلين رتاجه
لدى حيث يقضي حلفه كل نافل     وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم
بمفضى السيول من إساف ونائل     موسمة الأعضاد أو قصراتها
مخيسة بين السديس وبازل     ترى الودع فيها والرخام وزينة
بأعناقها معقودة كالعثاكل     أعوذ برب الناس من كل طاعن
علينا بسوء أو ملح بباطل [ ص: 136 ]     ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة
ومن ملحق في الدين ما لم نحاول     وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه
وراق لبر في حراء ونازل     وبالبيت حق البيت من بطن مكة
وبالله إن الله ليس بغافل     وبالحجر المسود إذ يمسحونه
إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل     وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
على قدميه حافيا غير ناعل     وأشواط بين المروتين إلى الصفا
وما فيهما من صورة وتماثل     ومن حج بيت الله من كل راكب
ومن كل ذي نذر ومن كل راجل     وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له
إلالا إلى مفضى الشراج القوابل     وتوقافهم فوق الجبال عشية
يقيمون بالأيدي صدور الرواحل     وليلة جمع والمنازل من منى
وهل فوقها من حرمة ومنازل     وجمع إذا ما المقربات أجزنه
سراعا كما يخرجن من وقع وابل     وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها
يؤمون . قذفا رأسها بالجنادل     وكندة إذ هم بالحصاب عشية
تجيز بهم حجاج بكر بن وائل [ ص: 137 ]     حليفان شدا عقد ما احتلفا له
وردا عليه عاطفات الوسائل     وحطمهم سمر الصفاح وسرحه
وشبرقه وخد النعام الجوافل     فهل بعد هذا من معاذ لعائذ
وهل من معيذ يتقي الله عاذل     يطاع بنا العدى وودوا لو اننا
تسد بنا أبواب ترك وكابل     كذبتم وبيت الله نترك مكة
ونظعن إلا أمركم في بلابل     كذبتم وبيت الله نبزى محمدا
ولما نطاعن دونه ونناضل     ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل     وينهض قوم بالحديد إليكم
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل     وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه
من الطعن فعل الأنكب المتحامل     وإنا لعمر الله إن جد ما أرى
لتلتبسن أسيافنا بالأماثل     بكفي فتى مثل الشهاب سميدع
أخي ثقة حامي الحقيقة باسل     شهورا وأياما وحولا مجرما
علينا وتأتي حجة بعد قابل [ ص: 138 ]     وما ترك قوم لا أبا لك سيدا
يحوط الذمار غير ذرب مواكل     وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل     يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في رحمة وفواضل     لعمري لقد أجرى أسيد وبكره
إلى بغضنا وجزآنا لآكل     وعثمان لم يربع علينا وقنفذ
ولكن أطاعا أمر تلك القبائل     أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم
ولم يرقبا فينا مقالة قائل     كما قد لقينا من سبيع ونوفل
وكل تولى معرضا لم يجامل     فإن يلفيا أو يمكن الله منهما
نكل لهما صاعا بصاع المكايل .     وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا
ليظعننا في أهل شاء وجامل     يناجي بنا في كل ممسى ومصبح
فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل     ويؤلي لنا بالله ما إن يغشنا
بلى قد نراه جهرة غير حائل     أضاق عليه بغضنا كل تلعة
من الأرض بين أخشب فمجادل [ ص: 139 ]     وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا
بسعيك فينا معرضا كالمخاتل     وكنت امرأ ممن يعاش برأيه
ورحمته فينا ولست بجاهل     فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح
حسود كذوب مبغض ذي دغاول     ومر أبو سفيان عني معرضا
كما مر قيل من عظام المقاول     يفر إلى نجد وبرد مياهه
ويزعم أني لست عنكم بغافل     ويخبرنا فعل المناصح أنه
شفيق ويخفي عارمات الدواخل     أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة
ولا معظم عند الأمور الجلائل     ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة
أولي جدل من الخصوم المساجل     أمطعم إن القوم ساموك خطة
وإني متى أوكل فلست بوائل     جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
عقوبة شر عاجلا غير آجل     بميزان قسط لا يخس شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل     لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا
بني خلف قيضا بنا والغياطل     ونحن الصميم من ذؤابة هاشم
وآل قصي في الخطوب الأوائل [ ص: 140 ]     وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا
علينا العدى من كل طمل وخامل     فعبد مناف أنتم خير قومكم
فلا تشركوا في أمركم كل واغل     لعمري لقد وهنتم وعجزتم
وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل     وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم
ألان حطاب أقدر ومراجل     ليهن بني عبد مناف عقوقنا
. وخذلاننا وتركنا في المعاقل     فإن نك قوما نتئر ما صنعتم
وتحتلبوها لقحة غير باهل     وسائط كانت في لؤي بن غالب
نفاهم إلينا كل صقر حلاحل     ورهط نفيل شر من وطئ الحصى
وألأم حاف من معد وناعل     فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا
وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل     ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة
إذا ما لجأنا دونهم في المداخل     ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم
لكنا أسى عند النساء المطافل     فكل صديق وابن أخت نعده
لعمري وجدنا غبه غير طائل [ ص: 141 ]     سوى أن رهطا من كلاب بن مرة
براء إلينا من معقة خاذل     وهنا لهم حتى تبدد جمعهم
ويحسر عنا كل باغ وجاهل     وكان لنا حوض السقاية فيهم
ونحن الكدى من غالب والكواهل     شباب من المطيبين وهاشم
كبيض السيوف بين أيدي الصياقل     فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما
ولا حالفوا إلا شرار القبائل     بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم
ضواري أسود فوق لحم خرادل     بني أمة محبوبة هندكية
بني جمح عبيد قيس بن عاقل     ولكننا نسل كرام لسادة
بهم نعي الأقوام عند البواطل     ونعم ابن أخت القوم غير مكذب
زهير حساما مفردا من حمائل     أشم من الشم البهاليل ينتمي
إلى حسب في حومة المجد فاضل     لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد
وإخوته دأب المحب المواصل     فمن مثله في الناس أي مؤمل
إذا قاسه الحكام عند التفاضل      [ ص: 142 ] حليم رشيد عادل غير طائش
يوالي إلها ليس عنه بغافل     كريم المساعي ماجد وابن ماجد
له إرث مجد ثابت غير ناصل     وأيده رب . العباد بنصره
وأظهر دينا حقه غير زائل     فوالله لولا أن أجيء بسبة
تجر على أشياخنا في المحافل     لكنا اتبعناه على كل حالة
من الدهر جدا غير قول التهازل     لقد علموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل     فأصبح فينا أحمد في أرومة
تقصر عنها سورة المتطاول     حدبت بنفسي دونه وحميته
ودافعت عنه بالذرا والكلاكل
قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها .

قلت : هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدا ; لا يستطيع أن يقولها إلا [ ص: 143 ] من نسبت إليه ، وهي أفحل من المعلقات السبع ، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعا ، وقد أوردها الأموي في " مغازيه " مطولة بزيادات أخر . والله أعلم=======( تعذيب قريش للمسلمين لاتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام )

قال ابن إسحاق : ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر ; من استضعفوه منهم ، يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم ، ومنهم من يصلب لهم ، ويعصمه الله منهم ، فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح مولدا من مولديهم ، وهو بلال بن رباح وكان اسم أمه حمامة ، وكان صادق الإسلام ، طاهر القلب ، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا والله لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى . فيقول وهو في ذلك : أحد أحد .

قال ابن إسحاق فحدثني هشام بن عروة عن أبيه ، قال : كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك ، وهو يقول : أحد أحد ، فيقول : أحد أحد والله يا بلال . ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بني جمح ، فيقول : [ ص: 145 ] أحلف بالله ، لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا .

قلت : قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي ، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول يا أيها المدثر فكيف يمر ورقة ببلال وهو يعذب ؟ وفيه نظر . ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب ، فاشتراه من أمية بعبد له أسود ، فأعتقه وأراحه من العذاب ، وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والإماء ; منهم بلال وعامر بن فهيرة وأم عبيس ، وزنيرة التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها ، والنهدية وابنتها اشتراهما من بني عبد الدار ، بعثتهما سيدتهما تطحنان لها ، فسمعها وهي تقول لهما : والله لا أعتقكما أبدا . فقال أبو بكر : حلا يا أم فلان . فقالت : حلا ، أنت أفسدتهما فأعتقهما . قال : فبكم هما ؟ قالت : بكذا وكذا . قال : قد أخذتهما ، وهما حرتان ، أرجعا إليها طحينها . قالتا : أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها ؟ قال : ذلك إن شئتما : واشترى جارية بني مؤمل حي من بني عدي كان عمر يضربها على الإسلام .

[ ص: 146 ] قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله ، قال : قال أبو قحافة لأبي بكر : يا بني ، إني أراك تعتق ضعافا ، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك . قال : فقال أبو بكر : يا أبت إني إنما أريد ما أريد . قال : فيتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى [ الليل : 57 ] إلى آخر السورة .

وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود قال : أول من أظهر الإسلام سبعة ; رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمار وأمه سمية ، وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه وأبو بكر منعه الله بقومه ، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى ، وهان على قومه ، فأخذوه فأعطوه الولدان ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول : أحد أحد . ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا .

قال ابن إسحاق : وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه [ ص: 147 ] وأمه وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة ، فيمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول فيما بلغني : صبرا آل ياسر موعدكم الجنة

وقد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل حدثنا السري بن خزيمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام بن أبي عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بعمار وأهله وهم يعذبون ، فقال : " أبشروا آل عمار وآل ياسر ، فإن موعدكم الجنة " . فأما أمه فقتلوها ; تأبى إلا الإسلام .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال : أول شهيد كان في الإسلام استشهد أم عمار سمية ، طعنها أبو جهل بحربة في قبلها . وهذا مرسل .

قال محمد بن إسحاق : وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش ، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة ، أنبه وخزاه ، وقال : تركت دين أبيك ، وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، ولنفيلن رأيك ، [ ص: 148 ] ولنضعن شرفك . وإن كان تاجرا قال : والله لنكسدن تجارتك ، ولنهلكن مالك . وإن كان ضعيفا ضربه ، وأغرى به . لعنه الله وقبحه .

قال ابن إسحاق : وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لعبد الله بن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم والله ، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه ، حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له : اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم . افتداء منهم ; مما يبلغون من جهدهم .

قلت : وفي مثل هذا أنزل الله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم الآية [ النحل : 106 ] فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ . أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلا قينا ، وكان لي على العاص بن وائل دين ، فأتيته أتقاضاه ، فقال : لا والله ، لا أقضيك حتى تكفر [ ص: 149 ] بمحمد . فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ، ثم تبعث . قال : فإني إذا مت ثم بعثت ، جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك . فأنزل الله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا إلى قوله ونرثه ما يقول ويأتينا فردا [ مريم : 77 - 80 ] أخرجاه في " الصحيحين " ، وغيرهما من طرق ، عن الأعمش به . وفي لفظ للبخاري : كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا ، فجئت أتقاضاه . فذكر الحديث .

وقال البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان وإسماعيل قالا : سمعنا قيسا يقول : سمعت خبابا يقول : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت ألا تدعو الله ؟ فقعد وهو محمر الوجه ، فقال : " قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، ما يخاف إلا الله عز وجل " . زاد بيان " والذئب على غنمه " وفي [ ص: 150 ] رواية : " ولكنكم تستعجلون " . انفرد به البخاري دون مسلم . وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان . ح وابن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب قال : شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة الرمضاء ، فما أشكانا . يعني في الصلاة ، وقال ابن جعفر : فلم يشكنا . وقال أيضا : حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت سعيد بن وهب يقول : سمعت خبابا يقول : شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة الرمضاء ، فلم يشكنا . قال شعبة : يعني في الظهر . ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء . زاد البيهقي : في وجوهنا وأكفنا ، فلم يشكنا . وفي رواية : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في الرمضاء ، فلم يشكنا . ورواه ابن [ ص: 151 ] ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الأعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء ، فلم يشكنا . والذي يقع لي والله أعلم أن هذا الحديث مختصر من الأول ، وهو أنهم شكوا إليه - صلى الله عليه وسلم - ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء ، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم ، وغير ذلك من أنواع العذاب ، كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره ، وسألوا منه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله لهم على المشركين ، أو يستنصر عليهم ، فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة ، وأخبرهم عمن كان قبلهم ; أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ، ولا يصرفهم ذلك عن دينهم ، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الأمر ، ويظهره ، ويعليه ، وينشره ، وينصره في الأقاليم والآفاق ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ; ولهذا قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا ، فلم يشكنا أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة ، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الإبراد أو على وجوب مباشرة المصلي بالكف ، كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر . والله أعلم ====مجادلة المشركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإقامته الحجة الدامغة عليهم ، واعترافهم في أنفسهم بالحق ، وإن أظهروا المخالفة ; عنادا وحسدا ، وبغيا ، وجحودا

قال إسحاق بن راهويه : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه ، فقال : يا عم ، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا . قال : لم ؟ قال : ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله . قال : قد علمت قريش أني أكثرها مالا . قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له . قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجزه ، ولا بقصيده مني ، ولا [ ص: 153 ] بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته . قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . قال : فدعني حتى أفكر فيه . فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر ; يأثره عن غيره فنزلت : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الآيات . [ المدثر : 11 - 13 ] هكذا رواه
البيهقي عن الحاكم
عن أبي عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة ، عن إسحاق به . وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا . وفيه أنه قرأ عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [ النحل : 90 ]

وقال البيهقي : عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم ، فقال : إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا [ ص: 154 ] تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قول بعضكم بعضا . فقيل : يا أبا عبد شمس فقل : وأقم لنا رأيا نقوم به . فقال : بل أنتم ، فقولوا وأنا أسمع . فقالوا : نقول : كاهن . فقال : ما هو بكاهن ; فقد رأيت الكهان ، فما هو بزمزمة الكهان . فقالوا : نقول : مجنون . فقال : ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون ، وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . فقال نقول : شاعر . فقال : ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر برجزه ، وهزجه ، وقريضه ، ومقبوضه ، ومبسوطه ، فما هو بالشعر قالوا فنقول : هو ساحر . قال : ما هو بساحر ، قد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ، ولا بعقده . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لمغدق ، وإن فرعه لجنى ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول لأن تقولوا : ساحر . فتقولوا : هو ساحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره ، وأنزل الله في الوليد قوله : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الآيات . وفي أولئك النفر [ ص: 155 ] قوله : الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [ الحجر : 91 - 93 ]

قلت : وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم : بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [ الأنبياء : 5 ] . فحاروا ماذا يقولون فيه ، فكل شيء يقولونه باطل ; لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ ، قال الله تعالى : انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا [ الفرقان : 9 ]

وقال الإمام عبد بن حميد في " مسنده " : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح ، هو ابن عبد الله الكندي عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله قال : اجتمع قريش يوما ، فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر ، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ، فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة . فقالوا : أنت يا أبا الوليد . فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك ، فقد عبدوا الآلهة التي عبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى [ ص: 156 ] نسمع قولك ، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ; فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ، وفضحتنا في العرب ، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا ، وأن في قريش كاهنا ، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى ، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة ، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا ، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت ، فلنزوجك عشرا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فرغت ؟ " . قال : نعم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم
كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون إلى أن بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فقال عتبة : حسبك حسبك ، ما عندك غير هذا ؟ قال : " لا " . فرجع إلى قريش ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته . قالوا : فهل أجابك ؟ فقال : نعم . ثم قال : لا والذي نصبها بنية ، ما فهمت شيئا مما قال ، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود . قالوا : ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟ ! قال : لا والله ، ما فهمت شيئا مما قال ، غير ذكر الصاعقة .

[ ص: 157 ] وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به . وفيه كلام ، وزاد : وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك ، فكنت رأسنا ما بقيت . وعنده : أنه لما قال له : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسك عتبة على فيه ، وناشده الرحم أن يكف عنه ، ولم يخرج إلى أهله ، واحتبس عنهم . فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، والله ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد ، وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته ، انطلقوا بنا إليه . فأتوه ، فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد ، وأعجبك أمره ، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد . فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا ، وقال : لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ، ولكني أتيته وقص عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة ، قرأ بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم حتى بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [ فصلت : 113 ] فأمسكت بفيه ، وناشدته الرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل عليكم العذاب .

[ ص: 158 ]
ثم قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا حليما قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وحده في المسجد : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا ، لعله يقبل بعضها ويكف عنا ؟ قالوا : بلى يا أبا الوليد . فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المال ، والملك ، وغير ذلك . وقال زياد عن ابن إسحاق : فقال عتبة : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيدون ويكثرون فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت [ ص: 159 ] به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها . قال : فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا الوليد أسمع " . قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا ، سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه ، لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل ، حتى يداوى منه . أو كما قال له . حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه ، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " . قال : نعم . قال : " فاسمع مني " . قال : أفعل . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها ، فلما سمع بها عتبة أنصت لها ، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليهما ; ليسمع منه ، حتى انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة فسجدها ، ثم قال : " سمعت يا أبا الوليد ؟ " . قال : سمعت . قال : " فأنت وذاك " . ثم قام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله ، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلسوا إليه ، قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني والله قد سمعت قولا [ ص: 160 ] ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا الكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب ، فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب ، فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي لكم ، فاصنعوا ما بدا لكم . ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الآدمي بمكة ، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : لما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عتبة بن ربيعة حم تنزيل من الرحمن الرحيم أتى أصحابه ، فقال لهم : يا قوم ، أطيعوني في هذا الأمر اليوم ، واعصوني فيما بعده ، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله ، وما دريت ما أرد عليه . وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه .

ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار [ ص: 161 ] عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري قال : حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة . ثم انصرفوا ، فلما كانت الليلة الثالثة ، أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقالوا : لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . فقال : يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها . فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته ، فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ; أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نسمع به أبدا ، ولا نصدقه . فقام عنه الأخنس بن شريق

[ ص: 162 ] ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة قال : إن أول يوم عرفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة ، إذ لقينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي جهل : " يا أبا الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله ، أدعوك إلى الله " . فقال أبو جهل : يا محمد ، هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت ، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك . فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبل علي فقال : والله إني لأعلم أن ما يقول حق ، ولكن يمنعني شيء ; إن بني قصي ، قالوا : فينا الحجابة . فقلنا : نعم . ثم قالوا : فينا السقاية . فقلنا : نعم . ثم قالوا : فينا الندوة . فقلنا : نعم . ثم قالوا فينا اللواء . فقلنا : نعم . ثم أطعموا وأطعمنا ، حتى إذا تحاكت الركب ، قالوا : منا نبي . والله لا أفعل .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن خالد حدثنا أحمد بن خالد [ ص: 163 ] حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي جهل وأبي سفيان وهما جالسان ، فقال أبو جهل : هذا نبيكم يا بني عبد شمس . قال أبو سفيان : وتعجب أن يكون منا نبي ! فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل . فقال أبو جهل : عجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع فأتاهما ، فقال : " أما أنت يا أبا سفيان فما لله ورسوله غضبت ، ولكنك حميت للأصل ، وأما أنت يا أبا الحكم فوالله لتضحكن قليلا ، ولتبكين كثيرا " . فقال : بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك . هذا مرسل من هذا الوجه ، وفيه غرابة .

وقول أبي جهل لعنه الله ، كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه : وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا [ الفرقان : 41 - 42 ]

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوار بمكة : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [ الإسراء : 110 ] . قال : كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ، وسبوا من أنزله ، ومن جاء به . قال : فقال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك ، فيسمع المشركون ، فيسبوا القرآن ، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن ، حتى يأخذوه عنك وابتغ بين ذلك سبيلا [ ص: 164 ] وهكذا رواه صاحبا " الصحيح " من حديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية به .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جهر بالقرآن ، وهو يصلي ، تفرقوا عنه ، وأبوا أن يستمعوا منه ، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم ; فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ، ذهب خشية أذاهم ، فلم يستمع ، فإن خفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا ، فأنزل الله تعالى ولا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ولا تخافت بها فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك ، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع ، فينتفع به وابتغ بين ذلك سبيلا
====
باب ما جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي . ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق قال : " هذا كتاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة ، سلام على من اتبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأدعوك بدعاية الله ، فإني أنا رسوله ، فأسلم تسلم قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ آل عمران : 64 ] فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك " .
هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة . وفي ذكره هاهنا نظر ; فإن الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه ، وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض ، يدعوهم إلى الله عز وجل [ ص: 206 ]
قبيل الفتح ، كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام ، وإلى كسرى ملك الفرس ، وإلى صاحب مصر ، وإلى النجاشي

قال الزهري : كانت كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم واحدة ، يعني نسخة واحدة ، وكلها فيها هذه الآية ، وهي من سورة آل عمران وهي مدنية ، بلا خلاف ; فإنه من صدر السورة ، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران ، كما قررنا ذلك في " التفسير " ، ولله الحمد والمنة . فهذا الكتاب إلى الثاني ، لا إلى الأول ، وقوله فيه : " إلى النجاشي الأصحم " لعل " الأصحم "
مقحم من الراوي بحسب ما فهم . والله أعلم

وأنسب من هذا هاهنا ما ذكره البيهقي أيضا ، عن الحاكم عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه بمرو : حدثنا حماد بن أحمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، وكتب معه كتابا : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله ، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه ، كما خلق آدم بيده ونفخه ، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، والموالاة [ ص: 207 ] على طاعته وأن تتبعني فتؤمن بي ، وبالذي جاءني ; فإني رسول الله ، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين ، فإذا جاؤوك فاقرهم ، ودع التجبر ، فإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل ، وقد بلغت ونصحت ، فاقبلوا نصيحتي ، والسلام على من اتبع الهدى " . فكتب النجاشي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر : سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته ، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام ، فقد بلغني كتابك يا رسول الله ، فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه ، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك ، وأسلمت على يديه لله رب العالمين ، وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي ، وإن شئت أن آتيك ، فعلت يا رسول الله ، فإني أشهد أن ما تقول حق
=
===
=

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق