الفَصْلُ الأوَّلُ: التَّعْرِيْفُ بالتَّارِيْخِ
الفَصْلُ الثَّانِي: أهَمِيَّةُ التَّارِيْخِ
الفَصْلُ الثَّالِثُ: خُطُوْرَةُ الكَلامِ في التَّارِيْخِ دُوْنَ عِلْمٍ ==التَّعْرِيْفُ بالتَّارِيْخِ
إنَّ فَنَّ التَّارِيْخِ مِنْ الفُنُوْنِ الَّتي تَتَدَاوَلُهَا الأُمَمُ والأجْيَالُ، وتُشَدُّ إلَيْهِ الرَّكَائِبُ والرِّحَالُ، وتَسْمُوْ إلى مَعْرِفَتِهِ السَّوَقَةُ والأغْفَالُ، وتَتَنَافَسُ فِيْهِ المُلُوْكُ والأقْيَالُ، ويَتَسَاوَى في فَهْمِهِ العُلَمَاءُ والجُهَّالُ.
لِهَذَا نَجِدُ النُّفُوْسَ تَشْرَئِبُّ إلى مَعْرِفَةِ بِدَاياتِ الأشْيَاءِ، وتُحِبُّ سمَاعَ أخْبَارِ الأنْبِيَاءِ، وتَحِنُّ إلى مُطَالَعَةِ سِيَرِ المُلُوْكِ والحُكَمَاءِ، وتَرْتَاحُ إلى ذِكْرِ ما جَرَى لِلْقُدَمَاءِ (1).
* * *
«إلاَّ أنَّ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ تَارِيْخُ دِيْنٍ وعَقِيْدَةٍ قَبْلَ أنْ يَكُوْنَ تَارِيْخَ دُوَلٍ، ومَعَارِكَ، ونُظُمٍ سِيَاسِيَّةٍ؛ لأنَّ العَقِيْدَةَ هِيَ الَّتي أنْشَأتْ هَذِهِ الكَيَانَاتِ مِنْ الدُّوَلِ والمُجْتَمَعَاتِ بِنُظُمِهَا السَّيَاسِيَّةِ، والإدَارِيَّةِ، والتَّعْلِيْمِيَّةِ، والاقْتِصَادِيَّةِ وغَيْرِهَا ... !
(1) انْظُرْ «مُقَدِّمَةَ ابنِ خُلْدُوْنٍ» (1/ 3)، و «المُنْتَظَمَ» لابنِ الجَوْزِيِّ (1/ 115).====ولِذَلِكَ فإنَّ المُسْلِمَ عِنْدَمَا يُدَوِّنُ واقِعَاتِ التَّارِيْخِ وأحْدَاثَهُ، وعِنْدَمَا يَدْرُسُهَا يَنْبَغِيْ أنْ لا يَكُوْنَ تَدْوِينُهُ ودِرَاسَتُهُ بِدُوْنِ غَايَةٍ واضِحَةٍ، وهَدَفٍ يَخْدِمُ عَقِيْدَتَهُ، وتَصَوُّرَهُ الإيْمَانِيِّ.
وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَرْبُطَ عَمَلَهُ التَّارِيْخِيَّ بِعَقِيْدَتِهِ ومَنْهَجِهِ لِكَيْ يَسْتَفِيْدَ مِنَ الأحْدَاثِ التَّارِيْخِيَّةِ دُرُوْسًا وتَوْجِيْهَاتٍ مُثْمِرَةً، وَلِكَيْ يُدْرِكَ مِنْ خِلالِ الوَقَائِعِ سُنَنَ اللهِ، وقَدَرَهُ وهَيْمَنَتَهُ عَلَى الكَوْنِ، ومِثْلُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ والإدْرَاكِ تَزِيْدُ مِنْ إيْمَانِهِ وطَاعَتِهِ للهِ، وتُتِيْحُ لَهُ الحُصُولَ عَلَى الثَّمَرَاتِ الَّتي يَرْجُوْهَا المُسْلِمُ مِنْ دِرَاسَةِ تَارِيْخِهِ.
فَالْتِزَامُ البَاحِثِ بِمَنْهَجِ العَقِيْدَةِ؛ يَرْسُمُ لَهُ طَرِيْقَةَ التَّعَامُلِ مَعَ الحَدَثِ، وكَيْفِيَّةَ مُعَالجَتِهِ ودَرْسِهِ، وأَخْذَ العِظَةِ مِنْهُ» (1).
* * *
فَلَمَّا كَانَ هَذَا شَأنُ التَّارِيْخِ بِعَامَّةٍ؛ أرَدْنَا أنْ نَقِفَ مَعَ تَعْرِيْفِهِ كَيْ يَتَسَنَّى لنَا فَهْمُهُ وتَصَوُّرُهُ.
* * *
(1) انْظُرْ «مَنْهَجَ كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ» للشَّيْخِ مُحَمَّدِ بنِ صَامِلٍ السُّلمِيِّ، فكِتَابُه هَذا يُعَدُّ مِنْ أنْفَعِ الكُتُبِ المَنْهَجِيَّةِ في تَحْقِيْقِ وتَقْرِيْرِ مَنَاهِجِ كِتَابةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، فكَانَ جَدِيْرًا أنْ يَنْظُرَ فِيْهِ أهْلُ الاخْتِصَاصِ المُشْتَغِلِيْنَ بالتَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، وأنْ يَكُوْنَ قَانَونًا للمَعَايِيْرِ الكِتَابيَّةِ في التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، (6،197).===============فالتَّارِيْخُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ بالوَقْتِ، يُقَالُ أرَّخْتُ الكِتَابَ ووَرَّخْتُهُ بِمَعْنى، أي بَيَّنِتُ وَقَتَ كِتَابَتِهِ.
قَالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّأرِيْخُ تَعْرِيْفُ الوَقْتِ، والتَّوْرِيْخُ مِثْلُهُ، يُقَالُ: أَرَّخْتُ ووَرَّخْتُ، وقِيْلَ اشْتِقَاقُهُ مِنَ الأَرْخِ؛ يَعْنِي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِهَا، وَهُوَ صِغَارُ الأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الوَحْشِ؛ لأنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الوَلَدُ ... (1).
* * *
وفي الاصْطِلاحِ: «فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ العُلَمَاءِ في تَحْدِيْدِ تَعْرِيْفٍ لَهْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلى كَثْرَةِ المَوْضُوْعَاتِ الَّتي تَدْخُلُ في مَفْهُوْمِ التَّارِيْخِ.
ومِنَ المُلاحَظِ أنَّ المُؤَرِّخِيْنَ في القُرُوْنِ الثَّلاثَةِ الأوْلى مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَمْ يُدَوِّنُوا تَعْرِيْفًا كامِلاً لِعِلْمِ التَّارِيْخِ، وإنَّمَا كانُوا يَكْتَفُوْنَ بِذِكْرِ
(1) انْظُرْ «الإعْلانَ بالتَّوْبِيْخِ» للسَّخَاوِيِّ ص (16)، و «الصِّحَاحَ» للجَوْهَرِيِّ (1/ 200)، و «لِسَانَ العَرَبِ» لابنِ مَنْظُوْرٍ (3/ 481).=====فَوَائِدِهِ وأغْرَاضِهِ، وَمِنَ المَعْلُوْمِ أنَّ العِلْمَ قَدْ يُعرَّفُ بِبَعْضِ أنْوَاعِهِ، أو أمْثِلَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ غَايَاتِهِ» (1).
إلاَّ أنَّنا مَعَ هَذَا الخِلافِ، والنَّظَرِ في جُمْلَةِ التَّعَارِيْفِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ نَسْتَطِيْعُ أنْ نَخْرُجَ بتَعْرِيْفٍ جَامِعٍ للتَّارِيْخِ: وهُوَ مَعْرِفةُ أحْوَالِ الطَّوَائِفِ وبُلْدَانِهِم، ورُسُومِهِم وعَادَاتِهِم، وصَنَائِعِ أشْخَاصِهِم وأنْسَابِهِم، ووَفَياتِهِم إلى غَيْرِ ذَلِكَ (2).
(1) «مَنْهَجُ كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ» للشَّيْخِ مُحَمَّدِ السُّلمِيِّ (54).
(2) انْظُرْ «كَشْفَ الظُّنُوْنِ» لحاجِي خَلِيْفَةَ (1/ 255)، و «مِفْتَاحَ السَّعَادَةِ ومِصْبَاحَ السِّيَادَةِ» لطَاشِ كُبْرَى زَادَه (1/ 231)، و «الإعْلانَ بالتَّوْبِيْخِ» للسَّخَاوِيِّ، (18).
==================الفَصْلُ الثَّانِي
أهَمِيَّةُ التَّارِيْخِ
ومِنْ خِلالِ هَذَا التَّعْرِيْفِ الجَامِعِ لعِلْمِ التَّارِيْخِ تَبَيَّنَ لدَيْنا أنَّ فَنَّ التَّارِيْخِ فَنٌّ عَزِيْزُ المَذْهَبِ، جَمُّ الفَوَائِدِ، شَرِيْفُ الغَايَةِ؛ إذْ هُوَ يُوْقِفُنا عَلَى أحْوَالِ المَاضِيْنَ مِنَ الأُمَمِ في أخْلاقِهِم، والأنْبِيَاءِ في سِيَرِهِم، والمُلُوْكِ في دُوَلِهِم وسِيَاسَتِهِم، حَتَّى تَتِمَّ فَائِدَةُ الإقْتِدَاءِ في ذَلِكَ لِمَنْ يَرُوْمُهُ في أحْوَالِ الدِّيْنِ والدُّنْيا (1).
* * *
لِذَا نَجِدُ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ قَدْ أخَذَ مَكَانَةً عَظِيْمَةً عِنْدَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ حَيْثُ اعْتَنَوْا بِه عِنَايَةً فَائِقَةً، لِهَذا نَجِدُهُم قَدْ دَوَّنُوْهُ وأكْثَرُوْا، وجَمَعُوا تَوَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ والدُّوَلِ في العَالَمِ وسَطَّرُوْا؛ إلاَّ أنَّ الَّذِيْنَ ذَهَبُوْا مِنْهُم بِفَضْلِ الشُّهْرَةِ والأمَانَةِ المُعْتَبَرَةِ قَلِيْلُوْنَ لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزَوْنَ عَدَدَ الأنَامِلِ.
مِثْلُ: ابنِ إسْحَاقَ المَطْلَبِيِّ (151)، وابنِ
(1) انْظُرْ «مُقَدِّمَةَ ابنِ خُلْدُوْنٍ» (1/ 9).
=====جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (310)، وابنِ الجَوْزِيِّ (597)، وابنِ الأثِيْرِ (630)، وابنِ كَثِيْرٍ (774)، وابنِ خُلْدُوْنٍ (808)، وغَيْرِهِم.
ومِنْهُم مَنِ اسْتَوْعَبَ ما قَبْلَ المِلَّةِ مِنَ الدُّوَلِ والأُمَمِ، والأمَرِ العَمَمِ، كالمَسْعُودِيِّ (346) ومَنْ نَحَا مَنْحَاهُ!
ومِنْهُم مَنْ عَدَلَ عَنِ الإطْلاقِ إلى التَّقْيِيْدِ، ووَقَفَ في العُمُوْمِ والإحَاطَةِ عَنِ الشَّأْوِ البَعِيْدِ، فقيَّدَ شَوَارِدَ عَصْرِهِ، واسْتَوعَبَ أخْبَارَ أُفُقِهِ وقُطْرِهِ، واقْتَصَرَ عَلَى أحَادِيْثِ دَوْلتِهِ ومِصْرِهِ، كالخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (463)، وابنِ عَسَاكِرَ (571) وغَيْرِهِما.
وهَكَذا دَوَالَيْكَ تَتَابَعَ العُلَمَاءُ عَلَى كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ وتَخْلِيْصِهِ مِنْ شَوائِبِهِ وغَرَائِبِهِ، وكُلٌ عَلَى قَدْرِ جُهْدِهِ واجْتِهَادِهِ.
* * *
وفي الوَقْتِ نَفْسِهِ نَجِدُ للدُّعَاةِ والخُطَبَاءِ (هَذِه الأيَّامَ) صَوْتًا جَهْوَرِيًّا، وحَدِيْثًا ذَا شُجُونٍ حَوْلَ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم رَغْبةً في عَوْدَةِ الأُمَّةِ الإسْلاميَّةِ عَوْدَةً صَادِقَةً إلى تارِيْخِها التَّلِيْدِ وعِزِّها العَرَيْقِ!
وهُوَ كَذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللهِ تَعَالى حَقٌّ مُشَاعٌ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ «يَقُوْمُ بذِمَّتِهِم أدْنَاهُم»؛ ولكِنْ بِشَرْطِهِ، وهُوَ أنْ تَكُوْنَ الدَّعْوَةُ إلى اللهِ===============تَعَالى: بِعِلْمٍ؛ لِذَا كَانَ على كُلِّ مُسْلِمٍ أن يَدْعُوَ عَلَى قَدْرِ عِلْمِه، كَمَا عَلَيْه أنْ يَحْذَرَ الشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ!
فإنَّا ما نَخْشَاهُ ونَخَافُهُ (هَذِه الأيَّامَ): أنْ تُسَلَّطَ الأضْوَاءُ وتَشْرَئِبَّ الأبْصَارُ إلى بَعْضِ الدُّعَاةِ المُشَارِكِيْنَ في الدَّعْوَةِ ... حَتَّى تَسِيْرَ بهِم عَجَلَةُ الشُّهْرَةِ إلى التَّصَدُّرِ للفَتْوَى، والتَّنْظِيْرِ والتَّرْشِيْدِ للمُسْلِمِيْنَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَحْذَرْ هَؤلاءِ مِنْ طَرْقِ هَذِه السَّبِيْلِ، فإنَّها هُلْكَةٌ لَهُ، ومَهْلَكَةٌ للأمَّةِ مَعًا!===الفَصْلُ الثَّالِثُ
خُطُوْرَةُ الكَلامِ في التَّارِيْخِ دُوْنَ عِلْمٍ
لاشَكَّ أنَّ الشُّرُوْعَ في بُحُوْرِ التَّارِيْخِ، أو الخَوْضَ فِيْهِ (سَوَاءٌ كَانَ تألِيْفًا أو تَحْدِيْثًا) لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ بِمَكَانٍ، ومَا كَانَ (يَوْمًا) مَرْتعًا خَصْبًا لكُلِّ أحَدٍ؛ كَلاَّ!
فَهَذا العَلاَّمَةُ ابنُ خُلْدُوْنٍ رَحِمَهُ اللهُ (808)، يُشِيْرُ إلى نَحْوِ هَذَا الكَلامِ ـ بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ عَنْ أهَمِيَّةِ التَّارِيْخِ ـ قَائِلاً: «... فَهُوَ (التَّارِيْخُ) مُحْتَاجٌ إلى مَآخِذَ مُتَعَدِّدَةٍ ومَعَارِفَ مُتَنَوِّعَةٍ، وحُسْنِ نَظَرٍ وتَثَبُّتٍ يَفْضِيَانِ بصَاحِبِهِما إلى الحَقِّ ويُنَكِّبَانِ بِهِ عَنِ المَزَلاَّتِ والمَغَالِطِ؛ لأنَّ الأخْبَارَ إذا اعتُمِدَ فِيْها على مُجَرَّدِ النَّقْلِ، ولَمْ تُحْكَمْ أُصُولُ العَادَّةِ، وقَوَاعِدُ السِّيَاسَةِ، وطَبِيْعَةُ العُمْرَانِ، والأحْوَالُ في الاجْتِمَاعِ الإنْسَانِيِّ، ولا قِيْسَ الغَائِبُ مِنْها بالشَّاهِدِ، والحَاضِرُ بالذَّاهِبِ؛ فَربَّما لَمْ يُؤمَنْ فِيْهَا مِنَ العُثُوْرِ، ومَزَلَّةِ القَدَمِ، والحَيْدِ عَنْ جَادَّةِ الصِّدْقِ.===============وكَثِيْرٌ مَا وَقَعَ للمُؤرِّخِيْنَ والمُفَسِّرِيْنَ وأئِمَّةِ النَّقْلِ المَغَالِطُ في الحِكَايَاتِ
والوَقَائِعِ، لاعْتِمَادِهِم فِيْها على مُجَرَّدِ النَّقْلِ غَثًا أو سَمِيْنًا، لَمْ يَعْرِضُوْها على أُصُوْلِها، ولا قاسُوْها بأشْبَاهِها، ولا سَبَرُوْها بمِعْيَارِ الحِكْمَةِ، والوُقُوْفِ على طَبَائِعِ الكَائِنَاتِ، وتَحْكِيْمِ النَّظَرِ والبَصِيْرةِ في الأخْبَارِ، فَضَلُّوْا عَنِ الحَقِّ وتَاهُوْا في بَيْدَاءِ الوَهْمِ والغَلَطِ.
ولاسِيَّمَا في إحْصَاءِ الأعْدَادِ مِنَ الأمْوَالِ والعَسَاكِرِ إذا عُرِضَتْ في الحِكَايَاتِ إذْ هِيَ مَظِنَّةُ الكَذِبِ ومَطيَّةُ الهَذَرِ، ولا بُدَّ مِنْ رَدِّها إلى الأُصُولِ وعَرْضِها على القَوَاعِدِ» (1).
فإذا عُلِمَ هَذَا؛ كان مِنَ الخطأ أنْ نَجْعَلَ مِنَ التَّارِيْخِ مَادَّةً سَهْلةً، ومَرْتعًا خَصْباً لِكُلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ!
* * *
فَعِنْدَئِذٍ؛ نَسْتَطِيْعُ أنْ نُجْمِلَ التَّعَامُلَ مَعَ الأحَادِيْثِ والآثارِ الَّتي في كُتُبِ التَّارِيْخِ وغَيْرِها في قِسْمَيْنِ:
القِسْمُ الأوَّلُ: ما كانَ مِنْهَا ضَعِيْفًا، وهَذا القِسْمُ لا يَخْلُ مِنْ حَالَتَيْنِ:
(1) «مُقَدِّمَةُ ابنِ خُلْدُوْنٍ «ص (9).====الأُوْلى: أنْ يَكُوْنَ مَغْمُوْرًا سَاقِطًا لَيْسَ مُتَدَاوَلاً على الألْسِنَةِ، فَمِثْلُ هذا لا يُلْتَفَتُ إليْهِ بِحَالٍ ولا مَقَالٍ غَالبًا.
الثَّانِيَةُ: أنْ يَكُوْنَ مَشْهُوْرًا على ألْسِنَةِ النَّاسِ، مَنْشُوْرًا في الكُتُبِ الإسْلامِيَّةِ، وهذا أيْضًا لا يّخْلُ مِنْ ثَلاثَةِ أنْوَاعٍ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: أنْ يَكُوْنَ مُخَالِفًا للحَقِّ (القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ)، فَهَذا يَجِبُ رَدُّهُ، وكَشْفُ عَوَارِهِ.
النَّوْعُ الثَّاني: أنْ يَكُوْنَ مُوَافِقًا للحَقِّ (القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ)، فَهذا كانَ الأوْلى تَرْكَهُ واطِّرَاحَهُ، والاكْتِفَاءَ بِمَا صَحَّ مِنْ أدِلَّةِ الحَقِّ.
عِلْمًا أنَّ في ذِكْرِ هذا النَّوْعِ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وإنْ كَانَ الرَّاجِحُ تَرْكَهُ، والاكْتِفَاءَ بِمَا صَحَّ مِنْ غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أنْ يَكُوْنَ سِلْمًا لا مُوَافِقًا ولا مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنَ الحَقِّ، فَذِكْرُ مِثْلَ هذا النَّوْعِ مَحَلُّ خِلافٍ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ ما بَيْنَ: مُبِيْحٍ، ومَانِعٍ (1).
* * *
(1) انْظُرْ هذه المَسْألَةَ في كُتُبِ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، وهي: حُكْمُ رِوَايةِ الحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ.================القِسْمُ الثَّاني: ما كانَ مِنْهَا صَحِيْحًا ثابِتًا، وهذا القِسْمُ لا يَخْلُ أيْضًا مِنْ حَالَتَيْنِ:
الحَالَةُ الأوْلى: أنْ يَكُوْنَ مُوَافِقًا لِلْحَقِّ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فَهَذِهِ الحَالَةُ حَقٌّ
لا شِيَةَ فِيْهَا، فَلازِمُ الحَقِّ حَقٌّ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أنْ يَكُوْنَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ الكِتَابَ، أوِ السُّنَّةَ، أوِ القَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ، فَهذِهِ الحَالَةُ مَيْدَانُ الرَّاسِخِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ في تَوْجِيْهِهَا، والجَمْعِ بَيْنَهَا، وبَيَانِ ناسِخِهَا ... إلخ، ومِنْ هذِهِ المَسَائِلِ: الفِتْنَةُ!
* * *
وَقَدْ رَسَمَ السُّبْكِيُّ (771)، وكَذَا السَّخَاوِيُّ (902) رَحِمَهُما اللهُ مَنْهَجًا عِلْمِيًّا، ومَعَالِمَ مُهِمَّةً كانَ على صَاحِبِ التَّارِيْخِ أنْ يَتَقيَّدَ بِهَا (كِتَابَةً أوْ إلْقَاءً)، وَقَدْ جَمَعَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ السُّلَمِي، وزَادَ عَلَيْهَا مَعَ التَّرْتِيْبِ والتَّهْذِيْبِ أَشْيَاءَ، فَبَلَغَتْ عَشْرَ نُقَاطٍ كَمَا يَلِي:
أوَّلاً: اسْتِعْمَالُ الدَّلِيْلِ والوَثِيْقَةِ بَعْدَ التَّأكُّدِ مِنْ صِحَّتِهَا.
ثَانيًا: حُسْنُ الإسْتِدْلالِ باتِّبَاعِ التَّنْظِيْمِ والتَّرْتِيْبِ المُلائِمِ لِلأدِلَّةِ، مَعَ حُسْنِ العَرْضِ، وتَحْرِيْرِ المَسَائِلِ.===============ثَالِثًا: الإيْمَانُ بِكُلِّ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ، ومِنْ ذَلِكَ الإِيْمَانُ بالغَيْبِ، وبالجَزَاءِ، والحِسَابِ، والقَضَاءِ والقَدَرِ، وَرَدُّ كُلِّ ما خَالَفَهَا.
رَابِعًا: الأمَانَةُ في اسْتِقْصَاءِ الأدِلَّةِ وإيْرَادِهَا، مَعَ الجَمْعِ والتَّرْجِيْحِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ وُفْقًا لِلْقَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ.
خَامِسًا: بَيَانُ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ الَّتي أخَذَ عَنْهَا.
سَادِسًا: الإعْتِمَادُ على النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، والحَقَائِقِ العِلْمَيَّةِ، وعَدَمُ الارْتِبَاطِ بالأوْهَامِ والطِّلْسِمَاتِ والظُّنُوْنِ.
سَابِعًا: التَّجُرُّدُ مِنَ الهَوَى والمَيْلِ الذَّاتِيَيْنِ.
ثَامِنًا: تَحْكِيْمُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والإلْتِزَامُ بِقَوَاعِدِها وبِدَلالَةِ الألْفَاظِ؛ فلا يَؤُوْلُ اللَّفْظُ، ولا يُخْرجُ عَنْ دَلالَتِهِ دُوْنَ قَرِيْنَةٍ صَارِفَةٍ صَحِيْحَةٍ (1).
تَاسِعًا: عَدَمُ قَبُوْلِ المُتَنَاقِضَاتِ، أيْ: لا يُسَلِّمُ لِمَا يُنْقَلُ عَنِ المَشَايِخِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلدِّيْنِ.
وإنْ وُجِدَ مِثْلُ هذا؛ فَهُوَ لا يَخْلُ مِنْ أمْرَيْنِ، إمَّا كَذِبٌ، أو غَلَطٌ.
(1) انْظُرْ «كَفَّ المُخْطِئ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الشِّعْرِ النَّبَطِي «لرَاقِمِه، فَفِيْه بَيَانُ فَضْلِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والتَّحْذِيْرُ مِنْ مُزَاحَمَتِها بلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ، أو مَحَليَّةٍ!================عَاشِرًا: حُسْنُ الأدَبِ مَعَ كَلامِ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالى، ومَعَ الأنْبِيَاءِ والعُلَمَاءِ، والابْتِعَادُ عَنِ التَّجْرِيْحِ الشَّخْصِيِّ.
والاقْتِصَارُ في النَّقْدِ على بَيَانِ الأخْطَاءِ، مَعَ الاعْتِذَارِ لَهُم، وحَمْلِ كَلامِهِم على أحْسَنِ الوُجُوْهِ ما أمْكَنَ.
* * *
فَهَذِهِ هِيَ أُصُوْلُ وقَوَاعِدُ البَحْثِ العِلْمِيِّ عِنْدَ المُسْلِمِيْنَ (1).
وهذِهِ المَعَالِمُ والقَوَاعِدُ وإنْ كَانَتْ مِنَ الأهَمِيَّةِ بِمَكَانٍ؛ إلاَّ أنَّ الأهَمِيَّةَ تَزْدَادُ وتَعْظُمُ في تَتَبُّعِ وتَقَصِّي تَارِيْخَ الفِتْنَةِ الَّتي وَقَعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وبِهَذا الصَّدَدِ يَقُوْلُ الشَّيْخُ السُّلَميُّ: «وكَان ما دُوِّنَ مِنْ مِثْلِ هَذِه الأخْبَارِ عَوْنًا لِلْمُسْتَشْرِقِينَ والحَاقِدِيْنَ على الإسْلامِ وعُلَمَائِهِ، فِيْمَا نَشَرُوْهُ مِنْ دِرَاسَاتٍ عَنْ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، حَتَّى أَخْفَوْا مُعَالِمَهُ الأسَاسِيَّةَ، وأظْهَرُوْهُ في صُوْرَةٍ قَاتِمَةٍ شَوْهَاءَ لا تَزِيْدُ على كَوْنِهَا صِرَاعًا على السُّلْطَةِ، وتَكَالُبًا على الشَّهَوَاتِ، وفَسَّرُوا التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ كَمَا يَحْلُوا لَهُم تَفْسِيْرًا مَادِيًّا، أوْ قَوْمِيًّا عِلْمَانِيًّا» (2).
(1) انْظُرْ «مَنْهَجَ كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ «للسُّلَمِيِّ (139 - 140)، و «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ «للسُّبْكِيِّ (2/ 22)، و «الإعْلانَ بالتَّوْبِيْخِ «للسَّخَاوِيِّ، (64 - 65).
(2) «مَنْهَجُ كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ «للسُّلَمِيِّ، (278 - 279).
====البَابُ الثَّاني
الفَصْلُ الأوَّلُ: مَوْضُوْعُ الفِتْنَةِ، وَمَوْقِعَةُ (الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ)
الفَصْلُ الثَّاني: عَدَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ حَضَرُوا الفِتْنَةَ================الفَصْلُ الأوَّلُ
مَوْضُوْعُ الفِتْنَةِ، وَمَوْقِعَةُ (الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ)
كَانَ مِنَ المُنَاسِبِ أنْ أكْشِفَ لِلْقَارِئِ الكَرِيْمِ (بَادِئَ ذِيْ بَدْءٍ) حَقِيْقَةَ المَوْضُوْعِ الَّذِيْ دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.
أقُوْلُ: إنَّ المَوْضُوْعَ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم؛ في مَوْقِعَةِ الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ مِنْ تَشَاجُرٍ وتَنَاحُرٍ وقِتَالٍ؛ هو ما يُسَمَّى عِنْدَ أهْلِ التَّارِيْخِ: بأيَّامِ الفِتْنَةِ!
* * *
نَعَمْ؛ فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بَعْضُ التَّنَازُعِ والتَّشَاجُرِ مِمَّا أدَّى إلى القِتَالِ في مَوْقِعَتَيْ: الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ كَانْتْ لِهَاتَيْنِ المَوْقِعَتَيْنِ أثَرٌ كَبِيْرٌ في التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، ومِنْهُ كَانَتْ هذه المَرْحَلَةُ التَّارِيْخِيَّةُ مِنْ أخْطَرِ المَرَاحِلِ تَحْقِيْقًا وتَدْقِيْقًا، تَحْرِيْرًا وتَنْظِيْرًا.
وعَلَى هَذَا؛ لا نَسْتِغْرِبُ ولا نَعْجَبُ إذا عَلِمْنَا أنَّ مُعْظَمَ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ
لَمْ تُطِلَّ بِرَأسِها، ولَم تَنْطَلِقْ في نَشْرِ ضَلالِهَا إلاَّ إبَّانَ هذه الفَتْرَةِ التَّارِيْخِيَّةِ (1).
* * *
(1) هُنَاكَ بَعْضُ الرَّسَائِلِ الجَامِعِيَّةِ، والكُتُبِ الإسْلامِيَّةِ قَدْ كَتَبَها أصْحَابُها لخِدْمَتِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، وذَلِكَ في كَشْفِ باطِلِه، وإخْرَاجِ ما لَيْسَ مِنْه، ومُنَاقَشَةِ الأخْبَارِ والحَوَادِثِ على ضَوْءِ الصِّناعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، فَجَزاهُمُ اللهُ خَيْرًا، ومِنْ ذَلِك ما كَتَبَهُ أُسْتَاذُ التَّارِيْخِ المُحَقِّقُ أكْرَمُ ضِيَاءُ العُمَرِيُّ في أكْثَرِ مُصَنَّفَاتِه، وكِتَابُ «عَبْدِ اللهِ بنِ سَبأ وأثَرِه في أحْدَاثِ الفِتْنَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ «لسُلَيْمانَ العَوْدَةِ، و «أثَرُ التَّشَيُّعِ على الرِّواياتِ التَّارِيْخِيَّةِ «لعبدِ العَزِيْزِ وَلِي، و «مَرْويَّاتُ أبي مِخْنَفٍ في تَارِيْخِ الطَّبَرِيِّ «ليَحْي اليَحْي، و «اسْتِشْهَادُ عُثْمَانَ ووَقْعَةُ الجَمَلِ «لخالِدِ الغَيْثِ، و «تَحْقِيْقُ مَوَاقِفِ الصَّحابَةِ في الفِتْنَةِ «لمُحَمَّدٍ أمَحْزُوْنَ، وغَيْرُها كَثِيْرٌ!===============كَمَا أنَّ هَذِه الفَتْرَةَ لِلأسَفِ لَمْ تَقْتَصِرْ على أهْلِ البَاطِلِ؛ بَلْ امْتَدَّتْ إلى بَعْضِ (الدُّعَاةِ) يَوْمَ خَاضُوا غِمَارَها دُوْنَ تَفْتِيْشٍ وتَحْقِيْقٍ لأخْبَارِها؛ اللَّهُمَّ سَرْدُ الأخْبَارِ والآثَارِ مِنْ هُنَا وهُنَاكَ.
حَتَّى وقَعُوا في تَنَاقُضَاتٍ ومُخَالَفَاتٍ ما كَانَ لَها أنْ تَنَالَ شَيْئًا مِنْ أقْلامِهِم أوْ ألْسِنَتِهِم إلاَّ أنَّهُم لَمْ يَكُوْنُوا مِنْ أهْلِ التَّحْقِيْقِ والنَّظَرِ!
وَهُم مَعَ اجْتِهَادِهِم وحِرْصِهِم في الجَمْعِ والتَّوفِيْقِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ والأخْبَارِ
لَم يَسْلَمُوا مِنَ الخَطأ والزَّلَلِ، وذَلِكَ يَكْمُنُ في خَطَأيْنِ مُعْتَبَرَيْنِ لا يَسَعُ السُّكُوْتُ عَنْهُمَا:
الخَطَأ الأوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بالأخْبَارِ والآثَارِ مِنْ حَيْثُ القَبُولِ والرَّدِّ.==============عِلْمًا أنَّ ذِكْرَ هذه الأخْبَارِ والآثَارِ الَّتي رُوِيَتْ في هذه الحُقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ مِنْ الأهَمِيَّةِ بِمَكَانِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ؛ بَلْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ الاعْتِنَاءُ بِهَا أكْثَرَ ما يَكُوْنُ مِنْ غَيْرِها، لاسِيَّمَا وأنَّ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ لَمْ تَعْلَقْ بِهِ الشُّبُهَاتُ، ويَسْرِ فِيْهِ التَّشْوِيْهُ إلاَّ مُنْذُ هَذِهِ الفَتْرَةِ الخَطِيْرَةِ حَيْثُ وَجَدَ أعَدَاءُ الإسْلامِ في مِثْلِ هذه الفِتَنِ مَرْتعًا خَصْبًا ووَقْتًا مُناسِبًا في تَحْرِيْفِ الحقَائِقِ التَّارِيْخِيَّةِ، وتَرْوِيْجِ باطِلِهِم على اخْتِلافِ مَشَارِبِهِم ونِحَلِهِم؛ وهو كَذَلِكَ لِمَنْ تَدَبَّرَ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ (1).
بَلْ إخَالُكَ تَعْلَمُ أنَّ هذا المُنْعطَفَ التَّارِيْخِيَّ لَمْ يأخُذْ في ظُهُوْرِهِ واتِّسَاعِهِ إلاَّ إبَّانَ هذه الحُقْبَةِ الخَطِيْرَةِ.
لِذَا نَجِدُ الجَهَابِذَةَ مِنَ العُلَمَاءِ الَّذِيْنَ هُم صَيَارِفَةُ الحَدِيْثِ والأخْبَارِ قَدْ خَافُوا مِنَ الخَوْضِ والوُلُوْجِ في ذِكْرِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم لِمَا في ذَلِكَ مِنْ مَزَلَّةِ أقْدَامٍ، ومَضَلَّةِ أفْهَامٍ إلاَّ لِمَا لا بُدَّ مِنْهُ، والضَّرُوْرَةُ تُقَدَّرُ بِقَدَرِها.
(1) هُنَاكَ (للأسَفِ) كَثِيْرٌ مِنْ كُتُبِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، لَمْ تَسْلَمْ مِنَ العَبَثِ التَّارِيْخِيِّ الَّذِي صَنَعَتْهُ أيْدِي الشِّيْعَةِ وغَيْرِهِم مِنْ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ، لاسِيَّما كُتُبُ الأدَبِ (ولا أدَبَ!)، ابْتِدَاءً مِنَ «الأغَانِيِّ «للأصْفَهانِيِّ، و «البَيَانِ والتَّبيُّنِ «للجَاحِظِ، وانْتِهاءً «بالعِقْدِ الفَرِيْدِ «لابنِ عَبْدِ رَبِّه وما بَعْدَه. واللهُ المُسْتَعانُ!
=================لِهَذَا كَانَ مِنَ الوَاجِبِ العِلْمِيِّ التَّرَيُّثُ والتَّأنِّي في ذِكْرِ مَا ذُكِرَ، وكَذَلِكَ الخَوْضُ في نَبْشِ ما كان حَقَّهُ السُّكُوْتُ.
* * *
الخَطَأ الثَّاني: ما يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ أصْلِ المَوْضُوْعِ، وهو ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم مِنْ تَشَاجُرٍ وقِتَالٍ ونَحْوِهِ.
فهذا بَيْتُ القَصِيْدِ مِنْ ذِكْرِ وكِتَابَةِ هذه الرِّسَالَةِ، إذْ هو مِنَ الخَطَأ بِمَكَانٍ لِتَعَلُّقِهِ بالعَقِيْدَةِ السَّلَفِيَّةِ، فهو لَيْسَ كَسَابِقِهِ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بالأخْبَارِ ومُنَاقَشَةِ أسَانِيْدِها كَلاَّ؛ بَلْ هو فَوْقَ ذَلِكَ!
لِذَا سَوْفَ أذْكُرُ بَعْضَ ما يُسْعِفُنِي ذِكْرُهُ تُجُاهَ هذا المُوْضُوْعِ اسْتِجْلاءً للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَسْتُ هنا أنْتَزِعُ حُكْمًا، أو أُصْدِرُ رَأيًا بِقَدْرِ ما أسْتَخْلِصُهُ مِنْ أحْكَامٍ وفَوَائِدَ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالى، وسُنَّةِ رَسُولِهِ (، وكَلامِ أهْلِ العِلْمِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
ومِنْ خِلالِ هَذَا أحْبَبْتُ أنْ أقِفَ بالمُسْلِمِ على تَحْرِيْرِ مَوْقِعَتَيْ (الجَمَلِ وصِفِّيْنَ) تَحْرِيْرًا مُخْتَصَرًا بَعْدَ التَّنْقِيْحِ والتَّرْجِيْحِ لأخْبَارِهِمَا، مُسْتَعِيْنًا باللهِ تَعَالى ثُمَّ بِتَحْرِيْرَاتِ وتَحْقِيْقَاتِ أهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِيْنَ ابْتِدَاءً بِشَيْخِ المُفَسِّرِيْنَ: مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيْرٍ الطَبَرِيِّ (310)، وانْتِهَاءً بِشَيْخِ===============الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (728)، ومَنْ بَعْدَهُما مِنْ أهْلِ العِلْمِ والرُّسُوْخِ، كُلُّ هذا لأهَمِيَّةِ هذه الفَتْرَةِ التَّارِيْخِيَّةِ كَمَا أسْلَفْتُ آنِفًا (1).
* * *
وممَّا شَجَّعَنِي أيْضًا على ذِكْرِ وتَحْرِيْرِ هَاتَيْنِ المَوْقِعَتَيْنِ أنَّ بَعْضَ شُدَاةِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ كُلَّمَا مَرَّوْا بِهذه (الفِتْنَةِ) في كُتُبِ التَّارِيْخِ يَقَعُوْنَ في حَرَجٍ ولَبْسٍ في تَحْرِيْرِ بَعْضِ الأخْبَارِ والآثَارِ؛ مَعَ ما تُبْقِيْهِ مِنْ سُؤَالاتٍ ومَحَارَاتٍ تَفْتَقِرُ عِنْدَهُم إلى إجَابَاتٍ وإحَالاتٍ!
كَمَا أنَّنِي هنا لَم أكُنْ (ابنُ جَلا وطَلاَّعُ الثَّنَايا) في تَحْرِيْرِ هذه الفَتْرَةِ؛ اللهُمَّ ناقِلٌ مَعَ بَعْضِ التَّقْدِيْمِ والتَّأخِيْرِ، والتَّنْقِيْحِ والتَّرْجِيْحِ على قَوَاعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمِاعَةِ.
(1) ومِنْ أحْسَنِ ما وَقَفْتُ عَلَيه مِنَ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ المُحَرِّرةِ في شَأنِ الصَّحَابةِ؛ لاسِيَّما مَوْقِعَةُ (الجَمَلِ وصِفِّيْنَ) ما كَتَبَهُ الأخُ مُحَمَّدُ أمَحْزُوْنُ في كِتَابِه المُفِيْدِ «تَحْقِيْقِ مَوَاقِفِ الصَّحابَةِ في الفِتْنَةِ مِنْ مَرْوِيَّاتِ الطَّبَرِيِّ «، فَقَدْ قَامَ حَفِظَه اللهُ بتَحْرِيْرٍ وتَحْقِيْقٍ عِلْمِيٍّ، مع تَوْجِيْهِ الرِّوايَاتِ، وكَذَا نَاصِرُ بنُ عَلِيٌّ الشَّيْخُ فِي كِتَابِه الفَذِّ «عَقِيْدَةِ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعَةِ في الصَّحابَةِ «، و «اسْتِشْهَادُ عُثْمَانَ ووَقْعَةُ الجَمَلِ «لخالِدِ الغَيْثِ، وغَيْرُهم كَثِيْرٌ!
===================وأخِيْرًا؛ دُوْنَكَ أخِي المُسْلِمُ هَاتَيْنِ المَوْقِعَتَيْنِ (الجَمَلَ، وصِفِّيْنَ) بَعْدَ تَحْرِيْرٍ واخْتِصَارٍ، واللهَ أسْألُ أنْ أكُوْنَ قَدْ قَرَّبْتُ لَكَ الطَّرِيْقَ، وذَلَّلْتُ لَكَ السَّبِيْلَ، فإلى المَوْعُوْدِ.==مَوْقِعَةُ الجَمَلِ (1)
لَقَدْ دَارَتْ رَحَى الحَرْبِ فِيْهَا بَيْنَ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ أمِّ المُؤْمِنِيْنَ عائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَمَنْ مَعَهُم، وكَانَتْ سَنَةَ (36).
لمَّا وقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ سَنَةَ (35) كَانَ أزْوَاجُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّهَاتُ المُؤْمِنِيْنَ قَدْ خَرَجْنَ إلى الحَجِّ في هذا العَامِ فِرَارًا مِنَ الفِتْنَةِ، فلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ أنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ أقَمْنَ بِمَكَّةَ، وقَدْ تَجَمَّعَ بِمَكَّةَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ وجَمٌّ غَفِيْرٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم طَلْحَةُ والزُّبِيْرُ حَيْثُ اسْتَأذَنَا عَلِيًّا في الاعْتِمَارِ فأذِنَ لَهُمَا، فَخَرَجَا إلى مَكَّةَ وتَبِعَهُمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ.
* * *
وكَذا قَدِمَ إلى مَكَّةَ ابنُ عُمَرَ، ومِنَ اليَمَنِ يَعْلَى ابنُ أُميَّةَ عَامِلُ عُثْمَانَ عَلَيْهَا، وعَبْدُ اللهِ بنُ عَامِرٍ عَامِلُهُ على البَصْرَةِ، ولَم
(1) انْظُرْ وَقْعَةَ الجَمَلِ «تَارِيْخَ خَلِيْفَةَ» (181)، و «تَارِيْخَ الطَّبَرِيِّ» (4/ 456)، و «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 230)، و «تَارِيْخَ ابنِ خُلْدُوْنٍ» (2/ 153).
=================يَزَلِ النَّاسُ حِيْنَذَاكَ يَفِدُوْنَ على مَكَّةَ، ولمَّا كَثُرُوا فيها قامَتْ فِيْهِم أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ رَضِيِ اللهُ عَنْهَا، فَحَثَّتْهُم على القِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وذَكَرَتْ ما افْتَاتَ بِهِ أُولَئِكَ مِنْ قَتْلِهِ في بَلَدٍ حَرَامٍ وشَهْرٍ حَرَامٍ، ولَم يَرْقُبُوا جَوَارَ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقَدْ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وأخَذَوا الأمْوَالَ، فاسْتَجَابَ النَّاسُ لَهَا، وطَاوَعُوْهَا على مَا تَرَاهُ مِنَ الأمْرِ بالمَصْلَحَةِ، وقالُوا لها: حَيْثُمَا سِرْتِ سِرْنا مَعَكِ، وبَعْدَ أنْ تَعَدَّدَتْ آرَاؤُهُم في تَحْدِيْدِ الجِهَةِ الَّتي يَسِيْرُوْنَ إليْهَا أجْمَعُوا على الذَّهَابِ إلى البَصْرَةِ، فلَمَّا أتَوْا البَصْرَةَ مَنَعَهُم مِنْ دُخُوْلِهَا عُثْمَانُ بْنُ حَنِيْفٍ عَامِلُ عَليٍّ عَلَيْهَا حِيْنَذَاكَ، وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُم مُرَاسَلَةٌ ومُحَاوَرَةٌ.
* * *
ثمَّ ما لَبِثُوا أن اصْطَلَحُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ يَقْدِمَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لأنَّهُ بَلَغَهُم أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِم ... فأخَذَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الاتِّجَاهِ بَعْدَهُم في جَمْعٍ كَبِيْرٍ قَاصِدًا الشَّامَ، وهو يَرْجُو أنْ يُدْرِكَهُم قَبْلَ وُصُولِهِم إلى البَصْرَةِ، فلَمَّا عَلِمَ أنَّهُم قَدْ فَاتُوْهُ، اسْتَمَرَّ في طَرِيقِهِ إلَيْهِم قَاصِدًا البَصْرَةَ مِنْ أرْضِ العِرَاقِ (1).
(1) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 455)، و «الكَامِلُ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 221 - 222)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 255).
==================كَمَا اسْتَنْفَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أهْلَ الكُوْفَةِ لِيَلْحَقُوا بِهِ، وقَدْ اسْتَجَابَ لِلْنَّفِيْرِ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ وعلى رأسِهِم الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ... وقَدِمُوا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهُم بِذِي قَارٍ (1) إلى أثْنَاءِ الطَّرِيْقِ في جَمَاعَةٍ، مِنْهُم ابْنُ عَبَاسٍ فَرَحَّبَ بِهِم.
وقال: يا أهْلَ الكُوْفَةِ أنْتُمْ لَقِيْتُمْ مُلُوْكَ العَجَمِ وفَضَضْتُمْ جُمُوْعَهُم، وقَدْ دَعَوْتُكُمْ لِتَشْهَدُوا مَعَنا إخْوَانَنَا مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ.
فإنْ يَرْجِعُوا فَذَاكَ الَّذِي نُرِيْدُهُ، وإنْ أبَوْا دَاوَيْنَاهُم بالرِّفْقِ حتى يَبْدَؤُنَا بالظُّلْمِ، ولَنْ نَدَعَ أمرًا فيه صَلاحٌ إلاَّ آثَرْنَاهُ عَلَى ما فِيْهِ الفَسَادُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى (2).
وفي هذا تَوْضِيْحٌ لِمَقْصَدِ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وأنَّ مَقْصَدَهُ الأوَّلَ والأخِيْرَ: هو طَلَبُ الإصْلاحِ، وأنَّ القِتَالَ كَانَ غَيْرَ مُحَبَّبٍ إلِيْهِ، لا سِيَّمَا مَعَ إخْوَانِهِ البَرَرَةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهَكَذا كَان مَقْصَدُ أُمِّ المُؤْمِنِيْنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ مِنْ
(1) ذُو قَارٍ: مَاءٌ لبكْرِ بنِ وَائِلٍ، قَرِيْبٌ مِنَ الكُوْفَةِ بَيْنَها وبَيْنَ وَاسِطٍ ... وفِيْهِ كَانَتْ الوَقْعَةُ المَشْهُوْرَةُ بَيْنَ بَكْرِ بنِ وَائِلٍ، والفُرْسِ «مُعْجَمُ البُلْدَانِ» لياقُوْتَ الحَمَوِيِّ (4/ 293).
(2) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 477 - 478)، و «الكَامِلُ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 227 - 232)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 257 - 258).
==================خُرُوْجِهِم مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ مِنْ أرْضِ العِرَاقِ: هو الْتِمَاسَ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ بِأمْرٍ يَرْتَضِيْهِ طَرَفَا النِّزَاعِ، ويُحْسَمُ بِهِ الاخْتِلافُ، وتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَةُ المُسْلِمِيْنَ، ولَمْ يَخْرُجُوا مُقَاتِلِيْنَ ولا دَاعِيْنَ لأحَدٍ مِنْهُم لِيُوَلُّوْهُ الخِلافَةَ، وهذا ما قَرَّرَهُ العُلَمَاءُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ.
* * *
قَالَ ابنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ: «وأمَّا أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، ومَنْ مَعَهُم فَمَا أبْطَلُوا قَطُّ إمَامَةَ عَلِيٍّ، ولا طَعَنُوا فِيْهَا، ولا ذَكَرُوْا فِيْهِ جَرْحَةً تَحُطُّهُ عَنِ الإمَامَةِ، ولا أحْدَثُوا إمَامَةً أُخْرَى، ولا حَدَّدُوا بَيْعَةً لِغَيْرِهِ هذا ما لا يَقْدِرُ أنْ يَدَّعِيْهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوْهِ.
بَلْ يَقْطَعُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ على أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، إذْ لا شَكَّ في كُلِّ هذا فَقَدْ صَحَّ صِحَّةً ضَرُوْرِيَةً لا إشْكَالَ فِيْهَا أنَّهُم لَمْ يَمْضُوا إلى البَصْرَةِ لِحَرْبِ عَلِيٍّ، ولا خِلافًا عَلَيْهِ، ولا نَقْضًا لِبَيْعَتِهِ، ولَوْ أرَادُوا ذَلِكَ لأحْدَثُوا بَيْعَةً غَيْرَ بَيْعَتِهِ، هذا ممَّا لا يَشُكُّ فِيْهِ أحَدٌ، ولا يُنْكِرُه أحَدٌ.
فَصَحَّ أنَّهُم إنَّمَا نَهَضُوا إلى البَصْرَةِ لِسَدِّ الفَتْقِ الحَادِثِ في الإسْلامِ مِنْ قَتْلِ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ظُلْمًا، وبُرْهَانُ ذَلِكَ أنَّهُم اجْتَمَعُوا ولَمْ يَقْتَتِلُوا ولا تَحَارَبُوا!، فَلَمَّا كان اللَّيْلُ عَرَفَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ أنَّ الإرَاغَةَ (أي: الطَّلَبَ)، والتَّدْبِيْرَ عَلَيْهِم فَبَيَّتُوا عَسْكَرَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وبَذَلُوا السَّيْفَ فِيْهِم فَدَفَعَ القَوْمُ عَنْ أنْفُسِهِمُ في دَعْوَى حَتَّى خَالَطُوا==============عَسْكَرَ عَلِيٍّ فَدَفَعَ أهْلُهُ عَنْ أنْفُسِهِم، وكُلُّ طَائِفَةٍ تَظُنُّ ولا شَكَّ أنَّ الأخْرَى بُدِئَ بِهَا بالقِتَالِ، واخْتَلَطَ الأمْرُ اخْتِلاطًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى أكْثَرِ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، والفَسَقَةُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ لا يَفْتَرُونَ مِنْ شَنِّ الحَرْبِ وإضْرَامِهِ، فَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيْبَةٌ في غَرَضِهَا ومَقْصَدِها مُدَافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها» (1).
* * *
وكَذا يُقرِّرُ هذا المَقْصَدَ الَّذِي لأجْلِهِ خَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ أبُو بَكْرٍ ابنُ العَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ بقَوْلِهِ: «ويُمْكِنُ أنَّهُم خَرَجُوا في جَمْعِ طَوَائِفِ المُسْلِمِيْنَ، وضَمِّ نَشْرِهِم، ورَدِّهِم إلى قانُوْنٍ واحِدٍ حَتَّى لا يَضْطَرِبُوا فَيَقْتَتِلُوا، وهذا هو الصَّحِيْحُ لاشَيْءَ سِوَاهُ» (2).
وهَذَا ما يُؤَكِّدُهُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَا خَرَجَتْ إلاَّ لِلإصْلاحِ: «ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَنْقُلْ أنَّ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا في الخِلافَةِ، ولا دَعُوا إلى أحَدٍ مِنْهُم لِيُوَلُّوْهُ الخِلافَةَ» (3).
(1) «الفِصَلُ في المِلَلِ والأهْوَاءِ والنِّحَلِ» لابنِ حَزْمٍ (4/ 158).
(2) «العَوَاصِمُ مِنَ القَوَاصِمِ» لابنِ العَرَبِيِّ (151).
(3) «فَتْحُ البَارِي» لابنِ حَجَرٍ (13/ 56).
=================وكَذا قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ: «وبَلَغَ الخَبَرُ (مَقْتَلُ عُثْمَانَ) عَائِشَةَ، وهي حَاجَّةٌ ومَعَهَا طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا إلى البَصْرَةِ يُرِيْدُوْنَ الإصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، واجْتِمَاعَ الكَلِمَةِ» (1).
* * *
فأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مُجْمِعُوْنَ على أنَّ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ما قَصَدَتْ بِخُرُوْجِهَا إلى البَصْرَةِ إلاَّ الإصْلاحَ بَيْنَ بَنِيْهَا مِنَ المُسْلِمِيْنَ (2)، وَبِهَذا ورَدَتْ أخْبَارٌ مِنْهَا:
«أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا نَزَلَ بِذِي قَارٍ دَعَا القَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، فأرْسَلَهُ إلى أهْلِ البَصْرَةِ، وقَال لَهُ: الْقِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ (طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ) يا ابْنَ الحنْظَليَّةِ فادْعُهُمَا إلى الأُلْفَةِ والجَمَاعَةِ، وعَظِّمَ الفُرْقَةَ .. فَخَرَجَ القَعْقَاعُ حَتى قَدِمَ البَصْرَةَ فَبَدَأ بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وقَالَ: أيْ أُمَّه ما أشْخَصَكِ وما أقْدَمَكِ هَذِهِ البَلْدَةَ؟
(1) «مُخْتَصَرُ سِيْرَةِ الرَّسُوْلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ» لمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (251).
(2) انْظُرْ «عَقِيْدَةَ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعَةِ في الصَّحَابَةِ» لناصِرٍ الشَّيْخِ (704 - 707).
=================قَالَتْ: أيْ بُنَيَّ إصْلاحٌ بَيْنَ النَّاسِ، قال: فابْعَثِيْ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ حتى تَسْمَعِي كلامِيْ وكلامَهُمَا، فَبَعَثَتْ إليْهِمَا فَجَاءا فقال: إنِّي سَألْتُ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ ما أشْخَصَها وأقْدَمَها هَذِه البِلادَ؟
فقَالَتْ: إصْلاحٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَا تَقُولانِ أنْتُمَا؟ أمُتَابِعَانِ أم مُخَالِفَانِ؟
قَالا: مُتَابِعَانِ، قال: فأخْبِرَاني ما وَجُهْ هذا الإصْلاحِ؟ فَوَاللهِ لَئِنْ عَرَفْنَاهُ لَنُصْلِحَنَّ، ولإنْ أنْكَرْنَاهُ لا نُصْلِحُ.
قالا: قَتَلَةُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فإنَّ هذا إنْ تُرِكَ كان تَرْكًا للقُرْآنِ» (1).
* * *
فلمَّا رَجَعَ القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أخْبَرَهُ أنَّ أصْحَابَ الجَمَلِ اسْتَجَابُوا إلى ما بَعَثَهُ بِهِ إلَيْهِم ـ فأذْعَنَ عَلِيٌّ لِذَلِكَ وبَعَثَ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ يَقُوْلُ: «إنْ كُنْتُمْ عَلَى ما فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ القَعْقَاعَ ابْنَ عَمْرٍو فَكُفُّوا حتَّى نَنْزِلَ فَنَنْظُرَ في هذا الأمْرِ، فأرْسَلا إلَيْهِ: إنَّا على ما فارَقْنَا عَلَيْهِ القَعْقَاعَ بنَ عَمْرٍو مِنْ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ» (2).
(1) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 448)، و «الكَامِلُ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 233)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 259).
(2) انْظُرْ «البِدَايَة والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 261).
===================في الصُّلْحِ وأرْسَلَ فِيْهِ، فَرَجَتِ المَثُوْبَةَ واغْتَنَمَتِ الفُرْصَةَ، وخَرَجَتْ حَتَّى بَلَغَتْ الأُقْضِيَةُ مَقَادِيْرَها» (1).
* * *
وكَذا قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «فإنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُقَاتِلْ، ولَمْ تَخْرُجْ لِقِتَالٍ، وإنَّمَا خَرَجَتْ بِقَصْدِ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ ... لا قَاتَلَتْ، ولا أمَرَتْ بِقِتَالٍ هَكَذا ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ أهْلِ المَعْرِفَةِ بالأخْبَارِ» (2).
* * *
وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ مُبَيِّنًا القَصْدَ الَّذي خَرَجَتْ مِنْ أجْلِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا هي ومَنْ مَعَهَا بِقَوْلِهِ: «والعُذْرُ في ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أنَّهَا كَانَتْ مُتَأوِّلَةً هي وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، وكان مُرَادُهُم إيْقَاعَ الإصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وأخْذَ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجْمَعِيْنَ، وكَان رَأْيُ عَلِيٍّ: الاجْتِمَاعَ عَلَى الطَّاعَةِ، وطَلَبَ أولِيَاءِ المَقْتُولِ القَصَاصَ ممَّنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ القَتْلُ بِشُرُوطِهِ» (3).
* * *
(1) «العَوَاصِمُ من القَوَاصِمِ» لابنِ العَرَبِيِّ (152).
(2) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (2/ 185).
(3) «فَتْحُ البَارِي» لابنِ حَجَرٍ (7/ 108).
===================فَلا مَقْصَدَ إذَنْ مِنْ خُرُوْجِ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا هي ومَنْ مَعَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ: إلاَّ بُغْيَةَ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، ولم تَخْرُجْ لِقِتَالٍ، ولا أمَرَتْ بِهِ.
ثُمَّ إنَّ إرَادَةَ الصُّلْحِ لم يَكُنْ مِنْ جَانِبِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا هِيَ ومَنْ مَعَهَا فَحَسْبُ؛ بَلْ كَانَ أيْضًا إرَادَةَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ومَنْ مَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَنَا قَرِيْبًا أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَما بَعَثَ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ يَقُوْلُ: «إنْ كُنْتُمْ عَلَى ما فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ القَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَكُفُّوا حَتى نَنْزِلَ فَنَنْظُرَ في هذا الأمْرِ، فأرْسَلا إلَيْهِ: إنَّا على ما فَارَقَنَا عَلَيْهِ القَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ» (1).
ولمَّا كَانَ جَوَابُهُم عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِهَذا «اطْمَأنَّتِ النُّفُوْسُ وسَكَنَتْ
واجْتَمَعَ كُلُّ فَرِيْقٍ بأصْحَابِهِ مِنَ الجَيْشَيْنِ فَلَمَّا أمْسَوْا بَعَثَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ إلَيْهِم، وبَعَثُوا إلَيْهِ مُحَمَّدَ بنَ طَلْحَةَ السَّجَّادَ وعَوَّلُوا جَمِيْعًا على الصُّلْحِ وبَاتُوا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ لم يَبِيْتُوا بِمِثْلِهَا لِلعَافِيَةِ» (2).
* * *
(1) انْظُرْ «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 261).
(2) انظر «تَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 5 - 6)، و «الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 242)، و «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 261).
==================«ولمَّا أرْسَلَتْ أمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تُعْلِمُهُ أنَّهَا إنَّمَا جَاءتْ لِلْصُّلْحِ فَرِحَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ لاتِّفَاقِهِم على رِأْيٍ واحِدٍ:
وهو الصُّلْحُ، ولمَّا رَجَعَ القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ عِنْدِ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ بِمِثْلِ رَأْيِهِم» جَمَعَ عَلِيٌّ النَّاسَ ثمَّ قَام خَطِيْبًا فِيْهِم:
فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وأثْنَى عَلَيْهِ وصَلَّى عَلَى النَبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وذَكَرَ الجَاهِلِيَّةَ وشَقَاءهَا، والإسْلامَ والسَّعَادَةَ وإنْعَامَ اللهِ على الأمَّةِ بالجَمَاعَةِ بالخَلِيْفَةِ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ الَّذِي يَلِيْهِ، ثمَّ حَدَثَ هذا الحَدَثُ الَّذي جَرَّهُ على هَذِهِ الأمَّةِ أقْوَامٌ طَلَبُوا هذه الدُّنْيَا، حَسَدُوا مَنْ أفَاءهَا اللهُ عَلَيْهِ عَلَى الفَضِيْلَةِ، وأرَادُوا رَدَّ الأشْيَاءِ على أدْبَارِهَا، واللهُ بالِغٌ أمْرَهُ، ومُصِيْبٌ ما أرَادَ؛ ألا وإنِّي رَاحِلٌ غَدًا فارْتَحِلُوا، ألا ولا يَرْتَحِلَنَّ مَعِيَ أحَدٌ أعَانَ على قَتْلِ عُثْمَانَ في شَيْءٍ مِنْ أُمُوْرِ النَّاسِ» (1).
* * *
وهَكَذا بَاتَ الصُّلْحُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ مَحَلَّ اتِّفَاقٍ، وذَلِكَ في وُجُوْبِ إقَامَةِ الحَدِّ، وتَنْفِيْذِ القَصَاصِ في قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ولم يَخْطُرِ القِتَالُ عَلَى بَالِ
(1) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 493)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 260)=================أحَدٍ مِنْهُم، ولَكِنَّ المُفْسِدِيْنَ في الأرْضِ الَّذِيْنَ قَتَلُوا عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أصَابَهُم الغَمُّ وأدْرَكَهُم الحَزَنُ مِنِ اتِّفَاقِ الكَلِمَةِ، وجَمْعِ الشَّمْلِ، وأيْقَنُوا أنَّ الصُّلحَ هذا سَيَكْشِفَ أمْرَهُم، وسَيُسَلِّمَ رُؤوسَهُم إلى سَيْفِ الحَقِّ، وقَصَاصِ الخَلِيْفَةِ، فَبَاتُوا يُدبِّرُوْنَ أمْرَهُم بِلَيْلٍ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيْلاً لِنَجَاتِهِم إلاَّ بِأنْ يَعْمَلُوا علَى إبْطَالِ الصُّلْحِ، وتَفْرِيْقِ صُفُوْفِ المُسْلِمِيْنَ!
كَمَا قَضَّ مَضَجَعَهم قُوْلُ عَليٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ في خُطْبتِه الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا: «ألا وإنِّي رَاحِلٌ غَدًا فارْتَحِلُوا، ألا ولا يَرْتَحِلَنَّ مَعِي أحَدٌ أعَانَ على قَتْلِ عُثْمَانَ في شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ».
* * *
«فلَمَّا قال هذا اجْتَمَعَ مِنْ رُؤُوْسِهِم جَمَاعَةٌ: كالأشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وشُرَيْحِ بنِ أوْفَى، وعَبْدِ اللهِ بنِ سَبَأ (المَعْرُوْفُ بابْنِ السَّوْدَاءِ)، وسَالمِ بنِ ثَعَلَبَةَ، وعَلْيَاءَ بنِ الهَيْثَمِ وغَيْرِهِم في ألْفَيْنِ وخَمْسُمَائَةٍ، ولَيْسَ فِيْهِم صَحَابيٌّ (وللهِ الحَمْدُ) فَقَالُوا: ما هذا الرَأيُ؟ وعَلِيٌّ واللهِ أعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ ممَّنْ يَطْلُبُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وأقْرَبُ إلى العَمَلِ بِذَلِكَ، وقدْ قَالَ مَا=================سَمِعْتُمْ، غَدًا يَجْمَعُ عَلَيْكُمُ النَّاسَ، وإنَّمَا يُرِيْدُ القَوْمُ كُلُّهُم: أنْتُمْ فَكَيْفَ بِكُمْ وعَدَدُكُمْ قَلِيْلٌ في كَثْرَتِهِم؟
فَقَالَ الأشْتَرُ: قَدْ عَرَفْنَا رَأْيَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ فِيْنَا، وأمَّا رَأْيُ عَلِيٍّ فَلَمْ نَعْرِفْهُ إلى اليَوْمِ؛ فإنْ كان اصْطَلَحَ مَعَهُم فإنِّمَا اصْطَلَحُوا عَلَى دِمَائِنَا، فإنْ كَانَ الأمْرُ هَكَذا ألْحَقْنَا عَلِيًّا بِعُثْمَانَ، فَرَضِيَ القَوْمُ مِنَّا بالسُّكُوْتِ.
فَقَالَ ابنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ ما رَأَيْتَ لَوْ قَتَلْنَاهُم قُتِلْنَا، فإنَّا يامَعْشَرَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ في ألْفَيْنِ وخَمْسُمَائَةٍ، وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وأصْحَابُهُمَا في خَمْسَةِ آلافٍ، لا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِم، وهُم إنَّمَا يُرِيْدُونَكُمْ!
فَقَالَ عَلْيَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ: دَعُوْهُم وأرْجِعُوا بِنَا حَتَّى نَتَعَلَّقَ بِبَعْضِ البِلادِ فنَمْتَنِعَ بِهَا، فَقَالَ: ابنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ ما قُلْتَ، إذًا واللهِ كَان يَخْطَفُكُمُ النَّاسُ، ثمَّ قال ابنُ السَّوْدَاءِ: يا قَوْمُ إنَّ عِزَّكُم في خَلْطَةِ النَّاسِ، فإذا الْتَقَى النَّاسُ فأنْشِبُوا الحَرْبَ والقِتَالَ بَيْنَ النَّاسِ، ولا تَدَعُوْهُم يَجْتَمِعُوْنَ، فَمَنْ أنتم مَعَهُ لا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أن يَمْتَنِعَ، ويَشْغُلَ اللهُ==================طَلْحَةَ والزَّبَيْرَ ومَنْ مَعَهُمَا عَمَّا يُحِبُّوْنَ، ويأتِيْهِم ما يَكْرَهُوْنَ، فأبْصَرُوا الرَأْيَ وتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ» (1).
* * *
فاجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَأْي الَّذي تَفَوَّهَ بِهِ الخَبِيْثُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَبَأٍ اليَهُوْدِيُّ، «فَغَدَوْا مَعَ الغَلَسِ وما يَشْعُرُ بِهِم جِيْرَانُهُم، فَخَرَجُوا مُتَسَلِّلِيْنَ وعَلَيْهِم ظُلْمَةٌ، فَخَرَجَ مَضَرِيُّهُم إلى مَضَرِيِّهِم، ورَبِيْعُهُم إلى رَبِيْعِهِم، ويَمَانِيُّهُم إلى يَمَانِيِّهِم، فَوَضَعُوا فِيْهِمُ السِّلاحَ بَغْتَةً، فثَارَ أهْلُ البَصْرَةِ، وثَارَ كُلُّ قَوْمٍ في وُجُوْهِ أصْحَابِهِم الَّذِيْنَ أتَوْهُم، وبَلَغَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ ما وَقَعَ مِنَ الاعْتِدَاءِ عَلَى أهْلِ البَصْرَةِ، فَقَالا: ما هذا؟ قالُوا: طَرَقَنَا أهْلُ الكُوْفَةِ لَيْلاً، وفي نَفْسِ الوَقْتِ حَسَبَ خِطَّةِ أُوْلَئِكَ المُفْسِدِيْنَ ذَهَبَتْ مِنْهُم فِرْقَةٌ أُخْرَى في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَفَاجَأَتْ مُعَسْكَرَ عَلِيٍّ بِوَضْعِ السَّيْفِ فِيْهِم، وَقَدْ وَضَعَتِ السَّبئِيَّةُ رَجُلاً قَرِيْبًا مِنْ عَلِيٍّ يُخْبِرُهُ بِمَا يُرِيْدُوْنَ فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ الصَّوْتَ عِنْدَمَا هَجَمُوا عَلى مُعَسْكَرِهِ
(1) «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 260).===============قال: ما هذا؟
قال ذَلِكَ الرَّجُلُ: ما شَعَرْنا إلاَّ وَقَوْمٌ مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ قَدْ بَيَّتُوْنا» (1).
فَثَارَ كُلُّ فَرِيْقٍ إلى سِلاحِهِ، ولَبِسُوا اللأْمَةَ ورَكِبُوا الخُيُوْلَ، ولا يَشْعُرُ أحَدٌ مِنْهُم بِمَا وَقَعَ الأمْرُ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وكانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُوْرًا، وَقَامَتِ الحَرْبُ على قَدَمٍ وسَاقٍ، وتَبَارَزَ الفُرْسَانُ، وجَالَتِ الشُّجْعَانُ، فَنَشِبَتِ الحَرْبُ وتَوَافَقَ الفَرِيْقَانِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَ عَلِيٍّ عُشْرُونَ ألْفًا، والْتَفَّ على عَائِشَةَ ومَنْ مَعَهَا نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِيْنَ ألْفًا، فإنَّا للهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، والسَبَئَيَّةُ أصْحَابُ ابْنِ السَّوْدَاءِ (قَبَّحَهُ اللهُ) لا يَفْتَرُوْنَ عَنِ القَتْلِ، ومُنَادِي عليٍّ يُنَادِي: ألا كُفُّوا، ألا كُفُّوا، فلا يَسْمَعُ أحَدٌ (2)، فاشْتدَّتِ المَعْرَكَةُ وحَمِيَ الوَطِيْسُ، «وقَدْ كَان مِنْ سُنَّتِهِم في هذا اليَوْمِ أنَّهُ لا يُذَفَّفُ (لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ) على جَرِيْحٍ، ولا يُتَّبَعُ مُدْبِرٌ، وقَدْ قُتِلَ من هذا خَلْقٌ كَثِيْرٌ جِدًّا» (3) حَتَّى حَزِنَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أشَدَّ
(1) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 506 - 507)، و «الكَامِلُ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 242)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 261 - 262) و «فتْحُ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (13/ 56).
(2) «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 262).
(3) السَّابِقُ.================الحُزْنِ، وجَعَلَ يَقُوْلُ لابْنِهِ الحَسَنِ: يا بُنَيَّ لَيْتَ أبَاكَ ماتَ مُنْذُ عِشْرِيْنَ سَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ: يا أبَه، قَدْ كُنْتُ أنْهَاكَ عَنْ هَذَا، قال: يا بُنَيَّ إنِّي لَم أرَى أنَّ الأمْرَ يَبْلُغُ هذا!» (1).
* * *
ثمَّ نَزَلَ بِنَفْسِهِ إلى مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ لإنْهَاءِ القِتَالِ، «وطَلَبَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ لِيُكَلِّمَهُمَا فاجْتَمَعُوا حَتى الْتَقَتْ أعْنَاقُ خُيُولِهِمَا، فَذَكَّرَهُمَا بِمَا ذَكَّرَهُمَا بِهِ فانْتَهَى الأمْرُ بِرُجُوْعِ الزُّبَيْرِ يَوْمَ الجَمَلِ، وفي أثْنَاءِ رُجُوْعِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، نَزَلَ وادِيًا يُقَالُ لَهُ: وادِي السِّبَاعِ، فاتَّبَعَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ جُرْمُوْزٍ، فَجَاءهُ وهو نَائِمٌ فَقَتَلَهُ غِيْلَةً» (2).
وأمَّا طَلْحَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فإنَّهُ بَعْدَ «أنِ اجْتَمَعَ بِهِ عَلِيٌّ فَوَعَظَهُ تأخَّرَ فَوَقَفَ في بَعْضِ الصُّفُوْفِ فَجَاءهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَوَقَعَ في رُكْبَتِهِ (وَقِيْلَ في رَقَبَتِهِ والأوَّلُ أشْهَرُ)، فانْتَظَمَ السَّهْمُ رِجْلَه مَعَ فَرَسِهِ فَجَمَحَتْ بِهِ الفَرَسُ، وجَعَلَ يَقُوْلُ: إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عِبَادَ اللهِ، فأدْرَكَهُ مَوْلىً لَهُ
(1) «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 262).
(2) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 535)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 264)، و «الرِّياضُ النَّضِرَةُ في مَنَاقِبِ العَشَرَةِ» للمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ (4/ 288)================فَرِكَبَ ورَاءهُ فأدْخَلَهُ البَصْرَةَ، فَمَاتَ بِدَارٍ فيها، ويُقَالُ: إنَّه مَاتَ بالمَعْرَكَةِ» (1).
وأمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أقَامَ بِظَاهِرَةِ البَصْرَةِ ثلاثًا، ثمَّ صَلَّى عَلَى القَتْلَى مِنَ الفَرِيْقَيْنِ ... ثمَّ جَمَعَ ما وَجَدَ لأصْحَابِ عَائِشَةَ في المُعَسْكَرِ، وأمَرَ بِهِ أنْ يُحْمَلَ إلى مَسْجِدِ البَصْرَةِ؛ فَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا هُوَ لأهْلِهِم فلْيَأخُذَهُ، إلاَّ سِلاحًا كَانَ في الخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ» (2).
* * *
«ولمَّا أرَادَتْ أمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ الخُرُوْجَ مِنَ البَصْرَةِ بَعَثَ إلَيْهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي مِنْ مَرْكَبٍ وَزَادٍ ومَتَاعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأذِنَ لِمَنْ نَجَا ممَّنْ جَاءَ في الجَيْشِ مَعَهَا أنْ يَرْجِعَ إلاَّ أنْ يُحِبَّ المُقَامَ، واخْتَارَ لَهَا أرْبَعِيْنَ امْرَأةً مِنْ نِسَاءِ أهْلِ البَصْرَةِ المَعْرُوْفَاتِ، وسَيَّرَ مَعَهَا أخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا كان اليَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَتْ فِيْهِ، جَاءَ عَلِيٌّ
(1) «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 264،270)، و «الرِّياضُ النَّضِرَةُ في مَنَاقِبِ العَشَرَةِ» للمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ (4/ 266).
(2) «تَارِيْخُ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 538)، و «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 267).=================فَوَقَفَ على البَابِ، وحَضَرَ النَّاسُ وخَرَجَتْ مِنَ الدَّارِ (1) في الهَوْدَجِ فَوَدَّعَتِ النَّاسَ، ودَعَتْ لَهُم، وقَالَتْ: يابَنِيَّ لا يَعْتَبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ إنَّهُ واللهِ ما كانَ بَيْنِي وبَيْنَ عَلِيٍّ في القَدِيْمِ إلاَّ ما يَكُوْنُ بَيْنَ المَرْأةِ وأحْمَائِهَا.
فَقَال عَلِيٌّ: صَدَقَتْ واللهِ ما كان بَيْنِي وبَيْنَهَا إلاَّ ذَاكَ، وإنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وسَارَ عَلِيٌّ مَعَهَا مُوَدِّعًا ومُشَيِّعًا أمْيَالاً، وسَرَّحَ بَنِيْهِ مَعَهَا بَقِيَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وكان يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِيْنَ، وقَصَدَتْ في مَسِيْرِهَا ذَلِكَ إلى مَكَّةَ، فأقَامَتْ بِهَا إلى أنْ حَجَّتْ عامَهَا ذَلِكَ ثمَّ رَجَعَتْ إلى المَدِيْنَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا» (2).
* * *
وممَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِشَأنِ مَوْقِعَةِ الجَمَلِ تَبَيَّنَ أنَّ القِتَالَ وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِيْمَا بَيْنَهُم كان بِدُوْنِ قَصْدٍ مِنْهُم ولا اخْتِيَارٍ، وأنَّ حَقِيْقَةَ المُؤَامَرَةِ الَّتي قَامَ بِهَا قَتَلَةُ عُثْمَانَ خَفِيَتْ على كِلا الفَرِيْقَيْنِ حتَّى ظَنَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أنَّ الفَرِيْقَ الآخَرَ قَصَدَهُ بالقِتَالِ.
(1) هي دَارُ عَبْدِ اللهِ بنِ خَلَفٍ الخُزَاعِيِّ، وهي أعْظَمُ دَارٍ كانَتْ في البَصْرَةِ، انْظُرْ «تارِيْخَ الطَّبَرِيِّ» (4/ 539)، و «البِدَايةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 267).
(2) «البِدَايَةُ والنِّهَايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 268 - 269)==================وقَدْ وَضَّحَ حَقِيْقَةَ هَذِهِ المُؤَامَرَةِ العَلاَّمَةُ ابْنُ حَزْمٍ، وشَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُمَا اللهُ، وغَيْرُهُمَا مِنَ المُحَقِّقِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.
* * *
قَالَ أبُوْ مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ: «وأمَّا أهْلُ الجَمَلَ فَمَا قَصَدُوا قَطُّ قِتَالَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، ولا قَصَدَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ علَيْهِ قِتَالَهُم، وإنَّمَا اجْتَمَعُوا بالبَصْرَةِ لِلنَّظَرِ في قَتَلَةِ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وإقَامَةِ حَقِّ اللهِ تعَالى فِيْهِم.
وتَسَرَّعَ الخَائِفُوْنَ عَلَى أنفُسِهِم أخْذُ حَدِّ اللهِ تَعَالى مِنْهُم، وكَانُوْا أعْدَادًا عَظِيْمَةً يَقْرُبُوْنَ مِنَ الأُلُوْفِ، فأثَارُوا القِتَالَ خِفْيَةً حتَّى اضْطَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ إلى الدِّفَاعِ عَنْ أنْفُسِهِم إذْ رَأوْا السَّيْفَ قَدْ خَالَطَهُم» (1).
* * *
وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: «لَم يَكُنْ يَوْمَ الجَمَلِ لِهَؤلاءِ (الصَّحَابَةِ) قَصْدٌ في القِتَالِ، ولَكِنْ وَقَعَ الاقْتِتَالُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِم، فإنَّهُ لمَّا تَرَاسَلَ عَلِيٌّ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وقَصَدُوا الاتِّفَاقَ على المَصْلَحَةِ، وأنَّهُم إذَا تَمَكَّنُوا طَلَبُوا قتَلَةَ عُثْمَانَ أهْلَ الفِتْنَةِ، وكان عَلِيٌّ غَيِرَ رَاضٍ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، ولا مُعِيْنَ عَلَيْهِ كَمَا كاَنَ يَحْلِفُ، فَيَقُوْلُ: «واللهُ ما
(1) «الإحْكَامُ في أُصُوْلِ الأحْكَامِ» لابنِ حَزْمٍ (2/ 85)=================قَتَلْتُ عُثْمَانَ، ولا مَالأْتُ على قَتْلِهِ» (1)، وهو الصَّادِقُ البَارُّ في يَمِيْنِهِ، فَخَشِيَ القَتَلَةُ أنْ يَتَّفِقَ عَلِيٌّ مَعَهُم عَلَى إمْسَاكِ القَتَلَةِ، فَحَمَلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِهِم فَظَنَّ عَلِيٌّ أنَّهُم حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَحَمَلَ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، فَوَقَعَتِ الفِتْنَةُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِم» (2).
فَهَكَذا سَعَى قَتَلَةُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بإذْكَاءِ نَارِ الفِتْنَةِ، وأشْعَلُوا القِتَالَ بَيْنَ عَلِيٍّ ومَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ ومَنْ مَعَهُم، دُوْنَ أنْ يَفْطَنَ لِذَلِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وأَرْضَاهُم.
(1) انظر «المُصَنَّفَ» لابنِ أبي شَيْبَةَ (15/ 208 - 209)، و «المُصَنَّفَ» لعَبْدِ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيِّ (11/ 450)، و «المُسْتَدْرَكَ» للحَاكِمِ (3/ 95).
(2) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (2/ 185)===================================خُلاصَةُ
ما جَاءَ في مَوْقِعَةِ الجَمَلِ
أوَّلاً: أنَّ ذَهَابَ عَائِشَةَ ومَنْ مَعَهَا إلى البَصْرَةِ كان لأجْلِ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، وَهُوَ أخْذُ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
ثَانيًا: أنَّ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ لم يَدَّعُوْا الخِلافَةَ لأحَدٍ مِنْهُم، ولم يُنَازِعُوْا عَلِيًّا في خِلافَتِه.
ثَالثًا: أنَّ الصُّلْحَ حَصَلَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ، وهو أخِذُ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
رَابِعًا: أنَّ القِتَالَ دَارَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ دُوْنَ عِلْمٍ مِنْهُم جَمِيْعًا.
خَامِسًا: أنَّ أصْحَابَ الفِتْنَةِ مِنَ الثُّوَّارِ والأعْرَابِ هُمُ الَّذِيْنَ أنْشَبُوا الحَرْبَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ، هُرُوْبًا مِنْ أخْذِ القَصَاصِ مِنْهُم.
سَادِسًا: أنَّ القِتَالَ دَارَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ ظَنًّا مِنْهُمَا أنَّ الوَاحِدَ مِنْهُما يَدْفعُ عَنْهُ صَوْلَةَ الآخَرِ.
سَابِعًا: أنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيْعًا لم يُشَارِكْ أحَدٌ مِنْهُم في قِتَالِ الجَمَلِ البَتَّةَ==ثَامنًا: أنَّ الحَرْبَ ابْتَدَأتْ وانْتَهَتْ وقُلُوْبُ الصَّحَابَةِ مُؤْتَلِفَةٌ مُتَحَابَّةٌ في اللهِ تَعَالى، مَتَرَاضِيَةٌ مُتَرَاحِمَةٌ فِيْمَا بَيْنَهَا. ====================مَوْقِعَةُ صِفِّيْنَ (1)
صِفِّيْنُ: مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الرِّقَةِ على شَاطِئِ الفُرَاتِ مِنَ الجَانِبِ الغَرْبِي بَيْنَ الرِّقَةِ وبالِسَ.
وفِيْهِ كانَتْ مَوْقِعَةُ صِفِّيْنَ الَّتي دَارَتْ رَحَاها بَيْنَ أهْلِ العِرَاقِ مِنْ أصْحَابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وبَيْنَ أهْلِ الشَّامِ مِنْ أصْحَابِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ في شَهْرِ صَفَرَ سَنَةَ (37).
* * *
وذَلِكَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لمَّا فَرَغَ مِنْ وَقْعَةِ الجَمَلِ، ودَخَلَ البَصْرَةَ، وشَيَّعَ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها لمَّا أرَادَتِ الرُّجُوْعَ إلى مَكَّةَ، ثمَّ سَارَ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكُوْفَةِ فَدَخَلَهَا، وكان في نِيَّتِهِ أنْ يَمْضِيَ لِيُرْغِمَ أهْلَ الشَّامِ على الدُّخُوْلِ في طَاعَتِهِ كَمَا كان في نِيَّةِ مُعَاوِيَةَ ألاَّ يُبَايِعَ حتَّى يُقَامَ الحَدُّ على قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أو يُسَلَّمُوا إلَيْهِ
(1) انظر مَوْقِعَةَ صِفِّيْنَ «تَارِيْخَ خَلِيْفَةَ» (191 ـ 197)، و «تَارِيخَ اليَعْقُوْبِي» (2/ 184) و «تَارِيخَ الطَّبَرِيِّ» (4/ 561)، و «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 253)، و «تَارِيخَ ابنِ خُلْدُوْنٍ» (2/ 169) و «مُعْجَمَ البُلْدَانِ» للحَمَوِيِّ (3/ 414 ـ 415)==================ليَقْتُلَهُم، ولمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الكُوْفَةَ شَرَعَ في مُرَاسَلَةِ مُعَاوِيَةَ ابنِ أبي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِ جَرِيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيَّ، ومَعَهُ كِتَابٌ أعْلَمَهُ فِيْهِ باجْتِمَاعِ المُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ على بَيْعَتِهِ، ودَعَاهُ فِيْهِ إلى الدُّخُوْلِ فِيْمَا دَخَلَ فِيْهِ النَّاسُ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِ جَرِيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أعْطَاهُ الكِتَابَ فَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ العَاصِ ورُؤُوْسَ أهْلِ الشَّامِ، فاسْتَشَارَهُم فأبَوْا أنْ يُبَايِعُوا حتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِم قَتَلَةَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَرَجَعَ جَرِيْرٌ إلى عَلِيٍّ فأخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا.
«ومَكَثَ عَلِيٌّ يَوْمَيْنِ لا يُكَاتِبُ مُعَاوِيَةَ، ولا يُكَاتِبُهُ مُعَاوِيَةُ، ثمَّ دَعَا عَلِيٌّ بَشِيْرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصَارِيَّ وسَعِيْدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدَانِيَّ، وشَبْثَ بنَ رِبْعِيٍّ التَّمِيْمِيَّ فَقَالَ لَهُم: ائْتُوا هذا الرَّجُلَ (مُعَاوِيَةَ) فادْعُوْهُ إلى الطَّاعَةِ والجَمَاعَةِ، واسْمَعُوا ما يَقُوْلُ لَكُم: فَلَمَّا دَخَلُوا على مُعَاوِيَةَ جَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَهُم حِوَارٌ لَمْ يُوصِلْهُم إلى نَتِيجَةٍ فَمَا كان مِنْ مُعَاوِيَةَ إلاَّ أنْ أخْبَرَهُم أنَّهُ مُصَمِّمٌ على القِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا» (1).
(1) انظر «تَارِيْخ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 573)، و «الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 285 - 286)، و «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 280).=================ولمَّا رَجَعَ أُوْلَئِكَ النَّفَرُ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وأخْبَرُوهُ بِجَوَابِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَهُم، وأنَّهُ لَنْ يُبَايِعَ حَتَّى يَقْتُلَ القَتَلَةَ، أو يُسْلِمَهُم، عِنْدَ ذَلِكَ نَشَبَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ ...
فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ أهْلُ الشَّامِ المَصَاحِفَ فَوْقَ الرِّمَاحِ، وقالُوا: هذا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ، قَدْ فَنَى النَّاسُ فَمَنْ لِثُغُورِ أهْلِ الشَّامِ بَعْدَ أهْلِ الشَّامِ؟ ومَنْ لِثُغُوْرِ العِرَاقِ بَعْدَ أهْلِ العِرَاقِ؟ فَلَمَّا رَأَىَ النَّاسُ المَصَاحِفَ قَدْ رُفِعَتْ قالُوا: نُجِيْبُ إلى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُنِيْبُ إلَيْهِ» (1)، ولمَّا رُفِعَتِ المَصَاحِفُ فَوْقَ الرِّمَاحِ تَوَقَّفَتِ الحَرْبُ ... فَتَمَّ الاتِّفَاقُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ على التَّحْكِيْمِ بَعْدَ انتِهَاءِ مَوْقِعَةِ صِفِّيْنَ، وهو أنْ يُحَكِّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلاً مِنْ جِهَتِهِ، ثمَّ يَتَّفِقَ الحَكَمَانِ على مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ المُسْلِمِيْنَ، فَوَكَّلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بنَ العَاصِ، ووكَّلَ عَلِيٌّ أبا مُوْسَى الأشْعَرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم جَمِيْعًا، ثمَّ أخَذَ الحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ومِنَ الجُنْدَيْنِ العُهُوْدَ والمَوَاثِيْقَ أنَّهُمَا آمِنَانِ على أنْفُسِهِمَا وأهْلِهِمَا، والأمَّةُ لَهُمَا أنْصَارٌ على الَّذِي يَتَقَاضَيَانِ عَلَيْهِ، وعلى المُؤْمِنِيْنِ والمُسْلِمِيْنَ مِنَ الطَائِفَتَيْنِ كِلَيْهِمَا عَهْدُ اللهِ، ومِيْثَاقُهُ
(1) انظر «تَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (4/ 574 - 575)، و «الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 286 - 287)، و «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 280 - 281)================أنَّهُمَا على ما في ذَلِكَ الكِتَابِ، وأجَّلا القَضَاءَ إلى رَمَضَانَ، وإنْ أحَبَّا أنْ يُؤَخِّرَا ذَلِكَ فَعَلى تَرَاضٍ مِنْهُمَا (1).
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الحَكَمَانِ وتَرَاوَضَا على المَصْلَحَةِ لِلمُسْلِمِيْنَ، ونَظَرَا في تَقْدِيْرِ الأمُوْرِ، ثمَّ اتَّفَقَا على أنْ يَكُوْنَ الفَصْلُ في مَوْضُوْعِ النِّزَاعِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ يَكُوْنُ لأعْيَانِ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ تَوَفَّى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهو رَاضٍ عَنْهُم، هَذا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الحَكَمَانِ فِيْمَا بَيْنَهُمَا لا شَيْءَ سِوَاهُ (2)!
* * *
قَالَ ابنُ كَثِيْرٍ: «والحَكَمَانِ كانَا مِنْ خَيَارِ الصَّحَابَةِ، وهُمَا: عَمْرُو بنُ العَاصِ السَّهْمِيُّ (مِنْ جِهَةِ أهْلِ الشَّامِ)، والثَّاني: أبُوْ مُوْسَى عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ الأشْعَرِيُّ (مِنْ جِهَةِ أهْلِ العِرَاقِ) وإنَّمَا نُصِّبَا لِيُصْلِحَا بَيْنَ النَّاسِ، ويَتَّفِقَا على أمْرٍ فِيْهِ رِفْقٌ بالمُسْلِمِيْنَ، وحَقْنٌ لِدِمَائِهِم وكَذَلِكَ وَقَعَ» (3).
(1) انظر «تَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (5/ 48 - 49)، و «الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 316 - 318)، و «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 298 - 299)
(2) «البِدَايَةُ والنِّهايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (7/ 302 - 309)، و «الأُمَمُ والمُلُوْكُ» للطَّبَريِّ (5/ 67)، و «الكَامِلُ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 329).
(3) انْظُرْ «البِدَايَةَ والنِّهايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (6/ 245).====وإذَا كَانَ قَرَارُهُمَا الَّذي اتَّفَقَا عَلَيْهِ لم يَتِمَّ فَمَا في ذَلِكَ تَقْصِيْرٌ مِنْهُمَا؛ لأنَّهُمَا قَدْ قَامَا بِمُهِمَّتِهِمَا بِحَسَبِ ما أدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا واقْتِنَاعُهُمَا، ولَوْ لم تُكَلِّفْهُمَا الطَّائِفَتَانِ مَعًا بأدَاءِ هذه المُهِمَّةِ لمَا تَعَرَّضَا لَهَا ولا أبْدَيا رَأيًا فِيْهَا، فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وعَنْ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ أجْمَعِيْنَ!================تَحْقِيْقُ قِصَّةِ الحَكَمَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما
أمَّا مَا يَذْكُرُهُ المُؤَرِّخُوْنَ مِنْ أنَّ الحَكَمَيْنِ لمَّا اجْتَمَعَا بأذْرُحَ مِنْ دُوْمَةِ الجَنْدَلِ (1)، وتَفَاوَضَا على أنْ يَخْلَعَا الرَّجُلَيْنِ (عَلِيًّا، ومُعَاوِيَةَ)، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ لأبي مُوْسَى: اسْبِقْ بالقَوْلِ، فتَقَدَّمَ فقَالَ: إنِّي نَظَرْتُ فَخَلَعْتُ عَلِيًّا عَنِ الأمْرِ، ويَنْظُرُ المُسْلِمُوْنَ لأنْفُسِهِم كَمَا خَلَعْتُ سَيْفِي هذا مِنْ عُنُقِي، وأخْرَجُهُ مِنْ عُنُقِهِ فَوَضَعَهُ في الأرُضِ، وقَامَ عَمْرُو فَوَضَعَ سَيْفَهُ في الأرُضِ، وقَالَ: إنِّي نَظَرْتُ فأثْبَتُّ مُعَاوِيَةَ في الأمْرِ: كمَا أُثْبِتُ سَيْفِي هذا في عَاتِقِي وتَقَلَّدَهُ، فأنْكَرَ أبُوْ مُوْسَى، فقَالَ عَمْرٌو: كَذَلِكَ اتَّفَقْنَا، وتَفَرَّقَ الجَمْعُ على ذَلِكَ مِنَ الاخْتِلافِ (2)=====فَهَذِهِ الحِكَايَةُ وما يَشْبَهُهَا مِنَ اخْتِلاقِ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ الَّذِيْنَ لا يَعْرِفُوْنَ قَدْرَ أبي مُوْسَى وعَمْرو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ومَنْزِلَتَهُمَا في الإسْلامِ!
* * *
قَالَ أبُو بَكْرٍ ابنُ العَرَبِيُّ مُبيِّنًا كَذِبَ هذه القِصَّةِ: «هذا كُلُّهُ كَذِبٌ صُرَاحٌ ما جَرَى مِنْهُ حَرْفٌ قَطُّ، وإنِّما هُوَ شَيْءٌ أخْبَرَ عَنْهُ المُبْتَدِعَةُ، ووضَعَتْهُ التَّارِيْخِيَّةُ (القَصَّاصُوْنَ) لِلْمُلُوكِ، فتَوَارَثَهُ أهْلُ المُجَانَةِ والجَهَارَةِ بِمَعَاصِي اللهِ والبِدَعِ» (1).
ولم يَكْتَفِ الوَاضِعُوْنَ مِنْ أهْلِ التَّارِيْخِ بِهَذا؛ بَلْ وَسَمُوا الحَكَمَيْنِ بِصِفَاتٍ مَرْذُوْلَةٍ هَزِيْلَةٍ يتَّخِذُوْنَ مِنْهَا وَسِيْلَةً لِلتَّفَكُّهِ والتَّنَدُّرِ!
فقَدْ وَصَفُوا عَمْرَو بْنَ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بأنَّهُ كان صَاحِبَ غَدْرٍ وخِدَاعٍ، ووصَفُوا أبا مُوْسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ كان أبْلَهًا، ضَعِيْفَ الرَّأيِ، مَخْدُوْعًا في القَوْلِ، كما وصَفُوْهُ بأنَّهُ كان على جَانِبٍ كَبِيْرٍ مِنَ الغَفْلَةِ (2).
(1) «العَوَاصِمُ مِنَ القَوَاصِمِ» لابنِ العَرَبِيِّ (177).
(2) انظر «الأُمَمَ والمُلُوْكَ» للطَّبَريِّ (5/ 70)، و «الكَامِلَ» لابنِ الأثِيْرِ (3/ 332 - 333)، و «مُرُوْجَ الذَّهَبِ» للمَسْعُوْدِيِّ (2/ 684 - 685).===========ونَخْتِمُ كلامَنَا بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ نَاصِرُ الشَّيْخُ: «وكُلُّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هذا المَبْحَثِ عَنْ مَوْقِعَتَيْ (الجَمَلِ وصِفِّيْنَ)، وقَضِيَّةِ التَّحَكِيْمِ: هو اللائِقُ بِمَقَامِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ خَالٍ ممَّا دَسَّهُ الشِّيَعَةُ الرَّافِضَةُ وغَيْرُهُم على الصَّحَابَةِ في تِلْكَ المَوَاطِنِ مِنَ الحِكَايَاتِ المُخْتَلَقَةِ، والأحَادِيْثِ المَوْضُوْعَةِ وممَّا يَعْجَبُ لَهُ الإنْسَانُ أنَّ أعْدَاءَ الصَّحَابَةِ إذا دُعُوا إلى الحَقِّ أعْرَضُوا عَنْهُ، وقالُوا: لَنَا أخْبَارُنا ولَكُمْ أخْبَارُكُمْ، ونَحْنُ حِيْنَئِذٍ نَقُوْلُ لَهُم كَمَا قال تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}» (1).
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ
(1) «عَقِيْدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في الصَّحَابَةِ» لنَاصِرٍ الشَّيْخِ (2/ 726).
==================سَبَبُ القِتَالِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
وقَبْلَ الخُرُوْجِ مِنْ مَوْقِعَةِ (صِفِّيْنَ) أحْبَبْنا أنْ نَرُدَّ على مَنْ سَاوَى بَيْنَ قِتَالِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلْخَوَارِجِ بِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَنْ مَعَهُ!
* * *
فَهَذَا ابنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ يُبَيِّنُ لَنَا البَوْنَ الفَارِقَ بَيْنَ القِتَالَيْنِ بِقَولِهِ: «وأمَّا أمْرُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَبِخِلافِ ذَلِكَ، ولم يُقَاتِلْهُم عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لامْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعَتِهِ؛ لأنَّهُ كان يَسَعُهُ في ذَلِكَ ما وَسِعَ ابنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ (1)، لَكِنْ قاتَلَهُ لامْتِنَاعِهِ مِنْ إنْفَاذِ أوَامِرِهِ في جَمِيْعِ أرْضِ الشَّامِ، وهو الإمَامُ الوَاجِبُ طَاعَتُهُ، فَعَلِيٌّ المُصِيْبُ في هذا، ولم يُنْكِرْ مُعَاوِيَةُ قَطُّ فَضْلَ عَلِيٍّ واسْتِحْقاَقَهُ الخِلافَةَ، لَكِنَّ اجْتِهَادَهُ أدَّاهُ إلى أنْ
(1) كَانَتْ عَادَةُ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّه لا يُبَايِعُ أحَدًا في حَالِ الاخْتِلافِ، وكَانَ يُبَايِعَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ، وهُوَ ما أخْرَجَهُ يَعْقُوْبُ بنُ سُفْيَانَ في «تَارِيْخِه» عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّه قَالَ: «ما كُنْتُ لأعْطِيَ بَيْعَتِي في فُرْقةٍ، ولا أمْنعُها مِنْ جَمَاعةٍ» ذَكَرَه ابنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (13/ 195=================رَأى تَقْدِيْمَ أخْذِ القَوْدِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ على البَيْعَةِ، ورَأى نَفْسَهُ أحَقَّ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ»
إلى أنْ قَالَ «فَلَمْ يَطْلُبْ مُعَاوِيَةُ إلاَّ ما كانَ لَهُ مِنَ الحَقِّ أنْ يَطْلُبَهُ، وأصَابَ في ذَلِكَ الأثَرِ الَّذِي ذَكَرْنا وإنَّمَا أخْطَأ في تَقْدِيْمِهِ ذَلِكَ على البَيْعَةِ فَقَطْ، فَلَهُ أجْرُ الاجْتِهَادِ في ذَلِكَ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ فِيْمَا حُرِمَ مِنَ الإصَابَةِ كَسَائِرِ المُخْطِئِيْنَ في اجْتِهَادِهِم الَّذِيْنَ أخْبَرَ الرَّسُوْلُ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ لَهُم أجْرًا واحِدًا، ولِلْمُصِيْبِ أجْرَانِ - إلى أنْ قَالَ - وقَدْ عَلِمْنا أنَّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ واجِبٌ وامْتَنَعَ مِنْ أدَائِهِ وقَاتَلَ دُوْنَهُ فإنَّهُ يَجِبُ على الإمَامِ أنْ يُقَاتِلَهُ، وإنْ كان مِنَّا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُؤثِّرٍ في عَدَالَتِهِ وفَضْلِهِ، ولا بِمُوجِبٍ لَهُ فِسْقًا؛ بَلْ هُوَ مأجُوْرٌ لاجْتِهَادِهِ ونِيَّتِهِ في طَلَبِ الخَيْرِ، فبِهذا قَطَعْنَا على صَوَابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وصِحَّةِ إمَامَتِهِ، وأنَّهُ صَاحِبُ الحَقِّ، وأنَّ لَهُ أجْرَيْنِ أجْرَ الاجْتِهَادِ، وأجْرَ الإصَابَةِ، وقَطَعْنا أنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ومَنْ مَعَهُ مُخْطِئُوْنَ مُجْتَهِدُوْنَ مَأجُوْرُوْنَ أجْرًا واحِدًا» (1).
* * *
(1) «الفِصَلُ في المِلَلِ والنِّحَلِ» لابنِ حَزْمٍ (4/ 159 - 161)، و «تَفْسِيْرُ القُرْآنِ العَظِيْمِ» لابنِ كَثِيْرٍ (4/ 306).
====================فابنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ يُقَرِّرُ في كَلامِهِ هذا أنَّ النِزَاعَ الَّذِي كان بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ إنَّمَا هو في شَأنِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ولَيْسَ اخْتِلافًا على الخِلافَةِ، إذْ إنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لم يُنْكِرْ فَضْلَ عَلِيٍّ واسْتِحْقَاقَهِ لِلْخِلافَةِ، وإنَّما امْتَنَعَ عَنِ البَيْعَةِ حَتى يُسَلِّمَهُ القَتَلَةَ، أو يَقْتُلَهُم، وكان عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَسْتَمْهِلُهُ في الأمْرِ حَتى يَتَمَكَّنَ هو بأخْذِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
* * *
ورَحِمَ اللهُ مُعَاوِيَةَ إذْ لم يَمْلِكُ عَيْنَهُ مِنَ البُكَاءِ؛ عِنْدَمَا جَاءهُ الخَبَرُ بِمَوْتِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَقِيْلَ لَهُ في ذَلِكَ، فقال: «وَيْحَكُمْ إنَّمَا أبْكِي لِما فَقَدَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ، وعِلْمِهِ، وفَضْلِهِ، وسَوَابِقِهِ، وخَيْرِهِ» (1).
(1) انظر «البِدَايَةَ والنِّهَايَةَ» لابنِ كَثِيْرٍ (11/ 129).
==================ابحث في الكتاب:
اضغط للبحث عن الكلمة داخل الكتاب تحميل الكتاب الأولى السابقة التالية الأخيرة
خُلاصَةُ ما جَاءَ في صِفِّيْنَ
أوَّلاً: أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لم يُقَاتِلْ أو يُنَازِعْ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ على خِلافَةٍ، أو أفْضَلِيَّةٍ قَطُّ.
ثانيًا: أنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لم يُعْطِ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ البَيْعَةَ حتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو يُسَلِّمَهُم إلَيْهِ.
ثالثًا: أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لم يُقْدِمْ على القِتَالِ حَتَّى أمْهَلَ مُعَاوِيَةَ عَسَاهُ يَرْضَي بِتَقْدِيْمِ البَيْعَةِ أوَّلاً على أخْذِ الحَدِّ منَ القَتَلَةِ.
رَابِعًا: أنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اجْتَهَدَ في تَأْخِيْرِ البَيْعَةِ، وتَقْدِيْمِ أخْذِ القَصَاصِ مِنَ القَتَلَةِ ولِلْمُجْتَهِدِ أجْرُهُ، وحَسْبُنَا أنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ، مَعَ ما عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، وبَذْلِ وُسْعٍ فِيْمَا أقْدَمَ عَلَيْهِ.
خَامِسًا: أنَّ ما قِيْلَ في شَأنِ التَّحْكِيْمِ بِأنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ مَكَرَ بأبي مُوْسَى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، كُلُّهُ كَذِبٌ وإفْكٌ شَرْعًا وعَقْلاً، وَهُوَ مِنْ دَسَائِسِ الشِّيعَةِ الكَذَبَةِ، وغَفْلَةِ القَصَّاصِيْنَ!===============الفَصْلُ الثَّاني عَدَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ حَضَرُوا الفِتْنَةَ
أمَّا عَدَدُ الصَّحَابَةِ الذِيْنَ حَضَرُوا أيَّامَ الفِتْنَةِ (الجَمَلِ وصِفَّيْنَ) فَهُوَ قَلِيْلٌ جِدًّا، لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزُوْنَ الثَّلاثِيْنَ قَطْعًا، وهم أيْضًا مَعَ حُضُورِهِم هذا لم يُقَاتِلْ مِنْهُم أحَدٌ ابْتِدَاءً، أمَّا أكَابِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيْعِ فَلَمْ يَدْخُلُوا في فِتْنَةٍ قَطُّ (1)!
وعَلى هَذَا؛ نَدْفَعُ كَثِيْرًا ممَّا هو مَوْجُوْدٌ في كُتُبِ التَّارِيْخِ المُعْتمَدِ منها أو المُنْتَقَدِ، أو ممَّا يَتَنَاقَلُهُ النَّاسُ على ألْسِنَتِهِم، أو في مَجَالِسِهِم: أنَّ القِتَالَ كان بَيْنَ جُمْهُوْرِ الصَّحَابَةِ!
* * *
(1) مِنَ المُقَرَّرِ عِنْدَ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعَةِ: أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم لَمْ يَدْخُلْ ===================نَعَمْ؛ إنَّ أيَّامَ الفِتْنَةِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ إذا أُطْلِقَتْ لا تَنْصَرِفُ إلاَّ لِلْصَّحَابَةِ،
إلاَّ أنَّ هذِهِ النِّسْبَةَ إليْهِم خَرَجَتْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ المَعَارِكِ باسْمِ أُمَرَائِها وأشْرَافِهَا ... والصَّحَابَةُ وقْتَئِذٍ هُم أُمَرَاءُ النَّاسِ وأفَاضِلُهُم!
* * *
وقَدْ ذَكَرَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ في كِتَابِهِ العُجَابِ العُبَابِ (مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَبَوِيَّةِ) (1)
بَعْضَ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ التي تَزِيْدُ المُسْلِمَ يَقِيْنًا على أنَّ أصَحَابَ رَسُوْلِ اللهِ (كَانُوا على السَّلامَةِ والمُسَالَمَةِ حَيَاةً ومَمَاتًا: «قال عَبْدُ اللهِ بنُ أحْمَدَ حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ (يَعْنِي ابنَ عُلَيَّةَ)، حَدَثَّنَا
(1) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (6/ 236 - 237)، و «البِدَايَةُ والنِّهَايَةُ» لابنِ كَثِيْرٍ (10/ 474).
* أمَّا «مِنْهَاجُ السُّنةِ النَّبوِيَّةِ» فهُوَ بِحَاجَةٍ إلى تَقْرِيْبٍ لطُلابِ العِلْمِ تَقْرِيبًا عِلْمِيًّا وتِهْذِيْبًا مُحَرَّرًا مَعَ فَهَارِسَ دَقِيْقَةٍ لمِسَائِلِهِ وفَوَائِدِه، كُلُّ هَذا لأنَّ الكِتَابَ بِحَجْمِه هَذا أضْحَى للأسَفِ في زَمانِنا (حِجْرًا مَحْجُورًا) على طُلابِ العِلْمِ المُعْتَنِيْنَ بالعَقِيْدَةِ، فالكِتَابُ يَضُمُّ بَيْنَ دَفَّتَيْهِ أصُوْلاً وفُرُوعًا، وفَوَائِدَ وفَرَائدَ. تَحْتَاجُ إلى تَقْرِيْبٍ وتَرْتِيْبٍ؛ لاسِيَّما أنَّ أكْثَرَ مَسَائِلِه لَهَا تَعَلُّقٌ بالشِّيْعَةِ الَّذِيْنَ يَزْدَادُوْنَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيْلُ!===============أيُّوْبُ السِّخْتِيَانيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيْرِيْنَ قال: «هَاجَتِ الفِتْنَةُ وأصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَشَرَةَ آلافٍ، فَمَا حَضَرَهَا مِنْهُم مائَةٌ؛ بَلْ لم يَبْلُغُوا ثَلاثِيْنَ».
وهَذَا الإسْنَادُ قال عَنْهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: «مِنْ أصَحِّ الأسَانِيْدِ على وَجْهِ الأرْضِ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيْرِيْنَ مِنْ أوْرَعِ النَّاسِ، ومَرَاسِيْلُهُ مِنْ أصَحِّ المَرَاسِيْلِ!».
وقَالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لم يَشْهَدِ الجَمَلَ مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - غَيْرُ عَلِيٍّ، وعَمَّارٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، فإنْ جَاءُوا بِخَامِسٍ فأنَا كَذَّابٌ». وقَدْ رَوَى ابنُ بَطَّةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ قال: «أما إنَّ رِجَالاً مِنْ أهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوْتَهُم بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا إلاَّ إلى قُبُوْرِهِم».
قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: «وأمَّا الصَّحَابَةُ فَجُمْهُورُهُم، وجُمْهُوْرُ أفاضِلِهِم ما دَخَلُوا في فِتْنَةٍ» (1).
فالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ
(1) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (6/ 236)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق