السبت، 7 نوفمبر 2015

باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم == فصل الفترة التي انقطع فيها الوحي=تتابع الوحي بعد انقطاعه = فصل شدة حرصه عليه السلام على أخذ ما يوحى إليه عن الله عز وجل==

كان ذلك وله - صلى الله عليه وسلم - من العمر أربعون سنة ، وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة .

قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، [ ص: 6 ] ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى فجئه الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ . فقال : " ما أنا بقارئ " . قال : " فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : " ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [ العلق : 15 ] ، فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : " زملوني زملوني " . فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ، وأخبرها الخبر : " لقد خشيت على نفسي " فقالت خديجة : كلا والله ، لا يخزيك الله أبدا ; إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، ابن عم خديجة وكان امرءا تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما [ ص: 7 ] شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : " يا بن عم ! اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا بن أخي ، ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي كان نزل على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أومخرجي هم ؟ " فقال : نعم ، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل ، فقال يا محمد ، إنك رسول الله حقا . فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ، فقال له مثل ذلك . هكذا وقع مطولا في باب التعبير من " البخاري " . قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت [ ص: 8 ] بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت ، فقلت : زملوني زملوني ، فأنزل الله : يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر [ المدثر : 1 - 5 ] فحمي الوحي وتتابع . ثم قال البخاري : تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح يعني عن الليث وتابعه هلال بن رداد عن الزهري . وقال يونس ومعمر : بوادره . وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه ، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي إسنادا ومتنا . ولله الحمد والمنة .

وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به ، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما ، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته . ولله الحمد ، وانتهى سياقه إلى قول ورقة : أنصرك نصرا مؤزرا .

[ ص: 9 ] فقول أم المؤمنين عائشة : أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمير الليثي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ . فقلت : " ما أقرأ " . فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني وذكر نحو حديث عائشة سواء . فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة ، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ، ثم جاءه الملك في اليقظة .

وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه " دلائل النبوة " : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس قال : إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ، ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ، ويؤيده ما بعده====

قال البخاري في روايته المتقدمة : ثم فتر الوحي فترة ، حتى حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل ، فقال يا محمد : إنك رسول الله حقا . فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ، فقال له مثل ذلك .

وفي " الصحيحين " من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث عن فترة الوحي ، قال : " فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجئثت منه فرقا حتى هويت إلى [ ص: 40 ] الأرض ، فجئت أهلي ، فقلت : " زملوني زملوني " ، فأنزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر قال : ثم حمي الوحي وتتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي لا مطلقا ، ذاك قوله اقرأ باسم ربك الذي خلق وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل يا أيها المدثر واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه ، فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجيء الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا إليه

ثم قوله : يحدث عن فترة الوحي . دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء . والله أعلم

وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث علي بن المبارك وعند مسلم والأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : يا أيها المدثر . فقلت : أو اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال : سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : يا أيها المدثر فقلت : و اقرأ باسم ربك الذي خلق ؟ [ ص: 41 ] فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جواري نزلت ، فاستبطنت الوادي ، فنوديت ، فنظرت بين يدي وخلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء ، فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة ، أو قال وحشة ، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني " . فأنزل الله يا أيها المدثر حتى بلغ وثيابك فطهر . وقال في رواية " فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه " وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحي من الله عليه ، كما ذكرناه . والله أعلم .

ومنهم من زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى إلى آخرها . قاله محمد بن إسحاق . وقال بعض القراء : ولهذا كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أولها فرحا . وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي " الصحيح " من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي يا أيها المدثر قم فأنذر ولكن نزلت سورة والضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة ، كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث الأسود بن قيس عن جندب بن [ ص: 42 ] عبد الله البجلي قال اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا ، فقالت امرأة : ما أرى شيطانك إلا تركك . فأنزل الله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى

وبهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس ، وبالأول حصلت النبوة .

وقد قال بعضهم : كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصف . والظاهر ، والله أعلم ، أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره . ولا ينفي هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا اقرأ باسم ربك الذي خلق ثم حصلت الفترة التي اقترن معه ميكائيل ، ثم اقترن به جبريل بعد نزول يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع أي تدارك شيئا بعد شيء وقام حينئذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرسالة أتم القيام ، وشمر عن ساق العزم ، ودعا إلى الله القريب والبعيد ، والأحرار والعبيد ، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد ، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد ، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن الغلمان علي بن أبي طالب ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام ، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنهم وأرضاهم . وتقدم الكلام على إيمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي ، ومات في الفترة رضي الله عنه
===


قال ابن إسحاق : ثم تتابع الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مصدق بما جاءه منه ، قد قبله بقبوله ، وتحمل منه ما حمله ، على رضا العباد وسخطهم ، وللنبوة أثقال ومؤنة ، لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس ، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله عز وجل ، فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما أمر الله ، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى

قال ابن إسحاق : وآمنت خديجة بنت خويلد ، وصدقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء [ ص: 59 ] منه ، فخفف الله بذلك عن رسوله ; لا يسمع شيئا يكرهه ; من رد عليه ، وتكذيب له ، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها ، إذا رجع إليها تثبته ، وتخفف عنه ، وتصدقه ، وتهون عليه أمر الناس رضي الله عنها وأرضاها

قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب ، لا صخب فيه ، ولا نصب . وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " من حديث هشام : قال : ابن هشام القصب : هاهنا اللؤلؤ المجوف

قال ابن إسحاق : وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر جميع ما أنعم الله به عليه ، وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله .

وقال موسى بن عقبة عن الزهري : كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله قبل أن تفرض الصلاة .

قلت : يعني الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، فأما أصل الصلاة فقد وجب [ ص: 60 ] في حياة خديجة رضي الله عنها ، كما سنبينه

وقال ابن إسحاق : وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله ، وصدق بما جاء به ، ثم إن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افترضت عليه الصلاة ، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت له عين من ماء زمزم ، فتوضأ جبريل ومحمد عليهما السلام ، ثم صلى ركعتين وسجد أربع سجدات ، ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أقر الله عينه ، وطابت نفسه ، وجاءه ما يحب من الله ، فأخذ بيد خديجة حتى أتى بها إلى العين ، فتوضأ كما توضأ جبريل ، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات ، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا

قلت : صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين ، فبين له أوقات الصلوات الخمس ; أولها وآخرها ; فإن ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الإسراء ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان
====
قال الله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه [ القيامة : 16 - 19 ] وقال تعالى : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما [ طه : 114 ] . وكان هذا في الابتداء ; كان عليه السلام من شدة حرصه على أخذه من الملك ما يوحى إليه عن الله عز وجل ليساوقه في التلاوة ، فأمره الله تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي ، وتكفل له أن يجمعه في صدره ، وأن ييسر عليه تلاوته ، وتبليغه ، وأن يبينه له ، ويفسره ، ويوضحه ، ويوقفه على المراد منه ; ولهذا قال : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ، وقال : لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه أي في صدرك وقرآنه أي وأن تقرأه فإذا قرأناه أي تلاه عليك الملك فاتبع قرآنه أي فاستمع له وتدبره ثم إن علينا بيانه وهو نظير قوله وقل رب زدني علما

وفي " الصحيحين " من حديث موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن [ ص: 58 ] جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة ، فكان يحرك شفتيه فأنزل الله : لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ، قال : جمعه في صدرك ، ثم تقرؤه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فاستمع له وأنصت ثم إن علينا بيانه ، قال : فكان إذا أتاه جبريل أطرق ، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عز وجل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق