باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم ==
فصل الفترة التي انقطع فيها الوحي=تتابع الوحي بعد انقطاعه =
فصل شدة حرصه عليه السلام على أخذ ما يوحى إليه عن الله عز وجل==
كان ذلك وله - صلى الله عليه وسلم - من العمر أربعون سنة ، وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة .
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به ، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما ، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته . ولله الحمد ، وانتهى سياقه إلى قول ورقة : أنصرك نصرا مؤزرا .
[ ص: 9 ] فقول أم المؤمنين عائشة : أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمير الليثي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ . فقلت : " ما أقرأ " . فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني وذكر نحو حديث عائشة سواء . فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة ، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ، ثم جاءه الملك في اليقظة .
وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه " دلائل النبوة " : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس قال : إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ، ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ، ويؤيده ما بعده====
قال البخاري في روايته المتقدمة : ثم فتر الوحي فترة ، حتى حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل ، فقال يا محمد : إنك رسول الله حقا . فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ، فقال له مثل ذلك .
ثم قوله : يحدث عن فترة الوحي . دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء . والله أعلم
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث علي بن المبارك وعند مسلم والأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : يا أيها المدثر . فقلت : أو اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال : سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : يا أيها المدثر فقلت : و اقرأ باسم ربك الذي خلق ؟ [ ص: 41 ] فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جواري نزلت ، فاستبطنت الوادي ، فنوديت ، فنظرت بين يدي وخلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء ، فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة ، أو قال وحشة ، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني " . فأنزل الله يا أيها المدثر حتى بلغ وثيابك فطهر . وقال في رواية " فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه " وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحي من الله عليه ، كما ذكرناه . والله أعلم .
وبهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس ، وبالأول حصلت النبوة .
وقد قال بعضهم : كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصف . والظاهر ، والله أعلم ، أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره . ولا ينفي هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا اقرأ باسم ربك الذي خلق ثم حصلت الفترة التي اقترن معه ميكائيل ، ثم اقترن به جبريل بعد نزول يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع أي تدارك شيئا بعد شيء وقام حينئذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرسالة أتم القيام ، وشمر عن ساق العزم ، ودعا إلى الله القريب والبعيد ، والأحرار والعبيد ، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد ، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد ، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن الغلمان علي بن أبي طالب ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام ، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنهم وأرضاهم . وتقدم الكلام على إيمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي ، ومات في الفترة رضي الله عنه===
قال ابن إسحاق : ثم تتابع الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مصدق بما جاءه منه ، قد قبله بقبوله ، وتحمل منه ما حمله ، على رضا العباد وسخطهم ، وللنبوة أثقال ومؤنة ، لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس ، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله عز وجل ، فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما أمر الله ، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى
قال ابن إسحاق : وآمنت خديجة بنت خويلد ، وصدقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء [ ص: 59 ] منه ، فخفف الله بذلك عن رسوله ; لا يسمع شيئا يكرهه ; من رد عليه ، وتكذيب له ، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها ، إذا رجع إليها تثبته ، وتخفف عنه ، وتصدقه ، وتهون عليه أمر الناس رضي الله عنها وأرضاها
قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب ، لا صخب فيه ، ولا نصب . وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " من حديث هشام : قال : ابن هشام القصب : هاهنا اللؤلؤ المجوف
قال ابن إسحاق : وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر جميع ما أنعم الله به عليه ، وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله .
وقال موسى بن عقبة عن الزهري : كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله قبل أن تفرض الصلاة .
قلت : يعني الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، فأما أصل الصلاة فقد وجب [ ص: 60 ] في حياة خديجة رضي الله عنها ، كما سنبينه
وقال ابن إسحاق : وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله ، وصدق بما جاء به ، ثم إن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افترضت عليه الصلاة ، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت له عين من ماء زمزم ، فتوضأ جبريل ومحمد عليهما السلام ، ثم صلى ركعتين وسجد أربع سجدات ، ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أقر الله عينه ، وطابت نفسه ، وجاءه ما يحب من الله ، فأخذ بيد خديجة حتى أتى بها إلى العين ، فتوضأ كما توضأ جبريل ، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات ، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق